الخميس07312014

آخر تحديث: الخميس, 31 تموز 2014 1pm

Font Size

Menu Style

Cpanel
Back الصفحة الرئیسیة

المقالات

أنواع الجزاء

أنواع الجزاء
للجزاء أنواع نذكر منها ما يلي:
1 ـ الجزاء الأخلاقي أو الوجداني، والمراد به شعور الفاعل بالغبطة والارتياح لفعل ما يعتقده خيراً وصلاحاً، وبالحسرة والكآبة لفعل ما يعتقده شراً وفساداً، وبديهي أن هذا الشعور يختص بالذين يتميزون بالنبل والإنسانية، ويحبون الخير وأهله لوجه الخير، وينتكرون للشر وفاعله لأنه شر، أما الذين لا يفرقون بين حلال وحرام، ولا وزن عندهم إلا لما يدخل في جيوبهم وبطونهم ـ فيسخرون من الضمير ووحيه، ويسمون من يتحدث عنه أو باسمه، خرافياً ورجعياً.
وقال هؤلاء: ان الشعور بالتأنيب على الذنب قد يحدث، ولكنه لم ينبع من داخل المذنب واعماقه، بل تسرب اليه من محيطه وبيئته وثقافته وتربيته.
ونحن لا نشك في أن للمحيط والتربية أثرهما الملموس، ومع ذلك نؤمن بالحياة الشعورية المستقلة ووجود الذات الغيرية التي تُؤْثر غيرها على نفسها، والذات اللا أخلاقية الأنانية، وانهما طبيعة ومزاج تماماً كالخبث والنبل، والجبن والشجاعة، والبلادة والذكاء، والعجلة والأناة، والحلم والنزق، وقوة الإرادة وضعفها، والجمود والأريحية.. إلى ذلك من اشكال بني آدم وبنات حواء، قال سبحانه: (قل كلّ يعمل على شاكلته) (84 ـ الإسراء) وقال نبيه الأكرم: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة.. تخيروا لنُطّفكم)).
ونشرت مجلة عالم الفكر الكويتية في العدد 3 من المجلد 5 مقالاً قيماً وشيقاً، بعنوان الجريمة والمجرم، جاء فيه: ((اندفع أطباء أوربا يبحثون عن نموذج الإنسان المجرم، وفحصوا كل جزء من اجزاء الجسم، وقوة السمع والشم والأبصار... وقدرة المجرم العقلية والنفسية والمزاجية... وطلعوا بعشرات الفرضيات، وكانت جميعها تقف على أرضية واحدة هي أن المجرم يتميز بصفات عن سواه)).
وبعد صفحات من هذا المقطع قال الكاتب: ظن كثيرون أن للوراثة علاقة بالسلوك الإجرامي.. وقالوا: حين يكون أحد التوأمين مجرماً لا بد أن يكون التوأم الآخر كذلك، ولكن سرعان ما ظهر ضعف قيمة دراساتهم من الناحية العلمية.
وبعد، فقد انتهينا من هذه الأقوال وغيرها في الجريمة والمجرم ومن المشاهدات الحسية، إلى أن المجرمين على أنواع: منهم مجرم عدواني شرير بذاته وجبلته، ومنهم محترف قد اتخذ الجريمة مهنة وصنعة، وثالث لا ذا ولا ذاك، بل تأثر بالظروف والحاجة الملحة. والأول لا أمل في اصلاحه إلا بمعجزة، والثاني ربما ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ودواء الثالث عمل يسد به حاجته، وينتهي كل شيء.
وعلى كل حال فان جزاء الضمير لا يصلح كمبدأ عام وقاعدة كلية ما دام هناك من يحيا بغير ضمير، يضاف إلى ذلك أن الضمير سلطان بلا عدة.
2 ـ الجزاء القانوني والقانون (مجموعة من القواعد العامة الملزمة تنظم سلوك الأفراد في المجتمع) وهو يعاقب المسيء، ولا يثيب المحسن لأنه يستهدف الردع والتحذير من ارتكاب الجرائم.. هذا إلى أن القانون لا ينص على عقوبة الكذب والنفاق والغيبة وعقوق الوالدين وينص صراحة على أنه لا عقوبة بلا نص، وهذا تعبير ثان عن قولنا نحن الأصوليين: لا عقاب بلا بيان.. وبعض القوانين تحمي الزنا واللواط والمتضاجعين علناً في الحدائق العامة ـ باسم حرية الإنسانية وتصرفاته، وفي نفس الوقت تحمي أقطاب التفرقة العنصرية وابطالها والأفراد الذين يستغلون الجماعة وينهبون أقوات الشعوب وثرواتها، تحمي هؤلاء وتعاقب من يسير بسيارته أكثر من السرعة المسموح بها، أو يضيء نورها المبهر الذي يغلب البصر وإن لم يُلحق ضرراً بأحد!.
ومن القواعد الأساسية في القانون أنه يُطبق على جميع الأفراد دون استثناء بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، ولا يُعذر أحد بجهله، والمبرر لذلك أولا استقرار القانون واطراده من غير توقف على بحث العروض الطارئة على الأفراد الذين لم يتوفر لهم العلم بالقانون. ثانياً ان العلم بالقانون بعد نشره سهل يسير على كل طالب وراغب.
ويتفق هذا مع الفقه الإسلامي في الأحكام الوضعية بالخصوص كعدم صحة البيع والطلاق إذا لم تتوافر فيهما الشروط المقررة، فقد أفتى الفقهاء المسلمون بالفساد في هذه الحال حتى ولو كان الجهل عن قصور لا عن تقصير.
3 ـ الجزاء الاجتماعي، والمراد به هنا حب الناس وولاؤهم وتقديرهم واحترامهم لمن يعمل لخدمة الإنسانية جمعاء أو لخدمة بلده وأبناء وطنه، أما من أساء وخادع وراوغ فجزاؤه عندهم السخط والمقت والازدراء والاحتقار، وقد يتحول السخط إلى ثورة دامية. وكل رئيس وزعيم لا يثق بنفسه يظهر أمام الناس بمظهر زائف ومخالف لحقيقته وواقعه، وأهل الحاجات بدورهم يظهرون أمامه بمظهر زائف ومخالف، فيصفقون له ويهتفون كذباً ورياء. وليس هذا حباً واحتراماً كي يسمى جزاء وثواباً، بل ضلالا واحتيالا، قال فيلسوف صيني: كلما زاد عدد المصفقين والهاتفين زاد عدد الدجالين والمنافقين.
والإسلام لا يقبل للفاسق شهادة، ولا يأتمنه على أي عمل وشأن من شئون المسلمين، وأسقطه عن الاعتبار إذا أعلن الفسق وجهر به حيث أباح الإسلام غيبته والتشهير به، قال الإمام الصادق: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة. وقال رسول الله(ص): إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم. وقال الإمام الصادق(ع): ((لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم، فتصيروا كواحد منهم)) ومصدر هذا القول الآية 140 من النساء التي جاء فيها (انكم إذن مثلهم) ومعنى هذا أن الساكت على أية جريمة شريك فيها، وفي نهج البلاغة: الوفاء لأهل الغدر غدر، والغدر بأهل الغدر وفاء. وفي كتب الحديث: العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء.
4 ـ الجزاء الألهي، وهو الأصل والأساس، وما عداه ظل زائل تماماً كوجبة من طعام إن كان ثواباً، أو كضربة أو كلمة مؤلمة إن يك عقاباً، أما ثواب الله غداً فباق ببقائه، وقد أخبر سبحانه عن عذابه بقوله: (وان عذابي هو العذاب الأليم) (50 ـ الحجر)  وبالحكمة والعدالة الإلهية والفطرة الصافية النقية اكتشفنا الجزاء الإلهي، وبلسان هذه الفطرة نطق افلاطون حين قال: ((لو لم يكن لنا معاد نرجو فيه الخيرات لكانت الدنيا فرصة الأشرار، وكان القرد أفضل من الإنسان)).
وأكد سبحانه هذا المعنى الذي يختلج في كل قلب وإن ذهلت عنه بعض النفوس، وكرره في العديد من آياته، منها: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (8 ـ الزلزلة).. (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (60 الرحمن).. وجزاء سيئة سيئة مثلها ـ 40 الشورى). وليس من شك أن العقاب على المعصية حق وعدل، ولكن هل الثواب من الله سبحانه على الطاعة استحقاق أو فضل؟. ويأتي الجواب في فقرة خاصة.

الجنة قاع صفصف
ومن المفيد أن نشير ـ هنا ـ إلى أن كل الآيات والروايات أو جلها التي ورد في يوم الحساب والجزاء ـ تربط الأرض بالسماء والدنيا بالآخرة، ويومىء هذا الربط والالتحام إلى أن الآخرة أقرب إلى الشهادة منها إلى عالم الغيب، وأن من يتطلع إلى خيرها ونعيمها فعليه أن يعمل عملاً صالحاً ينتفع به الناس. واليك أمثلة من هذه الآيات والروايات:
قرأت في كتاب مرآه الآخرة لمحسن الفيض المطبوع مع كتابه علم اليقين: أن النبي(ص) قال: ((الجنة قاع صفصف فاكثروا من غراس الجنة)) ومثله في سفينة البحار مادة غرس ((ليلة أسري بي قال لي إبراهيم(ع): مر أمتك أن يكثروا من غرس الجنة، فان أرضها واسعة، وتربتها طيبة)). وإذا عطفنا أحد الحديثين على الآخر وجمعناهما في كلام واحد يكون مفادهما ومؤداهما أن الغرس الطيب في أرض خبيثة أو الغرس الخبيث في أرض طيبة لا ينمو ولا يثمر، وأنه إذا أردنا أشجاراً ناضرة وثماراً يانعة فلا بد من الطيبة والجُودة في كل منهما، وأرض الجنة جيدة طيبة، وتتسع إلى ما لا نهاية له من الغرس والبذر، ولكن غرسها لا يكون ولن يكون إلا الحسنات وفعل الخيرات في الحياة الدنيا، فمن أرادها بهذا الشرط والثمن فله منها بمقدار ما يغرس ويبذر، وهي تطلبه على هذا الأساس قبل أن يطلبها، وكل ما قلناه وما جاء في هذا الباب أشار اليه الإمام أمير المؤمنين(ع) بقوله: ((العمل الصالح حرث الآخرة)).
والآية 147 من الأعراف: (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) فقد دلت بظاهرها على أن العمل في العاجلة ليس سبباً للجزاء في الآجلة حيث لم يقل سبحانه بما كانوا يعملون بل قال (ما كانوا
يعملون) ومعنى هذ أن العمل هو بشخصه جزاء العامل، ولكنه يتحول غداً إلى صورة ثانية تماماً كالنواة تصير شجرة، والحبة نبتة، والنطفة إنساناً. مثلاً ـ إذا احتكر الناس الأموال واكتنزوها ولم ينفقوها في سبيل الله تتحول إلى جمرات ونيران (فتكوى بها جبابهم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (35 ـ التوبة).
ولا شيء أصرح في الدلالة على هذه الحقيقة من قوله تعالى: (هذا ما كنزتم ولم يقل بما كنزتم). وإذا أنفق الناس أموالهم في سبيل الله تحولت إلى حدائق وقصور ونمارق وحور.. وتجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها وأكملها لامرأة فرعون وهي في الحياة الدنيا حيث قدمت نفسها ثمناً لبيت في الجنة يقيها عذاب الحميم، وقالت مع النفس الأخير: (رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ـ (التحريم). ودخل رجل بيت أبي ذر، فلم يجد فيه شيئاً، فقال: يا ابا ذر أين متاعكم؟. قال له: لنا بيت نوجه اليه متاعنا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى انما يأكلون في بطونهم ناراً) (10 ـ النساء).. وأحاطت به خطيئته ـ 81 البقرة ـ (من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) (72 ـ الإسراء).. (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (89 ـ الشعراء). وقال رسول الله(ص): المرء مع من أحب، ولو أن أحدكم أحب حجراً لحشر معه. وفي حديث آخر: ((لا بد من قرين حي يدفن مع الميت وهو عمله)).
أبعد هذه الشواهد والدلائل على التلاحم والتكامل بين الدنيا والآخرة يقول قائل: الجزاء غداً غيب في غيب؟ ولنفترض أن هذا الجزاء غيب، فأين مكان الشر فيه والعيب؟ أفي النهوض بالإنسان
إلى الجهاد والعمل لخير الإنسانية ومصلحتها، أو بالتشجيع والتكريم لكل ذي عقل سليم وقلب رحيم؟ وكيف عمي الجاحدون عن هذا الجانب الايجابي العملي وهم الدعاة إلى كل جديد ومفيد كما يزعمون؟ وأخيراً هل سكروا من غير شراب أو أصابهم سكر (الأفيون).
وفي ظني أن هؤلاء الجاحدين لجزاء الآخرة، لو أدركوه كما هو في القرآن ودين الإسلام لتراجعوا وسبقوا كل الناس إلى الدعوة والدعاية للإيمان به، ولو من وجهة إنسانية لأن هذا الإيمام من أقوى البواعث على تهذيب السلوك والإستقامة على طريق الحق والعدل، ومقاومة الفساد والضلال.
هذا فيما يعود إلى جزائه تعالى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أما جزاؤه في حياتنا هذه فما هو بأصل وقانون كما هي الحال في الآجلة، ولذا قال الإمام أمير المؤمنين(ع): ((اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)) إلا ما يقصد به الوقاية والحماية لمصالح الأفراد والجماعة قال سبحانه: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون) (179 ـ البقرة).. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (251 ـ البقرة). وفي كتب الفقه الإسلامي عرض مفصل للحدود وما يتبعها من التعزيز، وللقصاص والديات وأسباب التعويض والضمان، وطريق العلم بهذه الكتب ممهد لمن أراد.
وقد يكافئ الله سبحانه في الحياة الدنيا على الصدقة، بدفع الضراء والبلاء، وعلى الاخلاص بالتوفيق والهداية إلى سبيل النجاح، وعلى تكذيب الأنبياء بالعواصف والقواصف كما فعل من قبل بقوم نوح وعاد وثمود.. ولكن لا ضباط ومقياس لذلك في علمنا نحن، ولله في خلقه أسرار وشئون، وما علينا أن نبحث عنها ونتكلفها.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

البيان في حوادث آخر الزمان

المقدمة
أخبرنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في أحاديثه عن أشياء تأتي بعده من حين وفاته حتّى انقضاء العالم وقيام الساعة ، جاءت بها الأخبار، ودوّنها حَمَلَة العلم وحفّاظ الآثار في أسفارهم ، حيث ستقف على شطر منها. المزيد ...