طباعة

النداء المهيب

الشيخ عبدالمجيد فرج الله
وغامت عيونك بالاحتضار
وهذي المدينة
مذبوحة الشهقات
مبدّدة الحسرات
على نغم الوجع المستريح على رئتيك
كأنّ الزمان المعفّر بالانطفاء
المكبّل بالاحتباء
إلى بركة الوحل
يفترش الانكسار !
وحين يمرُّ على أنهر الرمش
ـ حيث تغطُّ سفائن أحداقنا باختناق الغرق ـ
نداؤك... يحضن آهته الهامسه
معلّقةً بنتوآت باب يشمّ فحيح اللظى
فينغرس الصدأُ المرُّ
يحمل كلّ نكوص الخطى اليابسه
وكلَّ تداعي الوجوه الخريفية العابسه
ويسكن بين الضلوع
جداراً
تحطّمه مهجةٌ تستحمُّ بوهج الألق
فيطغى الجوى الأبديُّ
لكلّ البراءاتِ.. كل المسافاتِ
وهي تتوقُ لنبضٍ نقيِّ الرفيف
يتوّج بالنور وجهَ النهارْ
وكانَ...
وكان المدى هائماً
والسماءُ الوليدةُ تائهةً
ما لها من قرارْ
وخلف خطاها الشرايين
ممتدّة إلى لألأ النور من جبهة العرشِ
وهو يبوحُ بسرًّ
يوزّعه الله حول مدى الكونِ
لا يحتويه ـ سواكِ ـ مدارْ
نداؤك
هذا الضعيف المحاصَرُ بالاختطافْ
يجيء إليَّ... إليَّ
فيخترق الغبَشَ اللهبيّ على معبر الحدق الغارقهْ
يُطاردُ كلَّ ذهوليَ
كلّ احتراقيَ
كلّ احتمالات صحوي المُعافْ
فأصرُخُ في السرِّ
حين توكّرُ آهتُك المستباةُ على شجني
ووجهي المرمَّلُ بالإندثارْ
يفزّ على نبرةٍ باسقة
تطوّقها الريحُ مجنونةً باللهيبْ
وبالصخب الجاهليّ المتاجر بالنبضِ
في لُمّةٍ من فضاءٍ غريبْ
فاُهرعُ ـ كالطفل يفقِدُ كلّ مرافي الأمان
اُطوِّفُ في جنبات الصباح الكسير
فتُمطرني الشمسُ أدمعَها الباهته
ويُعولُ خلفي الربيع المصفّدُ
والوردُ يهربُ..
والحدقات البريئةُ توغِلُ في البحر
يلتئمُ الاُفقُ بالرمد الأسود المُستعارْ
فاُغلق بابي
وركلُ اللُّهاث على ظهري المتبدّدِ في الوحل
يتبعُني
يستطيل يداً
تنتقي أوجهاً من عذابي
تبوّأت عند انهمار المواجع
هالة روحِك... وهي تشُدُّ الرحالْ
وبين يديها
تدُقُّ عنانَ السماء أصابع عُشبٍ يبيسْ
وحين توحّمت الأرضُ
كانت عصافيرُك الحائمات على شهقة البحرِ
تملأُ بالشدوِ والشجوِ سمعَ الترابْ
وتبحثُ بين أزيز الرمالْ
عن الوردِ...
أين أضاع خطاه ؟
وأسلم للصمت دفءَ شذاه ؟
وراح إلى ضفةٍ لن تُنالْ !
يصير دوائرَ محمومةَ الاستعارْ
فتجفل منها الذئابْ
وترتدُّ أصداؤها كطنين الذبابْ
ولكن
تظلُّ العصافيرُ مشدوهةً بالأغاريد والابتهالْ
ولمّا استطال سكونُكِ ذاك المهيبْ
ولم تقتحمْهُ دموعُ ( الحسين )
وآهةُ ( زينبَ )
أو حشرجاتُ نشيجِ ( الحسن )
تلوّتْ عصافيرك البيضُ والخضرُ
تنسُلُ ـ باكيةً ـ ريشَها بالرمادْ
ومن يومها
حين مالت يدُ الشمس وهي تُسلّم عند الغروبْ
على كلّ وجه أضاع الدروبْ
رأى الاُفقُ
كيف يشِبُّ الجنون بأعين كلّ الخطاطيفِ
والدمعُ يهطِلُ متّشحاً بالسوادْ !
أنا ـ الآنَ ـ اُهرَعُ خلف الخطاطيفِ
أنضحُ أدمعها بالعويلْ
أشمُّ احتراقَ دمِ ( الحسنين ) و( زينبَ )
وهو يُعاني مخاضَ الدموعْ
فتنزِلُ ناسيةً لونها الأحمر المتلثّم بالنارِ...
تبعد عني الخطاطيفُ
نحو مدىً يتلاشى...
تظلُّ تحومُ... تحومْ
تتابعُ تهويمَها في عيونِ النجومْ