في رحاب : علم الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) بالغيب

مقدّمة:
خُلق الإنسان من مادة وروح ولكلّ منهما تأثير في الآخر ، وقد أثبتت الأبحاث في علم الطب بأنّ كثيراً من الأمراض لا سيّما القرحة والسكري والتي تسمّى بأمراض الجهد ترجع الى منشأ نفسي ; لذا لا تعالج هذه الأمراض مثل: الكآبة وانفصام الشخصية بمعاطاة الأقراص الكيميائية أو غيرها، وإنّما يعالج أكثرها وفي أغلب الأحيان بالطرق والعلاجات النفسية .
ونتيجة لتواصل الأبحاث العلمية في هذا الميدان ومحاولات الكشف عن نسبة التأثير المتبادل والمتداخل أحياناً بين عالمي الإنسان المادي والروحي فقد أسّسوا لهذا الحقل علماً باسم «Caracterolohgie» علم الطباع، وكانت الغاية منه توجيه قوى الإنسان والمجتمع نحو الغايات الاصلاحية وتهذيب علاقاته مع الآخرين ومع نفسه بعد الفراغ من معرفة إمكاناته وطاقاته النفسية لأجل أن لا يحمل بما لا يطاق، ويتم التهذيب لتلك الإمكانات والقابليات بالطريق نفسه، ليتسنى بعد ذلك توجيه الإنسان وتربيته الى ما يصلحه وتحذيره من إرتكاب ما لا يصلحه، هذا من جهة.
أما من جهة اُخرى نلاحظ أن للإنسان علاقة تأثر وتأثير بالغيب المستقبلي، وقل حتى بالكشف عن أغوار الماضي السحيق كالتي تحدّث عنها القرآن الكريم للرسول(صلى الله عليه وآله) كزاد يمدّه في عملية الاصلاح، مثل قصص بني إسرائيل مع موسى(عليه السلام) ومؤامرات اليهود ومواقفهم مع الأنبياء(عليهم السلام)وما لاقاه النبي عيسى(عليه السلام) ، ثم ما تعرّض إليه النبي يوسف(عليه السلام) ، حيث يختلف القصص القرآني في كشفه للماضي عن غيره من الروايات التي يتناقلها اليهود وماهو موجود في الكتب السماوية المحرفة. قال تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر انّ العاقبة للمتقين)[1].
فالإنسان وهو يسعى لبناء مجتمع التوحيد يجد نفسه بحاجة الى معرفة ما سيكون منها مثلاً صورة نهاية العالم، بغية أن تكون حركته الحاضرة هادفة ومنسجمة مع ما يصبو إليه، وحين ينطلق يكون قد اعتمد على اُسس متينة ومقدمات صحيحة، لا على أساس الوهم والخيال أو التزوير والتحريف .
ومن جهة ثالثة: إنّ الحديث عن الغيب أو ما كان وسيكون لم يكن حديثاً ترفياً لا علاقة له بالواقع، وإنّما نجده ضارب في أعماق التاريخ، وتعامل معه الإنسان بصور مختلفة، بل هو همّ إنساني مشترك لا تخلو طائفة دينية أو غيرها إلاّ وتناولته بطريقتها الخاصة ولم ينكره بالمرة إلاّ من شذّ عن الطباع أو مَنْ له غرضٌ سياسي مشبوه.
فرغم مادية العالم الغربي واقصائه للمنطق الإلهي ، إلاّ أن تراثه قد تعاطى هذا الحقل، فنبوءات نوستراداموس (1530 ـ 1556) نموذج متميز لهذا الميدان فقد تحدث هذا الرجل عن أحداث ونبوءات مستقبلية تبدأ بزمانه حتى نهاية العالم، وما دوّنه منها في كتاب خاص له بدأ من القرن السادس عشر الميلادي حتى نهاية القرن العشرين ، ولأسباب عديدة حظيت هذه النبوءات بشهرة كبيرة في جميع العالم الغربي ، حيث وصل عدد طبعات هذا الكتاب الى ما يقارب الستة وعشرين طبعة باضافة أربع طبعات مزوّرة بين عامي (1555 ـ 1643) .
لقد تحقق ما كان ينبئ به نوستراداموس بالدقة سواء منها الأحداث ذات الطابع الفردي أو الجماعي، كما قصّت نبوءاته أحداثاً تاريخية وسياسية وفكرية وعلمية وتكنولوجية وجغرافية، كصنع الأسلحة الحديثة واكتشاف القنبلة الذرية واستخدام الفضاء للحروب وغيرها، بل تحدث بشكل تفصيلي عن مؤامرات واغتيالات وثورات لا يمكن أن تخطر على ذهن أحد عاش في زمنه كاندلاع الثورة الفرنسية، والاحتلال الفرنسي لبريته (1601) وحصار باريس ومعركة واژلو 18 حزيران 1815 ووفاة هنري الثاني عشر من تموز 1559 ووفاة السلطان سليم الثالث (1807 / 1808) وفتوحات نابليون[2].
ولهذا كثر الشراح لهذه التنبّؤءات وكثر الاهتمام بها من القادة الكبار الذين حكموا العالم في فترة نبوءاته ، بل روّجوا لها ووظّفوها كدعاية نفسية لهم.
ولذا عندما نشبت الحرب العالمية الثانية وبلغت ذروتها وامتدت الى الأجهزة الدعائية بين المخابرات البريطانية والألمانية وظّفت رباعيات نوستراداموس كأحد أساليب الدعاية والدعاية المضادة ، فقد ألقى طياروا الحلفاء على المانيا رباعيات نوستراداموس المزوّرة لما تمتلكه من بأس في نفوس العسكر.
وهذا الاُسلوب قد أقرّته الرسالة الإسلامية مع الاختلاف في المنطلق والغاية، حيث كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما يتوجه بغزواته نحو المشركين يعد المسلمين بالنصر الإلهي، الأمر الذي كان يتعامل معه المجاهد الإسلامي بثقة مطلقة، وقد عضد ذلك القرآن الكريم حيث وعد هو الآخر بحتمية النصر في بعض الوقائع والأحداث ; قال تعالى : (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام)[3] ويأتي التراث الإسلامي بأبوابه الغيبية والكلام عن أخبار آخر الزمان ودولة الإمام المهدي المنتظر ليصب في نفس الاتجاه.
ولم يقتصر الحديث عن الغيبيات في عالم الاجتماع والعسكر ، بل امتدّ الى مصائر الأفراد ، فهذا نوستراداموس يحدثنا بأبعد من ذلك فتراه يخبر حتى بآجال الحيوانات، فأراد أحد أصدقائه أن يختبر موهبة نوستراداموس الغيبية فسأله عن مصير خنزيرين رضيعين موجودين في فناء منزل الصديق، فأجاب نوستراداموس بأن (السينيور) الصديق سيأكل الخنزير الأسود وسيأكل الأبيض ذئب، وفي حالة توجّه السينيور الصديق الى طبّاخه وأمره أن يذبح الخنزير الأبيض ويقدّمه عشاء في تلك الليلة، وهذا ما حدث، ولسوء الحظ، فقد سرق اللحم جرو ذئب مدجّن يعود لرجل السينيور، فقام الطبّاخ المذعور بذبح الخنزير الأسود وتقديمه على العشاء ، وعلى المائدة أخبر الصديق نوستراداموس بأ نّهما كان يأكلان الخنزير الأبيض في تلك الليلة. وحينما أصرّ نوستراداموس على أنّه إنّما كان الخنزير الأسود، أرسل في طلب الطبّاخ الذي اعترف بما جرى بالتفصيل[4].
وفي تراثنا الإسلامي إخبارات عن حوادث غيبية من هذا النوع ذات دلالات تأريخية وعقائدية. قال النبي(صلى الله عليه وآله) مخاطباً عمار : «يا عمّار تقتلك الفئة الباغية»[5]. وغيرها من الإخبارات في هذا الاتّجاه.
وما يدهش القارئ من الإخبارات والخوارق الغيبية التي تتحدث عنها كتب تراثنا الإسلامي غير الإمامي، جاء في كتاب كرامات الأولياء من أن أبا مدين كان يخطر له الخاطر فيجد مرقوماً في نحو ثوبه الأمر به أو النهي عنه[6].
وجاء في الكتاب المذكور أيضاً: أنّ منهم من يكشف عن عالم الحسّ للغائب عنه فلا تحجبه الجدران ولا الظلمات عما يفعله الخلق في قعر بيوتهم[7]، ومنهم إذا دخل عليه رجل وكان قد زنى أو سكر أو سرق أو شتم أو مشى الى معصية أو ظلم مثلاً يرى ذلك في العضو الذي خرج منه العمل مخططاً بسواد[8].
نعم، كل هذا ممكن وحصلت له مطابقته في الخارج، ولكن إذا نقل أتباع مدرسة أهل البيت أخباراً عن الإمام علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين(عليهم السلام)تتكلم عن إخبارات غيبية تلقوها عن النبي(صلى الله عليه وآله) ، عن الله سبحانه وتعالى أو بالهام منه نعتوا بالغُلاة.
لنعود الى حديث الغيب في التراث غير الإسلامي، فالتلمود اليهودي المملوء بالوعود المستقبلية ذات الصبغة الدينية يتحدث «لما يأتي المسيح سوف تخضع له كل الاُمم ، ولذلك يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع امتلاك باقي الاُمم في الأرض ، لأن لليهود السلطة أينما حلّوا، ولكن سيستمر ضرب الذلّ والمسكنة على بني اسرائيل حتى ينتهي حكم الأجانب ، وقبل أن يحكم اليهود في الاُمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق ويهلك بعدها ثلثا العالم، وسوف تكون الاُمة اليهودية حينذاك في غاية من الثراء ، لأنّها سوف تملك كل أموال العالم[9].
الجدير بالذكر أن قيمة المستقبل الديني يتحقق بمقدماته القصيرة التي تعتمد الارتباط بالغيب المطلق لله سبحانه، جاء في المزامير: إذا اجتزت المياه فأنا معك في الأنهار فلا تغمرك وإذا مشيت في النار فلا تحرقك[10].
وقالوا: إنّ الثقة في الله تلك التي يجب أن يظهرها دائماً الرجل التقي يمكن التعبير عنها بأنه حتى في العواصف عتواً فلن يشك في قدرة الله وحتمية انقاذه[11].
وهذا الربط بين الإخبار بالحوادث المستقبلية وبين العلاقة بالله قد أشار إليه نوستراداموس أيضاً ، إذ قال لولده: يا ولدي فإنّك تستطيع أن تدرك رغم عقلك الصغير أن الأحداث يمكن أن يتنبأ بها الإنسان عن طريق حركة الكواكب وموهبة التنبؤ ، وأنا لا أدّعي ما ليس فيَّ لكنني أؤكد أن الإلهام يكشف أشياء كثيرة للإنسان التقي القريب من الله[12].
وهكذا تحدث صاحب كتاب «أي جنك» من الصينيين حيث قدم إجابات محددة عن الغيب حين يسأل، إلاّ أنه من جهة اشترط القرب من الله سبحانه لمن يخوض في هذا الميدان[13].
وبنفس الإتجاه أكد صاحب كرامات الأولياء ، حيث قال: ومنهم ـ من الأولياء ـ من يرزق مقام الفهم على الله تعالى، وصحة السمع لآياته، فيسمع نطق الجمادات على مراتب نطقها في العوائد وخرقها[14].
ومنهم من يكشف له سريان عالم الحياة في الأحياء، وما يعطى من الأسرار في كلّ ذات بحسب استعداد الذوات، وكيف تتدرج العبادات في هذا السريان.
ومنهم من يكشف له مراتب العلوم النظرية والأفكار السليمة فهم المغاليط التي تطرأ على الأفهام[15].
والتزم خط أهل البيت(عليهم السلام) في التعامل مع مفهوم علم الغيب عند الإمام وفق التصور القرآني وما أكده النبي(صلى الله عليه وآله).
لكننا ما ندري بحجة المنكرين علم الغيب عند الأئمة(عليهم السلام)واتهام أتباع مدرستهم بالغلاة رغم اصرار تلك المدرسة والتزامها بخط الرسول، وأنّ أئمتهم يعلمون كما يعلم الرسول ليس إلاّ وهو العلم الممنوح منه جلّ وعلا اسمه.
فتحصّل من هذا التقديم اُمور: إن الإخبارات بالغيب مورد تعاطته الإنسانية عبر العصور وبصور مختلفة. والأمر الآخر: أنّه موضوع قد تمتع بقيمة عملية وتربوية ووظّف لأغراض الصراع بين الحق والباطل. والأمر الثالث: إنّ الحديث عن الغيبيات لا يمكن تجزئته عن الارتباط بالله سبحانه; لذا نجد كبار المتحدثين في هذا الحقل قد اشترطوا فيه التقوى وتجرد الذات وصفاء القلب والقرب من الله سبحانه، مع الاختلاف في طريقة الارتباط.
وبعيداً عن الاستغراق في العرض ورغبة في الاختصار نقول : لا يمكن الدخول في تفصيلات هذا الموضوع ومدى حدوده وفائدته والمقدار الذي تناوله الفكر الإسلامي في هذا الميدان إلاّ بعد الفراغ من الاعتقاد بالعصمة وفق المنظور الإمامي التي تتضمن العلم الحضوري ، وكذا لا يمكن الارتقاء في هذا البحث قبل التسليم من كون الخليفة للرسول، لابد أن يتمتّع بنفس صفات الرسول(صلى الله عليه وآله) من غير الوحي .
إذاً يأتي بحث موضوع العلم بالغيب عند الأئمة برتبة متأخرة عن بحث الإمامة وبحث العصمة، فانطلاقاً من هذا التأسيس، وبعيداً عن الملابسات التي اُحيطت في هذا الموضوع ولغط الجهال والمغرضين، ومناقشة الموضوع بمنهج مادي غريب عن الإسلام وعدم ادراك النتائج العلمية العملاقة التي حققها علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الحقل التي تعجز المقالة أن تلمّ بكامل فلسفته، حاولنا بجهد أن نلمّ بأطرافه ونختصر البعض من مفرداته، فمنهجنا البحث ضمن عدد من الفصول يمهّد السابق منها الى اللاحق.
فقد دار الحديث في الفصل الأوّل حول حاجة الإنسان الى العلاقة مع الغيب مع ضرورة الإحاطة بالعلم الغيبي الممنوح منه سبحانه، لتوقف الدور الإلهي الكامل على الإحاطة بهذا العلم.
أما في الفصل الثاني فقد سلّطنا الضوء على العلاقة بين العصمة والعلم الحضوري الذي يدرك بواسطته المعصوم قوانين الحياة وعللها في عالم الغيب والشهادة على حد سواء.
أما في الفصل الثالث فدار الكلام حول الآيات التي ذكرت علم الغيب في حياة الأنبياء والصالحين، وبعدها تطرقنا للآيات التي تثبت إمكان علم الغيب لغير الله سبحانه ، ثم ذكر الآيات التي أثبتت إعطاء علم الغيب لخاتم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) .
وفي الفصل الرابع تناولنا الاستدلال لعلم الغيب عن طريق علم النفس الفلسفي .
وفي الفصل الخامس ناقشنا الرؤية لعلم الغيب في المنظور غير الإمامي.
وأخيراً الفصل السادس الذي تكفل بعرض لتاريخية المسألة والاتجاهات التفسيرية لها في المنظور الإمامي، وبه تتلخص صياغة المفهوم بشكله النهائي.
الفصل الأوّل
الإنسان وحاجته الى العلاقة مع الغيب
يدعو القرآن الكريم الى تحصيل العلم، حيث تردد ذكر كلمته في سبعمائة آية منه[16]، ولم تكن دعوة القرآن لتحصيل العلم وأهميته جاءت بخطاب خاص ومستثنى لنوع من الناس، بل جاءت الدعوة لطلبه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)[17] عامة لكل الناس، بالإضافة الى توفر وسائل تحصيله واتاحتها للجميع، ولكن أي علم هذا الذي يدعو إليه القرآن؟ بلا شك إنّه العلم الذي فيه مصلحة الإنسان وبه يتحقق البناء والإعمار ، لكنه يحصل بالكسب والجد، لذا اتّصف بالنسبية (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اُوتوا العلم درجات)[18] خلافاً للعلم الحضوري الذي لا يمنح من قبله سبحانه لأحد إلا لمن ارتضى من عباده.
كما لا ينحصر العلم المراد تحصيله بمساحة العالم المشهود، وكذا لا ينحصر بما هو خاضع للكسب عبر الآلة المحسوسة، وإنّما تتسع دائرته لتشمل عالماً آخر ذاك هو عالم الغيب.
القرآن لم يفكك بين العالمين الغيب والشهادة فأعدّ العلم بالغيب وبما وراء المحسوسات علماً ، كما سمى الشخص الذي يحرز على نسبة من العلم بأحدهما أو بكلاهما عالماً .
وبتعبير آخر: إن العلم بالغيب يطلق على العلم بما غاب عن الحواس وبأي طريق حصل، فقد يحصل العلم بالغيب عن طريق البراهين العقلية أو الأدلة النقلية، مثالها العلم بوجود الصانع ووحدته تعالى. كما يطلق العلم بالغيب على من غاب عن الحس والعقل مثالها أحوال البرزخ ويوم القيامة وما يحدث فيه.
وأخيراً ، يطلق العلم بالغيب على العلم الاستقلاي أي بما غاب عن مشاعر الناس جميعاً.
ومن الواضح أن العلم بالغيب من نوعه الأوّل والثاني يمكن أن يحصل عليه الإنسان، أما العلم من نوعه الثالث فلا يمكن الحصول عليه .
والواقع يثبت حصول العلم بنوعيه الأولين لجميع المؤمنين، بل حتى لغيرهم وحصولهما يتم عن طريق الأدلّة العقلية الحسّية، كما أن الإيمان بالغيب يستلزم العلم به.
فالمتقون الذين يؤمنون بالغيب عالمون به، كما أنّهم عالمون ببعض الغيب عن طريق إخبار الله تعالى في كتابه، كغلبة الروم مثلاً قبل أوانها، وكعلمهم بالحوادث الماضية، التي لا تنالها حواسهم مما كشف عنه القرآن الكريم، وقد قال تعالى : (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل[19])[20].
ثم لم يبتغي القرآن من العلم إلاّ العلم المؤدي للمصلحة وبواسطته يحصل اليقين: (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء)[21]ويحرك الى العمل والسلوك : (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)[22]. ولكن هل بمقدور الإنسان أن يحيط بكامل أسرار وخفايا العالمين مطلقاً، وبما صُمما بقانونية متداخلة ذات تأثّر وتأثير فيما بينهما في تشكل الظواهر.
يبقى الإنسان ـ الجماعة أو الفرد ـ محدوداً فلا يقوى على الإحاطة بما حوله وماضيه ومستقبله، ولاتعينه التجارب ولا الأبحاث الى كامل العلل والأسباب التي تتحكم في مصير العالمين ذات المدخلية في حياة البشرية جمعاء، وإن كان ذلك يدخل تحت دائرة الإمكان العقلي كما ذكرنا.
دعوة القرآن تركّز على تبنّي قاعده الإيمان بالغيب والارتباط بالوسائل التي اُسس لها الوحي : (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)[23] وشدّ الإنسان الى تلك القاعدة، لأن حضارة الإنسان لا ترتقي دوماً إلاّ بالعنصر المتعالي عن الأرض أو قل عالم الشهادة، لأن الاندكاك بعالم يتصف بالسفلية انطلاقاً من كونه يكفي نفسه بنفسه مقولة غير صحيحة، لتوقف التاريخ على الإنسان وتوقف الإنسان على التاريخ ، ويبقى الإنسان عند ذلك محجوزاً في نفس التاريخ فيؤدي هذا الى هبوط الحضارة، كما هو ملحوظ في تاريخ الحضارات وانهيارها، ذلك لاعتمادها اُفقاً محدوداً : (ارَم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد* وفرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب...)[24] ثم إن الرقي يستدعي أخذ النسبي المحتاج كماله من المطلق.
لذا لا يمكن إقصاء هذا الإنسان عن هذا العالم الرحيب، لوجود صلة أزلية وثيقة وتلاحم فطري أصيل : (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)[25]. الإنسان مخلوق قريب من الغيب، لا بل هو حفنة من الغيب «من روحي» وتحدث القرآن عن هذا القرب والعلاقة بمشهد آخر، قد تضمّن حواراً بين محض الغيب ـ الله ـ والإنسان : (وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم قال ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين)[26]. ولهذا يكفي الإنسان موعظة عند الدعوة للاعتقاد بالتوحيد أن نحاكيه بالتذكرة، كما هي أساليب الأنبياء ودعواتهم التوحيدية، لامتلاكه رصيداً قلبياً سبق وإن أقرّ بفطرته بهذا المعتقد، لذا لا يُقبل من المعاند المشرك أي عذر يبرّر به شركه كالغفلة مثلاً.
ولما كان الإنسان قد صممّ بطريقة لا يمكن إقصاؤه عن عالم الغيب، بسبب هذا التلاحم بين العالمين بما فيها الإنسان كعالم آخر يتربط معها، وتأثير كل من هذه المخلوقات مع بعضها، وبما منح هذا المخلوق الإنسان النوع من قابليات تمكنه من توظيف عناصر الغيب المودعة فيه وفي الكون لصالح الإعمار والبناء الذي أخذه على عاتقه; لذا فهو محتاج الى التطلع والانشداد والعلم بهذا العالم لعلاقة ذلك بشؤون الخلافة.
ندب القرآن الكريم الى العلم بالسنن كوسيلة، تكشف لنا عن واقع مستقبلي لم يحدث بَعدُ، وتساهم في رقي الإنسان نحو الكمال، لأن العلم بها وبشروطها يضع الإنسان موضعاً يكون فيه قادراً على خلق المصير، ومتعالياً عليه ومتحكماً في اختيار ماهو مناسب لحياته، فيسعى بوعي لتهيئة وتوفير شروطه وأسبابه اعتماداً على الثابت السنني المكتشف من قبل الوحي.
إذاً فالعلم بالسنن وشروطها أمر تحصيلي كسبي، إلا أنّه مفردة من مفردات الغيب، أو أن السنن ذات صلة بالإيمان بالغيب قرباً أو جحوداً وتمتد الى النوايا والمقاصد القلبية والمشاعر والأحاسيس في حياة الاُمّة : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)[27](لو أن أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات السماء والأرض ولكن كذبوا...)[28].
كما يخالف القرآن طريقة التعامل العشوائية مع السنن، والتي لا تعتمد الوعي والعلمية في الانتقاء، انطلاقاً من دورها وأهميتها في تحقيق مصير الإنسان.
من جهة قد لا يتوصل الإنسان الى معرفة دقيقة أو مطلقة بالسنن وعلى فرض توصله واحاطته بفعلية هذه السنّة أو تلك وفي هذا الظرف أو ذاك، إلاّ أنه يبقى عاجزاً عن استيعابها على طول الخط، وعن استيعاب المعارف الإلهية ذات المدخلية بحياة الإنسانية جمعاء، وبها ترتبط حركة الوجود في بُعديها الغيبي والحسي باتجاه الغايات الكبرى، عن طريق العلم التحصيلي الكسبي الواعي، ذلك لغياب العلم من هذا اللون ـ الكسبي ـ بالخفايا والأسرار التي تجري في هذا العالم الرحيب، خصوصاً التكويني لا التشريعي فحسب .
لأن الإحاطة لا تتم إلاّ بالعلم منه سبحانه ، لأن التحصيل الكسبي الذي يقوم به الفرد أو الجماعة يبقى ظرفيّاً آنياً محصور بالزمن، عاجزاً عن الإحاطة الكاملة، فهو إذاً ناقص فلا ينتج لنا إلاّ الدور الناقص والإرادة الإلهية تريد الكامل. هذا حتى بحدود العالم المشهود فكيف بالبعد الغيبي وعالمه الرحيب.
إذاً فالإنسان النوع بحاجة الى العلم الموهوب، ولكنه لا يحصل على هذا العلم إلاّ بأخذه عبر الوسائل الإلهية كالوحي أو الإلهام، أو النقر في القلب، أو التعلم بالواسطة ممن يوحى إليه لغرض استيعاب حركة التاريخ كلها.
في الفقرة اللاحقة من البحث والفقرات التي تليها سيتضح دور هذا النموذج الربّاني، بالإضافة الى وضوح ضرورة تسديده عبر منحه ملكات، وعلماً خاصاً يؤدي به دوره الموكول به على أكمل وجه، وبالتالي قد يفيض هذا الموكِّل من علمه الممنوح الى مَنْ له القابلية على حمله، حسب مقتضيات الإعمار والبناء في عالم الدنيا.
________________________________________
[1] هود: 49 .
[2] راجع نبوءات نوستراداموس: 17 ـ 51 مكتبة مدبولي القاهرة 2000.
[3] الفتح: 27 .
[4] نبوءات نوستراداموس : 10، مكتبة مدبولي القاهرة 2000 .
[5] كنز العمال، المتقي الهندي: 11/727، ح 33561، وذكره ابن عساكر في تاريخه: 6/203، والسيوطي في الدر المنثور: 4/371 .
[6] كرامات الأولياء للنبهاني: 1/53.
[7] كرامات الأولياء : 1/53.
[8] كرامات الأولياء: 1/53 .
[9] الكنز الموعود في فضائح التلمود ، الشرقاوي: 196 .
[10] المسيح في مصادر العقائد المسيحية أحمد بن عبدالوهاب: 213 .
[11] المصدر السابق : 213.
[12] تنبؤات نوستراداموس: 4، ترجمة جميل حمادة، بغداد، 1989 م .
[13] مجلة المستقبلية: العدد الأول: 72، مقالة لحسن سعيد، مستقبل العالم.
[14] كرامات الأولياء : 1/53 .
[15] كرامات الأولياء : 1/53 .
[16] المعجم المفهرس للقرآن الكريم لمحمد فؤاد عبدالباقي: 469 ـ 481، مادة العلم.
[17] الزمر: 9.
[18] المجادلة : 11.
[19] هود : 49 .
[20] الإمامة والولاية، جمع من العلماء: 129 .
[21] فاطر: 28.
[22] الصف: 3.
[23] البقرة: 3.
[24] الفجر: 7 ـ 13.
[25] الحجر: 29 .
[26] الأعراف: 172.
[27] الروم: 41.
[28] الأعراف: 96.

مقدّمة:
خُلق الإنسان من مادة وروح ولكلّ منهما تأثير في الآخر ، وقد أثبتت الأبحاث في علم الطب بأنّ كثيراً من الأمراض لا سيّما القرحة والسكري والتي تسمّى بأمراض الجهد ترجع الى منشأ نفسي ; لذا لا تعالج هذه الأمراض مثل: الكآبة وانفصام الشخصية بمعاطاة الأقراص الكيميائية أو غيرها، وإنّما يعالج أكثرها وفي أغلب الأحيان بالطرق والعلاجات النفسية .
ونتيجة لتواصل الأبحاث العلمية في هذا الميدان ومحاولات الكشف عن نسبة التأثير المتبادل والمتداخل أحياناً بين عالمي الإنسان المادي والروحي فقد أسّسوا لهذا الحقل علماً باسم «Caracterolohgie» علم الطباع، وكانت الغاية منه توجيه قوى الإنسان والمجتمع نحو الغايات الاصلاحية وتهذيب علاقاته مع الآخرين ومع نفسه بعد الفراغ من معرفة إمكاناته وطاقاته النفسية لأجل أن لا يحمل بما لا يطاق، ويتم التهذيب لتلك الإمكانات والقابليات بالطريق نفسه، ليتسنى بعد ذلك توجيه الإنسان وتربيته الى ما يصلحه وتحذيره من إرتكاب ما لا يصلحه، هذا من جهة.
أما من جهة اُخرى نلاحظ أن للإنسان علاقة تأثر وتأثير بالغيب المستقبلي، وقل حتى بالكشف عن أغوار الماضي السحيق كالتي تحدّث عنها القرآن الكريم للرسول(صلى الله عليه وآله) كزاد يمدّه في عملية الاصلاح، مثل قصص بني إسرائيل مع موسى(عليه السلام) ومؤامرات اليهود ومواقفهم مع الأنبياء(عليهم السلام)وما لاقاه النبي عيسى(عليه السلام) ، ثم ما تعرّض إليه النبي يوسف(عليه السلام) ، حيث يختلف القصص القرآني في كشفه للماضي عن غيره من الروايات التي يتناقلها اليهود وماهو موجود في الكتب السماوية المحرفة. قال تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر انّ العاقبة للمتقين)[1].
فالإنسان وهو يسعى لبناء مجتمع التوحيد يجد نفسه بحاجة الى معرفة ما سيكون منها مثلاً صورة نهاية العالم، بغية أن تكون حركته الحاضرة هادفة ومنسجمة مع ما يصبو إليه، وحين ينطلق يكون قد اعتمد على اُسس متينة ومقدمات صحيحة، لا على أساس الوهم والخيال أو التزوير والتحريف .
ومن جهة ثالثة: إنّ الحديث عن الغيب أو ما كان وسيكون لم يكن حديثاً ترفياً لا علاقة له بالواقع، وإنّما نجده ضارب في أعماق التاريخ، وتعامل معه الإنسان بصور مختلفة، بل هو همّ إنساني مشترك لا تخلو طائفة دينية أو غيرها إلاّ وتناولته بطريقتها الخاصة ولم ينكره بالمرة إلاّ من شذّ عن الطباع أو مَنْ له غرضٌ سياسي مشبوه.
فرغم مادية العالم الغربي واقصائه للمنطق الإلهي ، إلاّ أن تراثه قد تعاطى هذا الحقل، فنبوءات نوستراداموس (1530 ـ 1556) نموذج متميز لهذا الميدان فقد تحدث هذا الرجل عن أحداث ونبوءات مستقبلية تبدأ بزمانه حتى نهاية العالم، وما دوّنه منها في كتاب خاص له بدأ من القرن السادس عشر الميلادي حتى نهاية القرن العشرين ، ولأسباب عديدة حظيت هذه النبوءات بشهرة كبيرة في جميع العالم الغربي ، حيث وصل عدد طبعات هذا الكتاب الى ما يقارب الستة وعشرين طبعة باضافة أربع طبعات مزوّرة بين عامي (1555 ـ 1643) .
لقد تحقق ما كان ينبئ به نوستراداموس بالدقة سواء منها الأحداث ذات الطابع الفردي أو الجماعي، كما قصّت نبوءاته أحداثاً تاريخية وسياسية وفكرية وعلمية وتكنولوجية وجغرافية، كصنع الأسلحة الحديثة واكتشاف القنبلة الذرية واستخدام الفضاء للحروب وغيرها، بل تحدث بشكل تفصيلي عن مؤامرات واغتيالات وثورات لا يمكن أن تخطر على ذهن أحد عاش في زمنه كاندلاع الثورة الفرنسية، والاحتلال الفرنسي لبريته (1601) وحصار باريس ومعركة واژلو 18 حزيران 1815 ووفاة هنري الثاني عشر من تموز 1559 ووفاة السلطان سليم الثالث (1807 / 1808) وفتوحات نابليون[2].
ولهذا كثر الشراح لهذه التنبّؤءات وكثر الاهتمام بها من القادة الكبار الذين حكموا العالم في فترة نبوءاته ، بل روّجوا لها ووظّفوها كدعاية نفسية لهم.
ولذا عندما نشبت الحرب العالمية الثانية وبلغت ذروتها وامتدت الى الأجهزة الدعائية بين المخابرات البريطانية والألمانية وظّفت رباعيات نوستراداموس كأحد أساليب الدعاية والدعاية المضادة ، فقد ألقى طياروا الحلفاء على المانيا رباعيات نوستراداموس المزوّرة لما تمتلكه من بأس في نفوس العسكر.
وهذا الاُسلوب قد أقرّته الرسالة الإسلامية مع الاختلاف في المنطلق والغاية، حيث كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما يتوجه بغزواته نحو المشركين يعد المسلمين بالنصر الإلهي، الأمر الذي كان يتعامل معه المجاهد الإسلامي بثقة مطلقة، وقد عضد ذلك القرآن الكريم حيث وعد هو الآخر بحتمية النصر في بعض الوقائع والأحداث ; قال تعالى : (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام)[3] ويأتي التراث الإسلامي بأبوابه الغيبية والكلام عن أخبار آخر الزمان ودولة الإمام المهدي المنتظر ليصب في نفس الاتجاه.
ولم يقتصر الحديث عن الغيبيات في عالم الاجتماع والعسكر ، بل امتدّ الى مصائر الأفراد ، فهذا نوستراداموس يحدثنا بأبعد من ذلك فتراه يخبر حتى بآجال الحيوانات، فأراد أحد أصدقائه أن يختبر موهبة نوستراداموس الغيبية فسأله عن مصير خنزيرين رضيعين موجودين في فناء منزل الصديق، فأجاب نوستراداموس بأن (السينيور) الصديق سيأكل الخنزير الأسود وسيأكل الأبيض ذئب، وفي حالة توجّه السينيور الصديق الى طبّاخه وأمره أن يذبح الخنزير الأبيض ويقدّمه عشاء في تلك الليلة، وهذا ما حدث، ولسوء الحظ، فقد سرق اللحم جرو ذئب مدجّن يعود لرجل السينيور، فقام الطبّاخ المذعور بذبح الخنزير الأسود وتقديمه على العشاء ، وعلى المائدة أخبر الصديق نوستراداموس بأ نّهما كان يأكلان الخنزير الأبيض في تلك الليلة. وحينما أصرّ نوستراداموس على أنّه إنّما كان الخنزير الأسود، أرسل في طلب الطبّاخ الذي اعترف بما جرى بالتفصيل[4].
وفي تراثنا الإسلامي إخبارات عن حوادث غيبية من هذا النوع ذات دلالات تأريخية وعقائدية. قال النبي(صلى الله عليه وآله) مخاطباً عمار : «يا عمّار تقتلك الفئة الباغية»[5]. وغيرها من الإخبارات في هذا الاتّجاه.
وما يدهش القارئ من الإخبارات والخوارق الغيبية التي تتحدث عنها كتب تراثنا الإسلامي غير الإمامي، جاء في كتاب كرامات الأولياء من أن أبا مدين كان يخطر له الخاطر فيجد مرقوماً في نحو ثوبه الأمر به أو النهي عنه[6].
وجاء في الكتاب المذكور أيضاً: أنّ منهم من يكشف عن عالم الحسّ للغائب عنه فلا تحجبه الجدران ولا الظلمات عما يفعله الخلق في قعر بيوتهم[7]، ومنهم إذا دخل عليه رجل وكان قد زنى أو سكر أو سرق أو شتم أو مشى الى معصية أو ظلم مثلاً يرى ذلك في العضو الذي خرج منه العمل مخططاً بسواد[8].
نعم، كل هذا ممكن وحصلت له مطابقته في الخارج، ولكن إذا نقل أتباع مدرسة أهل البيت أخباراً عن الإمام علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين(عليهم السلام)تتكلم عن إخبارات غيبية تلقوها عن النبي(صلى الله عليه وآله) ، عن الله سبحانه وتعالى أو بالهام منه نعتوا بالغُلاة.
لنعود الى حديث الغيب في التراث غير الإسلامي، فالتلمود اليهودي المملوء بالوعود المستقبلية ذات الصبغة الدينية يتحدث «لما يأتي المسيح سوف تخضع له كل الاُمم ، ولذلك يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع امتلاك باقي الاُمم في الأرض ، لأن لليهود السلطة أينما حلّوا، ولكن سيستمر ضرب الذلّ والمسكنة على بني اسرائيل حتى ينتهي حكم الأجانب ، وقبل أن يحكم اليهود في الاُمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق ويهلك بعدها ثلثا العالم، وسوف تكون الاُمة اليهودية حينذاك في غاية من الثراء ، لأنّها سوف تملك كل أموال العالم[9].
الجدير بالذكر أن قيمة المستقبل الديني يتحقق بمقدماته القصيرة التي تعتمد الارتباط بالغيب المطلق لله سبحانه، جاء في المزامير: إذا اجتزت المياه فأنا معك في الأنهار فلا تغمرك وإذا مشيت في النار فلا تحرقك[10].
وقالوا: إنّ الثقة في الله تلك التي يجب أن يظهرها دائماً الرجل التقي يمكن التعبير عنها بأنه حتى في العواصف عتواً فلن يشك في قدرة الله وحتمية انقاذه[11].
وهذا الربط بين الإخبار بالحوادث المستقبلية وبين العلاقة بالله قد أشار إليه نوستراداموس أيضاً ، إذ قال لولده: يا ولدي فإنّك تستطيع أن تدرك رغم عقلك الصغير أن الأحداث يمكن أن يتنبأ بها الإنسان عن طريق حركة الكواكب وموهبة التنبؤ ، وأنا لا أدّعي ما ليس فيَّ لكنني أؤكد أن الإلهام يكشف أشياء كثيرة للإنسان التقي القريب من الله[12].
وهكذا تحدث صاحب كتاب «أي جنك» من الصينيين حيث قدم إجابات محددة عن الغيب حين يسأل، إلاّ أنه من جهة اشترط القرب من الله سبحانه لمن يخوض في هذا الميدان[13].
وبنفس الإتجاه أكد صاحب كرامات الأولياء ، حيث قال: ومنهم ـ من الأولياء ـ من يرزق مقام الفهم على الله تعالى، وصحة السمع لآياته، فيسمع نطق الجمادات على مراتب نطقها في العوائد وخرقها[14].
ومنهم من يكشف له سريان عالم الحياة في الأحياء، وما يعطى من الأسرار في كلّ ذات بحسب استعداد الذوات، وكيف تتدرج العبادات في هذا السريان.
ومنهم من يكشف له مراتب العلوم النظرية والأفكار السليمة فهم المغاليط التي تطرأ على الأفهام[15].
والتزم خط أهل البيت(عليهم السلام) في التعامل مع مفهوم علم الغيب عند الإمام وفق التصور القرآني وما أكده النبي(صلى الله عليه وآله).
لكننا ما ندري بحجة المنكرين علم الغيب عند الأئمة(عليهم السلام)واتهام أتباع مدرستهم بالغلاة رغم اصرار تلك المدرسة والتزامها بخط الرسول، وأنّ أئمتهم يعلمون كما يعلم الرسول ليس إلاّ وهو العلم الممنوح منه جلّ وعلا اسمه.
فتحصّل من هذا التقديم اُمور: إن الإخبارات بالغيب مورد تعاطته الإنسانية عبر العصور وبصور مختلفة. والأمر الآخر: أنّه موضوع قد تمتع بقيمة عملية وتربوية ووظّف لأغراض الصراع بين الحق والباطل. والأمر الثالث: إنّ الحديث عن الغيبيات لا يمكن تجزئته عن الارتباط بالله سبحانه; لذا نجد كبار المتحدثين في هذا الحقل قد اشترطوا فيه التقوى وتجرد الذات وصفاء القلب والقرب من الله سبحانه، مع الاختلاف في طريقة الارتباط.
وبعيداً عن الاستغراق في العرض ورغبة في الاختصار نقول : لا يمكن الدخول في تفصيلات هذا الموضوع ومدى حدوده وفائدته والمقدار الذي تناوله الفكر الإسلامي في هذا الميدان إلاّ بعد الفراغ من الاعتقاد بالعصمة وفق المنظور الإمامي التي تتضمن العلم الحضوري ، وكذا لا يمكن الارتقاء في هذا البحث قبل التسليم من كون الخليفة للرسول، لابد أن يتمتّع بنفس صفات الرسول(صلى الله عليه وآله) من غير الوحي .
إذاً يأتي بحث موضوع العلم بالغيب عند الأئمة برتبة متأخرة عن بحث الإمامة وبحث العصمة، فانطلاقاً من هذا التأسيس، وبعيداً عن الملابسات التي اُحيطت في هذا الموضوع ولغط الجهال والمغرضين، ومناقشة الموضوع بمنهج مادي غريب عن الإسلام وعدم ادراك النتائج العلمية العملاقة التي حققها علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الحقل التي تعجز المقالة أن تلمّ بكامل فلسفته، حاولنا بجهد أن نلمّ بأطرافه ونختصر البعض من مفرداته، فمنهجنا البحث ضمن عدد من الفصول يمهّد السابق منها الى اللاحق.
فقد دار الحديث في الفصل الأوّل حول حاجة الإنسان الى العلاقة مع الغيب مع ضرورة الإحاطة بالعلم الغيبي الممنوح منه سبحانه، لتوقف الدور الإلهي الكامل على الإحاطة بهذا العلم.
أما في الفصل الثاني فقد سلّطنا الضوء على العلاقة بين العصمة والعلم الحضوري الذي يدرك بواسطته المعصوم قوانين الحياة وعللها في عالم الغيب والشهادة على حد سواء.
أما في الفصل الثالث فدار الكلام حول الآيات التي ذكرت علم الغيب في حياة الأنبياء والصالحين، وبعدها تطرقنا للآيات التي تثبت إمكان علم الغيب لغير الله سبحانه ، ثم ذكر الآيات التي أثبتت إعطاء علم الغيب لخاتم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) .
وفي الفصل الرابع تناولنا الاستدلال لعلم الغيب عن طريق علم النفس الفلسفي .
وفي الفصل الخامس ناقشنا الرؤية لعلم الغيب في المنظور غير الإمامي.
وأخيراً الفصل السادس الذي تكفل بعرض لتاريخية المسألة والاتجاهات التفسيرية لها في المنظور الإمامي، وبه تتلخص صياغة المفهوم بشكله النهائي.
الفصل الأوّل
الإنسان وحاجته الى العلاقة مع الغيب
يدعو القرآن الكريم الى تحصيل العلم، حيث تردد ذكر كلمته في سبعمائة آية منه[16]، ولم تكن دعوة القرآن لتحصيل العلم وأهميته جاءت بخطاب خاص ومستثنى لنوع من الناس، بل جاءت الدعوة لطلبه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)[17] عامة لكل الناس، بالإضافة الى توفر وسائل تحصيله واتاحتها للجميع، ولكن أي علم هذا الذي يدعو إليه القرآن؟ بلا شك إنّه العلم الذي فيه مصلحة الإنسان وبه يتحقق البناء والإعمار ، لكنه يحصل بالكسب والجد، لذا اتّصف بالنسبية (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اُوتوا العلم درجات)[18] خلافاً للعلم الحضوري الذي لا يمنح من قبله سبحانه لأحد إلا لمن ارتضى من عباده.
كما لا ينحصر العلم المراد تحصيله بمساحة العالم المشهود، وكذا لا ينحصر بما هو خاضع للكسب عبر الآلة المحسوسة، وإنّما تتسع دائرته لتشمل عالماً آخر ذاك هو عالم الغيب.
القرآن لم يفكك بين العالمين الغيب والشهادة فأعدّ العلم بالغيب وبما وراء المحسوسات علماً ، كما سمى الشخص الذي يحرز على نسبة من العلم بأحدهما أو بكلاهما عالماً .
وبتعبير آخر: إن العلم بالغيب يطلق على العلم بما غاب عن الحواس وبأي طريق حصل، فقد يحصل العلم بالغيب عن طريق البراهين العقلية أو الأدلة النقلية، مثالها العلم بوجود الصانع ووحدته تعالى. كما يطلق العلم بالغيب على من غاب عن الحس والعقل مثالها أحوال البرزخ ويوم القيامة وما يحدث فيه.
وأخيراً ، يطلق العلم بالغيب على العلم الاستقلاي أي بما غاب عن مشاعر الناس جميعاً.
ومن الواضح أن العلم بالغيب من نوعه الأوّل والثاني يمكن أن يحصل عليه الإنسان، أما العلم من نوعه الثالث فلا يمكن الحصول عليه .
والواقع يثبت حصول العلم بنوعيه الأولين لجميع المؤمنين، بل حتى لغيرهم وحصولهما يتم عن طريق الأدلّة العقلية الحسّية، كما أن الإيمان بالغيب يستلزم العلم به.
فالمتقون الذين يؤمنون بالغيب عالمون به، كما أنّهم عالمون ببعض الغيب عن طريق إخبار الله تعالى في كتابه، كغلبة الروم مثلاً قبل أوانها، وكعلمهم بالحوادث الماضية، التي لا تنالها حواسهم مما كشف عنه القرآن الكريم، وقد قال تعالى : (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل[19])[20].
ثم لم يبتغي القرآن من العلم إلاّ العلم المؤدي للمصلحة وبواسطته يحصل اليقين: (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء)[21]ويحرك الى العمل والسلوك : (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)[22]. ولكن هل بمقدور الإنسان أن يحيط بكامل أسرار وخفايا العالمين مطلقاً، وبما صُمما بقانونية متداخلة ذات تأثّر وتأثير فيما بينهما في تشكل الظواهر.
يبقى الإنسان ـ الجماعة أو الفرد ـ محدوداً فلا يقوى على الإحاطة بما حوله وماضيه ومستقبله، ولاتعينه التجارب ولا الأبحاث الى كامل العلل والأسباب التي تتحكم في مصير العالمين ذات المدخلية في حياة البشرية جمعاء، وإن كان ذلك يدخل تحت دائرة الإمكان العقلي كما ذكرنا.
دعوة القرآن تركّز على تبنّي قاعده الإيمان بالغيب والارتباط بالوسائل التي اُسس لها الوحي : (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)[23] وشدّ الإنسان الى تلك القاعدة، لأن حضارة الإنسان لا ترتقي دوماً إلاّ بالعنصر المتعالي عن الأرض أو قل عالم الشهادة، لأن الاندكاك بعالم يتصف بالسفلية انطلاقاً من كونه يكفي نفسه بنفسه مقولة غير صحيحة، لتوقف التاريخ على الإنسان وتوقف الإنسان على التاريخ ، ويبقى الإنسان عند ذلك محجوزاً في نفس التاريخ فيؤدي هذا الى هبوط الحضارة، كما هو ملحوظ في تاريخ الحضارات وانهيارها، ذلك لاعتمادها اُفقاً محدوداً : (ارَم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد* وفرعون ذي الأوتاد* الذين طغوا في البلاد* فأكثروا فيها الفساد* فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب...)[24] ثم إن الرقي يستدعي أخذ النسبي المحتاج كماله من المطلق.
لذا لا يمكن إقصاء هذا الإنسان عن هذا العالم الرحيب، لوجود صلة أزلية وثيقة وتلاحم فطري أصيل : (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)[25]. الإنسان مخلوق قريب من الغيب، لا بل هو حفنة من الغيب «من روحي» وتحدث القرآن عن هذا القرب والعلاقة بمشهد آخر، قد تضمّن حواراً بين محض الغيب ـ الله ـ والإنسان : (وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم قال ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين)[26]. ولهذا يكفي الإنسان موعظة عند الدعوة للاعتقاد بالتوحيد أن نحاكيه بالتذكرة، كما هي أساليب الأنبياء ودعواتهم التوحيدية، لامتلاكه رصيداً قلبياً سبق وإن أقرّ بفطرته بهذا المعتقد، لذا لا يُقبل من المعاند المشرك أي عذر يبرّر به شركه كالغفلة مثلاً.
ولما كان الإنسان قد صممّ بطريقة لا يمكن إقصاؤه عن عالم الغيب، بسبب هذا التلاحم بين العالمين بما فيها الإنسان كعالم آخر يتربط معها، وتأثير كل من هذه المخلوقات مع بعضها، وبما منح هذا المخلوق الإنسان النوع من قابليات تمكنه من توظيف عناصر الغيب المودعة فيه وفي الكون لصالح الإعمار والبناء الذي أخذه على عاتقه; لذا فهو محتاج الى التطلع والانشداد والعلم بهذا العالم لعلاقة ذلك بشؤون الخلافة.
ندب القرآن الكريم الى العلم بالسنن كوسيلة، تكشف لنا عن واقع مستقبلي لم يحدث بَعدُ، وتساهم في رقي الإنسان نحو الكمال، لأن العلم بها وبشروطها يضع الإنسان موضعاً يكون فيه قادراً على خلق المصير، ومتعالياً عليه ومتحكماً في اختيار ماهو مناسب لحياته، فيسعى بوعي لتهيئة وتوفير شروطه وأسبابه اعتماداً على الثابت السنني المكتشف من قبل الوحي.
إذاً فالعلم بالسنن وشروطها أمر تحصيلي كسبي، إلا أنّه مفردة من مفردات الغيب، أو أن السنن ذات صلة بالإيمان بالغيب قرباً أو جحوداً وتمتد الى النوايا والمقاصد القلبية والمشاعر والأحاسيس في حياة الاُمّة : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)[27](لو أن أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات السماء والأرض ولكن كذبوا...)[28].
كما يخالف القرآن طريقة التعامل العشوائية مع السنن، والتي لا تعتمد الوعي والعلمية في الانتقاء، انطلاقاً من دورها وأهميتها في تحقيق مصير الإنسان.
من جهة قد لا يتوصل الإنسان الى معرفة دقيقة أو مطلقة بالسنن وعلى فرض توصله واحاطته بفعلية هذه السنّة أو تلك وفي هذا الظرف أو ذاك، إلاّ أنه يبقى عاجزاً عن استيعابها على طول الخط، وعن استيعاب المعارف الإلهية ذات المدخلية بحياة الإنسانية جمعاء، وبها ترتبط حركة الوجود في بُعديها الغيبي والحسي باتجاه الغايات الكبرى، عن طريق العلم التحصيلي الكسبي الواعي، ذلك لغياب العلم من هذا اللون ـ الكسبي ـ بالخفايا والأسرار التي تجري في هذا العالم الرحيب، خصوصاً التكويني لا التشريعي فحسب .
لأن الإحاطة لا تتم إلاّ بالعلم منه سبحانه ، لأن التحصيل الكسبي الذي يقوم به الفرد أو الجماعة يبقى ظرفيّاً آنياً محصور بالزمن، عاجزاً عن الإحاطة الكاملة، فهو إذاً ناقص فلا ينتج لنا إلاّ الدور الناقص والإرادة الإلهية تريد الكامل. هذا حتى بحدود العالم المشهود فكيف بالبعد الغيبي وعالمه الرحيب.
إذاً فالإنسان النوع بحاجة الى العلم الموهوب، ولكنه لا يحصل على هذا العلم إلاّ بأخذه عبر الوسائل الإلهية كالوحي أو الإلهام، أو النقر في القلب، أو التعلم بالواسطة ممن يوحى إليه لغرض استيعاب حركة التاريخ كلها.
في الفقرة اللاحقة من البحث والفقرات التي تليها سيتضح دور هذا النموذج الربّاني، بالإضافة الى وضوح ضرورة تسديده عبر منحه ملكات، وعلماً خاصاً يؤدي به دوره الموكول به على أكمل وجه، وبالتالي قد يفيض هذا الموكِّل من علمه الممنوح الى مَنْ له القابلية على حمله، حسب مقتضيات الإعمار والبناء في عالم الدنيا.
________________________________________
[1] هود: 49 .
[2] راجع نبوءات نوستراداموس: 17 ـ 51 مكتبة مدبولي القاهرة 2000.
[3] الفتح: 27 .
[4] نبوءات نوستراداموس : 10، مكتبة مدبولي القاهرة 2000 .
[5] كنز العمال، المتقي الهندي: 11/727، ح 33561، وذكره ابن عساكر في تاريخه: 6/203، والسيوطي في الدر المنثور: 4/371 .
[6] كرامات الأولياء للنبهاني: 1/53.
[7] كرامات الأولياء : 1/53.
[8] كرامات الأولياء: 1/53 .
[9] الكنز الموعود في فضائح التلمود ، الشرقاوي: 196 .
[10] المسيح في مصادر العقائد المسيحية أحمد بن عبدالوهاب: 213 .
[11] المصدر السابق : 213.
[12] تنبؤات نوستراداموس: 4، ترجمة جميل حمادة، بغداد، 1989 م .
[13] مجلة المستقبلية: العدد الأول: 72، مقالة لحسن سعيد، مستقبل العالم.
[14] كرامات الأولياء : 1/53 .
[15] كرامات الأولياء : 1/53 .
[16] المعجم المفهرس للقرآن الكريم لمحمد فؤاد عبدالباقي: 469 ـ 481، مادة العلم.
[17] الزمر: 9.
[18] المجادلة : 11.
[19] هود : 49 .
[20] الإمامة والولاية، جمع من العلماء: 129 .
[21] فاطر: 28.
[22] الصف: 3.
[23] البقرة: 3.
[24] الفجر: 7 ـ 13.
[25] الحجر: 29 .
[26] الأعراف: 172.
[27] الروم: 41.
[28] الأعراف: 96.

الفصل الثاني

علاقة العصمة بعلم الغيب
لم يخصص الحديث في هذه الفقرة من البحث عن العصمة وضروراتها في شخص الإمام، وإنّما نقتطع الحديث في تفاصيلها ونفترض قبولها في شخص الإمام، لأن المبحث في علم الغيب عند المعصوم متأخر رتبة عن بحث العصمة، أو يتداخلان، لذا نركّز على الصلة بين العصمة والعلم الحضوري عند الإمام، باعتبار أنّ هذه النقطة بالذات تشكل أساساً للفقرات التي تليها.
المخلوقات في هذا الوجود لم تخلق على وجه الاستقلال ، وإنّما لوحظ فيها المخلوقات الاُخرى التي تحيط بها، فالكون كلٌ مترابط ويتحرك بطريقة منظمة وهدي إلهي مقدّر : (الّذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)[1]، وقال تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)[2].
بناءً على ذلك فالموجودات في المجموعة الكونية يؤثر بعضها في البعض الآخر والإنسان لا يستثنى من هذا القانون فهو مخلوق ضمن هذا القانون ، وبالتالي خاضع الى قانونيته.
فمن جهة أنّه يتأثر في هذا الكون فواضح، لأن الشمس إذا ارتفعت أو اقتربت سوف تؤثر على الحياة بما فيها الإنسان .
ومن الجهة الثانية أن الإنسان يؤثر على مَن حوله من الموجودات فهذه الجهة تحتاج الى مزيد من البيان ، قال تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)[3].
مفهوم الآية أن الاستقرار والهدوء والحركة الهادفة في العلاقة وبين أفراد الجماعة والعمل والانتاج والرخاء ووفرة السلع وسيادة الأمن في كل صوره، كل هذه الاُمور وغيرها تشكل ظواهر سليمة جاءت بسبب كون أهل القرية قد التزموا الشكر بمفرداته العملية كالعدالة والمحبة والمساوات ، ولمّا تخلت القرية عن هذه القيم ولم تجعل الله محوراً لنشاطها وحياتها، وكفرت بماضيها التوحيدي المشرق واستبدلته بالآلهة المتعددة، كالتبعية للإنسان القوي، أو طاعة النفس والشيطان وحب المال والسلطة، هذه الارتباطات ستؤول الى سوء التوزيع وسيادة الظلم وعدم الاطمئنان وشيوع الخوف والفقر والطبقية، فلم يُعد العيش في هذه القرية بعد ذلك سعيداً أبداً.
الكفر والفسق والنفاق وأي موقف فكري أو سلوكي صادر من الإنسان، بالنتيجة له امتداد وتأثير بما حوله، وليس بصحيح حصر المسألة بالجانب المادي من فعل الإنسان، وإنّما تدخل المواقف القلبية والاعتقادية في هذا الاطار أيضاً ، لأن الاعتقاد فعل، فالكفر الذي هو عمل باطني له مؤثرات خارجية على مَن حوله من المخلوقات الاُخرى، ومسيرة الإنسان نفسه خاضعة لقراراته الاعتقادية الباطنية، ولذا تسأل الملائكة عن هذا المخلوق الجديد آدم ـ من خلال ربطها بين الفسق وفعل سفك الدماء ، الناتج عن الإرادة ـ وعن مصيره وحياته وحركته في الأرض وكيفية تعامله مع المجموعة الكونية ، لأنهم ضمن معلوماتهم أن الكون خاضع لنظام كوني واحد حسبما يعمل به الجميع، ولابد لهذا المخلوق الطارئ على الكون أن يكون منسجماً مع نظامه، ولما كان قد صمم بطريقة تجعله أن يخالف النظام الكوني، لذا سوف ينتج سفك الدماء والخراب والدمار في هذا الكون ، لأن الفوضى تحدث بوجود الإرادة التي تؤدي الى الكفر أحياناً وإمكانية اختراق النظام والالتفاف عليه، فهذا المخلوق الجديد طروّه خطر لا على نفسه فحسب، بل على الكون كلّه: (أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء...)[4].
لكن الله سبحانه وتعالى تلافى الإشكال والتساؤل الذي صرّحت به الملائكة لاعتراضها على تولّي هذا المخلوق مقاليد الخلافة ، فقال: (إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها)[5] . صنع هذا المخلوق وأودع فيه من العلم بما يتلائم مع مهامه الإلهية والتي تعينه على تحقيق الغايات ، فعلم الإنسان بالأسماء كلّها هبة منه سبحانه ، لقد أطلعه على حقائق الأشياء وأطلعه على الكون كلّه وعلى الأنظمة الحاكمة فيه، ثم ماهو موقعه من هذا الوجود وكيف يؤثر فيه لغرض استخدامه لصالح أهدافه وغاياته(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)[6]، وإيداع هذا العلم ممّن بعده الى سلسلة الأنبياء(عليهم السلام)حتى خاتمهم محمد(صلى الله عليه وآله) ، وبعده السلسلة الطاهرة من آله(عليهم السلام) .
وهذا العلم هو الذي يدرك بواسطته المعصوم حقائق الأشياء، كما هي وبرؤية واضحة ، وبشكل لا يقبل الشك، فالعلم الذي يتصف بهذه الميزة يؤدي الى العصمة حتماً، وتقريب هذا التصور مثاله: قانون الجاذبية كأحد القوانين في هذا الكون له علاقة مع الإنسان وعلى الإنسان أن يعمل بموجبه ويحذر مخالفته، كما أن العلاقة بين هذا القانون والإنسان تختلف عن علاقة القانون مع بعض المخلوقات كالطير مثلاً، فالطير يخترق هذا القانون لأجل مصلحة، أو قل: إن هذا القانون له من وجه آخر علاقة مع الطير تختلف عن الإنسان، فالإنسان يتجنب فعل الطير لاختراقه هذا القانون، لأن الآثار المترتبة على الإنسان غير الآثار المترتبة على الطير، فعلم الإنسان بهذا القانون وجهات اختراقه هو الذي منحه العصمة في أن لا يعمل بخلافه، وإلاّ فالإنسان له الإرادة في المخالفة والافتراق.
ثمّ هناك قانون آخر له مردوداته على حياة الإنسان قد يدركه الإنسان، ولكن قد لا يدرك آثاره ومردوداته لأنه لا يمتلك علماً ورؤية بالآثار المترتبة على مخالفته مثل أكل مال اليتيم، يقول القرآن الكريم : (يأكلون في بطونهم ناراً)[7].
المعصوم يمتلك علماً يرى فيه أن مال اليتيم نار، وغير المعصوم قد يراه مالاً يتلذذ به فلا يرى أنّه نار محرقة، فالمعصوم عنده علم ووضوح بتأثير هذا التصرف ومردوداته، كما نرى نحن ونعلم بقانون الجاذبية الذي جعلنا نمتنع عن المخالفة مع وجود القدرة على المخالفة فينا.
أما الأثر المترتّب على أكل مال اليتيم، فلا نعلم به أي إننا لا نمتلك علماً نرى من خلاله قوانين الوجودات كلها ; يوسف(عليه السلام)يستطيع أن يعمل الفاحشة لأنه يمتلك الإرادة الحرة في ممارستها، إلاّ أن يوسف يرى الزنا فاحشة بحكم وضوحه وعلمه بهذه القانونية، فليس معناه أنّه لا يمتلك اللذة الجنسية ولا الإرادة كالجدار بل إن لديه علماً بآثار هذا القانون فلا يخالفه اطلاقاً.
من هنا نجد أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) يقولون بعصمة أئمتهم جميعاً، بما فيهم الإمام الجواد(عليه السلام) وإن كان صبيّاً ابن سبع سنين، فهو عالم بكل شيء ليس فقط بأحكام الصلاة أو الحج، بل بكل شيء، ولا يعصي الله تعالى، بل ولا يخطئ أعداؤهم يومذاك الذين كانوا يملكون الحكم كانوا يعرفون من شيعة أهل البيت(عليهم السلام)هذا الرأي، أي إنه ليس معتقداً سرياً أو مخفياً ، كانوا يعرفون أن شيعة أهل البيت(عليهم السلام) يقولون في أئمتهم(عليهم السلام) هذا القول.
والدولة بأجهزتها مع محاولاتها، كلما حاولت تكذيب هذه الحقيقة فإنّها لم تنجح ، جاؤوا بالإمام الجواد(عليه السلام) وهو صبي وجمعوا العلماء وعلى رأسهم القاضي يحيى بن أكثم، ويجلس في مكانه (كقاض) ويلتفت الى الإمام الجواد(عليه السلام) قائلاً: يا ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أسألك؟
فقال له الإمام(عليه السلام): قم واجلس مجلس السائل من المسؤول؟
ويقوم يحيى بن أكثم بشيبته ويجلس متأدّباً بين يدي الإمام(عليه السلام)جلسة السائل من المسؤول.
فكّر يحيى بن أكثم، ماذا يسأل الإمام(عليه السلام)؟ هل يسأله عن الصلاة وأحكامها؟ وهو عالمٌ بأن الإمام(عليه السلام) وعائلته يؤدّون الصلاة يومياً، فإذاً هوعارف بالصلاة وأحكامها، فكّر بأنّ هذا الصبي في بغداد ولم يذهب الى الحج، لأن فريضة الحج يؤدّيها الإنسان مرة واحدة في حياته على نحو الوجوب، وإن وُفّق فيؤديها ـ مثلاً ـ عشر مرات، ثم إن الإمام(عليه السلام) لازال صبياً ولم يذهب الى الحج، فقال له: يا بن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما قولك في مُحرم قتل صيداً؟
فأجابه الإمام(عليه السلام): قتله في حل أوحرم، عالماً كان المُحرم أم جاهلاً، قتله عمداً أو خطأ، حراً كان المُحرم أم عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، مبتدئاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد كان أم من كباره، مصراً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً، محرماً كان بالعمرة إذ قتله، أو بالحج كان محرماً؟[8]
فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز، ثم أجاب الإمام عن المسألة كما مفصّل ذلك في الكتب.
وهذه الحادثة تشير الى امتلاك الإمام(عليه السلام) للعصمة المسددة المتضمّنة للعلم الحضوري[9].
والعلم الذي يمتلكه الإمام المعصوم ويتسلّط بواسطته على معرفة الأشياء، وبه تتم أغراض الرسالة، موهوب منه سبحانه بدون كسب من الإمام، بهدف أن تكون للإمام قدرة تامة لتحقيق الغرض الإلهي الذي ينبغي إنجازه على أكمل وجه ويظهره على الدين كله. (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاّ من ارتضى من رسول)[10].
والعلم المفاض للإمام بأي سبب كان، سواء بإلهام أو نقر في الأسماع، أو بتعليم من الرسول ـ ويمتد الى معرفة الغيب ـ فهو غير العلم الذي يختص به سبحانه، فذاك مكفوف عن من سوى الله وحتى الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين وهو الغيب المطلق.
ولذا فالعلم المفاض يتم إما بشكل تعليمي غير طبيعي، كما هو في الكتب الإلهية المنزلة على رسله بواسطة أمين الوحي، وهي تتضمن الأحكام والإخبار بالأحداث السالفة والحاضرة وحتى المستقبلية، لكل نبي بحسب نوع رسالته، قال تعالى: (تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ورفع بعضهم درجات)[11].
وإما أن يتم بشكل عملي مثل المعجزات فتجري على يديه ولا ينال الرسول إلا قيمتها العملية، أما حقيقتها العلمية فقد لا يملكها ولا يقف عليها، وقد يحصل عليها كحقيقة إحياء الموتى فإنها من الغيب الخاص به سبحانه. ولكن لا مانع من تعليمه لغيره وإفاضته على بعض رسله كما ورد في حق إبراهيم الخليل(عليه السلام)[12]، قال تعالى: (وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى...)[13]
ويفترق علم الإمام عن علم الله سبحانه، بأنّ علمه سبحانه قديم وسابق على المعلومات، وهو عين ذاته.
أما العلم الحضوري للإمام فلا يشارك علم الله في شيء من هذه الاُمور، لأن علم الإمام حادث ومسبوق بالمعلومات، وهو غير الذات فيه وإنّما حضوره عند الإمام بمعنى انكشاف المعلومات فعلاً لديه فلا يشارك الله في علمه. والقول بالاشتراك والاتحاد بين العلمين هو من القول بالشرك والغلو الذي لا يقول به الأئمة(عليهم السلام)أنفسهم فضلاً عن أتباعهم.
وخلاصة القول إن علمه سبحانه ذاتي وعلم الإمام عرضي موهوب وممنوح منه جلّ شأنه فلا اتحاد بين العلمين.
فإذا كان علم الغيب المطلق له سبحانه ويهب منه لمن يشاء من خاصة عباده، فهل يوجد من هؤلاء الخواص من قد حصل على العلم بالغيب وعمل به؟
الإجابة على هذا السؤال وغيره ستكون في الفقرة التالية.
الفصل الثالث
موقف القرآن والسنّة من علم الغيب
العلم الذي يمتلكه الإمام المعصوم ومقداره ومستنده لا يمكن إثباته إلاّ من خلال الطرق النقلية الواردة في الكتاب والسنّة الشريفة ، لأنّه ليس بوسع العقل وبمفرده أن يتناوله بالنفي والإثبات ، لأن الإثبات يتوقف على إخبار غيبي بذلك.
من هنا سوف نتناول هذه المسألة باطارها النقلي ضمن عدة اُمور:
الأمر الأوّل: الآيات التي تتحدث عن علم الغيب في حياة الأنبياء والصالحين
تناول القرآن الكريم هذه الظاهرة في حياة الأنبياء والصالحين بالنص وبالتأكيد عليها، حيث نجدهم(عليهم السلام)قد امتلكوا القدرة على العلم بالغيب بإذنه سبحانه واستخدموه لمصلحة الرسالة، وإليك نماذج من ذلك:
1 ـ قال يوسف(عليه السلام) لإخوته: (إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً...) ثم أخبر تعالى عمّا جرى بعد ذلك، فقال: (...فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتدّ بصيراً)[14].
إن ظاهر هذه الآية يدل على أن النبي يعقوب(عليه السلام) قد استعاد بصره بالشكل الكامل بالقدرة الغيبية التي علمها واستخدمها يوسف(عليه السلام) من أجل ذلك، ومن الواضح أن استعادة يعقوب(عليه السلام)بصره لم يكن من الله بصورة مباشرة، بل تحققت بإذنه سبحانه بواسطة النبي يوسف(عليه السلام) .
إن النبي يوسف(عليه السلام) كان السبب في عودة بصر أبيه، ولولا ذلك لما أمر إخوته بأن يذهبوا بقميصه ويلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو الله تعالى لذلك فقط.
إن هذا تصرف غيبي صدر من أحد أولياء الله ـ وهو يوسف(عليه السلام) ـ وغيّر المجرى الطبيعي بإذنه سبحانه، ولا يقدر على هذا التصرف إلا مَن منحه الله السلطة الغيبية.
2 ـ نقرأ أنّ موسى(عليه السلام) يضرب بعصاه الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً.
قال تعالى:( قلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً)[15].
كما استخدم موسى(عليه السلام) قدرته الغيبية مرة اُخرى حينما ضرب بعصاه البحر ليفتح في عمق البحر وعلى أرضه اثني عشر طريقاً يابساً لبني إسرائيل كي يمروا فيه ويعبروا البحر.
قال تعالى: (فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كُلُّ فِرق كالطود العظيم)[16].
في هذين الموقفين قد استفاد النبي موسى(عليه السلام) من قدرته الغيبية الممنوحة له والتي تحققت كلها بإذن الله وإرادته.
3 ـ لقد كان النبي سليمان(عليه السلام) يتمتع بقدرات غيبية متعددة.. وكانت له سلطة على الجن والطيور، وكان يعرف منطق الطير ولغات الحشرات.
قال تعالى: (وَورث سُليمان دَاوُدَ وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير واُوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين* وحُشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون* حتى إذا أتوا على وادِ النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سُليمان وجُنُوده وهم لا يشعرون* فتبسم ضاحكاً من قولها وقال ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ...)[17].
وكان للنبي سليمان(عليه السلام) قدرة غيبية خارقة على الريح حيث كانت تجري بأمره حيث يشاء ..،
قال تعالى: (ولِسُليمان الريح عاصفة تجري بأمره الى الأرض التي باركنا فيها وكنّا بكل شيء عالمين)[18].
والملفت للنظر أن الريح (تجري بأمره) فهذا دليل على تحكم سليمان(عليه السلام) في مسير الريح ومجراها[19].
فهل علم الغيب الذي منحه الله سبحانه للأنبياء والصالحين من عباده قد منحه لمهمة خاصة ولمصلحة محدودة ثم يُنتزع منهم؟ أم أن هذا العلم الغيبي الموهوب يمتلكه الإمام أو الرسول على نحو الاستمرار والدوام بحسب دوام مهمّته وسعة مسؤولية رسالته ؟
يعترف البعض بوقوع المعجزة من الرسل، وأن الله قد أعطاهم من علم الغيب ما يُثبتون به صحة الرسالة، إلا أن هذا العطاء طارئ ومحدود ويحدث عند وجود المصلحة ولم يكن لهم ثابتاً على الدوام، وقد شبهها بعضهم بالحنفية التي تفتح عند وجود المصلحة ثم تغلق بعد ذلك. فصحيح أن الرسول له القدرة الغيبية وفعل المعجزة، إلا أنها بخصوص واقعة معينة، أما في غير هذا الوقت فلا يملك هذه القدرة.
لكن الصحيح أن قدرة الأنبياء وامتلاكهم لعلم الغيب الموهوب يكون على نحو الدوام والاستمرار، وتوجد أكثر من آية تثبت ذلك، منها:
1 ـ قوله تعالى: (أني قد جئتكم بآية من ربّكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله واُبرئُ الأكمه والأبرص واُحيي الموتى بإذن الله)[20].
هذه الآية تثبت أن قدرة عيسى(عليه السلام) على فعل المعجزات وتمكينه منها ليس بخصوص حادثة معينة، فإنه لم يقل خلقتُ لكم طيراً وأبرأت لكم الأكمه والأبرص وأحييت لكم ميتاً لكي نفهم أنه يريد واقعة معينة قد حصلت في الماضي، وكذلك لم يقل سأخلق لكم طيراً واُبرئ لكم الأكمه والأبرص واُحيي لكم ميتاً لكي نفهم بأنه سيقوم بهذه الأشياء في وقت معين في المستقبل وبشكل طارئ ، بل عبّر بصيغة الحال وجعل المتعلق جنس الطير والأكمه والأبرص والموتى، فقال(عليه السلام) : أخلق من الطين طيراً واُبرئ الأكمه واُحيي الموتى، مما يفيد أنه متلبس بهذه الحالة على الدوام وأنه قادر على فعل هذه الأشياء في أي وقت أراد[21].
2 ـ وقال تعالى حكاية عن سليمان(عليه السلام): (قال رَبِّ اغفر لي وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب* فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخاءً حيثُ أصاب)[22].
فتسخير الريح لسليمان(عليه السلام) كان استجابة لدعائه وطلبه، حيث قال: (وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ومن الطبيعي أن الله تعالى لم يستجب دعاء سليمان(عليه السلام) للحظة واحدة أو في حادثة واحدة معينة. فتسخير الريح كان من ضمن الملك الذي وهبه الله تعالى لسليمان(عليه السلام)نتيجة دعائه والذي ذكره الله تعالى بعد ذلك بقوله: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)[23].
وعليه فقدرة سليمان على حركة الرياح وسيرها بأمره ، كانت ثابتة له على الدوام بإذن الله تعالى .
3 ـ وقال تعالى: (وألنّا له الحديد).
فإنّ إلانة الحديد لداود(عليه السلام) لم يكن بشكل طارئ وفي واقعة معينة ولسبب خاص ، وإنما كان ذلك فضلاً دائماً آتاه الله تعالى إياه، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة: (ولقد آتينا داود منّا فضلاً يا جبال أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد)[24].
بقي أن نعرف أنّ هذا العطاء الإلهي الدائم لعلم الغيب، هل يقتصر في هبته على الأنبياء، أم يمتد لغيرهم من عباده الصالحين ؟
صرّح القرآن المجيد بأن هذا العطاء الإلهي لا يقتصر على الأنبياء فقط ، وإنما قد منحه الله سبحانه لمن ارتضى من عباده الصالحين، قال تعالى: (قال يا أيها الملَؤُا أيكُمْ يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين* قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)[25].
فإنّ آصف كان يخبر عن قدرته على ذلك بقوله تعالى: ( أنا آتيك به) أي أنا القادر على الإتيان به، خصوصاً مع ملاحظة سؤال سليمان(عليه السلام) وطلبه القادر على ذلك بقوله: (أيكم يأتيني بعرشها) بالإضافة الى أن الله تعالى قد ذكره بوصفه فقال: (قال الذي عنده علمٌ من الكتاب) وذكره بهذا الوصف مشعر بأن سبب القدرة هو نفس العلم بالكتاب، وهو ما تؤكده روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فإذا لم ينس آصف هذا العلم فهو قادر على ذلك دائماً وكلما أراد[26].
__________________________________
[1] طه: 50 .
[2] يس: 38 ـ 40.
[3] النحل: 112.
[4] البقرة: 30 .
[5] البقرة: 31 .
[6] يس: 12 .
[7] البقرة: 174 .
[8] بحار الأنوار، المجلسي : 50/76، نقلاً عن الاحتجاج .
[9] راجع العصمة وشروط الحفاظ على النظام / بحث للسيد مهدي الحكيم، مخطوط. وبحث حول الإمامة للسيد كمال الحيدري والإمامة والولاية لجمع من العلماء.
[10] الجنّ: 26، 27.
[11] سورة البقرة: 253.
[12] سورة البقرة: 260.
[13] البقرة : 260 .
[14] سورة يوسف: 93 و 96.
[15] سورة البقرة : 60.
[16] سورة الشعراء : 63.
[17] سورة النمل: 16 ـ 19 وما بعدها.
[18] سورة الأنبياء : 81.
[19] الوهابية في الميزان: 323.
[20] سورة آل عمران: 49.
[21] الولاية التكوينية بين الكتاب والسنّة، هشام شري العاملي : 107.
[22] سورة ص : 35 و 36.
[23] سورة ص : 39.
[24] سورة سبأ : 10.
[25] سورة النمل : 38 ، 40.
[26] الولاية التكوينية بين الكتاب والسنّة: 107.

الأمر الثاني: الآيات التي تحصر علم الغيب به تعالى وتنفيه عن غيره

طرحنا فيما سبق بأن علم الغيب يشكّل ظاهرة في حياة الأنبياء والصالحين. إذاً ماذا تعني الآيات التي تحصر علم الغيب به سبحانه وتنفيه عن غيره؟
قال تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلاّ الله)[1].
وقال: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)[2].
وقال : (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب)[3].
وقال: (ولله غيب السموات والأرض واليه يرجع الأمر كلّه)[4].
وقال: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنّك أنت علام الغيوب)[5].
هذا القسم من الآيات التي تحصر علم الغيب به لا تتعارض مع الآيات التي تثبت علم الغيب لغيره; لأن الاُسلوب القرآني الشائع في بيان الأفعال الإلهيّة كالخلق والرزق والموت يعتمد على النفي من جهة والإثبات من جهة اُخرى. مثال ذلك قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس)[6] بما يفيد ظاهراً المباشرة ونفي الواسطة وقوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم)[7] الذي يفيد وجود الواسطة، إلا أن التأمل يجعلنا نعتقد أن الآية الاُولى تثبت جهة والثانية تثبت جهة اُخرى، فلا يوجد تعارض وليس هناك نفي وإثبات; إذ الآية الاُولى تثبت أن الله يتوفى الأنفس على نحو الأصالة والآية الثانية تثبت أن ملك الموت يتوفى الأنفس على نحو التبعية لله سبحانه وتعالى، فالله يتوفّى الأنفس بواسطة ملك الموت بموجب الآيتين معاً.
وهكذا الأمر بالنسبة لعلم الغيب، فالطائفة التي تحصر علم الغيب به تعالى فإنها تنظر الى علمه الذاتي الأزلي الذي يختص به تعالى وأما الطائفة التي تتحدث عن علم الغيب عند غير الله تعالى فهي تتحدث عن علم غير ذاتي، وهو ما يفيضه الله من العلم بالغيب على من يختاره من عباده ليطلعه على بعض الحقائق، فلا تعارض بين الطائفتين.
الأمر الثالث: الآيات التي تثبت إمكان علم الغيب لغيره تعالى
جاءت في القرآن الكريم طائفة من الآيات تتحدث حول إمكان علم الغيب لغيره تعالى، مثل قوله تعالى:
(هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رُشدا)[8].
(قال إنك لن تستطيع معي صبراً* وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا)[9].
(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير)[10].
(وقل ربي زدني علماً)[11].
حيث توصّلنا قبل قليل الى أن علم الغيب خاص به سبحانه ويهب منه لمن يشاء ولا تعارض في النفي والإثبات بين العلمين فبنفس هذا التحليل ينحل التعارض بين الآيات التي تحصر علم الغيب به والآيات التي تتحدث عن إمكان علم الغيب لغيره.
إنّ الآيات التي تتحدث عن إفاضته علم الغيب لغيره تفيد بأنّه علم حاصل بإذنه وإرادته ورضاه، وليس خارجاً عن شؤونه تعالى على كل حال.
الأمر الرابع : الآيات التي تثبت إعطاء علم الغيب لخاتم الأنبياء
ذكرنا طائفة من الآيات تثبت إمكان الحصول على علم الغيب لبعض العباد، وذكرنا أيضاً ما يثبت إفاضته علم الغيب لغيره سبحانه مثل قوله تعالى:(وعلّم آدم الأسماء كلّها)[12] وقوله: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلاّ نبّأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما)[13]وقوله: (وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم)[14].
وبنفس هذا السياق توجد طائفة من الآيات تذكر إفاضة علم الغيب لخاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله)مثل قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)[15] وقوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى)[16] وقوله تعالى: ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك)[17].
وعن الإمام الباقر(عليه السلام)، أنّه قال: «لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً ، عالماً بشيء جاهلاً بشيء، الله أجل وأعز وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه سماءه وأرضه»[18].
وعن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «إن الله أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: (وإنّك لعلى خلق عظيم) ثم فوّض إليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده، فقال (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[19] وأن رسول الله كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزلّ ولا يخطئ في شيء مما يسوس به فتأدب بآداب الله»[20].
فإذا كان هذا شأن الرسول(صلى الله عليه وآله) وقد أفاض الله سبحانه عليه العلم بالغيب لأجل إكمال الرسالة وسياسة العباد وبسط العدل وسدده بروح القدس، فهل منح الله سبحانه هذه القدرة وأفاض علم الغيب لخلفاءه الذين ارتضاهم لإكمال مسيرته من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)انطلاقاً من نفس الغرض ؟ إنّ هذا ما سوف نتناوله في الفقرة التالية.
الأمر الخامس: النصوص التي تثبت إعطاء علم الغيب لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)
ذكرنا بأن الله سبحانه قد أعطى علم الغيب لأنبيائه والصالحين من عباده، وأئمة أهل البيت(عليهم السلام) هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا بنص الكتاب والسنّة الصحيحة، وانّهم خلفاء رسوله في تحقيق مهام الرسالة وأهدافها، وهذا يستلزم أن يكونوا عالمين بالغيب كما كان يعلم به(صلى الله عليه وآله).
1 ـ من هنا نجد أمير المؤمنين علياً(عليه السلام)، يقول: «ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء الى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون الى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين»[21].
2 ـ وورد عن عبدالله بن الوليد السمّـان، أنّه قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام): «يا عبدالله ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى(عليهم السلام)؟ قال: قلت: جعلت فداك ومن أي الحالات تسألني؟ قال(عليه السلام): أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء، قال: قلت جعلت فداك فما عسى أن أقول فيهم؟ فقال(عليه السلام): هو والله أعلم منهما، ثم قال: يا عبدالله أليس يقولون: إنّ لعلي ما للرسول من العلم؟ فقال: قلت: بلى، قال: فخاصمهم فيه، قال: إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء)[22]فأعلمنا أنه لم يُبينّ له الأمر كله، وقال الله تبارك وتعالى لمحمّد(صلى الله عليه وآله):( وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)[23]( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)[24]»[25].
3 ـ وقال تعالى: ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)[26].
إن سبب قدرة (آصف بن برخيا) على ذلك التصرف الخارق للنواميس الطبيعية الاعتيادية هو ما عنده من علم الكتاب، وهذا مشعر بأن سببه لا شيء آخر فولايته تدور مدار علم الكتاب، فما دام عنده علم من الكتاب تبقى ولايته ثابتة له بهذا المقدار، فإذا كان هذا شأن من عنده علم من الكتاب فما هو يا ترى شأن من عنده علم الكتاب كلّه؟
وبهذا الصدد يخبر الإمام الصادق(عليه السلام)سديراً عن علمهم(عليهم السلام)بما في الكتاب، قائلاً: «يا سدير ، ألم تقرأ القرآن؟ فيجيب سدير، قائلاً له: بلى، فيقول له الإمام الصادق(عليه السلام):فهل وجدت في ما قرأت من كتاب الله عزّ وجلّ (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)؟ قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك، قال: أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم، أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كلّه. قال: فأومأ بيده الى صدره وقال: علم الكتاب والله كلّه عندنا، علم الكتاب والله كله عندنا»[27].
4 ـ وقال تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)[28]. وقال أيضاً: ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)[29].
نظراً الى أن عموم إذهاب الرجس والتطهير من جميع المناقص الظاهرة والباطنية وشوائب الكدر وظلمات الجهل والسهو، دال على عموم علمهم وفعليته[30].
5 ـ عن عبدالأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «قد ولّدني[31] رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وا نا أعلم كتاب الله وفيه بدء الخلق وماهو كائن الى يوم القيامة، وفيه خبر السماء والأرض، وخبر الجنّة، وخبر النار، وخبر ما كان وماهو كائن، أعلم ذلك كأني أنظر الى كفّي، ان الله يقول : (فيه تبيان كل شيء)»[32].
6 ـ عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث، قال: «علّم رسول الله(صلى الله عليه وآله)عليّاً(عليه السلام)ألف باب، يفتح كل باب منها ألف باب، الى أن، قال: فإن عندنا الجامعة، صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه[33] وخطّ علي(عليه السلام) بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده اليّ ، فقال لي: تأذن لي يا أبا محمّد؟» قال: قلت: جعلت فداك، إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده، ثم قال: «حتى أرش هذا، كأنه مغضب»[34].
7 ـ عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) ، يقول: «إن عندي الجفر الأبيض» قال: قلت: فأيّ شيء فيه؟ قال: «زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً[35] وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج الى أحد حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وارش الخدش»[36].
8 ـ عن ربعي بن عبدالله، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنه قال: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذاك رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونحن»[37].
9 ـ عن بكر بن كرب الصيرفي، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) ، يقول: «إن عندنا ما لا نحتاج معه الى الناس وان الناس ليحتاجون إلينا وأن عندنا كتاباً إملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط علي(عليه السلام)صحيفة فيها كل حلال وحرام...»[38].
10 ـ عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث طويل، قال: «إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري»[39].
11 ـ عن سورة بن كليب، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): بأي شيء يفتي الإمام؟ قال: «بالكتاب»، قلت: فما لم يكن في الكتاب؟ قال: «في السنّة»، قلت: فما لم يكن في الكتاب والسنّة؟ قال: «ليس شيء إلاّ في الكتاب والسنّة»، قال: فكررت مرة أو مرتين،قال: «يسدد ويوفق[40] فأما ما تظن فلا»[41].
12 ـ عن الحرث بن المغيرة، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنّ الأرض لا تترك إلاّ بعالم، يحتاج إليه ولا يحتاج الى الناس، يعلم الحلال والحرام»[42].
عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): ما حقّ الله على خلقه؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا الى الله حقّه»[43].
قال أبو عبدالله(عليه السلام): «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون، إلاّ الكفّ عنه والتثبّت والردّ الى أئمة الهدى، حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى،ويعرّفوكم فيه الحق، قال الله: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)»[44].
13 ـ عن أبي اسحاق النحوي، قال: دخلت على أبي عبدالله(عليه السلام)فسمعته يقول: «إنّ الله أدب نبيّه على محبّته، فقال: (وإنّك لعلى خلق عظيم)ثم فوّض إليه، فقال عزّ وجلّ: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال عزّ وجلّ: (ومن يطع الرسول فقط أطاع الله)»، قال: ثم قال: «وإنّ نبي الله فوّض الى عليّ(عليه السلام) وائتمنه فسلّمتم وجحد الناس، فوالله لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّ وجل، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا»[45].
14 ـ عن اسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «إنّ الأرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم وإن نقصوا شيئاً أتمّه لهم»[46].
15 ـ عن ابن الطيّار، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إن الله احتجّ على الناس بما أتاهم وعرّفهم»[47].
الأمر السادس : الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وعلم الغيب
لما كان الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الخليفة المنصوص عليه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ حسب الأدلة النقلية والعقلية الثابتة في موردها ـ فقد أفاض سبحانه من علمه الغيبي للإمام كما أفاض لرسول الله(صلى الله عليه وآله)ليكون قادراً على أداء مهامّه الرسالية، وبهذا الصدد نذكر جملة من النصوص التي تؤكد امتلاكه(عليه السلام) لعلم الغيب، منها:
1 ـ قوله تعالى: ( ومن عنده علم الكتاب)[48] حيث روى الجمهور أنه هو عليبن أبي طالب(عليه السلام)[49].
2 ـ قوله تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)[50]وروي أنّه علي(عليه السلام)[51] وهو من أجلى المصاديق لمن اصطفاه الله من عباده.
3ـ قوله تعالى: ( وتعيها اُذُن واعية)[52]وقد روى الجمهور أنها نزلت في علي(عليه السلام)[53] أيضاً ، وأنّه قال : «ما سمعت شيئاً من رسول الله(صلى الله عليه وآله)فنسيته»[54] .
فالذي يمتلك علم الكتاب وهو من المصطفين الذين أورثوا الكتاب هو باب علم الرسول(صلى الله عليه وآله)، وهذا العلم يتضمن علوم الغيب وغيرها، وقد منح للإمام عليّ(عليه السلام) حسب هذه النصوص.
4 ـ قال(عليه السلام) مخبراً عن حوادث غيبية: «والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا فيَّ برسول الله(صلى الله عليه وآله) ألا وإني مفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق، واصطفاه على الخلق ما أنطق إلا صدقاً، ولقد عهد إليَّ بذلك كله ومهلك من يهلك، ومنجى من ينجو، ومآل هذا الأمر، وما أبقى شيئاً يمرُّ على رأسي إلا أفرغه في اُذنيّ وأفظى به إليَّ»[55].
5 ـ أشار(عليه السلام) وأخبر عن الحوادث التي فعلها القرامطة بقوله: «ينتحلون لنا الحب والهوى ويضمرون لنا البغض والقِلى، وآية ذلك قتلهم ورّاثنا وهجرهم أحداثنا».
قال ابن أبي الحديد: «وصح ما أخبر به لأن القرامطة قتلت من آل أبي طالب(عليه السلام) خلقاً كثيراً»[56].
6 ـ جاء في خطبة للإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ، أ نّه قال: «سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألونني عن فئة تضل مائة، وتهدي مائة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها الى يوم القيامة».
فقام إليه رجل فقال له: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟
فقال(عليه السلام): «والله لقد حدّثني خليلي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما سألت، وإنّ على كل طاقة شَعر من رأسك ملكاً يلعنك، وإن على كل طاقة من شَعر من لحيتك شيطاناً يستفزّك، وإنّ في بيتك لَسَخْلاً يقتل ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولولا أن الذي سألت عنه يعسُر برهانه لأخبرت به، ولكن آية ذلك ما نبأتُ به من لعنك وسخلك الملعون» .
وكان ابنه في ذلك الوقت صغيراً، وهو الذي تولى قتل الحسين(عليه السلام) فيما بعد[57].
7 ـ كانت للإمام أمير المؤمنين أحكام غريبة وعجيبة أكثر من أن تحصى، وهي تكشف بدورها عن علم الإمام الممنوح له من الله تعالى، حيث نجده يجيب عن أحكام الله بعد عجز غيره عنها، مثل الأمر بشقّ الولد نصفين حتى رجعت المرأتان المتداعيتان الى الحق[58].
وكقسمة الدراهم على صاحبي الأرغفة[59] واستخراج حكم الخنثى[60] وأحكام البغاة حتى قال الشافعي : عرفنا حكم البغاة من علي(عليه السلام)[61].
8 ـ جاء في اُسد الغابة في ترجمة غرفة الأزدي، أ نّه: كان من أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ومن أصحاب الصفة، وهو الذي دعا له النبي(صلى الله عليه وآله) أن يبارك في صفقته، قال غرفة: دخلني شك من شأن علي(عليه السلام)فخرجت معه على شاطئ الفرات فعدل عن الطريق ووقف ووقفنا حوله، فأشار بيده: «هذا موضع رواحهم ومناخ ركابهم ومهراق دمائهم، بأبي مَن لا ناصر له في الأرض ولا في السماء إلا الله».
فلما قتل الحسين(عليه السلام) خرجت حتى أتيت المكان الذي قتلوه فيه فإذا هو كما قال ما أخطأ شيئاً، قال غرفة: فاستغفرت الله ممّا كان مني من الشكّ وعلمت أن علياً(عليه السلام) لم يقدم إلاّ بما عهد إليه فيه[62].
9 ـ أخبر الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) بقتل (ذي الثدية) من الخوارج وعدم عبور الخوارج النهر بعد أن قيل له: قد عبروا[63].
10 ـ وأخبر(عليه السلام) عن قتل نفسه[64].
11 ـ وأخبر بأن المغول سيأخذون الملك من بني العباس[65].
12 ـ وأخبر بصلب ميثم التمّار وطعنه بحربة عاشر عشرة، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها، ففعل به ذلك عبيدالله بن زياد عليهما اللعنة[66].
الأمر السابع: الروايات التي تتحدث عن علم الأئمة وإخباراتهم الغيبية
1 ـ جاء في الحديث القدسي : «يا ابن آدم، أنا غني لا أفتقر، أطعني فيما أمرتك أجعلك غنياً لاتفتقر، يا ابن آدم أنا حي لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حياً لا تموت، يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون»[67].
والأئمة أطاعوا الله تعالى حتى شهد لهم بالعصمة فهم أولى من يصدق في حقّهم هذا الحديث القدسي.
2 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ««أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»[68].
3 ـ عن ابن عطاء المكي، قال: اشتقت الى أبي جعفر وأنا بمكة فقدمت المدينة ـ ما قدمتها إلاّ شوقاً إليه ـ فأصابني برد شديد فانتهيت الى بابه نصف الليل، فقلت: أطرقه في هذه الساعة أو أنتظره حتى أصبح؟ فإني لاُفكر في ذلك إذ سمعته، يقول: «يا جارية، افتحي الباب لابن عطاء، فقد أصابه برد شديد في هذه الليلة». ففتحت الباب[69].
4 ـ عن أبي كهمس، قال: كنت نازلاً بالمدينة في دار فيها وصيفة كانت تعجبني فانصرفت ليلاً، فاستفتحت الباب، ففتحت لي فقبضت على يديها فلما كان من الغد دخلت على الصادق(عليه السلام)فقال: «يا أبا كهمس تب الى الله مما صنعت البارحة»[70].
________________________________________
[1] سورة النمل : 65.
[2] سورة الأنعام : 59.
[3] سورة هود: 31.
[4] سورة هود: 123.
[5] سورة المائدة : 109.
[6] سورة الزمر : 42.
[7] سورة السجدة : 11.
[8] سورة الكهف : 66.
[9] سورة الكهف : 67، 68.
[10] سورة الأعراف: 188.
[11] سورة طه : 114.
[12] سورة البقرة : 31.
[13] سورة يوسف : 37.
[14] سورة آل عمران: 7.
[15] سورة النجم : 6.
[16] سورة الأعلى: 6.
[17] سورة آل عمران: 44.
[18] اُصول الكافي 1: 262 ح 6.
[19] سورة الحشر : 7.
[20] اُصول الكافي 1: 266 ح 4.
[21] تفسير القمي 1: 367، نور الثقلين 2: 523.
[22] سورة الأعراف : 145.
[23] سورة النساء : 41.
[24] سورة النحل : 89.
[25] الكافي 1: 147، بحار الأنوار 26: 16 .
[26] سورة النمل : 96.
[27] اُصول الكافي 1: 257.
[28] سورة الأحزاب : 33.
[29] سورة آل عمران : 33.
[30] المعارف السليمانية: لآية الله السيد عبدالحسين النجفي اللاري: 60.
[31] أي حصلني.
[32] الكافي: 1/61، كتاب فضل العلم، الباب 20، باب الردّ إلى الكتاب، الحديث 8.
[33] أي من شق فمه.
[34] الكافي: 1/238، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة، ح 1.
[35] يعني: لا أقول فيه قرآناً، بل في الجفر علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة.
[36] الكافي: 1/240، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة ، الحديث 3.
[37] الكافي: 1/183 ، كتاب الحجة، باب معرفة الإمام ، ح 7.
[38] بصائر الدرجات : 142/1 ، الباب 12 باب في انّ الأئمة عندهم الصحيفة الجامعة...
[39] التوحيد: 270/1 ، الباب 37، باب الردّ.
[40] يعني من عند الله لا من نفسه.
[41] بصائر الدرجات: 387/1 و 388/5، باب في الأئمة انّهم يوفّقون ويسددون.
[42] المحاسن: 1/234، كتاب مصابيح الظلم، الباب 21، الحديث 194.
[43] المحاسن: 1/204، كتاب مصابيح الظلم، الباب 4، حق الله عزّ وجلّ في خلقه، الحديث 53.
[44] الكافي: 1/50، كتاب فضل العلم، باب النوادر، الحديث 10، والآية في سورة النحل: 43.
[45] الكافي: 1/265، كتاب الحجّة، باب التفويض الى رسول الله، ح 1.
[46] الكافي: 1/178، كتاب الحجة، باب أن الأرض لا تخلو من حجة، ح 2.
[47] الكافي: 1/162، كتاب التوحيد باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة، ح 1.
[48] الرعد : 43.
[49] شواهد التنزيل : 1/307 للحاكم الحسكاني، وتوضيح الدلائل : 163، للعلامة شهاب الدين الشيرازي، والنور المشتعل: 125 للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبدالله الشافعي وتنزيل الآيات: 15 للحافظ حسين الحبري مخطوط ، وينابيع المودّة: 103 للعلاّمة القندوزي الحنفي، ط استانبول، وأرجح المطالب: 86 و 111 ط لاهور، للعلامة الشيخ عبيدالله الحنفي، والجامع لأحكام القرآن: 9/336 للعلامة أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري، والإتقان : 1/13 للسيوطي.
[50] سورة فاطر : 32.
[51] راجع شواهد التنزيل : 2 / 103 ، وينابيع المودّة: 103 ط . استانبول.
[52] سورة الحاقة : 5.
[53] التفسير الكبير : 30 / 107 وتفسير الطبري : 29 / 31 وأسباب النزول : 249 وتفسير ابن كثير: 4 / 413 والدر المنثور: 6/260 وروح المعاني : 29/43 وينابيع المودّة: 120 ونور الأبصار : 105 وكنز العمال : 6/408.
[54] مجمع البيان للطبرسي : 10/345 رواه من طرق العامة والخاصة.
[55] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 10 / 10.
[56] شرح نهج البلاغة : 10 / 14.
[57] شرح نهج البلاغة 2: 448 و 1: 208 رواه عن كتاب الغارات لابن هلال الثقفي، وقد كان سنان بن أنس النخعي ممن اشترك في قتل الحسين(عليه السلام). راجع تهذيب التهذيب 7: 337 وكنز العمال 1: 228 وينابيع المودّة: 73.
[58] كنز العمال 3: 179.
[59] ذخائر العقبى : 84 والصواعق المحرقة: 77.
[60] نور الأبصار: 71، ومناقب أحمد الخوارزمي : 60، ومطالب السؤول : 13.
[61] كتاب الأم : 4/233 في باب الخلاف في قتال أهل البغي.
[62] راجع اُسد الغابة: 4/ 169.
[63] مروج الذهب: 2/ 405 والكامل لابن الأثير: 3/ 174 و 175.
[64] لسان الميزان: 3/ 439، واُسد الغابة: 4/ 35، ومنتخب كنز العمّال: 5/ 59 ومسند أحمد: 1/ 156.
[65] شرح نهج البلاغة: 2/ 125 و241 ، وتهذيب التهذيب: 7/ 358.
[66] شرح نهج البلاغة: 1/ 210، ومناقب المرتضوي : 278.
[67] بحار الأنوار 90: 376.
[68] كنز العمال : 11 / 614 ح 32978 و 32979 ، لسان الميزان 1: 432.
[69] بصار الدرجات 5: 277. بحار الأنوار : 46/235.
[70] بصائر الدرجات 5: 262.

الفصل الرابع : العلم بالغيب وعلم النفس الفلسفي

ليس بصحيح أن الأئمة(عليهم السلام) لا يعلمون الغيب بناءً لمحدودية وجودهم الذي هو من الممكنات، وعدم أزليتها مع أن الغيب لا حدود له والمحدود لا يستوعب غير المحدود بحكم العقل، ولذلك اختص علم الغيب بالله تعالى الذي لا يُحد، وذلك لأن محدودية النبي والإمام أمر لاريب فيه ولا شبهة تعتريه، وكذلك اختصاص علم الغيب بالله أمر ثابت لم ينكره أحد من المسلمين.
لكن المدّعى أن الله أكرمهم وخصّهم بأنباء من الغيب ووهبهم علمها فبإذنه وأمره علموا ذلك، وأصبح ذلك لهم شهوداً ،وإن كان لغيرهم «غيباً محجوباً» ، وإنّما اختصّهم الله بذلك ، لقربهم منه بالعمل الصالح والنيّة الصادقة واحراز الاخلاص والتقوى والجد .
ولم يعطوا ذلك بالجبر والاكراه، بل من جهة امتلاكهم للسمات المؤهلة للوصول الى الدرجات واستحقاق المقامات التي أثبتتها لهم الفتنة والابتلاء والامتحان والمعاناة الطويلة.
إن أمر الاستبعاد والانكار لعلم الأئمة بالغيب والشامل للماضي والحاضر والمستقبل ، سوف يهون إذا عُرف أنه ليس بالاستقلال ، بل بواسطة الوحي الإلهي المنزل على قلب الرسول(صلى الله عليه وآله) ،ومن خلال الإلهام لآله الأطهار.
ولما ثبت من خلال التحقيق النقلي بأنّهم حازوا على تلك الموهبة والإفاضة الإلهية لعلم الغيب في بحث سابق ، سنتناول المسألة هنا باطارها الفلسفي.
ونوعية التحقيق في هذه المسألة لا تتم إلاّ بالاُصول العقلية المستخدمة في البراهين الفلسفية، وهي الاُصول المستغنية عن الدليل ـ المفاهيم الثانوية الفلسفية ـ فمثلاً ، لكي نعرف حقيقة العلم ماهو فهل هو شيء مادي ومن أعراض الجسم الإنساني؟ أم هو ظاهرة متعالية عن اُفق المادة وشيء مجرد عنها، وبالتالي فهو خاصية الجانب اللامادي من الإنسان وماهي علاقته به، وكيف يقوم العلم بعمله، بل ما عمله أساساً وماهي حدوده التي يقف عندها؟ كل هذه الأسئلة لا يمكن الوقوف على أجوبتها إلاّ وفق الاُسس العقلية اليقينية.
والآن ماالذي يقدمه لنا هذا العلم بحيث ينفعنا فيما نحن فيه؟
1 ـ يؤكد علم المعرفة أن العلم حقيقته تكمن «في كاشفيته للواقع» فهو يظهر الواقع ويكشفه لنا ، الأمر الذي نعرفه بالبداهة.
2 ـ إن الكاشفية عن الواقع من أخص خواص الموجود الإنساني بحيث يستحيل فرض انفكاكه عنه، وإلاّ لكان ذلك انفكاك نفسه عن نفسه.
3 ـ العلم أو الكشف عن الواقع ظاهرة متعالية عن المادة لعدم انطباق خصائصها عليه من قبيل الانقسام والاضمحلال والتبدل وغيرها، فهو إذاً خاصية الموجود المجرد عن المادة، وعليه فالنفس أمر وراء المادة.
4 ـ يحدث العلم وانكشاف الواقع بالاتصال الوجودي والواقعي بين النفس ـ العالم ـ والشيء المراد معرفته ـ المعلوم ـ وبغير الاتصال، هذا فرض حدوث الانكشاف وتحقق العلم محال إذ لا سبب له.
5 ـ وسائل الاتصال العلمي بالواقع ثلاثة: الاتصال عبر الحواس المتعلق بالوقائع المادية، والاتصال عبر العقل المتمثل في إدراك الكليات، والاتصال المباشر بالشيء من دون تحقق وساطة العقل أو الحسن، ويعبر عنه بالمعرفة الشهودية أو القلبية والفؤادية.
6 ـ الاتصال ومعرفة الوقائع المجرده عن المادة أمر متاح للنفس الإنسانية، إذ هي في رتبتها لا يفصلها عنها فاصل، إذ موانع العلم والانكشاف منها خارجية وتتمثل في الزمان والمكان ـ الزمكان ـ المتعلقة بالجسمانيات، ومنها باطنية معنوية وتتمثل في الانشغال وعدم الإلتفات، ولما ثبت تعالي النفس وإدراكها عن المادة، فالفواصل الزمكانية ساقطة عنها غير متعلقة بها، وإنّما متعلقة بجانبها الجسماني الذي ليست له علاقة بالعلم، وكشف الواقع إذاً يبقى الفاصل المعنوي وهو الانشغال بما تلتقطه الحواس والاُنس بها وإهمال ما ورائها من حقائق الأمر، الذي دل عليه الكتاب العزيز كذلك، ففي قوله تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)[1]. ذم لمن ركن بعلمه الى ظاهر النشأة هذه ولم ينحدر عنها الى باطنها، فلو لم يكن ذلك متاح لها لما استقام الذم في محله.
فقد خلصنا الى أن معرفة الواقع المجرد بنحو من أنحاء المعرفة متاح للنفس الإنسانية، وليس بأمر فوق طاقة النفس وخارج عن إمكانياتها. هذا من الجهة الاُولى.
وأما الجهة الثانية: التي تتوجه نحوها المسألة هي صوب «العالم» وفي مورد المسألة يكون «الإمام» سلام الله عليه، وله بُعدان: بُعد يشترك به مع سائر الخلق، وبتعبير دقيق: «جهة العالمية هي نفسه الشريفة التي تشبه سائر النفوس من جهة النفسانية» وبعد يختلف به عن سائر الناس ويرتقي بوجوده الى الاُفق الأعلى حيث مقام الولاية العظمى، ومرة اُخرى نلجأ للتعبير الدقيق ـ إن كان كذلك فعلاً ـ : «جهة كيفية العالمية وسعة اُفقها التي تختلف نفسه بها عن نفوس سائر الناس» فالتحقيق هذا ينهض به علم «معرفة النفس» الفلسفي، وليس التحليلي الذي تتشبث به مدارس علم النفس الحديثة، فالفرق الحقيقي الواقع بين علم النفس التحليلي الحديث وبين علم النفس الفلسفي الذي هو إحدى فروع علم الفلسفة الإسلامية إن الأوّل يغض النظر عن البحث في النفس ويركّز على دراسة مظاهرها المتمثلة في صفاتها وأفعالها، بينما الآخر يقوم بدراسة النفس من جهة إثبات وجودهها وكيفية نشأتها وحالاتها الباطنية بعد الموت وحشرها ومعادها، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بها.
والآن لنستشير هذا العلم فيما نحن فيه لنرى بما يمدنا به:
1 ـ أوّل ما تثبته تحقيقاته في النفس الإنسانية أن لها رتب ومقامات ومنازل من جهة شدة التجرد عن المادة والارتفاع الى العالم الأعلى ونقصه، وإن قلة الإلتفات وحدته راجع إليه، ولما كان الإدراك مجرداً عن المادة وخاصية النفس الإنسانية فدراسة مستوى تجرده دال على مستوى تجرد النفس، والدراسة هذه تصنف مرتبة إدراك المحسوسات من أضعف مراتب التجرد، إذ يكاد لا يفارق المادة بل لا يتحقق إلاّ بالاتصال بها وهي مرتبة يشترك الحيوان فيها مع الإنسان، وربما قد يفوقه وتصنف مرتبة إدراك الكليات، وهي الجهة التي يرتقي الإنسان عن الحيوان في اُفق التجرد من المراتب المتوسطة منها، أما أعلى مراتب الإدراك تجرداً وشمولاً فهي المرتبة التي تسمى بالإدراك القلبي أو الشهودي والتعبير الفلسفي العلم الحضوري بالواقع وهو أيضاً منازل ومراتب أضعفها المنامات الصادقة، وأوسطها الإلهام وحديث الملائكة وأشدها في سلم العلم والإدراك الإنساني بطوله الظفر بالوحي وتلقيه.
2 ـ إن الجهة التي تختلف فيها نفس الإمام عن سائر النفوس هي هذه، أي جهة سعة الإدراك وإحاطته بالواقع وتجردّه التام عن المادة بحيث لا يستعين لأجل الكشف والعلم بوساطة الحس أو العقل وهو دال على سعة النفس وعلو رتبتها ورفعة مقامها ومنزلتها والبحث القرآني أيضاً يعضد ما انتهينا إليه، ففي قوله تعالى:
(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)[2].
وقد رتّب الإمامة التي هي الهداية بأمر الله على الصبر ورتّب الصبر على اليقين بالآيات، واليقين هو أعلى درجة من درجات الإدراك إذ متعلقه في اُفق متسامي عن المادة بنص قوله تعالى: (وكذلك نُري ابراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين)[3].
(كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم)[4].
فقد بان إذاً أن مسألة انكشاف الواقع الغير مادي للنفس الحاصلة على مقام الإمامة يعتبر من ضروريات مقامها الوجودي.
الجهة الثالثة: التي تتعلق المسألة بأذيالها هي«المعلوم» أو «متعلق الإدراك» أي الواقع المراد معرفته والظفر به، ومن هذا الجانب ترتمي المسألة في أحضان معرفة وجود الأشياء ومراتبها وبحساب التعبير الدقيق المتكرر الذكر: «معرفة الشيء بعلله» إذ من الضروري الوقوف على هذا البعد من المسألة أيضاً لنرى أن معرفة المصير على وجه التفصيل أين يكون موقعه من التحقق وكيف يظفر به العلم؟
1 ـ وفق نظام العلّي والمعلولي الحاكم على الكون تغدو مسألة وقوع التشكك في وجود الأشياء متعيناً بالبرهان، فما هو واقع في المرتبة المادية للأشياء مترشح عما قبلها، بل هو لون من ألوان وجودها الشاحب والمحدود، فإذاً للأشياء وجود آخر متعالي عن المادة والزمان واقع في صقع التجرد والدهر، والاطلاع عليه هناك يساوق كمال الاطلاع وتمامه.
2 ـ أما الوقائع الواقعة في ظرف اختيار الإنسان لها والتي ليست من الأعيان فإن الاطلاع على عللها اطلاع عليها وفق ما حقق في محله أن «العلم بالعلّة علم بمعلولها» فالاطلاع على الإرادة ـ التي هي احدى هذه العلل إطلاعاً تاماً ، وكذا لسائر العلل المنتجة للواقعة ـ محقق لوقع الكشف وحدوث العلم.
3 ـ هذا، وأن أعلى مرتبة وجود الأشياء بأسرها ومنها الواقعة تحت جريان الاختبار الإنساني عليها هي وجودها في صقع علمه سبحانه التام بها، فعبر طريقه وبإخباره جلّ وعلا يتم العلم بها.
إنّ هذا الذي انتهينا إليه قد حكى الكتاب العزيز عنه، فقد أثبت لسائر الأشياء لوناً من الوجود المتعالي عن المادة وجعل الوجود المادي بمثابة تنزل عن ذلك ، فكأنّه يثبت وجوداً واحداً للأشياء ذو تشكك كما في قوله تعالى: (وإن من شيء إلاّ وعندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم)[5].
فقدر محدود من الشيء هو الواقع لظرف التنزل، وليس تمام الشيء وفي قوله تعالى: (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين)[6].
فهناك إذاً نحو من الوجود «الجمعي» للأشياء عبّر عنه تعالى بالكتاب المبين، ومن الواضح أن المبين هنا غير راجع للباري تعالى إذ كل شيء له كذلك ولا معنى للأخبار عنه.
وحكت آيات الكتاب العزيز أن هذا الكتاب أو الوجود الجمعي للأشياء يقبل نيل العلم شيئاً منه، وأنه يساوق ـ أي العلم به ـ التمكن من الشيء المعلوم فيه نحو التمكن، كما في قوله تعالى: (وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)[7].
وأخيراً حكى القرآن أن هذا الوجود الجمعي للأشياء محصي في «إمام مبين»: (وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين)[8].
ومهما اختلف المفسرون في تحديد هوية الإمام المبين فتحقيقنا في المسألة قد أصبح في قرار مكين[9].
الفصل الخامس
علم الغيب عند غير الإمامية
يصطلح الاتجاه الآخر المخالف لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) على ظاهرة العلم بالغيب في حياة الأنبياء والصالحين والأولياء عدة اصطلاحات، منها المكاشفة والكرامة والفراسة التي تمنح لهؤلاء، حيث نجد مشهور هذا الاتجاه يذهب الى إثباتها، إلاّ أن الاختلاف في ما بينهم قد وقع في الاُسس والمباني التفسيرية والأدلة الشرعية لإثبات هذه الظاهرة، وقد طغى على تلك التفسيرات الضعف والاضطراب، وكما يبدو أن المسألة مغفول عن دراستها وتعميقها من قبل هذا الاتجاه، ولعل الأمر يعود الى عدم الاعتقاد بالإمامة التي هي خلافة للنبوة، والتي تستلزم العصمة، حيث تعرض هذا الاعتقاد ـ علم المعصوم بالغيب ـ عند من تبناه الى جدل ومناقشات وحوارات عميقة ساهمت في تشييد مبانيه بتقنية عالية.
أما الاتجاه الآخر الذي لا يعترف بالعصمة لأحد بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)قد تناول المسألة بسطحية ولم ينفذ الى جذورها ولم يلم بأبعادها ، فقد خلط مثلاً بين المكاشفة والفراسة والكرامة والعلم الحضوري عند المعصوم ، من هنا سوف نقف على أهم المحاولات التفسيرية لهذه الظاهرة.
محاولة الشوكاني: قد استدلّ الشوكاني على إثبات هذه المسألة بالطريق النقلي فَحَسِبَ العلم بالغيب فراسة فاستدل بقوله(صلى الله عليه وآله): «اتّقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله» ويضرب لها مثالاً بالعلم الذي امتلكه الصحابي حذيفة بن اليمان، على أنه كان يعرف المنافقين بالفراسة.
والصحيح أن الفراسة غير العلم الذي عند حذيفة، فعلمه بهؤلاء كان قد أخذه من النبي(صلى الله عليه وآله)، للياقة في حذيفة وهو موهوب منه سبحانه، فالعلم من هذا اللون غير الفراسة، وإن كانت الفراسة ضرباً من ضروب المنح الإلهية.
ثم يظهر خلط آخر في كلام الشوكاني بأن الكرامة أو المكاشفة يعتريها الشيطان، فبناءً على ذلك نقول: إن صاحب العلم الحضوري الموهوب للمعصوم عن الخطأ لا يعتريه الشيطان، فعلمه غير الكرامة أو المكاشفة المقصودة في كلام الشوكاني، وأما استفادته لصحة الولاية أو الكرامة بالإخبارات المواففة للواقع دليلاً على صحة المكاشفة ، فهذا بعيد لأن العلم الذي عند حذيفة يختلف عن العلم الذي عند غيره ، فحذيفة لم يعرفهم بالمكاشفة وإن كان إخباره موافقاً للواقع كما هو صاحب العلم الحضوري أو الذي امتلك منه بقدر، وإليك ما قاله الشوكاني:
إنّ المكاشفات أمرٌ ممكن الوقوع لا يجوز لأحد انكاره ، ومن الأمثلة على ذلك الصحابي حذيفة بن اليمان ومعرفته بالمنافقين ; لذا نقول: ليس لمنكر أن ينكر على أولياء الله ما يقع منهم من المكاشفات الصادقة الموافقة للواقع[10]، ففي ذلك حديث النبي(صلى الله عليه وآله): «اتّقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله» ولكن لابد من عرض المكاشفات على الشرع للتثبت منها[11].
قد يقود تلبيس الشيطان بعض الناس عند قوة وجدهم وغليان عاطفتهم الى أنواع التبصير والحركات المستغربة التي لا تتوافق مع أحكام الإسلام مما يسمى شطحات وعندهم أنها رموز وأن ظاهرهم لا يعبر عن حقيقة حالهم، ولكن هذا السلوك المسمّى شطحات هو ما أفسد على كثيرين عقيدتهم فقادهم الى ردّة عن الإسلام[12].
أما محاولة ابن تيمية: فقد قسّم الأفعال الخارقة للعادة الى قسم المكاشفة التي هي من جنس العلم والى قسم التصرفات التي هي من جنس القدرة والملك، وقسم من هذه الأفعال ما يرجع الى جنس الغنى[13]، وفي موضع آخر قال: وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الاُمور إن استعان بها على ما يحبه الله ويرضاه ويقرّبه إليه ويرفع درجته ازداد بذلك رفعة وقرباً الى الله ورسوله، وإن استعان به على ما نهى الله عنه ورسوله كالشرك والظلم والفواحش استحق بذلك الذمّ والعقاب.
ولذا كثيراً ما يعاقب أصحاب الخوارق تارةً بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه ويسلب العالم علمه، وتارة تسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة الى العامة، وتارة ينزل الى درجة الفسّاق، وتارة يرتد عن الإسلام[14].
هذا التقسيم للأعمال الخارقة للعادة أو ما يسمى بالمكاشفة يغاير تماماً ما تذهب إليه مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، لأن الله لا يسلب العصمة من المعصوم المتضمنة للعلم الحضوري بعد أن استحقها بتقدير منه سبحانه.
والعصمة تنفي ـ كما هو العلم الحضوري الموهوب الذي تضمنته العصمة ـ أن يوظف خلاف الإرادة الإلهية ، لأنه علم استحق به المعصوم عصمته والمولى يمنح العلم للإمام المنصوص عليه من النبي(صلى الله عليه وآله) ، لغرض تصديق النبوة وتطبيق ما جاءت به والإرشاد إليها من قبل الإمام، فالسلب للعلم يتنافى مع الغرض الإلهي الذي لابد من أدائه عن طريق وجود المعصوم بعد النبي(صلى الله عليه وآله).
لكن يمكن حمل كلام ابن تيمية للخوارق بأنها من نوع آخر لا العلم الموهوب الخارق للعادة والذي هو من لوازم العصمة، حسبما تذهب إليه مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) .
أما تقريب ابن أبي الحديد فلم يتناول المسألة بتفاصيلها، وإنّما اقتصر على نفي المعارضة بين قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً...) وبين علمه(صلى الله عليه وآله) بفتح مكة وما سيكون من قتال الناكثين والمارقين.
فيقول: إن الآية غاية ما تدل عليه نفي العلم بما يكون في الغد، وأما إذا كان بإعلام الله عزّ وجلّ فلا، فإنه يجوز أن يُعلم الله نبيّه بما يكون[15].
وتناول المسألة بهذا المقدار لا يفي بالقدر المطلوب ، إلاّ أن جمعه بهذه الطريقة لا يتعارض مع ما يذهب إليه أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) .
أما ابن خلدون: فيفهم الولاية والمكاشفة والعلم بالغيب والاتصاف بهذه الاُمور، على أنها لا تستلزم تحصيل العلم ولا الاتصاف بالسلوك السوي المنسجم مع أوامر الرسالة ونواهيها ، لذا يؤكد بأن الله منح هذه الولاية والمكاشفة والعلم بالغيب لناس معتوهين، ومن هؤلاء: (قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء أو هم مع ذلك صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين ، وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهم غير مكلفين، ويقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون بشيء ، فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما يفكر الفقهاء إنّهم على شيء في المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم والولاية لا تحصل إلا بالعبادة، وهو غلط فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها)[16].
وطبيعي أن الولاية والمكاشفة التي يعنيها ابن خلدون في كلامه غير الولاية والعلم عند المعصوم، الذي لا تفكيك بين علمه الموهوب منه سبحانه وبين سلوكه وتصرفاته العملية، فالعلّة المنتجة للسلوك هي العلم والقاطعية بوجود الشيء وانكشافه، ثم الحاجة الى تحصيله عند ذاك يحدث السلوك والمحركية، وليس بصحيح أن السلوك يتأتّى بعلّة عدم العلم أو أن سلوكه يخالف علمه وإلاّ فهو كالذي يقطع بوجود الماء خلفه وهو محتاج إليه فيذهب الى غير وجهته.
أما ما يقرره الفخر الرازي في تفسيره[17]: فإنّه محاولة تقريبية لإثبات الكرامة في القرآن لا أكثر، والذي نريده هو إثبات العلم الموهوب منه سبحانه كصفة تلازم المعصوم، فالذي ينفعنا من بحثه هو مجرد إمكانية حصول الكرامة لغير المعصوم، كما أن الكرامة لا تصلح كمورد لإثبات الولاية لأحد من الناس .
وهذا المبنى يخالف مذهبنا في إثبات الولاية التي لا تثبت إلاّ بالنصّ من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله)، الكاشف بدوره عن العصمة المتضمنة للعلم الحضوري، ولهذا لم تكن الكرامة كطريق لإثبات الولاية عندنا.
___________________________________
[1] الروم: 7.
[2] السجدة: 24.
[3] الأنعام: 75.
[4] التكاثر: 5.
[5] الحجر: 21.
[6] الأنعام: 59.
[7] النمل: 40.
[8] يس : 12.
[9] علم الإمام ونهضة سيد الشهداء، محمد حسين الطباطبائي: 30 ـ 32 .
[10] قطر الولي على حديث الولي، الشوكاني ، تحقيق وتقديم إبراهيم هلال ، بيروت إحياء التراث العربي بدون تاريخ: 249.
[11] قطر الولي على حديث الولي، الشوكاني ، تحقيق وتقديم إبراهيم هلال ، بيروت إحياء التراث العربي بدون تاريخ: 249.
[12] المصدر السابق : 250.
[13] ابن تيمية كتاب التصوّف: 298 نقلاً عن التصوّف للدكتور أسعد السحمراني: 155.
[14] الفرقان بين أولياء الرضا وأولياء الشيطان ، ابن تيمية : 151.
[15] شرح النهج: 1/427.
[16] تاريخ ابن خلدون: 1/110.
[17] التفسير الكبير للفخر الرازي: 21/91 .

الفصل السادس : تاريخية المسألة والاتجاهات التفسيرية لها في المنظور الإمامي

التزم أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وبلا مزيد من البحث بأن النبي(صلى الله عليه وآله) لابد أن يكون عالماً بكل ما تحتاج إليه الاُمّة ، لأن الجهل نقص ولابد في النبي(صلى الله عليه وآله) أن يكون أكمل الرعية حتى يستحق الانقياد له .
وكذا الإمام لابد أن يكون عالماً بنحو ذلك حتى يستحق الخلافة عن النبي(صلى الله عليه وآله) في الانقياد له واتّباع أثره ولكي يكون اُسوة.
وبعد هذا وقع البحث في دائرة العلم الذي يجب أن يتصف به النبي(صلى الله عليه وآله) أو الإمام(عليه السلام) هل هو العلم بالأحكام فقط؟ أو العلم بالموضوعات الخارجة، وسائر الحوادث الكونية، بما في ذلك المغيبات الماضية والمستقبلية؟
فالتزام الإمامية بإمكان هذا العلم بنحو مطلق وعدم تخصيصه أو تقييده بشيء دون آخر من المعلومات في أنفسها، إلاّ ما دلّت الأدلة القطعية على إخراجه.
واعترض على هذا الالتزام بعدة وجوه نختار منها وجهين، لأنهما المحورين الذين يدور عليهما رحى الجدل والحوار في الوسط الإمامي:
الأوّل: إنّ الرسول والإمام إذا كانا يعلمان الغيب فلابد أن يعرفا ما يضرّهما ويسوءهما، والعقل والشرع يحكمان بوجوب الاجتناب والابتعاد مما يسوء ويضرّ، بينما نجد وقوع النبي والإمام في ما أضرهما وأذاهما.
وقد جاء التصريح بهذه الحقيقة على لسان النبي في قوله تعالى: (ولو كنت أعلمُ الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون)[1].
ولو كان الأئمة يعلمون الغيب ما أقدموا على أعمال أدّت الى قتلهم وموتهم وورود السوء عليهم.
كما أقدم أمير المؤمنين على الذهاب الى المسجد ليلة ضربة ابن ملجم فاستشهد من ضربته.
وكما أقدم الحسين (عليه السلام) على المسير الى كربلاء، حيث قُتل وسُبيت نساؤه وانتُهب رحْلُه. فإن كل ذلك ـ لو كان مع العلم به ـ لكان من أوضح مصاديق الإلقاء للنفس في التهلكة، الذي نهى عنه الله في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين)[2].
وقد اُثير هذا الاعتراض قديماً جداً، حتى إنّا نجده معروضاً على الأئمة(عليهم السلام) أنفسهم، ونجده مطروحاً في القرون التالية مكرراً، وقد تعددت الإجابات عنه كذلك عبر القرون .
الثاني: لو فرضنا وجود تكليف خفي يدعوه الى اقتحام المهالك مع ثبوت علمه بالمصير، لكانت نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)كأحد الأئمة(عليهم السلام) الذين يمتلكون العلم بالغيب معطلة الجدوى، إذ لم يكن لديه خيار إلاّ السير نحو مصيره، بخلاف جهله بمصيره فعندئذ تكون النهضة من جملة الخيارات المتاحة له، والفرق بين الأمرين كبير.
وقبل الدخول في بحث تاريخية المسألة والمبتنيات التفسيرية لها لابد من تثبيت مقدمة تكون بمثابة جواب يحسم الجدل من أساسه.
ذلك إن الإمامة إذا ثبتت لأحد ، فلابد أن تتوافر فيه شروطها الأساسية ومن شروطها عند الإمامية العصمة، وهي تعني الامتناع عن الذنوب والمعاصي بالاختيار، ومنها العلم بالأحكام الشرعية تفصيلاً.
فمن صحت إمامته واستجمع شرائطها، لم يُتصور في حقه أن يُقدم على مُحرم كالقاء النفس في التهلكة المنهي عنه في الآية، وكذا لا يقدم على فعل معطل الجدوى.
وحينئذ ، لابد أن يكون ما يصدر منه مشروعاً.
فلا يمكن الاستناد الى «حرمة الإلقاء في التهلكة أو الأعمال المعطلة للجدوى لنفي علم الغيب عنه ، لأن البحث عن علمه بالغيب إنّما يكون بعد قبول إمامته وهي تنفي عنه الاقدام على الحرام.
وهذا يعني أن ما يُقدم عليه حلال مشروع، سواء علم الغيب أم لم يعلمه.
فلا يمكن نفي علمه بالغيب يُعرض حرمة الإلقاء في التهلكة عليه وكذا اقدامه على عمل معطل الجدوى.
ومن هنا توصلنا الى أن الاعتراضين معاً لا يصدران ممّن يعتقد بشرائط الإمامة الحقّة المسلّمة الثبوت في كتب الكلام والإمامة، وما يوجد من صور الاعتراضين أو غيرهما في تراثنا إنّما هو افتراض بغرض دفع شبهة المخالفين وردّ اعتراضاتهم.
المرحلة الاُولى: في عصر الأئمة(عليهم السلام)
شكل موضوع علم الأئمة بالغيب أثناء حياتهم في الوسط الإمامي كظاهرة اعتقادية وعملية حيث كان موضع جدل ونقاش واستفهام فيما بينهم. فالمتأمل في الأحاديث التي تنقلها كتب الحديث نجدها تكشف عن حجم أهمية هذا الموضوع في نظر الأئمة(عليهم السلام) وحاجة الاُمّة إليه من الناحية التربوية وضرورة استيعاب مفهومه بغية التعامل معه بوعي تام.
لذا كانت أجوبة الأئمة بخصوص هذا الموضوع متعددة الوجوه، وتبتغي في الوقت نفسه علاجاً للضبابية المحاطة به ومخافة الإساءة إليه.
فمن ضمن تلك الأسئلة ما أجاب عنها الإمام الرضا(عليه السلام):
1 ـ عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا(عليه السلام) إن أمير المؤمنين(عليه السلام) قد عرف قاتله والليلة التي يُقتل فيها والموضع الذي يُقتل فيه.
وقوله ـ لما سمع صياح الأوز في الدار ـ : «صوائح تتبعها نوائح!»
وقول اُمّ كلثوم: «لو صلّيت الليلة داخل الدار، وأمرت غيرك يصلي بالناس» فأبى عليها!
وكثّر دخوله وخروجه تلك الليلة ، بلا سلاح!
وقد عرف (عليه السلام) أن ابن مُلجم لعنه الله قاتله بالسيف!
كان هذا ممّا لم يجز تعرّضه؟!
فقال: ذلك كان، ولكنه خُيّر في تلك الليلة ، لتمضي مقادير الله عزّ [3].
والمستفاد من هذا الحديث اُمور:
الأوّل: إنّ المشكلة كانت مطروحة منذ عهد الأئمة، وعلى المستوى الرفيع، إذ عرضها واحد من كبار الرواة وهو: الحسن بن الجَهْم بن بكير بن أعين، أبو محمّد الزُراري الشيباني، من خواصّ الإمام الرضا(عليه السلام)، وروى عن الإمام الكاظم(عليه السلام)، وعنه جمع من أعيان الطائفة، وقد صُرّح بتوثيقه، وله كتاب معروف رواه أصحاب الفهارس، وله حديث كثير في الكتب الأربعة[4].
وهو من كبار آل زرارة، البيت الشيعي المعروف بالاختصاص بالمذهب.
الثاني: إن علم الإمام ومعرفته بوقت مقتله، وما ذكر في الرواية من الأقوال والأفعال الدالّة على اختياره للقتل وإقدامه على ذلك، كلّها اُمور كانت مسلّمة الوقوع، ومعروفة في عصر السائل.
الثالث: إنّ الراوي إنّما سأل عن وجه إقدام الإمام على هذه الاُمور، وإنّه مع العلم بترتّب قتله على ذلك، كيف يجوز له تعريض نفسه له؟ وهو مضمون الاعتراض الثاني.
الرابع: إن جواب الإمام الرضا(عليه السلام)، بقوله: «ذلك كان» تصديق بجميع ماورد في السؤال من أخبار «علم الإمام» والأقوال والأفعال التي ذكرها السائل، وعدم معارضة الإمام الرضا(عليه السلام)لشيء من ذلك وعدم إنكاره، كلّ ذلك دليل على موافقة الإمام الرضا(عليه السلام) على اعتقاد السائل بعلم الإمام بوقت قتله.
الخامس: جواب الإمام الرضا(عليه السلام) عن السؤال بتوجيه إقدام الإمام، وعدم الاعتراض على أصل فرض علم الغيب، دليل على قبول هذا الفرض، وعدم ثبوت الاعتراض الأوّل.
السادس: قول الإمام (عليه السلام) في الجواب: «لكنّه خُيِّرَ» صريح في أنّ الإمام(عليه السلام) اُعطي الخِيرَة من أمر موته، فاختار القتل لتجري الاُمور على مقاديرها المعيّنة في الغيب، وليكون أدلّ على مطاوعته لإرادة الله وانقياده لتقديره.
وهذا أوضح المعاني، وأنسبها بعنوان الباب.
وعلى نسخة «حُيّن» التي ذكرها المجلسي ، فالمعنى أن القتل قد عُيّن حينُهُ ووقتُه، لمقادير قدّر الله أن تمضي وتتحقّق، فتكون دلالة الحديث على ما في العنوان من مجرّد ثبوت علم الإمام بوقت قتله وإقدامه، وعدم امتناعه وعدم دفعه عن نفسه ، وذلك يتضمّن أن الإمام وافق التقدير وجرى على وفقه.
وأمّا نسخة «حُيّر» فلا معنى لها، لأنّ تحيّر الإمام ليس له دخلٌ في توجيه إقدامه على القتل عالماً به، بل ذلك مناقض لهذا الفرض، مع أنّه لا يُناسب عنوان الباب.
فيكون احتمالها مرفوضاً.
ولعلّها مصحّفة عن «خُبِّرَ» بمعنى اُعلِمَ، فيكون الجريان على التقدير وإمضائه تعليلاً لإخبار الإمام وإعلامه، لكنه لا يخلو من تأمّل.
فالأولى بالمعنى، والأنسب بالعنوان: هو «خُيِّرَ» كما أوضحنا.
فدلالة الحديث على ثبوت علم الإمام بوقت موته، واختياره في ذلك واضحة جداً.
والجواب عن الاعتراض بالإلقاء في التهلكة: هو أنّ الإمام إنّما إختار الموت والقتل بالكيفيّة التي جرى عليها التقدير، حتّى يكشف عن منتهى طاعته لله وانقياده لإرادته وحبّه له وفنائه فيه وعشقه له ورغبته في لقائه، كما نقل عنهم قولهم(عليهم السلام) : رضاً لرضاك، تسليماً لأمرك، لا معبود سواك .
2 ـ بسنده عمّن اُدخل على موسى الكاظم(عليه السلام): فأخبر أنّه قد سُقي السُمّ وغداً يُحتضر ، وبعد غد يموت. ودلالته على علم الإمام بوقت موته واضحة[5] .
3 ـ عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ، عن أبيه الباقر(عليه السلام): أنّه أتى أباه عليّ بن الحسين السجّاد(عليه السلام) ، قال له: إنّ هذه الليلة التي يُقبض فيها، وهي الليلة التي قُبض فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)[6].
ودلالته على علم الإمام بليلة وفاته واضحة.
4 ـ بسنده الى أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، أنّه قال لمسافر الراوي: إنّه رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول له: يا عليّ ، ما عندنا خيرٌ لك[7].
ومن الواضح أنّ هذا القول هو دعوةٌ للإمام الى ما عند رسول الله، وهو كناية واضحة عن الموت، وقد مثّل الإمام الرضا(عليه السلام)وضوح ذلك بوضوح وجود الحيتان في القناة التي أشار إليها في صدر الحديث.
5 ـ بسنده عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام): أنّ أباه أوصاه بأشياء في غُسله وفي كفنه وفي دخوله قبره، وليس عليه أثر الموت، فقال الباقر(عليه السلام): يا بنيّ، أما سمعت عليّ بن الحسين(عليه السلام) يُنادي من وراء الجدار: «يا محمد، تعال، عجّل»[8].
ودلالته مثل الحديث السابق، في كون الدعوة الى الدار الاُخرى، والقرينة هنا أوضح، حين أوصى الإمام بتجهيزه.
ودلالة هذين الحديثين على الاختيار للإمام واضحة، إذ أن مجرّد الدعوة ليس فيها إجبارٌ على الامتثال، بل يتوقّف على الإجابة الإختيارية لذلك.
6 ـ بسنده عن عبدالملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: أنزلَ الله تعالى النصرَ على الحسين(عليه السلام) حتى كان بين السماء والأرض[9] ثمّ خُيِّرَ: النصر، أو لقاء الله. فاختار لقاء الله تعالى.
ودلالته على التصريح فيه بالتخيير ثمّ اختيار الإمام لقاء الله واضحة .
المرحلة الثانية: ما بعد غياب المعصوم(عليه السلام)
ونبدأ بعرض آراء بعض العلماء الأوائل ممن تعرض للمسألة.
الشيخ المفيد: يرى الشيخ المفيد أن علم الأئمة(عليهم السلام) بالغيب ثابت لهم من دون كونه صفة ذاتية لهم ولا وجوب عقلي له، بل إنّما هو كرامة من الله لهم، وأنّ السمع قد ورد به.
وقد نسب هذا القول الى جماعة أهل الإمامة ، ولم يستثن إلاّ شواذاً من الغُلاة .
إنّ الأئمة من آل محمد(عليهم السلام) قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ويعرفون ما يكون قبل كونه، وليس ذلك بواجب في صفاتهم ولا شرطاً في إمامتهم، وإنّما أكرمهم الله تعالى به وأعلمهم إياه للطف في طاعتهم والتمسك يإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلاً ولكنه وجب لهم من جهة السماع، فأما اطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد، لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلاّ لله ـ عزّ وجل ـ وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلاّ مَن شذّ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة[10].
وأثبت في كتابه «الإرشاد» نماذج من الروايات الواردة في إخباراتهم الغيبية، سواء عن الماضيات أو المستقبلات، وحتى عن أحوال المخاطبين وما يكنونه في أنفسهم، ذكر ذلك في الدلالة على إمامة واحد من الأئمة(عليهم السلام) في فصل أحواله.
وإليك ماقاله الشيخ بعد أن طرح عليه السؤال التالي:
الإمام عندنا يعلم ما يكون، فما بال أمير المؤمنين(عليه السلام) خرج الى المسجد وهو يعلم أنه مقتول وقد عرف قاتله والوقت والزمان؟ ومابال الحسين(عليه السلام) صار الى أهل الكوفة وقد علم أنهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنه مقتول في سفرته تلك، ولِمَ لما حوصر وقد علم أن الماء منه لو حفر على أذرع يسيرة لم يحفر، ولِمَ أعان على نفسه حتى تلف عطشاً؟ والحسن(عليه السلام)وادع معاوية، وهو يعلم أنه ينكث ولا يفي ويقتل شيعة أبيه(عليهما السلام) ؟
والجواب: إن الإمام يعلم ما يكون باجماعنا، أنّ الأمر على خلاف ما قال وما أجمعت الشيعة قط على هذا القول، وإنّما اجماعهم ثابت على أن الإمام يعلم الحكم في كل ما يكون، دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون على التفصيل والتمييز، وهذا يسقط الأصل الذي بنيت عليه الأسئلة بأجمعها .
ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان الحوادث تكون باعلام الله تعالى له ذلك، فأما القول بأنه يعلم كل ما يكون، فلسنا نطلقه ولا نصوّب قائله لدعواه فيه من غير حجة ولا بيان[11].
والشيخ المفيد بهذا القول لا يفرق بين علم الإمام بالأحكام وبين علمه بالموضوعات مازال ذلك قد تم من قبل الله سبحانه.
والصحيح أنّ الإمام لا يعلم بما يكون على نحو الاطلاق.
الشيخ الطوسي : أما رأي الشيخ الطوسي في المسألة فيتّضح من خلال سؤال طُرح عليه بعد فرض علم الأئمة بالغيب وأن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) يعلم بمقتله في تلك الليلة، وكذا الإمام الحسين(عليه السلام)إلاّ أنّهما اُمرا بالصبر على ذلك؟
فأجاب رحمة الله عليه:
قيل: اختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من أجاز ذلك[12] وقال: لا يمتنع أن يُتعبّد بالصبر على مثل ذلك، لأنّ ما وقع من القتل ـ وإن كان ممّن فعله قبيحاً ـ فالصبر عليه حَسنٌ ، والثواب عليه جزيلٌ.
بل ، ربّما كان أكثر، فإن مع العلم بحصول القتل ـ لا محالة ـ الصبرُ أشقّ منه إذا جوّز الظفر وبلوغ الغرض.
ومنهم مَن قال: إن ذلك لا يجوز ، لأن دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلاً وشرعاً، ولا يجوز أن يُتعبّد بالصبر على القبيح، وإنّما يُتعبّد بالصبر على الحسن، ولا خلاف أنّ ما وقع من القتل كان قبيحاً، بل من أقبح القبيح.
وتأوّل هذا القائل ما رُوي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، من الأخبار الدالّة على علمه بقتله، بأن قال: كان يعلم على سبيل الجملة، ولم يعلم بالوقت بعينه، وكذلك عَلِمَ الليلة التي يُقتل فيها بعينها، غير أنّه لم يعلم الوقت الذي يحدُث فيه القتلُ.
وهذا المذهب هو الذي اختاره المرتضى(رحمه الله) في هذه المسألة.
ولي ـ في هذه المسألة ـ نظر[13].
فقد حصر الشيخ الطوسي أقوال أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)في مسألة علم الأئمة بالغيب بين قولين فقط، ولم يختلفا في أصل علم الأئمة بالغيب، وإنّما اختلفا في معرفة وقت القتل بين التفصيل والإجمال، واتفقا على العلم بغير ذلك بالتفصيل فإنّه يقتضي أن يكون الإمام عالماً بالأحكام.
ونسب الشيخ الطوسي القول بالعلم الإجمالي الى السيد المرتضى مما يقتضي عدم مخالفته للطائفة في التزام العلم في غير هذا، ومنه الأحكام.
العلاّمة الحلّي : وبعد طرح السؤال المذكور أجاب:
يحتمل أنّه (عليه السلام) أخبر بوقوع القتل وفي تلك الليلة، ولم يُعلم أنّه في أي وقت من تلك الليلة!
أو أنّه لم يُعلم في أي مكان يقتل!
أو أن تكليفه (عليه السلام) مغاير لتكليفنا، فجاز أن يكلف مهجته الشريفة ـ صلوات الله عليه ـ في ذات الله تعالى، كما يجب على المجاهد الثبات وإن أدّى ثباته الى القتل فلا يُعذَلُ في ذلك[14].
والظاهر أن العلاّمة إنّما أخذ في الاعتبار في جوابه فرض السائل أن إلقاء الشبهة ليس من قبل من يعتقد بالإمامة ومستلزماتها ، بل من رجل من المخالفين لا يعتقد بإمامة الإمام، ولا يلتزم بشرائطها المعروفة من العصمة والعلم وغير ذلك.
وعلى ذلك، فلو اُريد إلزامه بعلم الإمام وتصديق الأخبار الدالّة على معرفته بمقتله ـ والتي وردت ولم تُنكر ـ فلابدّ من الخروج بأحد الوجوه التي ذكرها العلاّمة:
إمّا بالالتزام بتحديد الخبر الواصل إليه، وأنّه عن أصل القتل وشخص القاتل، دون زمانه المحدّد.
أو بالالتزام بتحديد الخبر بما دون مكان معيّن.
وعلى هذين الفرضين فلا يُنافي اقدام الإمام على قتله، لأنّه لم يُخْبَرْ بالزمان والمكان الخاصّين، حتى يُكلّف باجتنابهما، فلا يَرِدُ اعتراض أنّه أقدم على الهلكة.
وأمّا الجواب الثالث، فهو مناسبٌ حتى للسائل المعتقد بالإمامة، وهو أن يكون الإمام متعبّداً بتكليف خاص، وهو مثل المجاهد المأمور والمكلّف بالجهاد حتى الشهادة.
فالإمام كالمجاهد الذي يُستشهد ـ لا يُعاتَب ولا يُعذَل ـ لأن فعله طاعة، وليس حراماً ولا معصيةً، ولا يقال في حقّه: إنّه ألقى بيده الى التهلكة.
_______________________________________
[1] الأعراف: 188.
[2] البقرة: 195.
[3] الكافي: 1/359.
[4] معجم الأعلام من آل أعين الكرام: 204 رقم 12.
[5] بحار الأنوار: 48/247، مضمون الحديث 56 .
[6] بحار الأنوار: 46/313، وشرح الزيارة الجامعة: 117.
[7] بحار الأنوار: 49/54 .
[8] مدينة المعاجز: 4/437 نقلاً عن الكافي: 1/260 ح 7 .
[9] تاريخ آل زرارة: 124 وفي لفظ آخر عن الصادق(عليه السلام) كلمات الإمام الحسين(عليه السلام): 483 .
[10] أوائل المقالات: 67، طبعة مؤتمر الشيخ المفيد: 77.
[11] مصنفات الشيخ المفيد: 6/69 .
[12] علّق محقّق «تلخيص الشافي»: يقصد بذلك الشيخين المفيد والكليني (قدس سرهم) . وقد عقد الكليني في اُصول الكافي باباً خاصّاً بذلك سمّاه: «باب أن الأئمة(عليهم السلام) يعلمون متى يموتون» واستعرض فيه جملة من الروايات عن الأئمة في إثبات ذلك.
[13] تلخيص الشافي الطوسي: 4/188 ـ 190، وعلق محققه، راجع في تفصيل الباب في مرآة العقول للمجلسي: 3/123، وبحار الأنوار: 42/259، والدرّة النجفية للبحراني: 85 ، وغيرها.
[14] أجوبة المسائل المهنائية : 148.

المرحلة الثالثة: عند العلماء المتأخرين

تناول العلماء المتأخرون تلك المسألة بمزيد من التحليل والبيان نذكر على سبيل الاختصار:
الإمام كاشف الغطاء: فقد أثبت للإمام الحسين سلام الله عليه علماً بمصيره على نحو يسمح لقانون البداء بالتدخل والسريان فيه وقلبه، وبعبارة اُخرى: فإن لوناً شاحباً وصورة باهتة عن الوضع مكشوفة له، يقول:
«لاشك أنهم سلام الله عليهم كانوا يعلمون بكل ذلك بإخبار النبي وحياً ، ولكن يحتملون فيه أن يتطرق إليه البداء يكون من لوح المحو والإثبات وأن يكون ثابتاً خلافه في العلم المخزون المكنون الذي استأثر الله سبحانه به لنفسه»[1].
إلاّ أن هذا اللون من العلم الذي يمكنه أن يصبح جهلاً وأن يكون الواقع غيره لا يمكن إطلاق العلم عليه إلاّ مسامحة، إذ ليس العلم إلاّ الكاشف عن الواقع أما ما يتراءى أنه من الواقع فعلاً وأنه علم فذاك يقبع في مرتبة الظن ولا يرتقي الى مرتبة العلم إلاّ إذا تغير نمطه وخرج عن أن يطاوله قانون البداء، فتأمّل مليّاً.
فالذي خلصنا إليه أن النظرة المذكورة لم تستطع على القول بذاك النمط من العلم إرجاع كثرة المسألة الى الوحدة.
السيد الشهيد الصدر: يذهب الى تعليل مسألة علم الإمام الحسين(عليه السلام) بالغيب وحتمية مقتله في كربلاء، يرجع الى كون القرار السياسي والاجتماعي لا ينفك عن القرار الغيبي وهو تبع له، فلا يفصل بين الواقعين الغيبي والاجتماعي. وبيّن الشهيد الصدر بأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قد طرحها ضمن شعارات وَجَهد في تثقيف الاُمّة آنذاك على وعيها.
الشعار الأوّل: حتمية القتل
كان الإمام الحسين يُعترض عليه، ويقال: لِمَ تخرج؟ يعترض عليه عبدالله بن الزبير وغيره، فيقول له: بأنّي أنا اُقتل على كلّ حال سواء خرجت أو لم أخرج، إنّ بني اُمية لا يتركونني، ولو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لأخرجوني وقتلوني، إنّ بني اُميّة يتعقبوني أينما كنت، فأنا ميّت على أي حال سواء بقيت في مكة أو خرجت منها، ومن الأفضل أن لا اُقتل في مكة لكي لا تنتهك بذلك حرمة هذا الحرم الشريف.
فتراه طرح هذا الشعار، وهذا الشعار بالرغم من واقعيّته منسجم مع أخلاقية الاُمّة المعاشة أيضاً، فأخلاقية الهزيمة التي تعيشها الاُمّة الإسلامية لا تجد منطقاً تنفذ منه للتعبير عن نقد مثل هذا التحرك من الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، فهو(عليه السلام) يقول: «أنا مقتول على كل حال» والظواهر كلّها تشهد بذلك، الدلائل والأمارات والملابسات تشهد بأنّ بني اُميّة قد صمّموا على قتل الإمام الحسين(عليه السلام) ولو عن طريق الاغتيال ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. إذاً فطرح مثل هذا الشعار لأجل تفسير هذا الموقف كان مناسباً جدّاً مع إقناع أخلاقية الهزيمة، مع كونه شعاراً واقعياً في نفس الوقت.
الشعار الثاني: غيبية قرار التحرك
يأتي أشخاص آخرون إليه يعترضون عليه، يقولون: لِمَ تتحرّك، يأتي محمد بن الحنفية ينصحه في أوّل الليل بنصائح عديدة فيقول له: أنظر، اُفكر فيما تقول، فيذهب محمد بن الحنفية وفي آخر الليل يسمع بأنّ الإمام الحسين قد تحرك، فيسرع إليه ويأتي ويأخذ براحلته ويقول له: يا أخي قد وعدتني أن تفكر، قال: «نعم، ولكني بِتُّ في هذه الليلة فرأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)،ـ في المنام ـ فقال: إنّك مقتول»[2]، فتراه(عليه السلام) يجيب هذا الجواب، يجيب بقرار غيبي ]صادر[ من أعلى، وهذا القرار الغيبي من أعلى لا يمكن لأخلاقية الهزيمة أن تنكره مادام صاحب هذه الأخلاقية مؤمناً بالحسين، ومؤمناً برؤيا الحسين، طبعاً هو لم يحدث بهذه الرؤيا، عبدالله بن الزبير الذي لم يكن مؤمناً برؤيا الحسين، بل حدث بذلك محمد بن الحنفية وأمثال محمد بن الحنفية، فهذا شعار آخر كان يطرحه وهو شعار حتمية الموت ]الصادرة[ من أعلى، وأنّ هناك قراراً من أعلى يفرض عليه أن يموت، أن يضحي، أن يغامر، أن يقدم على هذه السفرة التي قد تؤدّي الى القتل، وهذا الشعار أيضاً كان بالرغم من واقعيته ينسجم مع أخلاقية الهزيمة، وهو في نفس الوقت شعار واقعي.
الشعار الثالث: ضرورة إجابة دعوات أهل الكوفة
وكان في مرّة ثالثة يطرح شعاراً ثالثاً، كان يقول للأشخاص الذين يمرّ بهم في طريقه من مكة الى العراق، في منازله المتعدّدة حينما كانوا ينصحونه بعدم التوجّه الى العراق، كان يقول لهم: «إنّي قد تلقّيت من أهالي الكوفة دعوة للذهاب إليهم، وقد تهيأت الظروف الموضوعية في الكوفة لكي أذهب، ولكي اُقيم حقاً واُزيل باطلاً»، فكان يعكس ويفسّر سفرته على أساس أنّها استجابة وأنها ردّ فعل، وأنها تعبير عن إجابة طلب، أنّ الاُمّة تحركت وأرادت، وأنه قد تمّت الحجّة عليه، ولابدّ له أن يتحرك. الإمام الحسين لم يكن في واقعه يقتصر في مرحلته الجهادية هذه على أن تطلب منه الاُمّة فيتحرّك، وإلاّ لما راسل ابتداءً زعماء قواعده الشعبية بالبصرة ويطلب منهم التحرّك، ولكنه في نفس الوقت كان يعكس هذا الجانب أكثر ممّا يعكس ذاك الجانب، لأنّ هذا الجانب أقرب انسجاماً مع أخلاقية الهزيمة، ماذا تقول أخلاقية الهزيمة أمام شخص يقول لها: بأنّي قد تلقّيت دعوة، وإنّ ظروف هذه الدعوة ملائمة للجواب والتحرك نحو الداعي، وبطبيعة الحال هناك فرق كبير بين إنسان يتحرّك تحرّكاً ابتدائياً وإنسان آخر يتحرّك إجابةً لجماهير آمنت به وبقيادته وزعامته، فهناك قول أخلاقية الهزيمة: إنّ هذا متسرع، وإنّ هذا لا يفكر في العواقب، وإنّه ألقى بنفسه في المخاطر. أمّا حينما يكون العمل إجابة لدعوة من جماهير قد هيّأت كل الأجواء اللازمة لهذه الدعوة، فهذه الأخلاقية المهزومة لا تقول عن هذا العمل وهذا التحرّك: إنّه عمل طائش إنّه عمل صبياني، إنّه عمل غير مدروس .
هذه الشعارات التي طرحها الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام كانت كلّها واقعية، وفي نفس الوقت كانت منسجمة مع أخلاقية الاُمّة المهزومة روحياً وفكرياً ونفسياً.
الشعار الرابع: ضرورة الثورة ضد السلطان الجائر
وكان يطرح أيضاً الى جانب كل هذه الشعارات الشعار الواقعي حينما كان يؤكّد على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «من رأى سلطاناً جائراً يحكم بغير ما أنزل الله فلم يغيّر من ذلك السلطان بفعل أو قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله». فكان الى جانب تلك الشعارات التي يسبغ بها طابع المشروعية على عمله في مستوى أخلاقية الاُمّة كان يعطي أيضاً باستمرار ودائماً الشعار الواقعي الحي الذي لابد وأن يكون هو الأساس للأخلاقية الجديدة التي كان يبنيها في كيان هذه الاُمّة الإسلامية[3].
السيد محمد حسين الطباطبائي: أجاب (قدس سره) بعد طرح السؤال التالي هل كان سيد الشهداء عالماً في سفره من مكة الى الكوفة بأنه سوف يستشهد أم لا؟ وبعبارة اُخرى هل أنه(عليه السلام)توجه صوب العراق بقصد الشهادة أم بقصد تشكيل حكومة إسلامية عادلة؟
إن سيد الشهداء (عليه السلام) في عقيدة الشيعة إمام مفترض الطاعة، وهو ثالث خلفاء الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، وهو صاحب الولاية الكلية، وإن علم الإمام بالأعيان الخارجية والحوادث الواقعة يتم بإذن الله تعالى على كل حقائق عالم الوجود، وفي جميع شرائطها، أعمّ من تلك التي هي في متناول الحس وخارج الحس كذلك، كالموجودات السماوية والحوادث الماضية والوقائع الآتية، ونستدل على ذلك بالآتي:
أوّلاً: طريق إثبات ذلك العلم بالنقل يتم بالروايات المتواترة الموجودة في جوامع أحاديث الشيعة، مثل كتاب الكافي وكتاب البصائر وكتب الصدوق والبحار وغيرها، فبموجب هذه الروايات التي لا يمكن حدّها وحصرها، يتبيّن أن الإمام(عليه السلام) عن طريق الموهبة الإلهية ـ لا طريق الاكتساب ـ واقف على كل شيء ومطّلع عليه وكل ما يطلبه يعلمه بإذن الله وبأقل توجه.
هنالك آيات في القرآن الكريم التي تحصر علم الغيب بالله المتعال وبساحته المقدسة، لكن الاستثناء الموجود في الآية الكريمة: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول)[4]. تبين أن اختصاص علم الغيب بالله تعالى هو بهذا المعنى، أن الغيب المستقل والامتلاك الذاتي له لا يكون عند أحد غير الله تعالى، ولكن يمكن للأنبياء المختارون أن يعرفوه بتعلم من الله، ومن الممكن أيضاً أن يعرفه مختارون آخرون بتعليم الأنبياء لهم، ففي كثير من الروايات وارد أن الرسول وأيضاً كل إمام من بعده وفي آخر لحظات حياته يسلّم ويؤمّن علمه للإمام الذي يأتي بعده.
ثانياً: وأما عن طريق العقل فهنالك براهين بموجبها الإمام(عليه السلام) ـ حسب مقامه النوراني أكمل إنسان عصره، ومظهر تام للأسماء والصفات الإلهية وعالم بالفعل بجميع الوقائع الشخصية، وبحسب عنصره أينما توجه ـ تنكشف له كل الحقائق ، ونرى أن هذه البراهين معقودة بسلسلة من المسائل العقلية ومستواها أعلى من مستوى هذه المقالة، لذا نحيلها الى موضع آخر.
وهنا قضية يجب أن نلتفت إليها هي: أن مثل هذا العلم الثابت بموجب الأدلة العقلية والنقلية غير قابل لأي تخلّف أو تغير، وبالاصطلاح هو علم بما ثبت في اللوح المحفوظ وخبر عمّا تعلق في قضاء الله.
وضرورة بيان ما سبق أنه ليس هناك أية علاقة بين أي نوع من التكليف بمتعلقات هذا النوع من العلم (وذلك من جهة كون متعلقات هذا العلم حتمية الوقوع، وكذلك فلا ارتباط لقصد أو طلب الإنسان به، لأنه في الوقت الذي يكون فيه التكليف مرتبطاً بالفعل عن طريق الإمكان، والفعل والترك كلاهما في إختيار المكلف، فإنهما في مورد طلبه وأما من جهة كونه ضروري الوقوع ومتعلقاً بالقضاء الحتمي محال أن يكون مورداً للتكليف.
صحيح مثلاً أن الله تعالى يقول لعبده: إن العمل الذي فعله وتركه ممكن لك وهو في إختيارك يجب أن تأتيه، ولكنه من المحال أن يقول: إن العمل الذي يجب أن يوجد بموجب مشيئتي التكوينية وقضائي الحتمي، والذي ليس في تحققه أي تردد يجب عليك أن تأتيه أو لا تأتيه، فإن مثل هذا الأمر والنهي لغو لا أثر له.
وهكذا فإن الإنسان يمكن أن تكون له الإرادة في الأمر الذي فيه إمكان الحدوث وعدمه، وأن يجعل له قصداً أو هدفاً يسعى جاهداً في تحقيقه، لكن لا يمكن أن تكون له الإرادة في الأمر الذي هو حادث يقيناً ، ويستحيل تغيره وتخلفه والواقع تحت القضاء الحتمي لله سبحانه وتعالى، فإرادة الإنسان ليس في وسعها أن تطلب أو تهمل أمراً من ذلك النوع الذي لابدّ من تحققه.
يتّضح من هذا البيان:
1 ـ إن هذا العلم الموهوب للإمام(عليه السلام) ليس له أثر في أعماله وتكاليفه الخاصة.
وأساساً فإن كل أمر مفروض من جهة تعلقه بالقضاء الحتمي لا علاقة له بالأمر أو النهي أو أداء الإنسان أو قصده. نعم، متعلق قضاء الله المحتوم ومشيئته القاطعة تكون مورد الرضا به، كما قال سيد الشهداء وفي آخر ساعة من حياته وبينما هو بين التراب والدم، قال: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»، وكما قال في خطبة له عند خروجه من مكة: «رضا الله رضانا أهل البيت».
2 ـ إن كون فعل الإنسان حتمياً من جهة تعلقه بالقضاء الإلهي لا ينافي كونه اختيارياً له من جهة فعالية الاختيار، حيث إن القضاء الإلهي للفعل له تعلق بجميع تفاصيله وليس بمطلق الفعل فحسب.
مثلاً : أراد الله تعالى أن يأتي شخص ما بفعل اختياري باختياره ففي هذه الصورة إن التحقق الخارجي لهذا الفعل الاختياري من جهة أنه متعلق بإرادة الله الحتمية غير قابل للاجتناب، وفي الوقت نفسه اختياري للإنسان ونسبته إليه نسبة الإمكان.
3 ـ إن قابلية ظاهر أعمال الإمام(عليه السلام) للتفسير بالعلل والأسباب الظاهرية لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم وجود هذا العلم الموهوب أو شاهداً على جهله بالواقع، مثلما يقال: إذا كان سيد الشهداء(عليه السلام) له علم بالواقع، فلماذا أرسل مسلم بن عقيل الى الكوفة كوكيل له؟ ولماذا أرسل الصيداوي كتابه الى أهل الكوفة؟ ولماذا ألقى نفسه الى التهلكة مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:(ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة)؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فإن ما ذكرناه رد على كل هذه الأسئلة ولا معنى من تكراره.
الرسول(صلى الله عليه وآله) بنص القرآن الكريم وكذلك الأئمة(عليهم السلام) من عترته الطاهرة كلهم بشر مثل سائر أفراد البشر، والأعمال التي يقومون بها خلال مسيرة حياتهم هي مثل أعمال سائر أفراد البشر تكون في مجرى إختيارهم وعلى أساس العلم العادي.
الإمام علي(عليه السلام) مثل الآخرين يشخصون الخير والشر والنفع والضرر، والأعمال كلها عن طريق العلم العادي، وما يراه لائقاً من هذه الأعمال فهو يريدها ويسعى ويجد في القيام بها، ووقتما تكون فيها العلل والعوامل والأوضاع والأحوال الخارجية مناسبة تتحقق غاياتها، وفي حال كون الأسباب والشرائط غير مساعدة لا تتحقق غاياتها.
وعلم الإمام(عليه السلام) بإذن الله بكل جزئيات الحوادث الماضية والآتية لا تأثير له على أعماله الإختيارية ذلك كما تم بيانه.
الإمام مثل سائر أفراد البشر عبدالله مكلف وموظف بالمقررات والتكاليف الدينية، ونظراً لمنزلته القيادية التي اُعطيت له من الله تعالى وجب أن يؤديها بالموازين البشرية العادية، وأن يبذل أقصى جهده في إحياء كلمة الحق والحفاظ على الدين[5].
وقفة مع الكافي ورواية «وأنهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم».
وخلاصة ما أفاده الكليني كما لخّصه الجلالي: ثمّ إنّ قول الكليني في عنوان الباب: «وأنهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم» يعني أن الموت الإلهي الذي قهر الله به عباده وما سواه، بدون استثناء، وتفرّد هو بالبقاء دونهم، لابد أن يشملهم ـ لا محالة ـ ولا مفرّ لهم منه، وإنّما امتازوا بين سائر الخلائق بأن جعل الله اختيارهم لموتهم إليهم، وهذا يوحي:
أوّلاً: إنّ لهم اختياراً وقت الموت، فيختارون الآجال المعلّقة، قبل أن تحتم، فيكون ذلك بإرادة منهم واختيار وعلم، رغبة منهم في سرعة لقاء الله، وتحقيقاً للآثار العظيمة المترتّبة على شهادتهم في ذلك الوقت المختار.
وهذا أنسب بكون إقداماتهم مع كامل اختيارهم، وعدم كونها مفروضةً عليهم، وأنسب بكون ذلك مطابقاً لقضاء الله وقدره، فهو يعني إرادة الله منهم لما أقدموا عليه، من دون حَتْم.
وإلاّ فإن كان قضاءاً مبرماً وأجلاً حتماً لازماً، فكيف يكونون مختارين فيه؟! وما معنى موافقتهم على ما ليس لهم الخروج عنه الى غيره؟!
ثانياً: إنّ لهم اختيار نوع الموت الذي يموتون به، من القتل بالسيف ضربة واحدة، كما اختار الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ذلك، أو بشرب السمّ أو أكل المسموم كما اختاره أكثر الأئمة(عليهم السلام)، أو بتقطيع الأوصال وفري الأوداج واحتمال النصال والسهام وآلام الحرب والنضال، وتحمّل العطش والظمأ، كما جرى على الإمام سيد الشهداء(عليه السلام) .
ولا يأبى عموم لفظ العنوان «لا يموتون إلاّ باختيار منهم» عن الحمل على ذلك كلّه.
مع أنّ في المعنى الثاني بُعداً اجتماعياً مُهمّاً، وهو أن الأئمة الأطهار(عليهم السلام) كانوا يعلمون من خلال الظروف، والأحداث والمؤشّرات والمجريات المحيطة بهم ـ بلا حاجة الى الاعتماد على الغيب وإخباره ـ أنّ الخلفاء الظلمة، والمتغلّبين الجهلة على حكم العباد والبلاد، سيقدمون على إزهاق أرواحهم المقدّسة بكلّ وسيلة تمكنهم ، لأنهم لا يُطيقون تحمّل وجود الأئمة(عليهم السلام)الرافضين للحكومات الجائرة والفاسدة، والتي تحكم وتتحكم على الرقاب بالباطل، وباسم الإسلام ليشوّهوا سمعته الناصعة بتصرفاتهم الشوهاء.
فكان الأئمة الأطهار تجسيداً للمعارضة الحقّة الحيّة، ولو كانوا في حالة من السكوت، وعدم مدّ اليد الى الأسلحة الحديدية، لكن وجوداتهم الشريفة كانت قنابل قابلة للانفجار في أي وقت! وتعاليمهم كانت تمثّل الصرخات المدوّية على أهل الباطل، ودروسهم وسيرتهم كانت تمثّل الشرارات ضدّ تلك الحكومات!
فكيف تُطيق الأنظمة الفاسدة وجود هؤلاء الأئمة، لحظة واحدة؟!
فإذا كان الأئمة(عليهم السلام) يعلمون أن مصيرهم ـ مع هؤلاء ـ هو الموت، ويعرفون أن الظلمة يكيدون لهم المكائد، ويتربّصون بهم الدوائر، ويدبّرون لقتلهم والتخلّص من وجودهم، ويسعون في أن ينفّذوا جرائمهم في السرّ والخفاء، لئلاّ يتحمّلوا مسؤولية ذلك، ولا يُحاسبوا عليه أمام التاريخ!
ولو تمّ لهم إبادة هؤلاء الأئمة سراً وبالطريقة التي يرغبون فيها، لكان أنفع لهم، وأنجع لأغراضهم!
لكن الأئمّة (عليهم السلام) لابدّ أن يُحبطوا هذه المكيدة على الظلمة القتلة، يأخذوا بأيديهم زمام المبادرة في هذا المجال المهمّ الخطر، ويختاروا بأنفسهم أفضل أشكال الموت، الذي يُعلن مظلوميّتهم، ويصرخ بظُلاماتهم، ويفضح قاتليهم، ويعلن عن الإجرام والكيد الذي جرى عليهم، ولا تضيع نفوسهم البريئة، ولا دماؤهم الطاهرة ، هَدْراً.
فلو كان الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) يُقتل في بيته، أو في بعض الأزقّة والطرق، خارج المسجد.
فمن كان يُفنّد الدعايات الكاذبة التي بثّها بنو اُميّة بين أهل الشام بأنّ عليّاً(عليه السلام) لا يُصلي؟! فلمّا سمعوا أنّه قُتل في المسجد، تنبّهوا الى زيف تلك الدعايات المضلّلة.
وإذا كان الإمام الحسين(عليه السلام)، يُقتل في المدينة، فمن كان يطّلُع على قضيّته؟! وحتى إذا كان يُقتل في «مكة»: فمضافاً الى أنّه كان يُعاب عليه أن حرمة الحرم قد هُتِكت بقتله! فقد كان يضيع دمه بين صخب الحجيج وضجيجهم!
بل إذا قُتل الحسين (عليه السلام) في أرض غير كربلاء، فأين؟! وكيف؟! وماهو : تفسير كل النصوص التي تناقلتها الصحف، والأخبار عن جدّه النبيّ المختار حول الفرات؟ وكربلاء؟ وتربتها الحمراء؟!
وهذا الإختيار يدلّ ـ مضافاً الى كل المعاني العرفانية التي نستعرضها ـ على تدبير حكيم، وحنكة سياسية، ورؤية نافذة ، وحزم محكم، قام به الأئمة(عليهم السلام) في حياتهم السياسية تجاه الظالمين المستحوذين على جميع المقدّرات ، والذين سلبوا من الاُمّة كل الحريّات حتى حريّة إنتخاب الموت كماً وكيفاً ووقتاً ومكاناً.
فإن خروج الأئمة(عليهم السلام) بتدابيرهم الحكيمة عن سلطة الحكّام في هذه المعركة، وتجاوزهم لإراداتهم ، وأخذ زمام الاختيار بأيديهم، وانتخابهم للطريقة المثلى لموتهم، يُعدّ انتصاراً باهراً، في تلك الظروف الحرجة القاهرة.
وهل المحافظة على النفس، والرغبة في عدم إراقة الدماء، والخوف من القتل، اُمور تمنع من أداء الواجب؟! وتعرقل مسيرة المسؤولية الكبرى، وهي المحافظة على الإسلام وحرماته؟! وإتمام الحجّة على الاُمة بعد دعواتها المتتالية؟! واستنجادها المتتابع؟!
ثم هل تُعقل المحافظة على النفس، بعد قطع تلك المراحل النضالية، والتي كان أقلّ نتائجها المنظورة، القتل؟!
إذ أنّ يزيد صمّم وعزم على الفتك بالإمام(عليه السلام) ، الذي كان يجده السدّ الوحيد أمام استثمار جهود أبيه في سبيل المُلك الاُموي العضوض، فلابد من أن يُزيحه عن الطريق.
ويتمنّى الحكم الاُموي لو أنّ الحسين(عليه السلام) كان يقف هادئاً ساكناً ـ ولو للحظة واحدة ـ حتى يركّز في استهدافه ، ويقتله!!
وحبّذا لو كان قتل الحسين(عليه السلام) بصورة اغتيال، حتّى يضيع دمه، وتهدر قضيّته!!
وقد أعلن الحسين(عليه السلام) عن رغبتهم في أن يقتلوه هكذا، وأنّهم مصمّمون على ذلك حتى لو وجدوه في جُحر هامة!
وأشار يزيد الى جلاوزته أن يحاولو قتل الحسين أينما وجدوه، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة!
فلماذا لا يُبادرهم الإمام(عليه السلام) الى انتخاب أفضل زمان، وفي أفضل مكان، وبأفضل شكل، للقتل؟!
الزمان «عاشوراء» المسجّل في عالم الغيب، والمثبت في الصحف الاُولى، وما تلاها «من أنباء الغيب» التي سنستعرضها.
والمكان «كربلاء» الأرض التي ذُكر اسمها على الألسن منذ عصور الأنبياء.
أمّا الشكل الذي اختاره للقتل، فهو النضال المستميت، الذي ظلّ صداه، وصدى بطولاته وقعقعات سيوفه، وصرخات الحسين(عليه السلام)المعلنة عن أهدافه ومظلوميّته، مدويّة في اُذن التاريخ على طول مداه، يقضّ مضاجع الظالمين ، والمزوّرين للحقائق.
إن الإمام الحسين(عليه السلام) وبمثل ما قام به من الإقدام، أثبت خلود ذكره ، وحديث مقتله، على صفحات الدهر، حتى لا تناله خيانات المحرّفين، ولا جحود المنكرين، ولا تزييف المزوّرين ، بل يخلد خُلود الحق والدين[6].
وأخيراً فإن الشيخ الكليني وهو : «أوثق الناس في الحديث وأثبتهم» كما شهد له النجاشي، قد بنى تأليف كتابه على أساس محكم، ومن شواهد الإحكام فيه أنّه رحمه الله عقد باباً بعنوان «باب نادر في ذكر الغيب» أورد فيه أحاديث تحلّ مشكلة الاعتراض الأوّل على «علم الأئمة للغيب» وفيها الجواب الصريح لقول السائل للأئمة: «أتعلمون الغيب؟» ويجعل نتيجة هذا الباب أصلاً موضوعاً للأبواب التالية.
ومن تلك الأحاديث : حديث حُمران بن أعين، قال لأبي جعفر(عليه السلام) : أرأيت قوله جلّ ذكره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً...)[7].
فقال أبو جعفر(عليه السلام) : (إلاّ من ارتضى من رسول...)[8] وكان ـ والله ـ محمّد ممّن ارتضاه[9].
فقد كان الكليني يُراعي ترتيب أبواب كتابه ترتيباً، منهجيّاً، بُرهانيّاً، حتى تُؤتي نتائجها الحتمية بشكل منطقي مقبول، فجعل من كتابه «الكافي» للدين سدّاً لا يستطيع الملحِدون أن يظهروه بشُبههم وتشكيكاتهم، ولا يستطيعون له نقَباً[10].
نتيجة البحث
لقد ثبت من خلال سير البحث أن الإنسان النوع خلق بطريقة لا يستغني عن الارتباط بالغيب، حيث تتوقف مهامه الرسالية على الارتباط به أولاً ، ثم معرفته بهدف التعامل معه ثانياً; وذلك لتوقف تحقيق الأهداف الإلهية على العلم بهذا العالم الرحيب، ولا تعارض بين ما يمتلكه الإنسان من حرية وإرادة وبين مسار الوجود القائم على أساس الجبرية ، لأن الإنسان زود بالعلم الذي اطّلع بواسطته على أسرار الوجود وحركته العلية ومصيره ونهايته، وهذا العلم لا ينفك عن العصمة التي تمنعه عن العبث بهذه الأسرار، لأن العصمة تعني أن المعصوم يدرك بهذا العلم حقائق الأشياء كما هي برؤية واضحة وبشكل لا يقبل الشك، مما يدعوه لتوظيفه لأغراض الرسالة وأهدافها، ولم يكن المقصود منه هو العلم الذي يحصل بالكسب والجهد، لأن هذا ناقص ومحدود والرسالة تريد الدور الكامل، فالمقصود إذاً هو العلم الحضوري الموهوب منه تعالى.
ويفترق علم الإمام عن علم الله سبحانه ، لأن علمه سبحانه قديم وسابق على المعلومات وهو عين ذاته، أما العلم الحضوري عند الإمام فلا يشارك علم الله في شيء من هذه الاُمور، لأن علم الإمام حادث ومسبوق بالمعلومات وهو غير الذات فيه، فعلم الإمام عرضي موهوب وممنوح منه جل شأنه فلا اتحاد بين العلمين .
وتحدثت كثير من الآيات عن علم الغيب في حياة الأنبياء والصالحين كالنبي يوسف، والنبي سليمان، والنبي عيسى والنبي داود(عليهم السلام) .
ثم لا تعارض بين الآيات التي تحصر علم الغيب به تعالى وتنفيه عن غيره والآيات التي تثبته لغيره .
فالاُولى تثبته على نحو الأصالة، والثانية تثبته على نحو التبعية . ومضافاً لذلك أن العلم الحضوري عند المعصوم يتصف بالاستمرارية والبقاء ، والمعني به القدرة وليس ذاك العلم الفارغ منها.
كما يؤكد علم المعرفة بأن العلم حقيقته في كاشفيته للواقع، وأن العلم أو الكشف عن الواقع ظاهرة متعالية عن المادة لعدم انطباق خصائصها عليه، ولا يحصل العلم والانكشاف للواقع إلا بالاتصال الوجودي والواقعي بين الأنفس والشيء المراد معرفته، ومن المعروف أن وسائل الاتصال العلمي بالواقع، إما بالحواس أو بالعقل أو الاتصال المباشر بالشيء، من دون واسطة الحس أو العقل، والذي يعبر عنه بالمعرفة الشهوديه أو القلبية أو الفؤادية، وهذه الوسائل لتحصيل العلم متاحة للجميع بلا استثناء.
من جهة أن النفس الإنسانية وفق ما يحققه علم النفس الفلسفي لها مقامات ورتب ، وتتصف بقدرتها على إدراك الكليات، فأعلى مرتبة فيها تسمى بالإدراك القلبي أو الشهودي أو العلم الحضوري بالواقع ، إلاّ أن هذه المرتبة لها أيضاً منازل ومراتب أضعفها المنامات الصادقة، وأوسطها الإلهام وحديث الملائكة، وأشدها في هذا السلم وبطوله الظفر بالوحي وتلقيه.
وعليه، فأن نفس الإمام تختلف عن سائر النفوس من جهة سعة الإدراك والاحاطة بالواقع والتجرد التام عن المادة. والنظام العلّي والمعلولي الحاكم على الكون حاضر عند الإمام وقد اطلع عليه بتمامه، ومن الواضح أن العلم بالعلّة يعني العلم بمعلولها، فيطّلع الإمام على الإرادة التي هي أحد تلك العلل وكذا سائر العلل إطلاعاً تاماً.
وإن أعلى مرتبة وجود الأشياء ومنها الواقعة تحت جريان الاختيار الإنساني ترجع في وجودها الى علمه سبحانه التام بها، فعبر طريقه وبإخباره جلّ وعلا يتم العلم بها.
أما المنظور غير الإمامي للمسألة فهو يؤكدها بما لا يقبل الشك بأن العلم بالغيب قد منح لا للأنبياء فحسب، بل لاُناس غير معصومين أيضاً، إلاّ أن العلم أو الانكشاف الذي قالوا به لا يحقق الولاية، وإنّما تتحقق الولاية بالنص، هذا من جهة، ومن جهة اُخرى أنهم تناولوه بعنوان الكرامة والانكشاف لا العلم الحضوري الذي يرافق العصمة عندنا.
وأخيراً التزم الإمامية على طول الخط، بأن هذا العلم الذي يجب أن يتصف به النبي، أو الإمام، هو العلم بالموضوعات الخارجة وسائر الحوادث الكونية بالإضافة للعلم بالأحكام.
ونوقش بعض الاعتراضات الواردة في هذه المسألة زمن الأئمة(عليهم السلام) حيث كانت إجاباتهم كلّها تؤكد امتلاكهم العلم الحضوري، الذي لا يتعارض مع مقولة الالقاء بالتهلكة أو عدم وجود الجدوى في أفعالهم ، كما لا خلاف بين ما يذهب إليه الشيخ المفيد أو الشيخ الطوسي أو العلاّمة الحلي، وكذا سائر العلماء المتأخرين ، وإنما وقع الاختلاف في تفسير المسألة ليس إلاّ.
_________________________________________
[1] جنة المأوى: 42 .
[2] الملهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس: 128 .
[3] الفكر الإسلامي، العدد السابع عشر: 70 .
[4] الجن: 27.
[5] علم الإمام ونهضة سيد الشهداء، الطباطبائي: 45 ـ 49 .
[6] الحسين(عليه السلام) سماته وسيرته: 112.
[7] الجن: 25.
[8] الجن: 26.
[9] الكافي : 1/256 ح 2، وقد وافق أكثر المفسّرين من الخاصة والعامة على هذا المعنى.
[10] مجلة تراثنا، العدد 37، السنة التاسعة: 98، محمد رضا الجلالي .

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ذوالقعدة الحرام

١- ذوالقعدة الحرام ١ـ ولادة كريمة أهل البيت فاطمة بنت موسى بن جعفر(س). ٢ـ غزوة بدر الصغرى. ٣ـ وفاة الاشعث ب...

المزید...

١١ ذوالقعدة الحرام

١١- ذوالقعدة الحرام ولادة ثامن الحجج، الامام السلطان ابوالحسن علي بن موسى الرضا المرتضى(ع) ...

المزید...

١٥ ذوالقعدة الحرام

١٥- ذوالقعدة الحرام نهاية الحكم الاموي وبداية الحكم العباسي ...

المزید...

٢٣ ذوالقعدة الحرام

٢٣- ذوالقعدة الحرام غزوة بني قريظة وتصفية يهود المدينة

المزید...

٢٥ ذوالقعدة الحرام

٢٥- ذوالقعدة الحرام ١) يوم دحو الارض ٢) خروج الرسول (ص) لحجة الوداع ٣) احضار الامام الرضا(ع) من الحجاز إلى ...

المزید...

٣٠ ذوالقعدة الحرام

٣٠- ذوالقعدة الحرام شهادة الامام الجواد(ع)

المزید...
012345
  • مولد

  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الصور

  • الفقه

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page