الجمعة08222014

آخر تحديث: الخميس, 21 آب 2014 12pm

Font Size

Menu Style

Cpanel
Back الصفحة الرئیسیة

المقالات

في رحاب : عدد التكبيرات في صلاة الميت

من جملة ما وقع فيه الخلاف بين المذاهب الإسلامية، مسألة عدد التكبيرات في الصلاة على الميت، حيث قرر مذهب أهل البيت أنها خمس تكبيرات، بينما ذهبت مدرسة الخلفاء المتمثلة بالمذاهب الأربعة الى أنها أربع تكبيرات[1] وبيان الحق في المسألة يحتاج الى بحث متسلسل في عدة جهات:
أولاً: أدلة القول بأربع تكبيرات من السنّة النبوية
فقد قال الفقهاء الأربعة، والثوري، والأوزاعي وداود وأبو ثور بذلك، ورووه عن الحسن بن علي(عليه السلام) وأخيه محمد بن الحنفية، وعمر، وابن عمر، وزيد، وجابر، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعتبة بن عامر، وعطاء بن أبي رباح[2]، واستدلّوا على ذلك بأن الرسول(صلى الله عليه وآله)نعى النجاشي للناس وكبّر بهم أربعاً [3].
قال في بداية المجتهد:
وروي عن أبي خيثمة عن أبيه قال: «كان النبي(صلى الله عليه وآله) يكبّر على الجنائز أربعاً، وخمساً، وستاً، وسبعاً، وثمانياً حتى مات النجاشي، فصف الناس وراءه، وكبّر أربعاً، ثم ثبت(صلى الله عليه وآله) على أربع حتى توفاه الله»[4] وهذا فيه حجة لائحة للجمهور[5].
وفي فقه الكتاب والسنّة:
الركن الثالث: التكبيرات: وهي أربع تكبيرات بتكبيرة الإحرام، ولا يصح صلاة الجنازة إلا بهن، وهو الذي عليه عامة أهل العلم، وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية، وكذا الحنابلة إذ ذهبوا الى جملة ذلك. قال ابن المنذر(رحمه الله): ثبت أن النبي(صلى الله عليه وآله) كبّر أربعاً، وبه قال: عمربن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، ومحمدبن الحنفية، وعطاء، والثوري والأوزاعي، وإسحاق[6] .
ويستدل على ذلك بجملة نصوص من الخبر والأثر: فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم الى المصلى وكبر أربع تكبيرات[7].
وأخرج مسلم عن جابر بن عبدالله: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلى على أصحمة النجاشي، فكبّر عليه أربعاً [8].
وأخرج مسلم عن الشعبي: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلى على قبر بعد ما دُفِنَ، فكبّر عليه أربعاً[9].
وأخرج الدارقطني عن اُبيّ بن كعب: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «إن الملائكة صلّت على آدم فكبّرت عليه أربعاً. وقالوا: هذه سنّتكم يا بني آدم»[10].
وأخرج الدارقطني عن أنس قال: كبرت الملائكة على آدم أربعاً، وكبر أبو بكر على النبي(صلى الله عليه وآله) أربعاً، وكبر عمر على أبي بكر أربعاً. وكبر صهيبُ على عمر أربعاً. وكبر الحسن بن علي(عليه السلام) على عليّ أربعاً. وكبر الحسين بن علي على الحسن أربعاً[11].
ولو كبر خمس تكبيرات أو أكثر ناسياً لم تبطل صلاته; لأنه ليس بأكثر من كلام الآدمي ناسياً. ولا يسجد للسهو كما لو كبر أو سبّح في غير موضعه.
أما إن كان ذلك عمداً فثمة قولان:
أحدهما: تبطل صلاته; لأنه زاد ركناً، فأشبه من زاد ركوعاً أو سجوداً. قال بذلك بعض الشافعية. وهو الظاهر من مذهب الحنفية[12].
ثانيهما: لا تبطل صلاته، وهو الصحيح من مذهب الشافعية. وهي رواية عن أبي يوسف. وكذا الحنابلة ; فإنهم في جملة قولهم ذهبوا الى أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا أنقص من أربع، والأولى أربع لا يزاد عليها; فقد صحت الأحاديث في ذلك بأربع تكبيرات وخمس، وهو من الاختلاف المباح، والجميع جائز; فقد أخرج مسلم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً وأنه كبّر على جنازة خمساً فسألته فقال:
«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يكبرها»[13].
وقد أخرج البيهقي عن عبدالله بن معقل: أن علياً(عليه السلام) صلّى على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستاً، ثم التفت إلينا فقال: إنه من أهل بدر[14].
وأخرج البيهقي عن موسى بن عبدالله بن زيد: أن علياً(عليه السلام)صلّى على أبي قتادة فكبّر عليه سبعاً، وكان بدريّاً [15].
وجملة القول في ذلك: جواز التكبير بخمس تكبيرات على سبيل النسيان لا العمد. وهو قول الشافعية والحنابلة ورواية عن أبي يوسف[16]»[17].
وفي كتاب الحاوي الكبير أن القول بأربع تكبيرات هو الأصح والأولى لثلاثة اُمور:
أولاً: «أكثر رواية في أموات شتى، فروى أبو هريرة أنه(صلى الله عليه وآله)كبّر على النجاشي أربعاً، وروى سهل بن حنيف أنه(صلى الله عليه وآله)كبّر على قبر سُكينة أربعاً.
وروى أنس أنه(صلى الله عليه وآله) كبّر على ابنه إبراهيم أربعاً آخر فعله(صلى الله عليه وآله)، فكان ناسخاً لمتقدمه.
ثانياً: وروى ابن عباس وابن أبي أوفى: أن آخر ما كبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله)على الجنائز أربعاً، جنازة سُهيل بن بيضاء .
ثالثاً: عمل الصحابة[18] ـ رضي الله عنهمـ به وانعقاد اجماعهم عليه، فأما عمل الصحابة، فهو ما روى أن أبا بكر(رضي الله عنه) كبّر على رسول الله أربعاً، وكبّر عليّ على أبي بكر أربعاً، وكبّر صهيب على عمر(رضي الله عنه)أربعاً، وكبّر الحسن على علي بن أبي طالب(عليهما السلام) أربعاً[19].
فأما انعقاد الاجماع، فهو ما روى أن إبراهيم النخعي قال: اختلف أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد موته في التكبير على الجنازة، فقال قوم: يكبر أربعاً، وقال قوم: ثلاثاً، وقال قوم: خمساً، فجمع عمر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاستشارهم فأجمعوا على أن يكبّر فيها أربعاً، فكان انعقاد الاجماع مزيلاً لحكم ما تقدم من الخلاف، وكان أبو العباس بن سريج يجعل ذلك من الاختلاف المباح، وليس بعضه بأولى من بعض، وهذا قريب من مذهب ابن مسعود، وما ذكرنا من انعقاد الاجماع يُبطل هذا المذهب»[20].
ثانياً: دور الخليفة الثاني في تثبيت القول بأربع تكبيرات
وهكذا يتّضح أن اتفاقهم على أربع تكبيرات إنما ناشئ عمّا قام به عمر بن الخطاب حينما وجد المسلمين يكبّرون على الميت تكبيرات مختلفة من حيث العدد، فجمعهم على أربع تكبيرات وألزمهم بها، حينئذ ليس له ملزم شرعي، وملاك المشابهة مع أطول صلاة الذي اعتمده عمر ـ كما سيأتي ـ لا يكون دليلاً ملزماً لأحد.
ففي فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: «والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق باسناد صحيح الى سعيد بن المسيب، قال: كان التكبير أربعاً وخمساً فجمع عمر الناس على أربع، وروى البيهقي باسناد حسن الى أبي وائل قال: كانوا يكبّرون على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)سبعاً وستاً وخمساً وأربعاً فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة...»[21].
وهو كما ترى عمل بلا دليل، وسلوك يكشف عن رغبة الخليفة في التحكم بالشريعة وعلى أساس ملاكات لم تنص الشريعة عليها، وقد أصبح عمله هذا منشأً للقول به في المذاهب الأربعة، وقد حاول فقهاء هذه المذاهب توجيهه طبقاً لمقتضيات الصناعة الفقهية فكانت محاولاتهم تبريرية، ومنها محاولة الماوردي الشافعي وأدلته التي مرّت آنفاً.
فدليله الأول: القائل بأن روايات الأربع تكبيرات أكثر من روايات سائر الأقوال صحيح فيما لو استحكم التعارض بين الروايات، ووصل أمرها الى قواعد التعادل والترجيح، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، فأمامنا قول محتمل بالتخيير وقول آخر بالتنويع، كما سيأتي .فلا تصل النوبة الى الترجيح بالأكثر، ثم إن قواعد الترجيح تعالج حالات التعارض بين الروايات التي يعود أمرها الى الرواة، وليس فيها احتمال أن يكون التشريع في أصله مشتملاً على صور مختلفة للمسألة الواحدة، كما هو مقطوع به هنا، فالمقطوع به طبقاً لروايات المسلمين من الفريقين أن النبي(صلى الله عليه وآله)بنفسه قد صلّى تارة بأربع واُخرى بخمس تكبيرات. فليس التفاوت راجعاً الى الرواة حتى نعالجه بقواعد الترجيح، وإنّما التفاوت ثابت في أصل التشريع، وبالتالي فالمسألة التي نحن فيها ليست من مسائل الترجيح أصلاً حتى تعالج بالأكثر والأقل. كيف والصحابة قد شهدوا عند عمر بن الخطاب أن النبي(صلى الله عليه وآله) قد صلّى بأكثر من أربعة، ولم يردع عمر نفسه هذه المقالة، وإنما اختار خياراً من الخيارات التي رويت له بملاك من عند نفسه، لم يذكره الرواة له، وهو المشابهة مع أطول صلاة، فكان عمله من نوع السياسة الشرعية التي ـ لعله ـ أراد بها تقليل الخلاف بين المسلمين. على أن قواعد الترجيح في فقه الإمامية لا تقتضي ترجيح الروايات الأكثر على الروايات الأقل، وإنّما تقتضي الأخذ بالأكثر عندما يكون في مقابله شاذ نادر، كما أن قواعد الترجيح في الفقه السنّي تنظر الى نوع الرواة قبل أن ترجح الأكثر على الأقل، فربّما في الأقل رواة أرجح رتبة ودرجة من رواة الأكثر، وما نحن فيه من هذا القبيل كما سيأتي فيما ننقله من كلام ابن حزم.
والخلاصة أن دليل الترجيح بالأكثر في غاية السقوط لعدم دخول مسألتنا في باب الترجيح أصلاً، وعلى فرض دخولها فيه فإن قواعد الترجيح لا تجري فيها طبقاً لاُصول الفقه السنّي والإمامي معاً .
أما دليله الثاني: القائل بأن عمل الصحابة قد جرى عليه فأوهى من سابقه، وما رواه عن عدد من الصحابة أنهم كبروا أربعاً لا يدل على أنهم قد تقيدوا بالأربع ولم يكبروا في موارد اُخرى بالخمس، فالدليل أخص من المدّعى، وسيأتي أن عدداً آخر من الصحابة قد كبر خمساً، منهم الإمام علي(عليه السلام)، الذي ذكره الماوردي فيمن كبر أربعاً. وكيف نقول بأن عمل الصحابة قد جرى على ذلك ؟! ثم نقول: بأن عمر بن الخطاب قد سأل الصحابة وشاورهم في مسألة التكبيرات فذكروا له الأربع والخمس فجمعهم على الأربع؟ فإن القول الثاني لا ينسجم مع الأول، فإن أمر عمر بالأربع يدل على أن الصحابة لم يكونوا حتى تلك اللحظة متقيدين بها، ولو كانوا متقيدين بها، أو كان القول بالأربع مشتهراً ذائعاً لما كان الخليفة بحاجة الى جمعهم وسؤالهم والمشاورة معهم واصدار حكم عليهم بالأربع، كما هو واضح، فعمل عمر يدلّ على أن سيرة الصحابة لم تكن منعقدة على الأربع تكبيرات.
وأعجب من ذلك كله دليله الثالث الذي ادّعى فيه أن الإجماع قد قام على الأربع. فإن عمل الخليفة الثاني كان أمراً حكومياً لا شأن له بأصل التشريع، فإن الاجماع لا ينشأ من الأوامر السلطانية وإنّما ينشأ من اتّفاق الصحابة على عمل شرعي معين، وعمل الخليفة يدل على عدم وجود اجماع في باب التكبيرات على الميت، وقد حمل ابن حزم بشدة على هذا الدليل فكتب يقول:
«قال أبو محمد: واحتج من منع من أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبر النبي(صلى الله عليه وآله) سبعاً وخمساً وأربعاً، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة.
ورويناه أيضاً من طريق عبدالرزاق عن سفيان الثوري عن عمر بن شقيق عن أبي وائل فذكره.
قالوا: فهذا اجماع، فلا يجوز خلافه.
قال أبو محمد: وهذا في غاية الفساد، أول ذلك أن الخبر لا يصح، لأنه عن عامر بن شقيق، وهو ضعيف، وأما عمر بن شقيق فلا يدرى في العالم من هو!! ومعاذ الله أن يستشير عمر في إحداث فريضة بخلاف ما فعل فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو للمنع من بعض ما فعله(صلى الله عليه وآله)، ومات وهو مباح، فيحرم بعده، لا يظن هذا بعمر إلا الجاهل بمحل عمر من الدين والإسلام، طاعن على السلف ـ رضي الله عنهم ـ » .
ثم قال أبو محمد(ابن حزم): «اُف لكل اجماع يخرج عنه علي ابن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس والصحابة بالشام ـ رضي الله عنهم ـ ثم التابعون بالشام، وابن سيرين، وجابر بن زيد وغيرهم بأسانيد في غاية الصحة، ويدّعي الاجماع بخلاف هؤلاء بأسانيد واهية فمن أجهل ممن هذا سبيله؟ فمن أخسر صفقة ممن يدخل في عقله أن اجماعاً عرفه أبو حنيفة ومالك والشافعي وخفي علمه على علي وابن مسعود وزيد بن أرقم وأنس ابن مالك وابن عباس حتى خالفوا الاجماع، أما تكبير عمر وعلي وابن المكفف وابن أبي أوفى وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم وأنساً أربعاً فهذا صواب، ولكن هؤلاء لم ينكروا الخمس وقد صح عن النبي(صلى الله عليه وآله) كبر أربعاً وخمساً »[22].
ثالثاً: أدلّة القول بخمس تكبيرات من السنّة النبوية
لا تختلف مصادر الحديث النبوي عند أهل السنّة عن مصادر الحديث عند الإمامية في بيان وإيراد الأخبار الدالة على القول بأن صلاة الميت تقع في خمس تكبيرات، فقد روى مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي أن زيد بن أرقم صلّى على جنازة فكبّر عليها خمساً وقال: كبرها رسول الله(صلى الله عليه وآله) [23].
وفي مجمع الزوائد عن كبير بن عبدالله عن جده عن أبيه قال: صلّى النبي(صلى الله عليه وآله) على النجاشي خمساً . قلت: رواه ابن ماجة خلا ذكر النجاشي، رواه الطبراني في الكبير والأوسط[24].
وفي فتح الباري عن ابن المنذر عن ابن مسعود: أنه صلّى على جنازة رجل من بني أسد فكبّر خمساً [25].
وفي المحلّى : أن زيد بن أرقم كبّر بعد عمر خمساً، وأن علقمة قدم من الشام الى الكوفة فقال لابن مسعود: إن إخوانك بالشام يكبّرون على جنائزهم خمساً، فلو وقّتم لنا وقتاً نتابعكم عليه؟
فأطرق عبدالله ساعة، ثم قال: انظروا جنائزكم، فكبّروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد، وروى أيضاً: أنّ ابن مسعود صلّى فكبّر خمساً، وكذلك الإمام علي (عليه السلام)[26].
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث زيد بن أرقم عن عبدالأعلى أنّه قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّر خمساً، فقام إليه أبو عيسى عبدالرحمن ابن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت؟ قال: لا، ولكنّي صليت خلف أبي القاسم خليلي(صلى الله عليه وآله)فكبّر خمساً فلا أتركها أبداً [27].
وصلّى زيد بن أرقم على سعد بن جبير المعروف بسعد بن حبتة وهي اُمه، وهو من الصحابة فكبّر على جنازته خمساً، فيما رواه ابن حجر في ترجمة سعد من اصابته. ورواه ابن قتيبة في أحوال أبي يوسف من معارفه، وكان سعد هذا جد أبي يوسف القاضي.
وأخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة من طريق يحيى بن عبدالله الجابر، قال: صليت خلف عيسى مولى لحذيفة بالمدائن على جنازة فكبّر خمساً، ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبّرت كما كبّر مولاي وولي نعمتي حذيفة بن اليمان، صلّى على جنازة وكبّر خمساً، ثم التفت إلينا فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله)...[28].
وكبّر علي(عليه السلام) على سهل بن حنيف خمساً [29] وكان أصحاب معاذ يكبّرون على الجنازة خمساً [30].
وعنون ابن ماجة في سننه باباً بعنوان: باب ما جاء فيمن كبّر خمساً [31].
وفي بداية المجتهد: أن ابن أبي ليلى وجابر بن زيد كانا يفتيان بخمس تكبيرات[32].
ونقل في فتح الباري عن كتاب المبسوط في الفقه الحنفي عن أبي يوسف أنه كان يكبر خمساً [33].
ونُقل عن محمد بن علي بن عمران التميمي المالكي أنه ذكر في كتاب له باسم فوائد مسلم: «أن زيداً كبّر خمساً وأن رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان كذلك يكبّرها، ولكن ترك هذا المذهب لأنه صار علماً على القول بالرفض»[34].
وفي حاشية السندي على سنن النسائي في تعليقه على كلام ابن أبي ليلى أن زيداً صلّى على جنازة فكبّر عليها خمساً، قال السندي: «قالوا كانت التكبيرات على الجنائز مختلفة أولاً ثم رفع الخلاف واتفق الأمر على أربع إلاّ أن بعض الصحابة ما علموا بذلك فكانوا يعملون بما عليه الأمر أولاً والله تعالى أعلم»[35].
وبجمع التعليق مع الأصل تصبح النتيجة أن الأصل الأولي للتكبيرات على الجنازة هي خمس، أو لا أقل أن القول بالخمس كان أكثر شيوعاً وانتشاراً، بحيث إن بعض الصحابة بقوا عليه رغم ما جرى من الاتفاق على الأربع.
هذا ما في كتب الجمهور من المذاهب الأربعة وغيرهم.
أما الإمامية فالقول بالخمس تكبيرات عندهم كالضروري من المذهب على حد تعبير الشيخ صاحب جواهر الكلام[36].
وكلمات أعلامهم قديماً وحديثاً تؤيد ذلك، كالسيد المرتضى في الانتصار[37]، والشيخ المفيد في المقنعة[38]، والشيخ الطوسي في الخلاف[39] والعلاّمة الحلّي في تذكرة الفقهاء[40] ويسندون مذهبهم في ذلك الى الرسول (صلى الله عليه وآله)[41] فضلاً عما عندهم من الروايات في ذلك عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .
ومن كلمات المعاصرين في هذا المجال قول السيد الحكيم(رحمه الله)في المستمسك : إن التكبيرات الخمس أمر اجماعي، كما في (الانتصار، والغنية، والتذكرة، والذكرى، وجامع المقاصد، والروض، والمدارك) وغيرها، بل لعله من ضروريات المذهب. ويشهد به صحيح ابن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام): «التكبير على الميت خمس تكبيرات» وصحيح أبي ولاد: سألت أبا عبدالله(عليه السلام)عن التكبير على الميت فقال(عليه السلام): «خمساً»، ونحوهما غيرهما مما هو كثير جداً بل لعله متواتر، المشتمل بعضه على التعليل بأنه أخذ من كل من الصلوات الخمس تكبيرة، أو أنه أخذ من كل من الدعائم الخمس التي بني عليها الاسلام تكبيرة»[42].
وقال السيد الخوئي(رحمه الله): «لا اشكال في أن صلاة الميت عندنا إنما هي بخمس تكبيرات، وقد دلّت على ذلك جملة من الروايات فيها الصحاح وغيرها، كصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام): «التكبير على الميت خمس تكبيرات» وغيرها.
وفي بعضها أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يصلي بأربع تكبيرات تارة وبخمس اُخرى.
وورد شرح ذلك في بعض الأخبار الاُخر بمضمون أن كل تكبيرة رمز الى أصل ومبدأ من المبادئ الإسلامية من الصوم والصلاة والزكاة والحج والولاية، ولأجله كان يصلي بأربع تكبيرات على المنافقين المنكرين للولاية وبخمس تكبيرات على المؤمنين. هذا كله في رواياتنا.
وأما روايات العامة فقد اختلفت في ذلك، ففي بعضها أن النبي(صلى الله عليه وآله)كان يصلي بست أو سبع تكبيرات، وفي بعضها الآخر أن عمر جمع أصحابه واستقر رأيه على أن يصلي على الميت بأربع تكبيرات.
وكيف كان : فكونها خمس تكبيرات مما لا اشكال فيه عندنا فلو نقص منها تكبيرة بطلت لانتفاء المركب بانتفاء بعض أجزائه ولا يشملها حديث «لا تعاد» لاختصاصه بصلاة ذات ركوع وسجود وطهور.
وأما إذا زاد عليها فإن كان سهواً فلا يكون موجباً لبطلانها لأنها زيادة بعد انتهاء العمل، والزيادة بعد العمل لا توجب البطلان.
وأما إذا كانت الزيادة عمدية فالصحيح أنّها أيضاً لا توجب البطلان، لكونها زيادة بعد العمل لانتهاء الصلاة بعد الخمس، اللهم إلا أن يرجع الى التشريع في أصل العمل بأن يبني من الابتداء على أنها ست تكبيرات فيأتي بها بهذا البناء والتشريع، وإلا فلو بنى على أن يأتي بالزائد بعد الخمس فهو لا يوجب بطلانها».[43]
ويتّضح من ذلك كلّه للباحث المنصف، أن القول بخمس تكبيرات لصلاة الميت إن لم يكن هو المتعين للوظيفة الشرعية، فلا أقل من كونه هو القول الذي يحضى بأدلّة أقوى وأكثر، ويتسم دون غيره بكونه الموافق للاحتياط، بحيث إن الذي يأتي بخمسة تكبيرات يقطع بموافقة الشريعة طبقاً لكل المذاهب، بينما الذي يأتي بغير ذلك لا يحصل له مثل هذا القطع، ويبقى عمله محفوفاً باحتمالات البطلان .

التعليقات  

0 #3 RE: في رحاب : عدد التكبيرات في صلاة الميتعلي الحلفي 2012-04-16 15:01
السلام عليكم ووفقتم ...سؤال1 عن حرب قيس (قرقيسيا)وما مدى توافق المعطيات المكسوبه من الروايات مع الواقع الحالي وخراب الشام. السؤال2 حسب رئيكم ما الفرق بين 1-خروج الامام(ع)2-ظهور الامام(ع)3-قيام الامام(ع) هذا ولكم جزيل الشكر
اقتباس
0 #2 RE: في رحاب : عدد التكبيرات في صلاة الميتالجزائري السوفياتي 2012-04-06 01:08
قولوا لنا من فضلكم
هل هي أربعة أم خمسة ؟؟؟
أرجوكم أفيدونا
اقتباس
0 #1 RE: في رحاب : عدد التكبيرات في صلاة الميتابوعلي 2012-02-02 00:02
احسنت جزيت خيرا
اقتباس

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

البيان في حوادث آخر الزمان

المقدمة
أخبرنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في أحاديثه عن أشياء تأتي بعده من حين وفاته حتّى انقضاء العالم وقيام الساعة ، جاءت بها الأخبار، ودوّنها حَمَلَة العلم وحفّاظ الآثار في أسفارهم ، حيث ستقف على شطر منها. المزيد ...