وكانت صديقة (القسم 12)

 

وكانت صديقة

القسم 12

أشرق يوم الجمعة و التاريخ يشير إلى السابع عشر من شهر رمضان. عسكرت قوات قريش، في ثنايا التلال القريبة من وادي بدر، وبدا أبوجهل أفعى رقطاء تتلمظ. هتف ساخراً و هو يشير إلى قلة المسلمين:

- ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا اليهم عبيدنا لأخذوهم باليد.

تساءل عتبة بن ربيعة:

- ربما كان لهم كمين أو مدد.

- كلا يا صاحبى لقد بعثت «ابن وهب» وطاف حول مواقعهم فلم يرَ شيئاً.

قال شيبة معقباً:

- لكنه قال شيئاً آخر غير هذا.

امتعض أبوجهل، فتساءل عتبة:

- وماذا قال؟

- جاء مبهور الأنفاس و نثر كلماته كالنبل: ما رأيت شيئاً ولكني وجدت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا... نواضح يثرب تحمل الموت الناقع.

أطرق عتبة. كان يفكّر في المصير... ألقى أبوجهل نظرة حانقة و بصق على الأرض ثم غادر المكان.

ارتقى عتبة جمله الأحمر و قد دوّت فكرة العودة إلى مكة في رأسه و أصغت عشرات الرجال إلى ما يقول صاحب الجمل الأحمر:

- يا معشر قريش! لن تصنعوا شيئاً بلقاء محمّد وأصحابه. و بين أصحابه رجال من بني عمومتكم أو أخوالكم.. و هل يقتل المرء ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته.. ارجعوا و خلّوا بين محمد و سائر العرب..

يا معشر قريش أطيعونى اليوم واعصوني الدهر، انّ محمداً له إلُّ و ذمة.. فان يكن صادقاً فأنتم أعلى عيناً به، و ان يكن كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره.

جحظت عينا «أبي جهل» و خرجت الكلمات من فمه ممزوجة بالبصاق:

- انظروا ماذا يفعل الجبن في النفوس... انظروا إلى سيد من

سادات قريش و هو يرتعد من سيوف يثرب.

وفي أدنى الوادي كان الرسول يراقب عن كثب ما يجري في أقصى الوادي... هناك على جمل أحمر رجل يحذر قومه سوء العواقب.

تمتم النبي بلهجة يشوبها اليأس:

- إن يكن في أحدهم خير ففي صاحب الجمل الأحمر.

اتصلت السماء بالأرض وهبط جبريل كوكب الأرض في تلك البقعة من دنيا اللَّه... و سرت كلمات السماء في قلب محمد:«فإن جنحوا للسلم فاجنح لها».

هتف النبي و جبينه يتلألأ:

- يا معشر قريش! ارجعوا من حيث أتيتم فلأن يلى هذا الأمر مني غيركم أحبُّ إليّ من أن تلوه أنتم.

تمتم عتبة و هو يصغي إلى ابن مكة الذي فرّ منذ عامين:

- ماردّ هذا قوم ثم افلحوا.

تجمعت في السماء النذر، و بدت السيوف بروقاً مخزونة بالرعود، نزل عتبة عن جمله الأحمر، و تقدم مع أخيه شيبة وابنه الوليد إلى الأرض التي تفصل ما بين الجبهتين و نادى عتبة بصوت غاضب و كان أبوجهل قد استفزّه:

- يا محمد أخرج الينا أكفاءنا من قريش:

التفت النبيّ إلى عبيدة.

- قم يا عبيدة بن الحارث.

و إلى حمزة بن عبدالمطلب و إلى علي بن أبي طالب.

كانت راية «العقاب» تخفق في قبضة عليّ فركزها في الأرض ثم انطلق إلى ميدان الصراع... و تراءى امام عينيه طيف جميل. كان وجه «فاطمة» يبتسم له وقد شعّ من عينيها نورٌ سماويُّ.

ران الصمت على الجبهتين، ما خلا ستة سيوف كانت تلمع وسط الغبار كبروق غاضبة، فجأة ارتفع السيف «ذوالفقار» ثم هوى فهوت معه جمجمة الوليد، ثم ارتفع مرة اُخرى ليهوي على عتبة ثم على شيبة و تساقطت رؤوس الشرك... تعفّرت بالرمال و كانت العيون جاحظة تنظر برعب إلى شي ء ما.

كبر النبي و كبر معه المسلمون و انتقل اسم عليّ على الألسن في الفضاء... وفي التاريخ...

وسمع النبي يقول:

- والذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلّا أدخله اللَّه الجنة.

و تراءت للذين سمعوا كلمات الرسول جنّات تجري من تحتها

الأنهار... فإذا السيوف ظلال لجنّة عرضها السماوات و الأرض.

كان سقوط صناديد قريش صرعى فوق الرمال إيذاناً ببدء معركة رهيبة. و بدأت قريش هجوماً عنيفاً و تساقطت السهام و النبال كالمطر...

وقف المسلمون صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، وصمدوا أمام هجمات مدمّرة كعاصفة هوجاء... تصاعد غبار كثيف و تساقط القتلى والجرحى كجراد منتشر. و شيئاً فشيئاً خفّت حدّة الهجوم... وفي هذه اللحظة الحاسمة دوت كلمة القائد العظيم مختصرة و مصيرية:

- شدوا.

اندفع المسلمون كالسيل و كانت راية العقاب تخفق في قبضة على قوية ثابتة؛ و اختلطت أصوات عديدة بين صهيل الخيل ورغاء الجمال وقعقعة الأسلحة وصيحات الرجال و كانت:«أحَد... أحَد» تتردد في فضاء المعركة.

و تفجّر غضب مقدس في القلوب و قد رأى المعذبون جلّاديهم... و غادر النبي مقر القيادة و بقي أبوبكر وحيداً. اندفع النبي يقاتل في الخطوط الاُولى و ظهرت في الاُفق سحب بيضاء شفافة... تشبه أجنحة الملائكة و كان النبيّ يهتف بحماس:

- سيهزم الجمع و يولّون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة

أدهى وأمرّ...

استمر القتال مريراً... واقتربت المعركة من نهايتها بعد ان تمزّقت خطوط المشركين ولاحت في الاُفق هزيمة و شيكة.

هتف النبي غاضباً و هو يقذف حفنة من الحصى:

- شاهت الوجوه!

انفجرت ساعة الانتقام وقذف بركان الثأر حممه مدوّية وهتف بلال وهو يرمق جلّاده بغضب:

- اُميّة! رأس الكفر لانجوت إن نجا... حاول بعض المسلمين اعتراض بلال. أرادوا عدوّهم أسيراً فصاح بلال:

- يا أنصار اللَّه.. إنّه اُمية رأس الكفر... لانجوت ان نجا...

انقض بلال على جلّاده فهوى كأنما سقط من شاهق... ولأوّل مرّة تنفّس بلال الصعداء وانزاحت عن صدره صخرة قاسية كانت تجثم فوق اضلاعه فدمعت عيناه وراح ينظر إلى السماء في امتنان.

حاول أبوجهل في عناد قديم أن يمنع هزيمة «قريش» و كان يقاتل خلف سياج من رماح رجاله وفي مقدمتهم ابنه عكرمة... ولكن أنّى لهؤلاء الحفنة من الحمقى الوقوف بوجه رياح النصر وهي تعصف بعنف من أدنى الوادي... اقتربت هتافات: أحَد.. أحَد... و ماهي إلَّا لحظات حتى هوى أبوجهل وارتطم رأسه بالأرض.

وضع عبداللَّه بن مسعود قدمه على عنق أبي جهل الذي رمقه متسائلاً:

- لمن الدائرة؟

- للَّه ولرسوله وللمؤمنين.

كانت قدم ابن مسعود تدقّ عنق أبي جهل،فتمتم حانقاً:

- لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم.

حاول أن يبصق كعادته فسقط البصاق فوق وجهه وجحظت عيناه. كان هو الآخر ينظر برعب إلى شي ء ما.

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

۱ شوال

  ۱ـ عيد الفطر السعيد.۲ـ غزوة الكدر أو قرقرة الكدر.۳ـ وفاة عمرو بن العاص.۱ـ عيد الفطر السعيد:هو اليوم الاوّل م...

المزید...

۳شوال

قتل المتوكّل العبّاسي

المزید...

۴ شوال

۱- أميرالمؤمنين يتوجه إلى صفين. ۲- وصول مسلم إلى الكوفة.

المزید...

۸ شوال

هدم قبور أئمة‌ البقيع(عليهم سلام)

المزید...

۱۰ شوال

غزوة هوازن يوم حنين أو معركة حنين

المزید...

11 شوال

الطائف ترفض الرسالة الاسلامية في (11) شوال سنة (10) للبعثة النبوية أدرك رسول الله(ص) أن أذى قريش سيزداد، وأن ...

المزید...

۱۴ شوال

وفاة عبد الملك بن مروان

المزید...

۱۵ شوال

١ـ الصدام المباشر مع اليهود واجلاء بني قينقاع.٢ـ غزوة أو معركة اُحد. ٣ـ شهادة اسد الله ورسوله حمزة بن عبد المط...

المزید...

۱۷ شوال

۱- ردّ الشمس لأميرالمؤمنين علي (عليه السلام) ۲ـ غزوة الخندق ۳ـ وفاة أبو الصلت الهروي ...

المزید...

۲۵ شوال

شهادة الامام الصادق(عليه السلام)

المزید...

۲۷ شوال

مقتل المقتدر بالله العباسي    

المزید...
012345678910
  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الصور

  • الفقه

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page