اختصاص الشيعة في التمسك بالقران الكريم

مقدّمة المؤلّف
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين لا سيّما بقيّة الله في الارضين.
قال سبحانه وتعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدَىً وَرَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) 1.
تؤمن شتّى الفرق الاسلاميّة بأنّ القرآن هو الكتاب السماوي والدستور الحاكم على الشريعة، ولهذا ينتهج الجميع من هذا المنطلق سبيل العمل وفق أُسسه وتعاليمه.
وأمّا بالنسبة إلى بحثنا المعنون بـ «اختصاص الشيعة في التمسّك بالقرآن الكريم»، فانه يمتاز من هذه الناحية، إذ تتجلّى فيه أحقيّة الفرقة الناجية والمتمسّكة بالقرآن بين المذاهب الاسلاميّة الاُخرى .
وممّا لا شك فيه أنّنا نجد كلّ مذهب يتمتّع برؤى وعقائد يتفرّد بها ويسير وفقها، مع حُسبانه أنه الحائز للمكانة الرفيعة بين الفرق، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى : (كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)(2) .
ومن الواضح أنّ المرء يفرح بما لديه ويطمئن بمذهبه مالم يتضح له بطلان ماهو عليه، ولكن حينما يعي الضمير المتيقظ والعقل السليم فساد مذهبه، وعندما يستبصر المرء ليعتنق مذهباً آخر بعد التعقّل والتأمّل، حينئذ يدرك المرء أنّه كان مخدوعاً بسراب كان يمنعه ويعيقه من التوجه نحو النبع حينما كان يبحث عن منهل يروي تعطّشه، ويدرك أنّه كان يتخبّط في حركته تائهاً حيراناً.
إن القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)يمتاز بمكانة ومركزيّة رفيعة، ويمتلك شموليّة تامّة، يتمكّن بها أن يحيط بكافة الحقائق ويسعه أن يكون هادياً للبشريّة كافة، إذ تتمكّن كلّ طائفة وأُمّة أن تنتفع منه وأن تحمل منه زاداً لحركتها في الحياة.
وممّا يثير الانتباه في المسلمين أنّهم مع كلّ ما يمتلكون من الثروة الثقافيّة والعلميّة الطائلة التي تلقوها من القرآن والتعاليم الزاهرة والمشرقة لهذا الدين، فإنهم لم يفكروا باستخدامها كما هو المطلوب، أو أنهم قلَّ ما انتفعوا منها لتلقي واستيعاب الحقائق والشؤون الضرورية للحياة الدينيّة.
وفي الحقيقة فإنّ المسلمين قلّما استعانوا بكتاب الله عزّ وجلّ وقلَّما نهلوا منهج الحياة من هذا الركن السديد وهذا المنهج الرباني الخالد.
وفي هذا الخضم نجد أعداء الاسلام بعدما اعترتهم الخيبة واليأس من محاربة الدين الاسلامى الحنيف وكتاب الله عزّ وجل، حاولوا تجربة سبل متعدّده واحدة تلو الاُخرى للاطاحة بالاسلام، فالتجؤوا إلى توسيع نطاق الاختراق والاقتحام في أوساط المجتمعات الاسلامية والاندساس فيما بينهم ليشغلوا المسلمين بمختلف الوسائل المتاحة بأُمور وقضايا واهية وغير مثمرة لا جدوى فيها.
لكن علماء المذاهب الاسلامية بادروا على ضوء سعة مستواهم الفكري وممتلكاتهم العلمية وعلى أساس مرتكزاتهم الاعتقادية وتمشّياً مع مبانيهم المذهبية، إلى تأدية مهمّتهم بإعداد أبحاث مختلفة في شتى مجالات العلوم القرآنية وبيان فضائله وإيضاح أحكامه المشرقة التي تعتبر ركناً أساسياً في تشريع الاحكام.
وكما يستفاد من آراء ونظريات ذوي الاختصاص في شتّى مجالات الفروع العلميّة، انتقى علماء الدين وكبار الفضلاء ممّا قدّم الاوائل وبيّنوا ما توصلوا إليه بأُطر صالحة وأوعية متناسبة.
وتزامناً مع ازدياد وتعدّد المدارس الكلامية نشأ النزاع والتشاحن حول الايات القرآنية، واندلعت مشاجرات لفظيّة، تبعها التكفير، وأُصدرت أحكام وفتاوى ثقيلة من قبل أحدهم على الاخر، وتخاصم أصحاب الرأي والاجتهاد مع أهل الحديث، وتعرّض مذهب الاعتزال للاشاعرة، ونشأ اشتباك وتصادم فكري عنيف من قبل أهل الحجاز مع مفكري بغداد، وكلاهما مع أهل البصرة، وتصدى هؤلاء الثلاثة لمخالفة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
وأدّى ذلك لينكب كلّ منهم على مجموعة من الاراء والمعتقدات، يعول عليها ولا يتجاوزها إلى غيرها.
ووقفت الانظمة السياسيّة الحاكمة في القرن الاول والثاني والثالث وقوفاً تاماً إلى جانب هذه التكتلات المتسمة بالطابع العلمي، والتي كانت السبب الاساسي لنشوء معظم المشاجرات والخصومات الكلامية في تلك الفترة، فكانت تحفزهم وتحرضهم على ذلك.
ولا تزال وبعد مضي القرون المتمادية مسألة إيقاد النزاع والخلاف والمشاجرات في أوساط المسلمين عبر إثارة القضايا المبهمة والمشكوكة التي تمهّد الارضيّة لوقوع التفرقة بين الناس والتي تركت آثارها المرّة على المجتمع الاسلامي، كما وأنها سلبت منهم التعايش السلمي والترابط الاخوي الذي دعى إليه حجج الله وسفراء العدالة والصدق في ظل مناهجهم السماوية السامية التي جاؤوا بها إلى البشرية.
وفي خضم هذه الصراعات والاراء المتضاربة والمختلفة التي طرحت في المائة الاخيرة كانت الانظار متوجهة إلى فئتين قد انشغلتا بالمشاجرات العقائدية أكثر من الفئات الاُخرى، والملحوظ أنهما قد تركتا آثاراً متعددة تعبّر عن معتقداتها المذهبيّة.
وممّا لا شك فيه أن الانشغال الذهني بالاُمور والقضايا الهامشيّة يعتبر أفضل فرصة للذين يستهدفون الوصول إلى غاياتهم ومآربهم الخاصة، ليتمكنوا من خلالها أن يحققوا مبتغياتهم بصورة كاملة.
والجدير ذكره في هذا المقام أن الطوائف والفرق المخالفة للمذهب الامامي قد روّجت الافتراءات والتهم الباطلة بأشكال مختلفة وبشتى الوسائل والادعاءات على أتباع هذا المذهب، وأثاروا مسألة الدفاع عن القرآن والذب عنه، بغية الوصول إلى دعم حججهم وماهم عليه، للتظاهر بأنهم هم المتفردون بدعم ونصرة القرآن الكريم.
وبما أن هذه الندوة تستهدف بيان مسألة اختصاص مذهب الامامية وتفرده عن سائر المذاهب الاسلاميّة في التمسك بالقرآن والالتزام بحاكميته، فحريّ أن لا أُطيل عليكم أكثر من هذا، ولندخل معاً في صميم الموضوع.
وقبل أن نشرع بالبحث، تبدو جملة من الايضاحات المختصرة حول الادلة الاربعة في تشريع الاحكام ضروريّة، أشير إليها بصورة مجملة ومختصرة.
____________
(1) النحل : 89.
(2) المؤمنون : 53.




مقدّمة المؤلّف
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين لا سيّما بقيّة الله في الارضين.
قال سبحانه وتعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدَىً وَرَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) 1.
تؤمن شتّى الفرق الاسلاميّة بأنّ القرآن هو الكتاب السماوي والدستور الحاكم على الشريعة، ولهذا ينتهج الجميع من هذا المنطلق سبيل العمل وفق أُسسه وتعاليمه.
وأمّا بالنسبة إلى بحثنا المعنون بـ «اختصاص الشيعة في التمسّك بالقرآن الكريم»، فانه يمتاز من هذه الناحية، إذ تتجلّى فيه أحقيّة الفرقة الناجية والمتمسّكة بالقرآن بين المذاهب الاسلاميّة الاُخرى .
وممّا لا شك فيه أنّنا نجد كلّ مذهب يتمتّع برؤى وعقائد يتفرّد بها ويسير وفقها، مع حُسبانه أنه الحائز للمكانة الرفيعة بين الفرق، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى : (كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)(2) .
ومن الواضح أنّ المرء يفرح بما لديه ويطمئن بمذهبه مالم يتضح له بطلان ماهو عليه، ولكن حينما يعي الضمير المتيقظ والعقل السليم فساد مذهبه، وعندما يستبصر المرء ليعتنق مذهباً آخر بعد التعقّل والتأمّل، حينئذ يدرك المرء أنّه كان مخدوعاً بسراب كان يمنعه ويعيقه من التوجه نحو النبع حينما كان يبحث عن منهل يروي تعطّشه، ويدرك أنّه كان يتخبّط في حركته تائهاً حيراناً.
إن القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)يمتاز بمكانة ومركزيّة رفيعة، ويمتلك شموليّة تامّة، يتمكّن بها أن يحيط بكافة الحقائق ويسعه أن يكون هادياً للبشريّة كافة، إذ تتمكّن كلّ طائفة وأُمّة أن تنتفع منه وأن تحمل منه زاداً لحركتها في الحياة.
وممّا يثير الانتباه في المسلمين أنّهم مع كلّ ما يمتلكون من الثروة الثقافيّة والعلميّة الطائلة التي تلقوها من القرآن والتعاليم الزاهرة والمشرقة لهذا الدين، فإنهم لم يفكروا باستخدامها كما هو المطلوب، أو أنهم قلَّ ما انتفعوا منها لتلقي واستيعاب الحقائق والشؤون الضرورية للحياة الدينيّة.
وفي الحقيقة فإنّ المسلمين قلّما استعانوا بكتاب الله عزّ وجلّ وقلَّما نهلوا منهج الحياة من هذا الركن السديد وهذا المنهج الرباني الخالد.
وفي هذا الخضم نجد أعداء الاسلام بعدما اعترتهم الخيبة واليأس من محاربة الدين الاسلامى الحنيف وكتاب الله عزّ وجل، حاولوا تجربة سبل متعدّده واحدة تلو الاُخرى للاطاحة بالاسلام، فالتجؤوا إلى توسيع نطاق الاختراق والاقتحام في أوساط المجتمعات الاسلامية والاندساس فيما بينهم ليشغلوا المسلمين بمختلف الوسائل المتاحة بأُمور وقضايا واهية وغير مثمرة لا جدوى فيها.
لكن علماء المذاهب الاسلامية بادروا على ضوء سعة مستواهم الفكري وممتلكاتهم العلمية وعلى أساس مرتكزاتهم الاعتقادية وتمشّياً مع مبانيهم المذهبية، إلى تأدية مهمّتهم بإعداد أبحاث مختلفة في شتى مجالات العلوم القرآنية وبيان فضائله وإيضاح أحكامه المشرقة التي تعتبر ركناً أساسياً في تشريع الاحكام.
وكما يستفاد من آراء ونظريات ذوي الاختصاص في شتّى مجالات الفروع العلميّة، انتقى علماء الدين وكبار الفضلاء ممّا قدّم الاوائل وبيّنوا ما توصلوا إليه بأُطر صالحة وأوعية متناسبة.
وتزامناً مع ازدياد وتعدّد المدارس الكلامية نشأ النزاع والتشاحن حول الايات القرآنية، واندلعت مشاجرات لفظيّة، تبعها التكفير، وأُصدرت أحكام وفتاوى ثقيلة من قبل أحدهم على الاخر، وتخاصم أصحاب الرأي والاجتهاد مع أهل الحديث، وتعرّض مذهب الاعتزال للاشاعرة، ونشأ اشتباك وتصادم فكري عنيف من قبل أهل الحجاز مع مفكري بغداد، وكلاهما مع أهل البصرة، وتصدى هؤلاء الثلاثة لمخالفة مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
وأدّى ذلك لينكب كلّ منهم على مجموعة من الاراء والمعتقدات، يعول عليها ولا يتجاوزها إلى غيرها.
ووقفت الانظمة السياسيّة الحاكمة في القرن الاول والثاني والثالث وقوفاً تاماً إلى جانب هذه التكتلات المتسمة بالطابع العلمي، والتي كانت السبب الاساسي لنشوء معظم المشاجرات والخصومات الكلامية في تلك الفترة، فكانت تحفزهم وتحرضهم على ذلك.
ولا تزال وبعد مضي القرون المتمادية مسألة إيقاد النزاع والخلاف والمشاجرات في أوساط المسلمين عبر إثارة القضايا المبهمة والمشكوكة التي تمهّد الارضيّة لوقوع التفرقة بين الناس والتي تركت آثارها المرّة على المجتمع الاسلامي، كما وأنها سلبت منهم التعايش السلمي والترابط الاخوي الذي دعى إليه حجج الله وسفراء العدالة والصدق في ظل مناهجهم السماوية السامية التي جاؤوا بها إلى البشرية.
وفي خضم هذه الصراعات والاراء المتضاربة والمختلفة التي طرحت في المائة الاخيرة كانت الانظار متوجهة إلى فئتين قد انشغلتا بالمشاجرات العقائدية أكثر من الفئات الاُخرى، والملحوظ أنهما قد تركتا آثاراً متعددة تعبّر عن معتقداتها المذهبيّة.
وممّا لا شك فيه أن الانشغال الذهني بالاُمور والقضايا الهامشيّة يعتبر أفضل فرصة للذين يستهدفون الوصول إلى غاياتهم ومآربهم الخاصة، ليتمكنوا من خلالها أن يحققوا مبتغياتهم بصورة كاملة.
والجدير ذكره في هذا المقام أن الطوائف والفرق المخالفة للمذهب الامامي قد روّجت الافتراءات والتهم الباطلة بأشكال مختلفة وبشتى الوسائل والادعاءات على أتباع هذا المذهب، وأثاروا مسألة الدفاع عن القرآن والذب عنه، بغية الوصول إلى دعم حججهم وماهم عليه، للتظاهر بأنهم هم المتفردون بدعم ونصرة القرآن الكريم.
وبما أن هذه الندوة تستهدف بيان مسألة اختصاص مذهب الامامية وتفرده عن سائر المذاهب الاسلاميّة في التمسك بالقرآن والالتزام بحاكميته، فحريّ أن لا أُطيل عليكم أكثر من هذا، ولندخل معاً في صميم الموضوع.
وقبل أن نشرع بالبحث، تبدو جملة من الايضاحات المختصرة حول الادلة الاربعة في تشريع الاحكام ضروريّة، أشير إليها بصورة مجملة ومختصرة.
____________
(1) النحل : 89.
(2) المؤمنون : 53.




الادلة الاربعة في التشريع


جُعلت قواعد أدلة الاحكام الشرعية أربعة أركان أصلية ( الكتاب، السنة، العقل والاجماع ) وهي التي تُسمّى بالادلّة الاربعة وتُتخذ ركائز تبنى عليها مناهج البحث.
وفي هذا المجال وقع الاختلاف بين المذاهب الاسلامية في تعيين مصداق كلّ من هذه الاُصول الاربعة، فعلى سبيل المثال جُعل القياس مكان العقل بين أوساط أبناء العامة، واعتبر مؤهلاً للعمل به، ونجد المذهب الحنفي يتمتع بمستوى رفيع لتلقيه والاخذ به بصورة لا يحظى بها المذهب الشافعي، ولم يصل إلى ذلك الحدّ.
أما الاُصول الثلاثة الاُخرى، فيتفق المذهب الامامي فيها مع أبناء العامة في اللفظ، وينتهج كلّ منهم في الاخذ بكلّ من هذه الاُصول الثلاثة مذهباً وطريقاً خاصاً ينتهي في بعض الاحيان إلى التباين والافتراق فيما بينهم.
فعلى سبيل المثال : إن الامامية تثق بالاجماع الذي يستكشف منه رأي وقول المعصوم (عليه السلام)، وهذه الصورة مما لا نجدها بين أوساط أبناء العامة بالنسبة إلى الاجماع، وإنما نجدهم يكتفون في ذلك بحديث مجموعة يُعتمد على قولهم.
أما الركائز الاساسية والرئيسيّة الاخرى فهما الكتاب والسنة :
الكتاب :
يعتبر الكتاب السماوي ـ كمصدر أساسي في تشريع الاحكام عند كافة المذاهب الاسلامية ـ بأنه يمتاز بالاسبقية والافضلية الخاصة عند جميع المذاهب، وتليه المصادر الاخرى في مكانة تتأخر عنه، وهذا مما لا يمكننا أن نستبدله بصورة أخرى، إذ السنة أيضاً تستقي حجّيتها من الكتاب، وتستقي حجيتها وفقاً لحكمة الله سبحانه وتعالى، وأيضاً فالانبياء وأوصياؤهم إنما وجبت طاعتهم على ضوء أوامر القرآن الكريم.
إن القرآن الكريم بصفته خاتم الكتب السماوية وأكمل دستور رباني، يعتبر أوّل ركيزة أساسية من الاصول الاربعة، وإن آياته تتمتع بثروة هائلة تستطيع أن تمد مصادر التشريع بالاحكام المرتبطة بشؤون الفرد والجماعة.
وبما أن صدور القرآن الكريم من عند الله سبحانه وتعالى أمر مفروغ منه ومسلّم به، يجد المتمسك بأحكامه المشرقة من هذا المنطلق أن يوليه الثقة والانقياد له، وأن يكون متمسكاً وملتزماً بأوامره ونواهيه.
وحيث أن هذا الكتاب السماوي يعتبر البرنامج الالهي الاخير المُنزل من قبل الله سبحانه وتعالى لهداية البشريّة، فيتحتم أن تستوعب أحكامه كافة الفترات الزمنية اللاحقة للعمل به والانتفاع منه، والبطون المتعددة للقرآن تكفي ليكون له على امتداد العصور والقرون المصاديق البارزة والواضحة على أرض الواقع، واتصاف القرآن بالبطون المتعدّدة جعلت دلالة آياته ظنية، وجعلته مؤهلاً لحمل أوجه ومعاني تلك البطون.
ومن جهة أُخرى أثبتت ضرورة وجود المبيّن والمبلّغ للقرآن هذه الحقيقة بأن الايات القرآنية ليست بذلك المستوى الذي يستوعبها أو يفطن إلى مغزاها الجميع، وعندئذ يبرز بوضوح ضرورة وجود من يرفع الحاجة بتبيينه وتفسيره.
وكما قيل إن مسألة وجوب وضرورة وجود المبيّن للقرآن (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزِّلَ إلَيْهِمْ)(1) تثبت أن استيعاب وتفطّن الايات غير متاح للناس من دون تبيين وإيضاح.
ويتّضح من لزوم تبيين الوحي هذا الامر، بأن الرسول ينبغي أن يحمل على عاتقه مهمة التبيين، إضافة إلى مسألة تبليغ وعرض الايات.
وفي نطاق أوسع فقد أُذن للرسول أن يصرّح ويبيّن مجمل ومتشابه الكتاب، أو يُشير إلى مالم يتطرق إليه القرآن، ومن ثم نجد وضوحاً في التوجيهات والاحكام الدينيّة والشرعية مما لا نجده في الكتاب وحده.
وتواجد مثل هذه الاحكام في السنة توضّح وتبيّن لنا هذه الحقيقة بأنّ مسألة تبيين الايات القرآنية هي الّتي توفر المقتضي لبيان وذكر مثل هذه الاحكام، وذلك لقوله تعالى في سورة الحاقة : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَْقَاوِيلَ لاََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)(2) ، وهذا يعني أن الرسول لم يكن مأذوناً لبيان أي كلام في مجال التشريع ولم يسمح له أن يشرّع من تلقاء نفسه بما يشاء، وعلى هذا يدل قوله تعالى : (وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى)(3) ، وقوله تعالى : (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ من تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحى)(4) .
السنّة :
عُرف التمسك والالتزام بالسنة ووجوب اتباعها في أوساط المذاهب الاسلاميّة بأنه الاساس والركيزة الثانية في مجال تشريع الاحكام.
ولم يلحظ أي رفض أو إنكار في مجال شرعيته، ولكن الامر الجدير بالمتابعة والدراسة بدقة وحيطة في هذا المجال هو مناقشة مدى الاستقلال بالسنة أو صلتها بالكتاب.
وكما بينّا فيما سبق فإن السنة تلزم بالضرورة ـ ومن دون أيّ انفصال ـ أن تكون مبينة لاحكام القرآن المشرقة، ولا يمكنها الانفصال عن القرآن أبداً.
والملاحظة التي ينبغي الالتفات إليها في مجال تبيين وإيضاح السنة للاحكام القرآنية هي هل يمكن للسنة أن تتعارض أو تتنافى مع الكتاب أم لا ؟
السنة : هي قول وفعل وتقرير المعصوم، ويختص ذلك عند أبناء العامة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل هذه الاتجاهات والمصادر الثلاثة من الرسول والامام يمكنها ولو بصورة جزئية أن تقع في عرض الكتاب لتعارضه أو تنافيه ؟
وإجابة على هذا الاستفسار وهذه المسألة التي تتشكل منها المباحث الرئيسية في هذا المجال سنناقش هذا الموضوع وندرس هذه القضيّة تحت عنوان «استقلال السنة في التشريع».
___________
(1) النحل : 44.
(2) الحاقة : 45 ـ 46.
(3) النجم : 3.
(4) يونس : 15.


استقلال السنة في التشريع


دوّنت في الاونة الاخيرة كتبٌ كثيرة تحت عنوان «التشريع الاسلامي» من قبل شخصيات مختلفة، إذ هي على الاغلب تصدر كرسائل لنيل درجة الدكتوراه، وقد دوّن البعض وتحت عنوان « استقلال السنة في التشريع» أبحاثاً حول الاكتفاء الذاتي للكتاب والسنة، وقد طرحوا وجوهاً ونماذج لاستقلال كلّ منهما، ومن مجموع أبحاث هذه الكتابات نستوحي أن الحاجز والقضية الشائكة الاساسيّة عندهم هي عدم الاذعان لاخبار وأحاديث العرض على الكتاب، إذ نجدهم يتهجمون بعنف وبألفاظ متشددة ولاذعة على هذه المسألة.
وفي الحقيقة فإن قضية عرض الاخبار على الكتاب تعتبر في نظر أبناء العامة رؤية ضالة تسربت إلى التفكير والعقليّة الاسلاميّة عن طريق الزنادقة والروافض والخوارج !!
وكذلك يستشف من أقوال ووجهات نظر كبار العلماء عند أبناء العامة بأن هذا الاسلوب في التفكير عند أوساط أئمتهم وشيوخهم يمتاز بخطورة وحساسية خاصة، إذ نجدهم يواجهون أيّة حركة التفات أو توجه إلى حاكمية القرآن في مقام ردّ أو قبول الاحاديث والاخبار بتكفيرها والردّ عليها، ونجدهم يظهرون الاشمئزاز والتنفّر من ذلك !!
ومن هنا ينبغي أن نلحظ قضية استقلال السنة، والتي أصبحت وسيلة تستخدم في الفترة الاخيرة لمهاجمة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)في بيانهم لاحاديث وجوب العرض على الكتاب، أنها كم تتطابق وتنسجم مع الضوابط والاسس العلمية، وماهو الميزان لتلقّي وقبول ذلك عند أبناء العامة ؟
إن هذا الاسلوب والنمط في التفكير والرؤية عند مذهب الامامية وأهل البيت (عليهم السلام) اعتبر مبدءاً مقدّساً ومتقناً، فاتبعوه بتمام القوة وارتأوا ضرورة أن تتطابق السنة مع الكتاب.
وفي الحقيقة فإن مسألة الحفاظ على السنة تستوجب وتحتّم على الانسان المؤمن والمتعبد بالشريعة في كافة الفترات الزمنيّة أن يتعامل مع الاحكام الصادرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يتناسب مع شأنها ومكانتها، وليتعلمها ويعلّمها للاخرين، وأن يكون متمسكاً بها.
ومما لا شك فيه، فإنه كان من المحتّم في بدء الدعوة الاسلاميّة ـ لضرورة العمل بالسنة ـ أن يتم الحفاظ والمواظبة على الاقوال والسنن المأثورة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن يُحاول جهد الامكان وبأتم الصور المراقبة والمحافظة عليها، ولكن عندما منع الخلفاء التدوين، وذلك لاجل أغراض ووجهات نظر خاصة، لم يمكن الوصول إلى السنة الصحيحة وإلى كافة أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فعندها وانطلاقاً لرفع الحاجة وسدّ الافتقار، ومن أجل الوصول إلى ما يرمون إليه، عمدوا إلى أمر يقربهم إلى السنة ويوصلهم إليها، فاختلقوا أمراً لينوب عن ذلك.
ومن هذا المنطلق اعتبروا عمل الصحابي وعمل أهل المدينة في عداد السنة، وذلك لان أفعالهم مستقاة من سنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن الواضح أن هذا النمط والاسلوب لتلقي السنة لا يسعه أن يكون مبيناً لها على وجه الحقيقة، ومن جهة أخرى فهذا التمسك يتم إذا لم يعتر فعل الصحابة أو أهل المدينة عيب أو نقص.
وحيث أن السياسة العامة للسلطة الحاكمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انتهجت نهجاً وسبيلاً خاصاً، وظهرت أحداث ومجريات غير متوقعة وغير مرتقبة في طريق السنة، عندها لم يبقَ مجالٌ للتمسك بالسنة عبر أفعال هؤلاء.
ومما لا شك فيه فإن أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سيما علي بن أبي طالب (عليه السلام) هم الاولى والاتقن في استيعاب وفهم ومعرفة القرآن والسنة، وهذا مما اعترف به مخالفوهم، حيث يقول المناوي في فيض القدير : «قد علم الاولون والاخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن الحجاب، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء»(1) ، فمع هذا الوصف كيف يمكننا القول بأن يكون غيره مقدَّماً عليه في بيان السنة ؟
كما أن التمسك والالتزام بأقوال الصحابة أو أهل المدينة مع كثرة مواطن الضعف الموجودة فيها لن تصل أبداً في المستوى إلى الوثوق والاتكال عليها كما هو الحال في أقوال أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم وهم الذين أُذهِب عنهم الرجس وطُهِّروا تطهيراً.
وهذا من مسلّمات قواعد الترجيح في الاخذ بالاخبار والاحاديث والعمل بالسنن من جهة السند والتي تمتلك المستوى الرفيع في وثاقتها والعول عليها.
فبناءً على هذا لا يمكننا الوثوق والاعتماد في تلقّي السنة إلاّ بما جاء عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) الذين وافق الجميع على طهارتهم وعلوّ شأنهم العلمي.
___________
(1) فيض القدير 3 : 46.

موضع الافتراق في تقسيم الاخبار


أجد من الضرورة ـ إذ يتمتع بحثنا بأهميّة ومكانة خاصّة ـ أن نتمعّن فيه، وأن نحكم أمره بما يناسب المقام.
فإن الكتاب والسنّة كما اعتبرهما الاماميّة المصدرين الاساسيين من الادلّة الاربعة، واتّخذ أبناء العامّة أيضاً هذين الامرين ركناً لقواعدهم التشريعيّة، واعتبروهما أصلين مستقلّين في مجال التشريع، وذكرنا فيما سبق أن مذهب الاماميّة اشترط وجود ترابط بين الكتاب والسنّة وعرّف السنّة أنها مبيّنة ومفسّرة للكتاب.
وقد قسّم البعض ـ كابن حزم ـ الاخبار فيما ترتبط بالكتاب إلى قسمين، والبعض الاخر إلى ثلاثة(1) ، والفئة الثالثة إلى أربعة أقسام(2) .
وهؤلاء البعض ممّن قسّم الاخبار إلى ثلاثة أو أربعة أصناف، ذكروا أموراً في السنة ممّا لم تتبيَّن في القرآن، كتحريم نكاح العمة وخالة الزوجة وتحريم أكل لحم الحمر الاهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ورجم المحصن وغير ذلك، إذ ذكر ابن حجر الكثير منها في بلوغ المرام، وذكر الشوكاني ذلك في نيل الاوطار.
كما وأنّ تواجد مثل هذه الاخبار في السنة كان سبباً لظهور القول باستقلال السنة في التشريع وسبباً لنشوء الاراء والاقوال المختلقة، وعند تبنّيهم لهذه الاراء نجدهم لا يشترطون لزوم عدم مخالفة الاخبار للكتاب وترجيح الموافق منها فحسب، بل نجدهم يكفّرون من يقول بذلك، ويتبرّؤون منه.
إنّ قوة الاستدلال والبرهنة عند مذهب الامامية على ضوء الكتاب والسنة، هو الذي نقب هذا البحث وأبداه محققاً ومهذباً، فأحال الامر وأرجعه إلى العلماء الاعلام وأولي الالباب، ليحكموا بأنفسهم ويبينوا مذهباً يمتاز بمستوى رفيع في تمسكه بالكتاب والسنة بين المذاهب الاسلامية عامة، وليبينوا ماهي نسبة الصدق في التمسك بالقرآن والسنة للذين يدعون ذلك ويتظاهرون به.
___________
(1) راجع كتاب حجية السنة.
(2) راجع كتاب «الفكر الاسلامي».



رأي أبناء العامة في عرض الخبر على الكتاب


من الامور والملاحظات التي لم يُلتفت إليها في هذا المجال هي عدم التمعّن الشامل في المدلول التطابقي لقوله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمُ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(1) ، إذ نجد أنها حُملت فيما يخص استقلال أوامر الرسول ونواهيه بصورة منفصلة ومنقطعة عن كتاب الله عز وجل، وهذا تصوّر باطل أو على أقل تقدير أنه غير تام، لانّ اختصاص هذا الامر في مجال السنة يعتبر تصرفاً يفتقد القرينة على الظهور، وهذا مما لم يُجعل له في المباحث الصناعية المتعلقة بحجية الظواهر ضابطاً يتكفل ببيانه وإيضاحه.
وتوهَّمَ البعض أن فحوى الاية المباركة يتعارض مع الاخبار القائلة بلزوم عرض الخبر على الكتاب، وعلى هذا يمكن للسنة بصفتها الدليل الحاكم أن تقضي على حكم الايات، أو أن تصل إلى حدّ يمكّنها مِن أن تنسخ حكم الايات.
فبناءً على هذا تفتقد هذه الاخبار حيثيتها لوجود المعارض مع الاية التي مرّ ذكرها، ومن الواضح والبديهي جداً أن (ما) في الاية المباركة تقصد بيان مهمّة الرسول وشرح رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن المبادرة إلى تجزئتها عما هو خارج عن الكتاب يخالف ظهور الاية .
وقد جاء في كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ( المتوفى سنة 1403 هـ ) مايلي :
«أحاديث العرض على كتاب الله : فكلّها ضعيفة، لا يصحّ التمسّك بها، فمنها ماهو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بينهما. وقد بيّن ذلك ابن حزم في الاحكام والسيوطي في مفتاح الجنة نقلاً عن البيهقي تفصيلاً»(2) .
وفي كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي لمحمّد بن الحسن الحجوي الفاسي ( المتوفى سنة 1376 هـ ) :
«اعلم أنّ الحقّ عند أهل الحقّ أن السنة مستقلّة في التشريع... وما يروى من طريق ثوبان من الامر بعرض الاحاديث على القرآن ، فقال يحيى بن معين : أنه من وضع الزنادقة، وقال الشافعي : ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير»(3) .
وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم :
«عن عبد الرحمن بن مهدي أن الزنادقة وضعوا حديث : ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فان وافق فأنا قلته وإن خالفه فلم أقله. ونحن عرضنا هذا الحديث نفسه على قوله تعالى : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) وغيرها من الايات الدالة على الاخذ بالسنة، فتبين لنا أن الحديث موضوع، دلّ على نفسه بالبطلان، وقد نقل ابن حزم الاندلسي في كتاب الاحكام في أُصول الاحكام مجموعة مختلفة من هذه الروايات، ثم بادر إلى تضعيفها جميعاً، قال في فصل قوم لا يتّقون الله فيما ينسب إلى النبي : قد ذكر قوم لا يتّقون الله عزّ وجلّ أحاديثاً في بعضها إبطال شرائع الاسلام وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإباحة الكذب عليه»(4) .
ثم بادر ابن حزم لبيان وسرد الاحاديث فضعفها واحدة تلو الاخرى، ثم قال معلّقاً على رواة بعض الاحاديث : «ساقط متهم بالزندقة».
وقال : «كلّ من يروي هذه الاحاديث فقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».
وقال أخيراً : «وقال محمّد بن عبد الله بن مسرة : الحديث ثلاثة أقسام : فحديث موافق لما في القرآن فالاخذ به فرض، وحديث زائد على مافي القرآن فهو مضاف إلى مافي القرآن والاخذ به فرض، وحديث مخالف القرآن فهو مطرح».
ثم يقول : «ولا سبيل إلى وجود خبر مخالف لما في القرآن أصلاً، وكل خبر شريعة، فهو إمّا مضاف إلى مافي القرآن ومعطوف عليه لجملته، وإمّا مستثنى منه لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث»(5) .
فنستوحي من هذه المقولات أن هذه الفئة ترتئي أن الاحاديث المنقولة في العرض على الكتاب لا مصداقية لها ولا صلة بينها وبين الكتاب والسنة، بل هي ترتبط بالزنادقة، ولا تمتلك الصلاحيّة للاستدلال بها والعول عليها.
____________
(1) الحشر : 7.
(2) حجية السنة : 474، ط بغداد، دار السعداوي.
(3) أعلام الموقعين 2 / 309، الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي 1 / 104.
(4) الاحكام في أصول الاحكام : 2 / 205.
(5) المصدر السابق 2 / 205.



رأي الشاطبي ومخالفته للمشهور

ومن أبناء العامة نجد الشاطبي في كتاب «الموافقات» كمخالف للقول المشهور وموافق لرأي الاماميّة، ونجده في مقام التعارض قدّم النصّ القرآني على الحديث، وهو إذ جعل السنّة فرعاً للكتاب، ووافق الرأي الذي ينطلق على ضوء الاسس المنطقية، أُعتُبر مخالفاً لمشهور ما عليه أبناء العامة، واعتقد الجميع أنه خالف الطريقة الصحيحة بتبنّيه هذا المعتقد.
يقول الشاطبي : «إن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنّما يصحّ في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب، فانه مقطوع به في الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدّم على المظنون، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة»(1) .
فقدم الشاطبي القرآن على السنّة لانّه قطعي الصدور، وجعل للسنة مكانة خاصة بصفتها مفسرة ومبيّنة لكلام الوحي(2) ، واعتقد بأن القرآن فيه تبيان لكلّ شيء والسنة هي العارفة بذلك والمطلعة عليه وهي التي تتكفّل ببيان وإيضاح ذلك للناس ولم يبيّن للناس شيءٌ سوى الوحي(3) .
وكما قلنا إن جمهور أبناء العامة خالف ما ذهب إليه الشاطبي :
يقول الدكتور عبد الغني : «ومن ذلك كلّه تعلم بطلان ماذهب إليه الشاطبي في الموافقات من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، وقد قلّده في ذلك بعض الكتّاب من المتأخرين في هذا الموضوع، وبالتقليد أغفل من أغفل ...»(4) .
وممن خاض في هذه المخاضة، وبادر لنشر أمور مفتعلة ولا أساس لها وحرّض على مذهب الشيعة هو الدكتور السالوس الذي أصدر لحدّ الان مجموعة كتب ضدّ مذهب الاماميّة، وفي إحدى هذه الكتب باسم قصة الهجوم على السنة تعرض لهذه المسألة، وكفّر أتباع مذهب التشيع، وذكر أنهم ينتمون إلى مقولة تقدّم القرآن على الاخبار.
قال : «وأصل هذا الرأي فاسد ـ لزوم عرض الخبر على الكتاب ـ أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفوا المقاصد...»(5) .
ونقل كلام السيوطي في مفتاح الجنة بهذه الصورة : «إن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر من كلامه أن السنة النبوية والاحاديث المروية لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث : ما جاءكم عني من حديث فاعرضُوه على القرآن، فان وجدتم له أصلاً فخذوه وإلاّ فردّوه»(6) .
وهو يريد أن يقول : إن الذين يعتقدون بلزوم عرض الاحاديث على الكتاب، في الحقيقة يعتقدون بالكتاب فقط وأنهم ينكرون السنة !
وبالرغم مما يُرى من نقاط ضعف في هذه المقولة، يبدو أنّه قد نسي أنه إذا كان قول «الاقتصار على القرآن» يوجب الزندقة، فان عمر بن الخطاب ينبغي أن يكون من الزنادقة في هذا المجال(7) ، لانّه يعتبر الرائد الاوّل لهذه المقولة، ويليه الخوارج الذين يعتبرهم أبناء العامة من أهل الصدق ويعدّون أحاديثهم من أصحّ الاحاديث(8) ، لانّ الخليفة الثاني هو الذي قال ـ ولاول مرة ـ في حضور الرسول مقولة : «حسبنا كتاب الله»، وكذلك الخوارج في بيان «الحكم لله» وقفوا بوجه حجة الله في تلك الظروف الحرجة والخطيرة.
____________
(1) الموافقات 4 / 7.
(2) المصدر السابق 4 : 7.
(3) المصدر السابق 4 / 10.
(4) حجيّة السنّة : 488 ـ 489.
(5) قصة الهجوم على السنة : 33.
(6) المصدر السابق : 32.
(7) صحيح البخاري كتاب العلم رقم 111، وكتاب المغازي رقم 4079، وكتاب المرضى رقم 5237، وكتاب الاعتصام رقم 6818.
(8) الكفاية للخطيب : 207، السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي : 205، أصول علم الحديث : 160 ـ 161.



تبرئة الخوارج !

سبّبت نقاط الالتقاء ووجوه الاشتراك عند بعض الفرق أن يتحدوا في قبال مذهب التشيع، وليدافعوا عن الخوارج ويعتبروا المذهب الامامي هو الفرقة المنفردة والمختصة بالتمسك بالقرآن عند ضرورة العرض على الكتاب، كما نجد في كتبهم ـ عند تبرير الخوارج في نقلهم الاحاديث الموجودة في مبحث لزوم العرض على الكتاب : روى عبد الرحمن بن مهدي : «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فان وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني الله»، ثم قال : إن هذا الحديث إنما وضعه الخوارج والزنادقة(1) .
ثم يقولون في مقام تبرير الخوارج : وأما الحديث الذي نسبه عبد الرحمن بن مهدي إلى الخوارج فيرجّح أن الزنادقة وحدهم وضعوه، لا سيما وكل من يحيى بن معين والخطابي في تذكرة الموضوعات ينسبانه للزنادقة(2) ، كما أن محمّد عجاج الخطيب يضعّف نسبة هذين الحديثين للخوارج(3) .
وهذا الظن الحسن بالخوارج هو تتمة للايضاح المنقول عن أبي داود السجستاني إذ يقول «ليس في أصحاب الاهواء أصحّ حديثاً من الخوارج»(4) .
وأيضاً عن ابن تيمية : «والخوارج مع مروقهم من الدين فهم من أصدق الناس، حتى قيل : إن حديثهم من أصح الحديث»(5) .
وجاء في كتاب مسند الفراهيدي من كتب الاباضية إذ هم يُعتبرون من فرق الخوارج، ذكر حديث لزوم عرض الحديث على الكتاب عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظه : «إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني»(6) .
ومن هنا يتبيّن محاولة تبرئة الخوارج من هذا الافتراء والادعاء بأنّ الامامية قد تفردوا في اختصاصهم بتقديم الكتاب على السنة وذهبوا إلى عرض الخبر على الكتاب.
____________
(1) جامع بيان العلم وفضله 2 / 233.
(2) السنة ومكانتها في التشريع : 97.
(3) السنة قبل التدوين : 205، أصول علم الحديث : 160.
(4) الكفاية للخطيب : 207.
(5) السنة ومكانتها في التشريع : 205.
(6) مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي 1 : 13 رقم 40.



تمييز الاحاديث الموضوعة

واستناداً إلى نظرية أبناء العامة في المنع من عرض الخبر على الكتاب ينبغي أن تنقّح الاحاديث وتهمل الموضوعة منها في كتب الحديث بصورة كاملة، وإلاّ فمن الصعوبة أن نحكم بصحّة الاحاديث، وأن نتعامل معها كسنة مع عدم الاذعان بتنقيح الاحاديث الموضوعة التي تشتمل على أربعة عشر ألف(1) أو اثني عشر ألف(2) حديثاً وأن لا نقول بتنقيحها من قبل ذوي الاختصاص .
وكانت الطريقة السائدة عند بعض المحدّثين الكبار من أبناء العامة الملقبين بـ «أمير المؤمنين في الحديث» أنّهم لتحقّق نواياهم ومآربهم الخاصّة عمدوا إلى جعل ووضع الحديث، وكانوا يضعون الحديث.
فبناءً على هذا الاساس إذاً لا نمتلك ميزاناً ومقياساً معيّناً لتمييز ومعرفة الاحاديث الصحيحة، ومما لا شك فيه أن ذلك سيؤدي بنا إلى مواجهة عقبات ومشاكل في معالجة هذا الامر !!
على سبيل المثال : نعيم بن حماد المروزي، هذا الراوي الذي أشادوا به ووُصف بالمقامات والدرجات الرفيعة : «كان نعيم بن حماد أعلم الناس بالفرائض وأول من جمع المسند وصنَّفه»(3) ، لكننا نجده مع هذا الوصف في إمامة الحديث، فقد كانت له صفة منبوذة وبغيضة وهي وضع الحديث، وكان يبادر إليها كما قالوا عنه :
كان يضع الحديث في تقوية السنة(4) ، ووضع في الردّ على أبي حنيفة وناقض محمّد بن الحسن ووضع ثلاثة عشر كتاباً في الردّ على الجهميّة(5) ، وقال أبو داود فيه : «عند نعيم بن حمَّاد عشرون حديثاً عن النبي ليس لها أصل»(6) ومما لا يخفى أنه كان يبادر إلى تدريب بعض التلاميذ في هذا المجال كمحمد بن إسماعيل البخاري !!
وكذلك الراوي عن عكرمة أبي عصمة نوح بن أبي مريم الذي قيل له : «من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ؟ فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمّد بن إسحاق فوضعت هذه الاحاديث حسبة»(7) .
وهذا يعني أنه أيضاً كان يضع الحديث وكان مصاباً بنفس الداء الذي قد ابتلى به نعيم بن حماد.
فالذين يعتقدون بضرورة تصحيح الاحاديث وقالوا : لا ينبغي عرض الاحاديث على الكتاب، هل فحصوا هذه المجموعة من الاحاديث، وهل تمّ تعيينها وفرزها من قبلهم ؟
وفي إزاء هذه الرؤى والافكار، هل يصحّ أن نتّهم الذين ينادون للمحافظة على السنة وصيانتها ـ إذ جعلوا الكتاب الالهي ضابطاً وملاكاً لمعرفة السنة الصحيحة ـ أنهم زنادقة.
والان إذ تعيّن وتحتّم وجود نماذج كثيرة من الموضوعات في الاحاديث النبوية، فكيف نحكم على هذه الاحاديث وبصورة عامة لاي جهة أو لاي فئة يمكننا أن نسند أو نرد هذه الاخبار ؟
فهل نجرؤ على نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ أم نسندها وننسبها إلى الكذّابين والوضّاعين والمرتزقة الذين يعملون لصالح الحكام والطغاة والظلمة ؟
فيستوجب حتميّة وجود أخبار القصاصين والوضاعين والزنادقة في كتب الحديث أن ننتهج لتحكيم وتصحيح السنّة النبويّة أسلوب وطريقة التصفية والتنقية في الاحاديث، ليمكننا بذلك تمييز ومعرفة مختلقات أيادي بني أمية وموضوعات القصّاص والزنادقة التي قد انتشرت وتبعثرت في كتب الاخبار الذائعة.
ولا يوجد ولن يوجد سبيل أفضل وأكثر وثوقاً وائتماناً من القرآن في هذا المجال.
وهذا الاصل الحاسم والسديد هو من الاصول المسلَّم بها عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهو الذي قد عملوا به وساروا عليه، وهو بصفته ضابطاً وقاعدة لمعرفة الاخبار الصحيحة من الاخبار والاحاديث الضعيفة.
____________
(1) الكفاية للخطيب البغدادي : 604.
(2) تنزيه الشريعة المرفوعة 1 / 11، أصول علم الحديث : 97.
(3) تاريخ بغداد 13 / 306، سير أعلام النبلاء 10 / 599، تهذيب الكمال 29 : 70.
(4) سير أعلام النبلاء 10 / 608.
(5) سير أعلام النبلاء 10 / 599.
(6) تاريخ بغداد 13 / 312، سير أعلام النبلاء 10 / 609.
(7) موضوعات ابن الجوزي 1/41، التقييد والايضاح 132، تدريب الراوي 1/282.



التعارض بين الكتاب والسنة

كما أشرنا فيما سبق فإنه يستحيل وقوع التعارض بين الكتاب والسنة، إذ لا يسعنا أن نجد تبريراً وتأويلاً منطقياً لذلك، ولكن أراد بعض أبناء العامة أن يتظاهروا بوجود خلاف وتعارض بين البيان والمبيَّن، ليستلزم بعد ذلك ضرورة استقلال السنة في تشريع الاحكام، وليوهموا أن ذلك هو أمر متاح ويمكننا أن نتلقاه ونأخذ به.
ذكر في كتاب مفتاح السنة عن الخولي : «أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وظيفته البيان، والبيان غير المبيَّن، فالبيان مفصل والمبيَّن مجمل، فكان هناك نوع مخالفة، فمن اتبع المبيَّن فقد اطاع الله ومن اتبع بيان الرسول لكلام الله فقد أطاع الرسول»(1) .
علماً أنه توجد جماعة أُخرى في أوساط أبناء العامة لم يقبلوا هذه الفكرة بهذه الصورة، فقد جاء في كتاب المدخل لدراسة السنة النبوية : «ما كان للبيان أن يناقض المبيَّن، ولا الفرع أن يعارض الاصل، فالبيان النبوي يدور أبداً في فلك الكتاب العزيز لا يتخطاه ، ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبياناته الواضحة»(2) .
وأيضاً مسألة لزوم نسخ الكتاب وتخصيصه، وفي بعض الموارد الاخرى تقديم السنة على الكتاب، هي من جملة المسائل التي عرضت وطرحت في ساحة الابحاث العلمية لابناء العامة، والتي نشير إلى نماذج منها :
1 ـ يقولون في إرث الانبياء أن «نحن معاشر الانبياء لا نورث» تتعارض مع قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنْثَيَيْن)(3) ، وبما أن النسبة الواقعة بينهما هي العموم والخصوص، فالنتيجة تكون بتقديم الخاص على العام.
وواضح من غير تذكير بأنّ مثل هذه الاكاذيب والافتراءات لا يمكنها أن تعالج المعاريض الاخرى التالية لهذا النص، إذ إجمالاً اطلاق كلمة «الارث» تمنع من هذا التخصيص، ونستوحي من عبارة (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)(4) ، ومن جهة أُخرى أن استدلال الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهذه الاية في مواجهتها مع أبي بكر عند مطالبتها فدك تدل على ما يورثه الانبياء.
وقد بادر بعض الاعلام في هذا المجال، ومنهم فخر الاسلام البزدوي الحنفي في كشف الاسرار «قوله : ( اجماع السلف على الاحتجاج بالعموم ) أي بالعام الذي خصّ منه، فإن فاطمة احتجَّت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلاَدِكُم) الاية مع أن الكافر والقاتل وغيرهما خصوا منه، ولم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها به مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله : نحن معاشر الانبياء لا نورث وما تركناه صدقة»(5) .
ومما لا شك فيه بأنها (عليها السلام) ـ وفق النصوص الصحيحة والمتواترة بين الفريقين ـ «سيّدة نساء أهل الجنة»، ولا يعقل لسيدة نساء أهل الجنة أن تبادر وتستدل في حياتها الدنيوية بأمور لا تصح.
وكلام فخر الاسلام البزدوي يشير إلى هذا الامر : بأن القتل والكفر يعتبران من الاسباب المانعة للارث، ولا ينكر أحد بين المسلمين ذلك على النقيض من مسألة إرث الانبياء إذ تفرّد أبو بكر بذكرها، وقد خالفه كبار الصحابة وفي طليعتهم أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم.
2 ـ ومورد آخر هو قوله تعالى : (فَمَا استَمْتَعْتُم به منهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فريضة)(6) شأن نزولها كما تصرح أوثق المصادر التفسيرية للفريقين، أنها نزلت في نكاح المتعة، ومن هذا المنطلق تعرضت لسخط البعض، فذهب جماعة إلى القول بنسخها، ويقول الفخر الرازي في هذا المجال : «المراد بهذا الاية حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمهر معلوم لاجل معين فيجامعها»(7) .
وجاء في تفسير أبي حيان : «قال ابن عباس ومجاهد والسدي : إن الاية في نكاح المتعة»(8) .
وفي تفسير أبي السعود : «نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم»(9) .
3 ـ ونموذج آخر رواية مسلم عن أبي هريرة : «خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبثَّ فيها الدّواب يوم الخميس، وخلق آدم (عليه السلام) بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخَلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»(10) .
في حين نجد القرآن يشير إلى نقيض مافي هذه الرواية، وقد جاء فيه أن الارض والسماء خلقتا في ستة أيام كما يقول تعالى : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّام)(11) .
4 ـ ومن الموارد الاخرى : «لا وصية لوارث»(12) إذ حكم فيها بنسخ آيات الوصية (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَرَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَْقْربِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِين)(13) .
5 ـ وكذلك رواية «البكر بالبكر : جلد مائة وتغريب عام» والاية (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مائَةَ جَلْدَة)(14) .
لان حاكم الشرع إذا اكتفى بالجلد وحده فقد خالف السنة ! واذا أراد أن يعمل على ضوء السنة فانه سيخالف الكتاب، وهذه المسألة هي من نماذج اختلاف الواقع بين شتى المذاهب الاسلامية مع الاحناف(15) .
6 ـ وفي مجال آخر مما يملك النطاق الواسع فى التمسك به بين أوساط أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، هو حديث «إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه» إذ يتعارض مع استدلال عائشة ويخالفه القرآن، ورواية النهي عن البكاء يرويها عبد الله بن عمر عن أبيه.
ففي البخاري : «قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت لعائشة ما قال عمر : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت يرحم الله عمر لا والله ! ماحدّث رسول الله إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال : إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، وقالت : حسبكم القرآن : (ولاَ تَزِرُوا وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) »(16)-(17) .
وكذلك الايات الواردة في المواريث بالنسبة إلى الذكور والاناث والقول بالتعصيب(18) في تقسيم الفرائض.
فجاء في التنزيل : (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالاَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والاَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيباً مفْرُوضاً)(19) .
وكذلك قوله سبحانه وتعالى : (وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعض في كِتَابِ الله)(20) .
والايتان المذكورتان تنافيان القول بالتعصيب في روايتهم : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لاولى رجل ذكر»، مع أن أصحاب الفرائض في طبقاتهم المقدّرة محفوظة لا يتجاوزون الاخرى، والقول بالتعصيب في «فما بقي لاُولى رجل ذكر» ينافي «أولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله» وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
وتحري الدقة والتمعن في هذا الامر وفي الكلمات الاُخرى توصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن فقدان الاُصول الثابتة وعدم امتلاك المباني والاسس المتينة والمستحكمة هو السبب في نشوء هذه الفجوة وهذا الخلل والتنافر في الرؤى ومنهج التفكير، ولا يمكن أيضاً أن نتصور غير ذلك في مثل هذه الحالة.
وأيضاً ففي الابحاث المرتبطة بحجية الخبر، وفي تعارض الخبرين يتعلق ويرتبط تصحيح واستقرار التعارض على أصل صدور الخبر، وإذا وقع أحد الاخبار في مخمصة، أو واجه مانعاً أو حاجزاً في مرحلة الصدور، فعندئذ لا يسعنا أن نعتبره طرفاً للمعارضة، وممّا لا شك فيه أن أحد السبل لتمييز ومعرفة صدور الخبر هي موافقته أو عدم مخالفته للقرآن، إذ هذا الامر بصفته أوثق وأتقن سبيل معروف في هذا المجال.
وفي كتب الاصول لابناء العامة، كأصول السرخسي(21) ، وكشف الاسرار(22) ، والتقرير والتحبير(23) ، والتيسر والتحرير(24) ، وإرشاد الفحول(25) أيضاً عرّف التعارض بمعنى تمانع الدليلين، إذ ينفي كلّ من الدليلين موضوع الدليل الاخر، وللاسف لم يلحظ في أي كتاب من هذه الكتب مسألة المخالفة مع الكتاب أو الموافقة معه، وفي جملة من الموارد بادر البعض الى الاستهزاء بالاخبار والاحاديث المرتبطة بهذا الباب واعتبروها مردودة ومرفوضة.
____________
(1) مفتاح السنة، محمّد عبد العزيز الخولي : 10.
(2) المدخل لدراسة السنة النبوية للقرضاوي : 117.
(3) الفكر السامي للفاسي 1 / 106، والاية في سورة النساء : 11 و 176.
(4) النمل : 16.
(5) كشف الاسرار عن أصول فخر الاسلام، البزدوي البخاري 1 : 611 و 628.
(6) النساء : 24.
(7) التفسير الكبير 10 / 50.
(8) تفسير أبي حيان 3 / 218.
(9) تفسير أبي السعود 3 / 251، تفسير القرطبي 5 / 130، تفسير البيضاوي 1 / 259، مختصر تفسير ابن كثير 1 / 357، الدر المنثور 2 / 40، تفسير الخازن 1 / 357، تفسير التسهيل 1 / 137، تفسير الالوسي 5 / 5، تفسير المراغي 5 / 8، تفسير الشوكاني 1 / 414.\
(10) صحيح مسلم : 4 / 2149 برقم 2789.
(11) الاعراف : 53.
(12) الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود 3 / 114، والترمذي 4 / 434، وابن ماجه 2 / 905، كلهم عن أبي امامة الباهلي، وبوّب البخاري في الصحيح بهذا اللّفظ فقال : باب لا وصيّة لوارث، ثمّ ذكر حديث ابن عباس بمعناه 4 / 4 ط اسطنبول، الفكر السامي 1 / 93.
(13) البقرة : 180.
(14) النور : 2.
(15) اعلام الموقعين 2 / 380 ـ 396.
(16) الانعام : 164.
(17) صحيح البخاري : كتاب الجنائز رقم 1288.
(18) والقول بالتعصيب هو القول بحرمان النساء من الارث فيما زاد على الفريضة وذلك في التركة التي تبقى بعد التقسيم، والقول به يختص بأهل السنة وأهل الجاهلية حيث يخصصون الارث بالرجال دون النساء كما لا يخفى.
(19) النساء : 7.
(20) الانفال : 75 والاحزاب : 6.
(21) أُصول السرخسي 2 / 242.
(22) كشف الاسرار عن أصول فخر الاسلام البزدوي 4 / 88 ـ 95.
(23) التقرير والتحبير 3 / 269.
(24) التيسير والتحرير 4 / 146.
(25) ارشاد الفحول : 204.



اختصاص الامامية في التمسك بالقرآن

يمتاز المذهب الامامي الاثنا عشري في مسألة التمسك بالقرآن بخصوصية فذة قد حرمت منها المذاهب الاسلامية الاُخرى، وهي أن مرجعية القرآن تعتبر الركن الوثيق والاساسي والمسلَّم به والمقدّس عند مذهب الامامية، ومن هذا المنطلق نجدهم بادروا إلى الالتزام والتقيد بها، وفي الواقع إن جعل القرآن كمرجع عند مذهب الامامية لتصديق وتأييد أو تكذيب وتفنيد الاخبار والاحاديث هو من الامور التي شيّدت قواعدها على أسس من البرهان والعقل، وقلّما نجد دليلاً يصل إلى قوّته وسداده ومتانته، وقلّما نجد دليلاً يمتلك هذا المقدار من الاهمية والقيمة.



رأي الامامية في حاكمية الكتاب

كما قلنا فيما سبق فإنّ مسألة موافقة الكتاب وعدم مخالفته في مطلق الاخبار وعند ترجيح الخبرين المتعارضين من المسلّمات عند الامامية، وقد ادعى العلماء التواتر في صدور روايات هذا الباب.
ومما لا شك فيه أنه لا يسع أيّ ضابط أو قاعدة في هذا الشأن أن تكون أتقن وأوثق من القرآن ليمكننا أن نشخص صحة الامور وسقمها ولا سيما في ما يخصّ باب الاحاديث والاخبار.
وأقوال المفكرين الفطاحل في المجالات العلمية في مذهب الامامية تثبت هذه الحقيقة : بأن جعل القرآن مقياساً لتثبيت الشؤون الفردية والاجتماعية هو أمر ضروري جداً ويمتاز بأهمية خاصة.
وفيما يخصّ بحاكمية الكتاب وجعله الميزان والمقياس لتمييز وتعيين الصحيح والفاسد من الاخبار، فانه قبل أن يتم إثباته عن طريق النصوص قد ثبت عن طريق الادلة والبراهين من أنه أمر لا غبار عليه، ولا يمكن تجاوزه إلى أي وجه آخر.
وكما يشاهد في بيان أخبار وأقوال فطاحل العلماء فإن حيوية هذا الامر وسداده تمتاز بوضوح وإشراق، إذ توحي بأننا لا نحتاج إلى أي دليل خارجي لقبولها والاذعان لها، ومجرد نسبتها إلى كتاب الله وصيانته من الخطأ والتحريف لهما شاهدان على ذلك وهما دليل على صدقها وصحتها، إذ تتمكن بذلك أن توفر الارضية لجعل القرآن الحاكم والمرجع لتمييز وتعيين الاخبار الصحيحة عن الاخبار السقيمة والفاسدة.
وفي هذا المجال نشير إلى جملة من أقوال العلماء المختصين وأهل الخبرة في هذا الشأن.
يقول الشيخ الانصاري :
«الثانية : أن يكون ( الخبر المخالف ) على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن المعارضة لكان مطروحاً لمخالفة الكتاب، كما إذا تباين مضمونها كليّة، كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدم، واللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجيّة رأساً لتواتر الاخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب والسنّة والمتيقّن من المخالفة هذا الفرد، فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضاً»(1) .
ويقول الاخوند الخراساني :
«إنّ الاخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة لو قيل بأنَّها في مقام ترجيح أحدهما، لا تعيين الحجة عن اللاحجة كما نزلناها عليه، ويؤيده أخبار العرض على الكتاب الدالة على عدم حجيّة المخالف من أصله، فانَّهما تفرغان عن لسان واحد، فلا وجه لحمل المخالفة في إحداهما على خلاف المخالفة في الاخرى كما لا يخفى»(2) .
ففي هذا التصريح يستدل الاخوند بجهتي موافقة الكتاب ومخالفته : أحدهما ترجيح الموافق مع الكتاب في المتعارضين بالعموم والاطلاق، والاخر بطلان الخبر المخالف مع القرآن على ضوء أخبار لزوم العرض على الكتاب.
ويقول الاصفهاني (رحمه الله) أيضاً في هذا المجال :
«أمّا مقتضى أدلّة الترجيح، فاللازم تقديم الخبر الموافق لظاهر الكتاب بل لعلّه القدر المتيقّن من مورد الترجيح فتدبّر. وأمّا إذا كان الكتاب نصاً، أو أظهر من المخالف، فهو مورد سقوط المخالف عن الحجيّة رأساً بحيث لو كان وحده ما صحّ الاخذ به، فانه القدر المتيقّن من الاخبار الدالّة على أنّه زخرف وباطل، قد مرّ انّه من باب تمييز الحجّة عن اللاحجة، لا من باب الترجيح بموافقة الكتاب»(3) .
ويقول الشهيد الصدر (رحمه الله) أيضاً :
«الطائفة الثالثة : وهي الروايات الامرة بعرض نفس أخبار الائمّة على الكتاب وجعل الكتاب معياراً لتمييز الاخبار الصحيحة عن الاخبار الكاذبة، على عكس ما يقوله الاخباريون(4) من فرض أخبار الائمّة أصلاً والكتاب فرعاً يفسّر بلحاظها، وقد ادّعي تواتر هذه الطائفة.
والانصاف أن هذه الطائفة من أقوى الادلّة على حجيّة ظواهر الكتاب الكريم، ولا يأتي هنا احتمالنا السابق في الطائفة الثانية، إذ المفروض في هذه الاخبار جعل القرآن مقياساً لصحّة الخبر وسقمه ، فاذا فرض أن العبرة بالقرآن المفسر بالخبر كان ذلك رجوعاً مرة أُخرى إلى الخبر فينتهي ذلك إلى جعل نفس الخبر مقياساً لصحة الخبر وسقمه، وهذا ممّا لا معنى له ولا يحتمل، وهذا بخلاف باب الشروط، فهناك لا يكون تهافت في أن يكون مقياس صحّة الشروط وفسادها مخالفتها للقرآن المفسّر بالخبر وعدمها.
والحاصل أن المتفاهم عرفاً من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أن القرآن هو الاصل وأن الاخبار هي الفرع وأن كلّ ما خالف الكتاب سواء كانت مخالفة لفظيّة أو ظهوريّة يجب طرحه ولا يجوز العمل به، بل هو ممّا لم يقولوه، لانّهم تلامذة القرآن وأبناؤه فلا يأمرون بشيء يخالف القرآن...»(5) .
وحصيلة الكلام، هو أن ما يفهم عرفاً من أخبار لزوم العرض على الكتاب هو أن القرآن هو الاصل والاخبار فرع، وكل شيء يعارض أو يخالف القرآن بأي شكل من الاشكال ـ لفظية كانت أو ظهورية ـ فيجب رفضه ولا يجوز العمل به، بل ينبغي أن نقول بأن التحدّث على خلاف ونقيض القرآن يعتبر من الموارد التي لم ولن يتحدث بها الائمة، وذلك لانهم تلاميذ مدرسة الوحي وابناؤها، ولا يتفوهون أبداً بما يخالف القرآن أو ما يعارضه.
____________
(1) فرائد الاصول، كتاب التعادل والتراجيح، باب الترجيح بموافقة الكتاب 4 / 148.
(2) كفاية الاُصول 2 / 419 ـ 420.
(3) نهاية الدراية 6 / 359 ـ 360.
(4) من المناسب لكبار العلماء والشخصيات الدينيّة، في كتبهم الاستدلاليّة عند التطرق إلى مبحث حجية ظواهر الكتاب وفي مقام الردّ على الاخباريين وأيضاً في مبحث تعارض الخبرين حين يبادرون إلى بيان روايات لزوم العرض على الكتاب، أن يتعرضوا في بدء الامر إلى أبناء العامة بصفتهم مخالفين لهذه المجموعة من الاخبار، ثم ليتعرضوا الى الاخباريين بصفتهم ساروا على نهج أهل الخلاف في هذا الخصوص، ليتضح بذلك عظمة مذهب التشيع للعالم ومستوى تمسكهم بالكتاب، وأيضاً ليتحقق الغرض من الاستدلال على المراد والمطلوب بصورة أفضل وأتم.
وإن اشتراك وموافقة الاخبارية وأهل الخلاف تثبت حقيقة امتياز منهج وأسلوب التفكير والاجتهاد والاستنباط عند مذهب الامامية.
وبهذا الاُسلوب يتجلّى بوضوح مسألة بطلان المنهج المخالف وتتبدل ساحة المنازعات إلى شكل آخر.
والملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا المبحث هي أن يعلم العالم الاسلامي والحوزات العلمية في شتى أنحاء العالم أن التشيع يستقي وجوده ويكتسب صفته الرسمية على ضوء تطابقه مع القرآن، وأنه يرى السنة في موازات القرآن ومرتبطة بالكتاب، على خلاف مذهب أبناء العامة، إذ يرون السنة مستقلة في التشريع وغير مرتبطة بالقرآن، وقد فندوا ورفضوا الروايات الواردة في موضوع عرض الروايات على الكتاب واعتبروها موضوعة من قبل الزنادقة !!
(5) مباحث الاُصول للسيّد الحائري تقريراً لابحاث الشهيد الصدر 1 / 238 ـ 239.



أحاديث الامامية في عدم الاخذ بالاحاديث المخالفة للكتاب


1 ـ خبر الراوندي عن الصادق (عليه السلام) : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فرُدّوه، فما لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه»(1) .
2 ـ روى الصادق (عليه السلام) : «أنّ رسول الله خطب الناس بمنى، فقال : أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله»(2) .
3 ـ وعن الامام أبي جعفر الثاني ـ محمّد الجواد (عليه السلام) ـ في مناظرته ليحيى بن أكثم، قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع : قد كثرت عَلَيَّ الكذّابة وستكثر بعدي، فمن كذب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به»(3) .
4 ـ وعن الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله «إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»(4) .
وأيضاً يروي الكليني (رحمه الله) أن الامام جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال : «إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شي، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلاّ وقد أنزله الله فيه»(5) .
وكذلك روى عن الامام محمّد الباقر (عليه السلام) : «أنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً يحتاج إليه الامة إلاّ أنزله في كتابه وبينه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً»(6) .
وقد ذكرت أحاديث كثيرة بهذا المضمون في كتاب الوسائل :
1- «ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه»(7) .
2- «وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»(8) .
3- «ما خالف كتاب الله فردّوه»(9) .
وجميع هذه الاحاديث تنطلق في اتجاه واحد، وتمتلك مضامين مشتركة وعامة وهي لزوم عرض الخبر على الكتاب أو جعل القرآن بصفة الميزان والمقياس لتمييز ومعرفة الصحيح والفاسد من الاخبار، وأن الرسول والائمة الميامين (عليهم السلام) لم يتفوّهوا بما يخالف الكتاب السماوي، ولم يحكموا بما يناقضه أبداً، وكان لسان حالهم : نحن أهل بيت لا نقول بما يخالف قول الرب، وكلّ ما يخالف القرآن فهو باطل وزخرف.
وحريٌ بهذه الاخبار الموجودة في كتب الامامية أن تدرس وتناقش في اتجاهين :
1 ـ الاخبار المطروحة لمعالجة ما يخص المتعارضين.
2 ـ الاخبار المذكورة في عرض مطلق الاحاديث على الكتاب.
وبالنظر إلى هاتين المجموعتين من الروايات نلحظ أيَّ نمط قد اتخذه مذهب أهل البيت أو أي طريقة ليتقبّل هذه الحاكمية، وكيف سار على ضوء أقوال الائمة التي صدرت بموازاة البراهين العقليّة المستحكمة والمتينة، وكيف حكّم الروايات مع الميزان والمقياس الالهي وكلام الوحي، وكيف رفض ما خالفه وما غايره.
إنّ مذهب أبناء العامة ارتأى بأن هذه الاحاديث مختلقة وقد وضعتها الزنادقة، وهي لا تملك أي حيثية أو منزلة في نفسها ! علماً بأن الامامية وأبناء العامة اشتركوا في رواية نصوص هذه الاحاديث وفي امتلاكها وحدة الفحوى والمضمون.
والاحاديث التي ذكرها ابن حزم في كتاب «الاحكام» وذكرها الاخرون في كتبهم الفقهيّة والحديثيّة ـ كما أشير إلى نماذج منها في بدء البحث ـ تتّحد في نصوصها مع فحوى ومغزى الاحاديث الشيعية، ولا يوجد اختلاف فيما بينها، لكن ليعلم على مستوى ذلك علاقة كلّ من الفريقين بكتاب الله ووحيه.
____________
(1) وسائل الشيعة 18 / 84 ب 9 من أبواب صفات القاضي رقم 29.
(2) أصول الكافي 1 / 69، ح5.
(3) احتجاج الطبرسي 2 / 246.
(4) أصول الكافي 1 / 69، ح1.
(5) المصدر السابق 1 / 59، ح1.
(6) أصول الكافي 1 / 59، ح1.
(7) وسائل الشيعة 18 / 78 كتاب القضاء.
(8) المصدر السابق : 79.
(9) المصدر السابق : 80.


فقه الشيعة في الموافقة مع الكتاب

بما أن مبنى وأساس المسائل الفقهية يعود إلى امتثال أوامر الشارع المقدس لذا يعتبر القرآن الكريم بصفته الكتاب السماوي الاخير والتام لتعيين منهجية وظائف البشرية هو المدار والمركز الاساسي لفهم واستيعاب هذه التوجيهات والقرارات، إذ يستفاد من آياته المباركة لمعرفة الحقائق وفهم المعارف الدينية.
والكتب التي ألّفها العلماء في مجال آيات الاحكام وافتتاح وبدء المباحث الفقهية والكتب الاستدلالية بآيات الوحي تحكي وتعبر عن هذه الحقيقة : بأن أساس فهم وإدراك الدين ووعي المسائل الشرعيّة إنّما يرتبط بهذا الكتاب السماوي وهو الذي تمسك به كبار علماء الدين والتزموا به في أوامرهم ونواهيهم تمشياً وتوافقاً مع المباحث الفقهية المتداولة، فكانوا يستنبطون الاحكام اللازمة منه.
وقد أوضحنا هذا الامر فيما سبق بصورة عامة في باب موافقة الكتاب ومخالفته في الاخذ بالروايات والعمل بها ولا يوجد ضرورة لاعادة ذلك.



فقه الحديث «لزوم عرض الخبر على الكتاب»


قلنا فيما سبق بتواتر روايات لزوم العرض على الكتاب في أوساط الامامية، وقد طرح البعض صعيدين أساسيين لتمييز ومعرفة الاخبار الصحيحة من الاخبار الضعيفة، ولقد زيّن ـ ولله الحمد ـ علماء الدين كتبهم الاستدلالية بالايات اللامعة والنيّرة، وساروا على هذا النهج لحد الان.
والملاحظة الجديرة بالذكر في هذه المباحث هي مسألة فهم واستيعاب ألفاظ الملمّين بكلام الرسول والائمة (عليهم السلام).
فالامام (عليه السلام) مع إشرافه التام وهيمنته الشاملة على أجواء وأحوال الحديث في تلك الفترة الزمنية، ومع لحاظ الصعيدين الاساسيين، فإنه قد بادر إلى إيضاح وبيان أخبار لزوم العرض على الكتاب.
وفي الحقيقة لقد أوضح الامام (عليه السلام) ذلك في كلا الصعيدين، وإحدى تلك الاصعدة هي الاشراف والاحاطة التامة على المجريات والاتفاقات التي تحيط بالمحدّثين الذين تصدّوا لمسألة تدوين الحديث، وكانوا يسيرون على منهج السلطة السياسية الحاكمة. والامام (عليه السلام) ـ مع العلم بأن هؤلاء لم يستسلموا لحاكمية القرآن، وقد تمرّدوا على الفهم الصحيح للايات وتهربوا منه ـ بادر إلى ذكر وبيان أحاديث لزوم حاكمية القرآن وأبدى الملاحظات والنقاط الدقيقة والاساسية في هذا المجال.
والصعيد الاخر الجدير بالاهتمام في إفصاح هذه الطبقة من الروايات هو الاحاطة اللازمة والدقيقة على ملابسات القصّاصين والانظمة المزوّرة في وضع الاحاديث والاخبار، والامام (عليه السلام) أيضاً ومع التحري والدّقة في كيفية تهاجم الخصوم لتحريف السنة النبوية عن مسارها والقائها في التيه، بادر إلى بيان هذه الاخبار، وذلك لانه لا يوجد سبيل لمواجهتهم سوى القرآن، بل القرآن هو الحاكم الوحيد لفصل النزاع، وهو الوحيد الذي يمكنه أن يحلَّ العقدة من هذه المعضلة، وأن يحرّر وينقذ المعارف الدينيّة والحقائق الشرعية من الزيغ والانحراف والضلال.
وكما ذكرنا فيما سبق فإنه ينبغي أن لا يقع تباين بين السنة والكتاب، وأن لا توجد بينهما مخالفة أو مناقضة.
والملاحظة الجديرة بالذكر بعد سرد هذه المواضيع هي أن نشير إلى مسألة ردّ الامام (عليه السلام) لاخبار وأحاديث أبناء العامة عند افتراض التعارض ليكون ذلك سبباً لترجيح أحد الطرفين.
وتبيّن من المخالفة مع القرآن أن الروايات عموماً تسقط بذلك من الحيثية، ولكن أين يكمن وجه بطلان الخبر عند موافقته مع أبناء العامة، وبأي وجه يمكننا أن نقبل ذلك، فهذا ما نود الاشارة اليه.
إن الامام وبالتحديد حينما ردّ أخبار أبناء العامة، فإنه قد حرص على فحوى الايات المشرقة القرآنية، كما نجد في رواية الراوندي والتي حازت على استدلال العلماء بها، إن الامام كرّر عبارة كتاب الله مرتين، ويكمن في هذا التكرار ملاحظة جديرة بامعان النظر فيها، إذ بها يتعين أن محور كلام الامام في تمييز ومعرفة الاخبار الصحيحة هو موافقة الكتاب حينما يتعارض الخبران على وجه التخصيص والمخالفة مع الكتاب على وجه الاعم في الاخبار.
ويكمن في مسألة العول على أخبار أبناء العامة هذا المعنى : أن المدلول التضمني لتلك الاخبار قد نفى السنة النبوية الواردة من قبل أهل البيت (عليهم السلام) الذين يُعتبرون لساناً للكتاب، ومبيّنين لايات الوحي.
وبيان مواجهة أخبار أبناء العامة مع القرآن في هذه الروايات التي يؤكد الامام (عليه السلام) فيها على ذلك تدل على أهمية الحركة ضد القرآنية التي تبناها أبناء العامة لدعم وتأهيل مبتغيات وأهداف الخلفاء، والتي تبنّوها للمواجهة مع الدور المؤثر الذي تبنّاه أهل البيت (عليهم السلام) لايضاح وتبيين الكتاب والسنة.
وكما يفيد ويشهد التاريخ فإن المرحلة الحاسمة والمصيرية لفترة تدوين وضبط السنة كانت من أحرج وأقسى الفترات على آل علي (عليه السلام) وهذه الفترة أدت لان ينتهز البعض فرصة العمل ضد آل أبي طالب(1) .
ومن جهة أُخرى مع صدور الحديث النبوي : «علي مع القرآن والقرآن مع علي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض»(2) ، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» أي علي بن أبي طالب(3) ، استوجب هذا الامر أن يعزل نظام آل مروان وآل أمية القرآن عن السنة وليدّعوا الاستقلال التشريعي للسنة ويبينوا في رسائلهم وكتبهم انقطاعها عن الكتاب.
ولكن جاء في حديث الامام الصادق (عليه السلام) : «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه، فما لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه»(4) .
وفي هذه الرواية إذ يقارن الامام (عليه السلام) بين القرآن وأخبار أبناء العامة، فانه في الحقيقة حدّد سمات وخصائص أخبار أبناء العامة من جهة انتسابها إلى كتاب الوحي، كما بيّن مع ذلك التبعات العملية المترتبة من هذه الاخبار بذكره مقولة : «في خلافهم رشد»، أو ذكره عبارة : «ففيه الرشاد»، وعبارة : «فما لم تجدوهما في كتاب الله» والتي كرّرها الامام بعد مسألة العرض على الكتاب تعتبر تأكيداً وإلحاحاً لبذل العناية والاهتمام بالكتاب، وأن مخالفة أخبار العامة تملا ثغرة مالم يرد في الكتاب.
والسيرة العملية للائمة تدل بوضوح على أنهم كانوا يتمسكون بذلك في استدلالاتهم، وكانوا يستشهدون بالايات القرآنية المباركة، وكانوا قد جعلوها مركزاً ومداراً لاحكامهم ليثبتوا بذلك أن السنة متلائمة ومنسجمة مع الكتاب، وينبغي أن تتحصن بالقرآن.
ولهذا الامر نجد تشديد والحاح مخالفي مذهب التشيع لجعل مسألة تحكيم القرآن وكونه فاصلاً للنزاع من أفكار الزنادقة، ولهذا نجدهم قابلوا هذه الفكرة بكلّ ما أوتوا من قوة.
وأخيراً، نسأل الله أن يهدينا بالقرآن وبأنواره الساطعة وأنجمه الظاهرة، والحمد لله ربّ العالمين.
____________
(1) وفيما يخص هذا الائتلاف المشؤوم قال المعتز العباسي بعد ذلك : «إن ولاّني الله لافنين جميع آل أبي طالب» تاريخ أبي الفداء 2 / 29.
(2) المستدرك على الصحيحين 3 / 124، مجمع الزوائد 9 / 134، المعجم الاوسط 5 / 135، المعجم الصغير 1 / 255، المعيار والموازنة 46، الجامع الصغير 2 / 177، فيض القدير 4 / 470، كنز العمال 11 / 603.
(3) تاريخ مدينة دمشق 42 / 450 ـ 455 مسند أحمد 3 / 21 رقم 33 و 82، المستدرك 3 / 22، شرح السنة 6 / 167 رقم 2557، المصنّف لابن أبي شيبة 12 / 64 رقم 12131، مسند أبي يعلى 2 / 341 رقم 1086، حلية الاولياء 1 / 67، دلائل النبوة للبيهقي 6 / 435 الخصائص للنسائي 55، تاريخ بغداد 1 / 217.
(4) وسائل الشيعة 18 / 84 باب 9 من أبواب صفات القاضي رقم 29.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

توصية سماحة آية الله الإصفهاني بقراءة هذا الدعاء كل يوم أماناً من مرض كرونا
telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ذوالقعدة الحرام

١- ذوالقعدة الحرام ١ـ ولادة كريمة أهل البيت فاطمة بنت موسى بن جعفر(س). ٢ـ غزوة بدر الصغرى. ٣ـ وفاة الاشعث ب...

المزید...

١١ ذوالقعدة الحرام

١١- ذوالقعدة الحرام ولادة ثامن الحجج، الامام السلطان ابوالحسن علي بن موسى الرضا المرتضى(ع) ...

المزید...

١٥ ذوالقعدة الحرام

١٥- ذوالقعدة الحرام نهاية الحكم الاموي وبداية الحكم العباسي ...

المزید...

٢٣ ذوالقعدة الحرام

٢٣- ذوالقعدة الحرام غزوة بني قريظة وتصفية يهود المدينة

المزید...

٢٥ ذوالقعدة الحرام

٢٥- ذوالقعدة الحرام ١) يوم دحو الارض ٢) خروج الرسول (ص) لحجة الوداع ٣) احضار الامام الرضا(ع) من الحجاز إلى ...

المزید...

٣٠ ذوالقعدة الحرام

٣٠- ذوالقعدة الحرام شهادة الامام الجواد(ع)

المزید...
012345
  • المدائح

  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الفقه

  • الصور

مشاهدة الكل

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page