مراحل النماء العقلي وسواه (تربية و علم النفس 10)

مراحل النماء العقلي وسواه

بسم الله الرحمن الرحيم

 


تحدثنا في محاضرة سابقة عن مرحلة الطفولة الثانية وهي المرحلة التي تبدأ من العام السابع وتنتهي مع العام الرابع عشر، وقلنا إن هذه المرحلة في التصور الإسلامي تعد أهم مرحلة من مراحل النمو العقلي عند الطفل بحيث يتعين على المعنيين بشأن التربية أن يستثمروا هذه المرحلة وذلك لتدريب الشخصية أو بالأحرى وذلك لتنشئة الشخصية على تعلّم السلوك بنمطيه السلوك المعرفي والسلوك العام، وقلنا إن ظاهرة التمييز تسم هذه المرحلة عند الطفل بحيث ينبغي أيضاً أن يستثمر هذا التمييز لعمليات التعلّم المشار إليها ومن ذلك ايضاً ما يقترن بهذه الظاهرة من أكثر من وسيلة تربوية لعلّ في مقدمتها ظاهرة العقاب، حيث إن العقاب في هذه المرحلة في التصور الإسلامي فاعلية مهمة من حيث اثرها في تدريب أو تنشئة أو تربية الطفل، لذلك نقول إن العقاب البدني ونمط التنشئة يقترنان في هذه المرحلة بطبيعة النماء العقلي لدى الأطفال، وذلك من خلال ظاهرة التمييز التي أشرنا إليها قبل قليل وحدثناكم عنها مفصلاً في محاضرة سابقة.

هنا ينبغي أن نقف عند مراحل النماء العقلي لدى أطفال المرحلة وملاحظة التصور الإسلامي لها حيث ينبغي أن نبدأ ذلك أولاً بالسؤال الآتي: هل أن هذه المرحلة البالغة سبعة أعوام تعد جميعاً بمثابة مرحلة تتساوى فيها نماء الطفل في كل سنواته؟

وبعبارة أخرى هل ثمة مراحل جزئية من النماء العقلي تسم أطفال المرحلة على نحو ما لاحظناه في مرحلة الطفولة الأولى أم أن المرحلة جميعاً تأخذ طابعاً واحداً من النمو؟!!.

طبيعياً جداً أن ثمة مراحل فرعية تسم هذه المرحلة الرئيسة من حياة الطفل، وهذا ما يتوفر عليه كلِّ من التصورين الإسلامي والأراضي حيث أن الأبحاث الأرضيةتشير إلى هذا الجانب، ولكن قبل أن نحدثكم عن هذه المراحل الفرعية يحسن بنا أن نشير إلى واحدة من أهم المراحل الفرعية التي تسم هذه المرحلة العامة، ألا وهي مرحلة العمر التاسع أو العاشر عند الطفل.

والأبحاث الأرضية أيضاً تشير عادة إلى هذه المرحلة من النماء العقلي عند الطفل حيث تجعلها مرحلة رابعة من مراحل الطفولة بأكملها، والمراحل الأربعة هي: الشهر، السنتان، والست، والتسع أو العشر، وتشكل مرحلة التسع أو العشرة أعوام في التصور الأرضي حلقة وصل بين بداية المرحلة المتأخرة ونهايتها، ولكن ما يعنينا الآن هو التصور الإسلامي بطبيعة الحال، لذلك يمكننا ملاحظة هذا الجانب في النصوص التي سبق الوقوف عندها في محاضرات سابقة، حيث تتذكرون أن الوثيقة التربوية للإمام الصادق(ع) حددت التاسعة من العمر بداية لممارسة الضرب في عملية الوضوء والصلاة، في حين أعفت ولي الأمر من ضرب الطفل قبل ذلك.

ويمكننا أن نضيف إلى الوثيقة السابقة نصوصا أخرى ومنها النص الوارد عن الإمام علي(ع) حيث يقول: يثغر الطفل لسبع سنين ويؤمر بالصلاة لتسع ويفرّق بينهم في المضاجع لعشر) إن هذا النص يشير بدوره التاسعة من العمر بصفتها بداية للتدريب الجاد على الصلاة، أي التدريب المقترن بالإلزام وإلا فإن النصوص السابقة جميعاً أكدت مطلق التدريب مع نهاية العام السادس أو السابع.

إذن التاسعة من العمر تشكل مرحلة نمائية ذات خطورة في حياة الطفل وفقاً للتصور الإسلامي، وأيضاً وفقاً للتصور الأرضي فيما لاحظنا تحديد الأرضيين للتاسعة مرحلة رابعة من مراحل الطفولة العامة.

إلا أن المشرع الإسلامي يوافينا بوجهة نظر جديدة، أو لنقل يلفت انتباهنا على مرحلة أخرى من مراحل النمو العقلي لدى الأطفال في المرحلة المتأخرة متمثلة في العاشرة من العمر، بمعنى أن الطفل بعد التاسعة يقطع عاماً واحداً، ثم يواجه بعد هذا العام مرحلة نمائية جديدة تتمثل في العاشرة من العمر.

إذن يبدو أن الأنتقال من التاسعة إلى العاشرة يجسد نماءً عقلياً له أهميته في المهارات الإدراكية للطفل بحيث تنسحب على مختلف مجالات النشاط لديه، يدلنا على ذلك كله ما نلحظه في النص الآتي للإمام علي(ع) من حيث إشارته إلى النشاط الجنسي لدى الطفل في العاشرة من العمر، قال(ع) بالنسبة إلى الطفل: (يؤمر بالصلاة لتسع ويفرّق بينهم في المضاجع لعشر) وفي نصوص أخرى سبق الوقوف عندها أيضاً ثمة إشارة إلى العاشرة من العمر، من حيث النشاط الجنسي ومن حيث الأمر بتفريق الأطفال في المضاجع من نحو قوله(ع): (يفرّق بين الصبيان والنساء في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين)..

إن هذه النصوص جميعاً تشير إلى العاشرة من حيث النشاط الجنسي لدى الأطفال، أما من حيث سائر ألوان النشاط فإن السنة العاشرة تجسد في لسان النصوص مرحلة نمائية ذات خطورة ومنها ما سبق الوقوف عنده من النصوص التي تجيز الوصية المالية للبالغين عشرة من الأعوام من نحو قوله(ع): (إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته) وهناك مجالات أخرى تحوم على العاشرة أيضاً تفصح جميعاً عن أن هذه المرحلة لها تميزها النمائي عن السنة التاسعة.

وبنحو عام فإن مرحلة الطفولة المتأخرة بجميع مراحلها الفرعية تجسد مرحلة ذات خطورة في عملية التنشئة حيث تصل المهارات الإدراكية لدى الطفل إلى درجة التمييز الذي حدثناكم عنه في محاضرةٍ سابقة من حيث انسحاب أثره على سلوك الشخصية لاحقاً، وبعامة إذا كانت هذه المرحلة ـ مرحلة الطفولة المتأخرة بجميع مراحلها الفرعية ـ تقف على الضد تماماً من مرحلة الطفولة الأولى، حيث تظل ظاهرة اللعب هي طابع الفترةالأولى وطابع الجدية هي ما تسم المرحلة الثانية، لكن بعامة أي أن المرحلتين جميعاً يجب ان لا نخلع عليها طابع الثبات الذي بخلعه البحث الارضي بخاصة المرحلة الطفولة الأولى، لذا نكرر من جديد أن التربية الأرضية تقع في وهم كبير حينما تؤكد انسحاب الطفولة على الشخصية بذلك النحو المتعسف من التأكيد، هذا من جانب، وتقع هذه التربية الأرضية في الوهم ثانية حينما تجنح بعض تصوراتها إلى ربط ذلك ببعض الدوافع ومنها الدافع الجنسي وانسحابه على سلوك الشخصية، لذلك سنقف عند هذا الجانب ونقدم تعقيباً عليه نظراً لأهمية ما أشار إليه الإسلام ولخطورة ما أشار إليه التصور الأرضي من وجهات نظر خاطئة ينبغي لفت النظر إليها.

فمثلاً إن الدافع الجنسي الذي لاحظناه عند المشرع الإسلامي وإيقاظ هذا الدافع في السنة العاشرة عند الأطفال، مثل هذا الدافع لو قارناه بالتصوّر الأرضي سنجد أن التصور الأرضي يقف على عكس ما ذهب إليه التصوّر الإسلامي ونقصد بالتصور الأرضي بخاصة ما يتصل بالاتجاه التحليلي الذي أصبح الآن من كلاسيكيات علم النفس، ولكنه عيادياً وأكاديمياً لا يزال يحتفظ مع الأسف ببعض الأنصار.

على أية حال نستطيع أن نقول بالرغم مما تقدم أنه لحسن الحظ نجد أن بالاتجاه الأحدث في النطاق المعاصر لعلم النفس قد اتجه إلى التركيز على ما يسميه الأرضيون بيسكولوجية (الأنا) بدلاً من سيكولوجية الـ(هي) وطاقاتها الجنسية، حيث أثبت هذا الاتجاه أن فعاليات المهارة العقلية من تعلم وتفكير وتخيل وذاكرة وما إليها.. قد أفرزت معطياتها العملية دون أن تتوكأ على المفهوم الجنسي، كما أن الفعاليات النفسية أمكن دراستها دون استحضار للمفهوم التحليلي إلا في نطاق محدد، بل إن بعض الاتجاهات المعاصرة قد ألغى المفاهيم التقليدية المذكورة أساساً واتجه إلى القول بأن (الوعي) كافٍ لمسح أية تنشئة غابرة وابتناء تعلّم جديد في شتى مجالات السلوك، والمهم إن التصور الاسلامي يضاد نظرية الجنس من حيث نظرتها إلى الطفولة وانعكاساتها، يضادها أولاً من حيث التفسير الجنسي نفسه، وثانياً من حيث تأكيدها على الطفولة بمختلف مراحلها الجنسية، فقد لاحظنا مثلاً أن المشرع الإسلامي أعفى الطفولة الأولى من أية فعالية ترهص في الجنس أو في سواه من الفعاليات، بينما أكد ذلك في الطفولة الثانيةوشدد على إمكانات التطبيق عليها بحيث تسحب أثرها على السلوك اللاحق، حتى لاحظنا كيف أن المشرع الإسلامي حذر الأبوين من جعل الطفل يعي ما يمارسانه من العملية حيث ينسحب وعيه بهذه الحقيقة على سلوكه اللاحق ومن ثمّ ينحرف نتيجة للوقوف السابق على الممارسة.

وعلى الرغم مما لاحظنا من الاتجاه الإسلامي من حيث نظرته إلى أن الطفولة الثانية هي الطفولة التي ترهص بيقظة الجنس نجد أن الاتجاه التحليلي يقدم تصوراً مضاداً تماماً حيث شدد على المرحلة الأولى بخاصة السنوات الثلاثة أو الأربع وهي السنوات التي اعفاها المشرع الإسلامي من كل فاعلية، ومحضها للعب فحسب، ثم اتجهت نظرية الجنس إلى مرحلة الطفولة الثانية، وهذا ما يلفت النظر فخلعت عليها طابع الكمون الجنسي، أي أخلتها من الصراع الجنسي نسبياً بسببٍ من زعمها بأن الطفل يشغل بفعاليات التعلم المعرفي وغيره من الأنشطة، بينما أكسب المشرع الإسلامي هذه المرحلة طابعها الجنسي، من حيث بزور هذا الطابع وليس من حيث كمونه كما زعم الاتجاه التحليلي.

ومع أن بعض الاتجاهات الحديثة قد أكدت بدورها جنسية المرحلة المتأخرة من الطفولة على نحو ما قرره المشرّع الإسلامي إلا أن هذه الاتجاهات جعلت من التأكيد على جنسية هذه المرحلة بمثابة كونها استمراراً للمرحلة الأولى من الطفولة، لا أنها مرحلة وليدة وهي بهذا التفسير في الواقع تقع في ذات الخطأ الذي غلّف الاتجاه التحليلي.

على أية حال ما قدمناه من كلام يظل متصلاً بمراحل الطفولة من حيث بروز الدافع الجنسي أو كمونه واختلاف التصورين الإسلامي والأرضي بالنسبة إلى ذلك.

وأما فيما يتصل بالتفسير الجنسي نفسه، فإن لمناقشته مكاناً آخر من محاضراتنا هذه لكننا نشير عابرين هنا إلى أن الصلة بين الطفولة والجنس وانعكاساتها على المرحلة الراشدة تبدو من التعسّف بمكان كبير في التصور التحليلي الأرضي.

من الممكن أن نقول مثلاً بأن ثمة صلة بين النزعة العدوانية التي سيشب الطفل عليها وبين الإحباطات التي واجهها في مرحلة عملية الرضاعة،وهذا فيما يتصل بالمرحلة (الفمية) أي أولى مراحل النمو الجنسي في زعم الاتجاه التحليلي، ومن الممكن أيضاً أن نقول بأن ثمة صلة بين نزعة العناد مثلاً وبين الصرامة التي يواجهها الطفل في التدريب على النظافة من حيث منعه من الإمتاع الذي يحققه النشاط المعوّي عند ممارسته ذلك بنفسه، ثم انعكاس ذلك على سلوكه الراشد، وهذا فيما يتصل بالمرحلة الثانية من النمو الجنسي بحسب زعم الاتجاه المذكور.

أقول: من الممكن أن تكون ثمة صلة بين تدريبنا الصارم على الرضاعة والنظافة وبين بزوغ نزعة العدوان والعناد لدى الطفل، إلا أن بزوغ هذه النزعة يظل عنصراً واحداً من مجموعة عناصر متشابكة من التدريب تساهم في إبراز النزعة المذكورة، دون أن نحصر ذلك في التفسير الجنسي ودون أن نردّه إلى عنصر واحد، حتى لو افترضنا أن هذا العنصر يتسم بالصحة. بل لقد وصل الأمر عند بعض الباحثين إلى أن يربط مثلاً بين ظاهرة الشك، وهي ظاهرة عصابية، وبين ظاهرة مركب الاضطهاد وهي ظاهرة ذهانية أن يربط بينهما وبين المرحلة الثانية من النمو الجنسي المزعوم وصلة ذلك بنمط التدريب الذي تصاحبه قسوة وصرامة في التعامل مع الطفل، من حيث التدريب على النظافة ومن حيث تحسيسه بالعيب من مناطقه الجنسية، فيما ينشأ تبعاً لذلك عديم الاستقلال معرضاً للشكوك والوساوس القهرية بل ولجنون الاضطهاد!!.

إن تجارب التنشئة الأسرية التي تمارس الصرامة في التعامل مع الطفل وتهجينها لمناطقه الجنسية لا تأتلف في الواقع مع هذا التفسير الذاهب إلى أن الصرامة والتهجين ينعكسان على إحساس الشخصية بالخوف من أشياء أو أشخاص وهميين يطاردان المريض، أي لا ينعكسان على الشخصية في شكل مرض ذهاني أو عقدة الاخطهاد، أن الذهان أو جنون الاضطهاد رسواه يظل محكوماً بطبيعة البناء العصبي للشخصية أو بصدمة عنيفة مسبوقة بالاستعداد التكويني أو الوراثي أو بخبرات بالغة الشدة من حيث الضغوط والإحباطات المتلاحقة التي تواجه الشخصية، أما أن تحدث ببساطة نتيجة لتربية جنسية خاطئة في الطفولة فأمرّ تأباه التجربة التي تحياها مختلف الأسر في عمليات التدريب على نظافة الطفل وتحسيسه بما هو معيب من منطق جسمه.

هذا إلى أن نظرية الجنس المشار إليها تتضخم مفارقاتها من حيث الربط بين الطفولة الجنسية وانعكاس ذلك على المرحلة الراشدة، أقول تتضخم ذلك في التفسير الأوديبي المزعوم الذي يسم المرحلة الثالثة من مراحل النمو النفس جسمي متمثلاً في الذهاب إلى أن الطفل بين العام الثالث والخامس يتحسس دور الأب وعلاقة ذلك بالأم، وما يستتبع ذلك من كراهية للأب.

طبيعياً في ضوء هذا التفسير الأسطوري سوف ينشأ الصراع بين الرغبة المحارمية والتخلص من الأب،بيد أن الطفل سرعان ما يتوحّد بالأب أي يتقمص شخصيته مستمداً منه قسوته، متمثلة في الخوف من العقاب الموهوم فيقلع عن رغبته المحارمية، وبهذا التوحد يتخلص الصبي من الصراع وآثاره اللاحقة، أما في حالة إخفاقه فإن العقدة الأوديبية ستسحب آثارها على الطفل في حياته الراشدة بنحو لا يهمنا الآن أن نتابع الحديث عن تفصيلات هذا الكلام الأسطوري.

وفي تصورنا أن التاريخ العلمي للأرض لم يواجه انتكاساً يماثل مهزلة المرحلة الأوديبية بخاصة، ومع أن تلاميذ صاحب النظرية وزملائه قد أشاحوا بوجودههم عن صاحبها من خلال قناعاتهم العلمية التي أبت أن ترتكن إلى أية نظرية غير خاضعة حتى للاحتمال فضلاً عن اليقين، ومع أن مرضى صاحب النظرية كانت تتحكم فيهم بإجماع الذين أرخوا لحياة صاحب هذه النظرية بيئة اجتماعية منحرفة ومع أن نظريته خضعت لأكثر من تعديل في حياته نفسه، أقول ومع أن التحليليين الجدد السائرين على خطى صاحبهم قد أشاحوا أيضاً عن الخطوط المنحرفة لهذه النظرية واحتفظوا منها بالطابع التحليلي العام، ومع أولئك جميعاً لا نزال نلاحظ تململ النظرية بين الحين والآخر على يد بعض القاصرين علمياً، ولحسن الحظ أن تململ النظرية لم يجيء علىيد باحث جديد ذي إصالة في الكشوفات العلمية بل على يد طلاب ومنهم مع الأسف عرب ومسلمون أيضاً يمتلكون خنوعاً وتبعية فكرية، أي أنهم مجرد أدوات لتطبق نظرية لا أنهم أصحاب نظرية أو قناعة أصيلة بها.

على أية حال لقد أطلنا بعض الشيء الحديث عن هذا الجانب إلا أننا أضطررنا إلى ذلك نظراً لما لاحظتموه من التصور الإسلامي للجانب الجنسي في مرحلة الطفولة الثانية، وتشدد التصور الإسلامي على ضرورة مراعاة المناخ الذي يغلّف حياة الطفل في هذه المرحلة، وما يسببه هذا المناخ من انعكاسات على مستقبلها، مقابل ما لاحظناه من التصوّر الذاهب إلى أن الجانب الجنسي يتسم بالكمون في هذه المرحلة، أقول إن أهمية هذا الفارق بين التصورين تفرض علينا أن نلقي مزيداً من الأنارة على هذا الجانب حتى ينتبه المعنيون بالشأن التربوي على ما قرره المشرّع الإسلامي وليس على ما ذهب إليه الأرضيون في اتجاهاتهم الخاطئة تماماً كما لاحظنا.

وبهذا ينتهي الحديث عن المرحلة الطفولية الثانية أو ما أطلق عليها مصطلح (الطفولة المتأخرة) وبذلك نكون قد انتيهنا من الحديث عن مرحلتين من مراحل نمو الشخصية، هما مرحلة الطفولة المبكرة أو الأولى ومرحلة الطفولة المتأخرة أو الثانية، أما الآن نتجه إلى المرحلة الثالثة من مراحل النمو وهي مرحلة الرشد أو المرحلة الراشدة.


مرحلة الرشد

ومن الطبيعي أن المرحلة الراشدة تبدأ بسبع سنوات ومن ثم تبدأ بمراحل أخرى فرعية تنتهي إلى آخر العمر، بيد أن ما ينبغي لفت النظر إليه هو أن مرحلة المراهقة مع كونها مرحلة من مراحل الرشد إلا أنها تتميز بسمات خاصة لا تتميز بها سائر مراحل الرشد، حيث أن العام الرابع عشر أو الخامس عشر عندما يجسّدبداية لمرحلة الرشد حينئذٍ فإن هذه المرحلة سوف تمتد بالشخصية إلى آخر العمر، ولكن هذا المدى من العمر يظل كما قلنا متسماً ببعض الطوابع شبه الثابتة بالقياس إلى الطابع الذي يسم أول مرحلة الرشد وهي مرحلة المراهقة التي آن الآن أن نحدثكم عنها بشيءٍ من التفصيل.

قلنا إن أول مرحلة من مراحل الرشد هي مرحلة المراهقة التي تبدأ من العام الخامس عشر إلى العام الواحد أو الثاني والعشرين، وهذه المرحلة كما قلنا تمثل بداية الرشد لدى الشخصية مودعة بذلك مرحلة الطفولة، وبادئة بتحمّل المسؤولية التي ألقتها السماء على الكائن الآدمي، وما يصاحب ذلك من ترتيب آثار الثواب والعقاب، ويطلق الأرضيون وبعض نصوص التشريع أيضاً أسم (المراهقة) على هذه المرحلة، وهذه المرحلة تعد في البحوث الأرضية ذات خطورة من نمط آخر، حيث أفاضت البحوث الأرضية في الحديث عن هذا الطابع بتفصيلات متشعبة فيما يمكن لمّها في خصوصيتين رئيستين هما: استقلال الشخصية، وتموّجاتها.

ونقصد بالاستقلال أن الشخصية تبدأ فتتحسس بأنها كيان له استقلاله عن أسرته أو استقلاله عن طفولته التي كان فيها تابعاً، وأما تموّجاتها فنقصد من ذلك ما يعانيه، أو ما ينسحب على سلوك الشخصية المراهقة من الاضطراب أو التقلّب أو التردّد في الانتهاء إلى موقف حاسم تختطّه الشخصية لمستقبلها، سواء أكان ذلك متصلاً بمشكلاتها الفكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بعامة، ومن الطبيعي أن يترافق التحسس بالاستقلال مع الاضطراب ما دامت المرحلة تمثل فترة انتقال من الطفولة إلى الرشد، مرحلة انتقال من التبعية إلى الاستقلال، ونحن إذا عدنا إلى المشرع الإسلامي، لاحظناه يقطع خطوات تدريجية في تدريب الشخصية على الاستقلال، فمع أخريات المرحلة الطفلية المبكرة يبدأ التدريب على ممارسة شيء من المسؤولية كما لاحظنا في محاضراتنا السابقة.

ثم يتضخم التدريب مع المرحلة الطفلية المتأخرة حتى يصل إلى ما أسميناه في حينه بالمسؤولية شبه الإلزامية، ممهداً بذلك الانتقال إلى المرحلة الإلزامية، ونظراً لأهمية هذا الانتقال وما يرافقه من التموّج واصل المشرع الإسلامي توصياته التربوية رابطاً بينها وبين مرحلتي الطفولة جاعلاً من المراحل الثلاث؛ أي من مراحل الطفولة المبكرة والمتأخرة والمراهقة، جاعلاً منها وحدة أو سلسلة متصلة الحلقات من حيث خضوعها إلى عمليات التدريب.

هنا نود أن نؤكد من جديد أن مرحلة تحمل المسؤولية من حيث ترتيب آثار الثواب والعقاب عليها دنيوياً وأخروياً، هذه المرحلة في الواقع تجيء مع بداية المراهقة، أي مع انبثاقها مباشرة في العام الرابع عشر أو الخامس عشر، ولكن المشرع في الآن ذاته لم يفصل المراهقة من السلسلة القائمة على التدريب أي يخضعها لنفس العمليات التربوية التي طبعت مرحلتي الطفولة ولكن مع مراعاة كل مرحلة بما يناسبها من النماء العقلي لدى الشخضية.

ونستخلص من هذا كله أن المراهقة تتميز أيضاً بإمكانيات التطبيع على السلوك أو تعديله، بالرغم من أن المراهق يتحمل مسؤولية تصرفاته أجمع، وهذا يعني أن الإحساس بالاستقلال وما يرافقه من الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتطلب بدوره قسطاً من التدريب حتى تستكمل الشخصية تماسكها في هذا الصدد، ويمكننا ملاحظة ذلك في نص سبق الوقوف عليه، حيث يقرر النص ما يلي: (الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين).

لاحظوا أن المفروض أن الحلال والحرام قد تعلّم مع بداية المرحلة أي مع العام الرابع عشر، أو قد مهد له في مرحلة الطفولة المتأخرة، بحيث يتحمل الفرد مسؤولية تصرفاته مع بداية المراهقة لا مع نهايتها، ولذلك فإن المقصود من عبارة (يتعلّم الحلال والحرام سبع سنين) هو ملافاة ما فاته من التعلم، أومواصلة تشددنا على تدريبه نظراً لما تحمل هذه المرحلة من تمواجات تسم الشخصية في فترة الانتقال، بحيث تصبح مراحلة التدريب من خلالها ضرورة لاستكمال الشخصية. ويمكننا ملاحظة هذا الطابع بوضوح عندما نعود إلى نص آخر سبق وأن وقفنا عنده في محاضرات ماضية حيث يقدم هذا النص عبارة رمزية أو صورية وهي الاتعمارة حسب المعطلع البلاغي حيث يقول النبي(ص) في هذا الصدد: (الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين)، لقد سبق أن حدثناكم عن الاستعارتين الأوليين، وهي الولد سيد سبع سنين وبعد سبع سنين، حيث قلنا أن السيد هنا ترمز إلى كون الطفل مستقلاً لا يتقبّل أي أوامر،بل هو الذي يصدّر الأوامر وهو أمر ينسجم مع ظاهرة اللعب، لذلك استعار له النبي(ص) عبارة (سيد)، وأما بالنسبة إلى المرحلة الثانية فقد استعار له(ص) مصطلح (عبد) لأن العبد يؤمر ويمتثل ما يؤمر به وهو المرحلة التي سبق أن قلنا أنها مرحلة شبه إلزامية في التعلم، وأما المرحلة الجديدة وهي مرحلة المراهقة فقد شبّهها النبي(ص) الشخصية فيها (بالوزير)، والوزير كما هو واضح يختلف عن رئيس الدولة ويختلف عن الموظف العادي، فهو لا يستطيع أن يتصرف تصرف رئيس الدولة، ولا هو تابع كالموظف العادي بل هو من جانب يكتسب استقلالاً تاماً بالنحو الذي يملكه رئيس الدولة، ولكنه في الآن ذاته من جانب آخر يملك قسطاً من الاستقلال وليس الاستقلال التام.

ونحن حينما ننقل هذه الصورة الاستعارية إلى مرحلة المراهقة نلاحظ أن النبي(ص) قد قصد من صورة (الوزير) أن المراهق يتحسس باستقلالية ولكنه لا يملك الكلمة الأخيرة ما لم تقترن بموافقة رئيس الدولة، أي التدريب ثانيةوالتأكيد على هذا التدريب في مرحلة المراهقة، سيجعل الشخصية ممتكملة لجوانب استقلالها الثام بحيث تضل حداً للتموج والاضطراب الذي يطبع تصرفات الشخصية، وعلى أية حال فإن مايهمنا الآن هو أننا بعد أن عرفنا طبيعة التصوّر الإسلامي لمرحلة المراهقة، يعنينا بعد ذلك أن نحدد جانبين خطيرين من هذه المرحلة، وهذان الجانبان هما بداية المرحلة وصلة المسؤولية المترتبة على هذه البداية، ثم صلة ذلك بتصور البحث الأرضي لهذا الجانب، إن هذا الجانب في الواقع له خطورة بالغة الأهمية إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن التصور الإسلامي يفترق تماماً عن التصور الأرضي في تحديده لمرحلة الرشد والاضطلاع بسمؤولياتها سواء أكان ذلك يتصل بمسؤوليات الخلافة في الأرض، وهو ما يخص الشخصية المسلمة، أو ما كان حتى متصلاً بالمسؤوليات عامة، وهو ما يخص مطلق الآدميين من حيث خضوعهم لفعاليات التعلم وصلة ذلك كله بتحديد مستويات النماء العقلي لهذه المرحلة وامتداداتها.

إن البحث الأرضي ـ كما تعرفون ذلك جميعاً ـ يضع فارقاً بين ظاهرة البلوغ وظاهرة الرشد، بحيث يجعل تحمل المسؤولية في العام الثامن عشر، ويعتبره بداية الرشد في هذا المجال، بينما نجد المشرع الإسلامي قد حدد لنا الرشد مقترناً بمرحلة البلوغ، وهو العام الرابع عشر أن الخامس عشر أي جعل كلاً من البلوغ والرشد واحداً، جعلهما مرحلة واحدة من حيث النمو الجسمي والعقلي، وصلة هذه المرحلة من النمو بتحمّل المسؤولية، أي آثار العقاب والثواب المترتبة على سلوك الإنسان، ومن البين أن وجود مثل هذا الفارق بين التصورين الإسلامي والعلماني ينطوي على خطورة لا يمكن تجاهلها، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن البحث الأرضي لا يحمل البالغين العمر الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر أية مسؤولية في تصرفاتهم ما لم يصلوا إلى العام الثامن عشر.

هنا نود أن نقول أن لبلوغ الشخصية العام الثامن عشر أهميته من حيث النماء العقلي، وهذا ما سنوضحه لاحقاً إنشاء الله، ولكن هل أن ذلك يتدخل في حسم الموقف بحيث يشكل هذا الجزء من نماء المرحلة بداية لتحمل المسؤولية، بدلاً من البلوغ الذي يجسد حالة معينة من النماء الجسمي والعقلي تؤهل الشخصية لتحمل مسؤولياتها، لاحظوا أن المعصوم(ع) يقول في نص: ( لا يزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى ثماني عشر سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه)، لاحظوا أن الإشارة إلى الثامنة عشرة بالنسبة للمهارة العقلية أي الذكاء أو الحماقة تدلنا على أن هذه الجزئية من مرحلة المراهقة لها أهميتها النمائية بحيث تجعل نهاية لعمليات النمو العقلي، ولعلّ لهذا السبب كان البحث الأرضي يتجه إلى جعلها بداية لتحمل المسؤولية، ولكن كما قلنا المشرع الإسلامي لم يحدد إلا البلوغ في هذا الجانب، أي يجعل البلوغ بداية تحمل المسؤولية، لأن التمييز الذي يسم الشخصية في مثل هذه المرحلة لايتطلب منها إلا قدراً يسمح بمعرفة الخير والشر، دون أن يقترن ذلك بضرورة الوصول إلى قمة المهارة العقلية.

لأن المهارة العقلية في الواقع هي مرحلة عليا، والمطلوب من الإنسان هو الإنسان العادي الذي تبلغ مرحلته النمائية العقلية منحنيً متوسطاً وليس المهارة العالية، ولذلك فإن مثل هذه الشخصية البالغة عامها الرابع عشر أو الخامس عشر تستطيع أن تميز بين الخير والشر، بحيث يترتب على تمييزها المشار إليه اثر الثواب أو العقاب.

على أية حال سنحدثكم لاحقاً إنشاء الله عن هذا الجانب، ولكن ما أردنا لفت الانتباه عليه في هذه الجزئية من المحاضرة هو أن نوضح الفارقيةبين وجهة النظر الإسلامية ووجهة النظر الأرضية بالنسبة إلى تحديد سن الرشد أو البلوغ وما يترتب على ذلك من تحمّل المسؤولية، يضاف إلى ذلك أن قضية التعلم من حيث المهارات العقلية ستسحب آثارها على هذا الجانب ما دام تصور البحث الأرضي قائماً على وجود فارق بين البلوغ والرشد.

المهم أن نتجه إلى المشرع الإسلامي لملاحظة تصوراته لهذه الظاهرة، وهذا ما نؤجل الحديث عنه إلى محاضرة لاحقة إنشاء الله..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • مواليد و أفراح

  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الصور

مشاهدة الكل

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page