السبت08302014

آخر تحديث: السبت, 30 آب 2014 1pm

Font Size

Menu Style

Cpanel

دوافع الثورة وأسبابها

 

الفصل الثاني :

دوافع الثورة وأسبابها

(( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحقّ ، وهو خير الحاكمين ))(1) .
الحسين بن علي (عليه السّلام)

لماذا لم يثر الحسين (عليه السّلام) في عهد معاوية
كانت مبررات الثورة على الحكم الاُموي متوفّرة في عهد معاوية ، وقد كان الإمام الحسين (عليه السّلام) يعرفها ، وقد عبّر عنها في عدّة كُتب وجّهها إلى معاوية جواباً عن كُتبه إليه ، وهي كثيرة , نقتبس منها قوله في كتاب : (( وهيهات هيهات يا معاوية ! فضح الصبح فحمة الدُّجى ، وبهرت الشمس أنوار السراج . ولقد فضّلت حتّى أفرطت ، واستأثرت حتّى أجحفت ، ومنعت حتّى بخلت ، وجُرت حتّى جاوزت ، وما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه بنصيب حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ، ونصيبه الأكمل ... ))(2) .
وقوله في كتاب آخر : (( أمّا بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر أنّه انتهت إليك عنّي اُمور أنت لي عنها راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير ؛ فإنّ الحسنات لا يهدي إليها ولا يُسدد إليها إلاّ الله تعالى .
وأمّا ما ذكرت أنّه رقى إليك عنّي , فإنّما رقاه إليك الملاّقون ، المشّاؤون بالنميم ، المفرّقون بين الجمع . وكَذَب الغاوون , ما أرادت لك حرباً ، ولا عليك خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ، ومن الأعذار فيه إليك ، وإلى أوليائك القاسطين الملحدين ؛ حزب الظلمة ، وأولياء الشياطين .
ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه الصالحين المصلّين العابدين ، الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم , ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة ، والمواثيق المؤكّدة ألاّ تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ؛ جرأة على الله ، واستخفافاً بعهده ؟
أوَلست قاتل ابن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، العبد الصالح ، فقتلته بعدما آمنته ؟
أوَلست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عُبيد بن ثقيف , فزعمت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر(3) . فتركت سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتبعت هواك بغير هُدى من الله , ثمّ سلّطته على أهل الإسلام ؛ يقتّلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل عيونهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنّك لست من هذه الأمّة وليسوا منك ؟
أوَلست صاحب الحضرمِيين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين علي (صلوات الله عليه) ، فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي , فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودينُ علي هو دين ابن عمّه (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه ؟
وقُلت فيما قُلت : انظر لنفسك ولدينك ، ولأمّة محمد ، واتّقِ شقّ عصا هذه الأمّة ، وأن تردهم إلى فتنة . وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) من أن اُجاهدك ...
وقُلت فيما قُلت : إن أنكرك تنكرني ، وإن أكدك تكدني .
فكد ما بدا لك ؛ فإنّي أرجو ألاّ يضرّني كيدك ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبت جهلك ، وتحرّصت على نقض عهدك .
ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان ، والعهود والمواثيق ، ولم تفعل ذلك إلاّ لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقّنا ، وليس الله بناس لأخذك بالطنّة ، وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة ... ))(4) .
ولذا ، فإنّ الباحث يتساءل عن السرّ في قعود الحسين (عليه السّلام) عن الثورة في عهد معاوية مع وجود مبرّرات الثورة في عهده ، فلماذا لم تدفعه هذه المبرّرات إلى الثورة في أيّام معاوية ، وحملته على الثورة في أيّام يزيد ؟
الذي نراه في الجواب على هذا التساؤل : هو أنّ قعود الحسين (عليه السّلام) عن الثورة في عهد معاوية كانت له أسباب موضوعية لا يمكن تجاهلها ، ويمكن إجمالها فيما يلي :

.الوضع النفسي والاجتماعي
لقد كانت حروب الجمل وصفّين والنهروان ، والحروب الخاطفة التي نشبت بين القطع السورية وبين مراكز الحدود في العراق والحجاز واليمن بعد التحكيم قد ولّدت عند أصحاب الإمام (عليه السّلام) حنيناً إلى السلم والموادعة ؛ فقد مرّت عليهم خمس سنين وهم لا يضعون سلاحهم من حرب إلاّ ليشهروه في حرب أخرى ، وكانوا لا يحاربون جماعات غريبة عنهم ، وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالأمس ، ومَنْ عرفهم وعرفوه ... .
وما نشكّ في أنّ هذا الشعور الذي بدأ يظهر بوضوح في آخر عهد علي (عليه السّلام) إثر إحساسهم بالهزيمة أمام مراوغة خصمهم في يوم التحكيم ، أفاد خصوم الإمام (عليه السّلام) من زعماء القبائل ومن إليهم ممّن اكتشفوا أنّ السياسة لا يمكن أن تُلبّي مطامحهم التي تُؤججها سياسة معاوية في المال والولايات فحاولوا إذكاء هذا الشعور والتأكيد عليه .
وقد ساعد على تأثير هؤلاء الزعماء ونفوذهم في أوساط المجتمع الرّوح القبلية التي استفحلت في عهد عثمان بعد أن اُطلقت من عقالها بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّ الإنسان ذا الرّوح القبلية عالمة قبيلته(*) ، فهو ينفعل بانفعالاتها ، ويطمح إلى ما تطمح إليه ، ويُعادي مَنْ تُعادي ، وينظر إلى الأمور من الزاوية التي تنظر منها القبيلة ؛ وذلك لأنّه يخضع للقيم القبلية التي تخضع لها القبيلة ، وتتركّز مشاعر القبيلة كلّها في رئيسها , فالرئيس في المجتمع القبلي هو المُهيمن ، والموجّه للقبيلة كلّها .
وقد عبّر الناس عن رغبتهم في الدّعة وكراهيتهم للقتال ؛ بتثاقلهم عن الخروج لحرب الفرق السورية التي كانت تغير على الحجاز ، واليمن ، وحدود العراق ، وتثاقلهم عن الاستجابة للإمام (عليه السّلام) حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفّين .
فلمّا استشهد الإمام علي (عليه السّلام) وبويع الحسن (عليه السّلام) بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدّها ، وبخاصّة حين دعاهم الحسن (عليه السّلام) للتجهّز لحرب الشام ، حيث كانت الاستجابة بطيئة جدّاً .
وبالرغم من أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) قد استطاع بعد ذلك أن يجهّز لحرب معاوية جيشاً ضخماً ، إلاّ إنّه كان جيشاً كُتبت عليه الهزيمة قبل أن يلاقي العدو بسبب التيارات المتعدّدة التي كانت تتجاذبه ؛ فقد « خفّ معه أخلاط من الناس ؛ بعضهم شيعة له ولأبيه ، وبعضهم محكّمة ـ أي خوارج ـ يؤثرون قتال معاوية بكلّ حيلة ، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم ، وبعضهم شكّاك وأصحاب عصبية اتّبعوا رؤساء قبائلهم »(5) .
وقد كان رؤساء القبائل هؤلاء قد باعوا أنفسهم من معاوية الذي كتب إلى كثير منهم يُغريهم بالتخلّي عن الحسن (عليه السّلام) والالتحاق به ، وأكثر أصحاب الحسن (عليه السّلام) لم يستطيعوا مقاومة هذا الإغراء , فكاتبوا معاوية واعدين بأن يسلّموه الحسن (عليه السّلام) حيّاً أو ميّتاً .
وحين خطبهم الإمام الحسن (عليه السّلام) ليختبر مدى إخلاصهم وثباتهم , هتفوا به من كلّ جانب : « البقيّة البقيّة »(6) ، بينما هاجمته طائفة منهم تريد قتله . هذا في الوقت الذي أخذ الزعماء يتسلّلون تحت جنح الليل إلى معاوية بعشائرهم .
ولمّا رأى الإمام الحسن (عليه السّلام) ـ أمام هذا الواقع السيِّئ ـ أنّ الظروف النفسية والاجتماعيّة في مجتمع العراق جعلت هذا المجتمع عاجزاً عن النهوض بتبعات القتال ، وانتزاع النصر ، ورأى أنّ الحرب ستكلّفه استئصال المخلصين من أتباعه بينما يتمتّع معاوية بنصر حاسم ، حينئذ جنح إلى الصلح بشروطٍ منها ألاّ يعهد معاوية لأحد من بعده ، وأن يكون الأمر للحسن ، وأن يترك الناس ويُؤمنوا(7) .
ولقد كان هذا هو الطريق الوحيد الذي يستطيع الحسن (عليه السّلام) أن يسلكه باعتباره صاحب رسالة قد اكتنفته هذه الظروف السيئة المُؤيسة . ونحن حين نسمح لأنفسنا أن نندفع وراء العاطفة نحسب أنّه كان على الحسن (عليه السّلام) أن يُحارب معاوية ولا يُهادنه ، وإنّ ما حدث له لم يكن إلاّ استسلاماً مُذلاً مكّن معاوية من أن يستولي على الحكم بسهولة ما كان يحلم بها .
وقد انزلق في هذا الخطأ كثير من أصحابه المؤمنين المخلصين ، وقد عبّر بعضهم عن المرارة التي يحسّ بها بأنّ خاطب الحسن (عليه السّلام) بقوله : (يا مُذلّ المؤمنين)(8) .
هذا ، ولكن علينا أن نفكّر بمقاييس اُخرى إذا شئنا فهم موقف الإمام الحسن (عليه السّلام) الذي يبدو محيّراً لأوّل وهلة ، فلا شك أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) لم يكن مُغامراً ، ولا طالب ملك ، ولا زعيماً قبلياً يُفكّر ويعمل بالعقلية القبلية ، وإنّما كان صاحب رسالة ، وحامل دعوة ، وكان عليه أن يتصرّف على هذا الأساس .
ولقد كان الموقف الذي اتّخذه هو الموقف الملائم لأهدافه كصاحب رسالة وإن كان ثقيلاً على نفسه ، مؤلماً لمشاعره الشخصيّة .
لقد كان من الممكن بالنسبة لقائد مُحاط بنفس الظروف السيئة التي كان الإمام الحسن (عليه السّلام) مُحاطاً بها أن يتّخذ من الأحداث أحد ثلاثة مواقف :
الأوّل : أن يُحارب معاوية رغم الظروف السيئة ، ورغم النتائج المؤلمة التي تترتّب على هذا الموقف .
الثاني : أن يُسلّم السلطة إلى معاوية ، وينفض يده من الأمر ، ويتخلّى عن أهدافه ، ويقنع بالغنائم الشخصيّة .
الثالث : أن يخضع للظروف المعاكسة فيتخلّى مؤقّتاً عن الصراع الفعلي المسلّح ، لكن لا ليرقب الأحداث فقط ، وإنّما ليُكافح على صعيد آخر فيُوجّه الأحداث في صالحه وصالح أهدافه .
ما كان للحسن (عليه السّلام) باعتباره صاحب رسالة أن يتّخذ الموقف الأوّل ؛ لأنّه لو حارب معاوية في ظروفه التي عرضناها ، وبقواه المُفككة المُتخاذلة , لكانت نيتجة ذلك أن يُقتل ، ويُستأصل المخلصون من أتباعه . ولا شك أنّه حينئذ كان يُحاط بهالة من الإكبار ، والإعجاب لبسالته وصموده ، ولكنّ النتيجة بالنسبة إلى الدعوة الإسلاميّة ستكون سيئة إلى أبعد حدّ ؛ فإنّها كانت ستفقد فريقاً من أخلص حُماتها دون أن تحصل على شيء سوى أسماء جديدة تُضاف إلى قائمة شهدائها .
كذلك ما كان له باعتباره صاحب رسالة أن ينفض يده من كلّ شيء ويسترسل في حياة الدعة والرغد ، والخلو من هموم القيادة والتنظيم .
لقد كان الموقف الثالث ـ وهو الموقف الذي اتّخذه الإمام الحسن (عليه السّلام) ـ هو الموقف الوحيد الصحيح بالنسبة إليه ، وذلك أن يعقد مع معاوية هدنة يعدّ فيها المجتمع للثورة ؛ وذلك لأنّنا نسمح لأنفسنا أن نقع في خطأ كبير حين ننساق إلى الاعتقاد بأنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) قد اعتبر الصلح خاتمة مريحة لمتاعبه ، فما صالح الإمام الحسن (عليه السّلام) ليستريح ، وإنّما ليُكافح من جديد ، ولكن على صعيد آخر(9) .
فإذا كان الناس قد كرهوا الحرب لطول معاناتهم لها ، ورغبوا في السلم انخداعاً بحملة الدعاية التي بثّها فيهم عملاء معاوية ، إذ مَنّوهم بالرخاء والأعطيات الضخمة ، والدعة والسكينة ، وطاعة لرغبات زعمائهم القبليين ، فإنّ عليهم أن يكتشفوا بأنفسهم مدى الخطأ الذي وقعوا فيه حين ضعفوا عن القيام بتبعات القتال ، وسمحوا للأماني تخدعهم ، ولزعمائهم بأن يظلّلوهم ، ولا يمكن أن يكتشفوا ذلك إلاّ إذا عانوا هذا الحكم بأنفسهم .
عليهم أن يكتشفوا طبيعة هذا الحكم وواقعه ، وما يقوم عليه من اضطهاد وحرمان ، ومُطاردة مُستمرة ، وخنق للحريات ، وعلى الإمام الحسن (عليه السّلام) وأتباعه المخلصين أن يفتحوا أعين الناس على هذا الواقع ، وأن يُهيّئوا عقولهم وقلوبهم لاكتشافه ، والثورة عليه ، والإطاحة به .
ولم يطل انتظار أهل العراق ، فقد قال لهم معاوية حين دخل الكوفة :
« يا أهل الكوفة ، أترون أنّي قاتلتكم على الصلاة ، والزكاة ، والحجّ ، وقد علمت أنّكم تُصلّون ، وتُزكّون ، وتحجّون ؟! ولكنّي قاتلتكم لأأتمر عليكم ، وألي رقابكم ، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون . ألا إنّ كلّ دم اُصيب في هذه مطلول ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدمي هاتين »(10) .
ثمّ اتّبع ذلك طائفة من الإجراءات التي صدمت العراقيين ؛ أنقص من أعطيات أهل العراق ليزيد في أعطيات أهل الشام ، وحملهم على أن يُحاربوا الخوارج فلم يتح لهم أن ينعموا بالسلم الذي كانوا يحنّون إليه ، ثمّ طبّق منهاجه الذي شرحناه في الفصل السابق ؛ الإرهاب ، التجويع ، والمُطاردة ، ثمّ أعلن بسبّ أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) على منابر المسلمين .
وبيّنما راح الزعماء القبليون يجنون ثمرات هذا العهد , بدأ العراقيون العاديون يكشفون رويداً طبيعة هذا الحكم الظالم الشرس الذي سعوا إليه بأنفسهم ، وثبّتوه بأيديهم , « وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيام علي فيحزنون عليها ، ويندمون على ما كان من تفريطهم في جنب خليفتهم ، ويندمون على ما كان من الصلح بينهم وبين أهل الشام ، وجعلوا كلّما لقي بعضهم بعضاً تلاوموا فيما كان ، وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون . ولم تكد تمضي أعوام قليلة حتّى جعلت وفودهم تفد إلى المدينة للقاء الحسن (عليه السّلام) ، والقول له ، والاستماع منه » .
وقد أقبل عليه ذات يوم وفد من أشراف أهل الكوفة فقال له متكلّمهم سليمان بن صرد الخزاعي : « ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلّهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم ، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم ، سوى شيعتك [من] أهل البصرة ، وأهل الحجاز ، ثمّ لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ، ولا حظّاً من العطية !
فلو كنت إذا فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب ، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك بعده , كان الأمر علينا أيسر ، ولكنّه أعطاك شيئاً بينك وبينه ، ثمّ لم يفِ به ، ثمّ لم يلبث أن قال على رؤوس الناس إنّي كنت شرطت شروطاً ، ووعدت عدات ؛ إرادة لإطفاء نار الحرب ، ومداراة لقطع هذه الفتنة ، فأمّا إذ جمع الله لنا الكلمة والإلفة ، وأمّننا من الفرقة , فإنّ ذلك تحت قدمي .
فوالله ، ما اغترّني بذلك إلاّ ما كان بينك وبينه وقد نقض ، فإن شئت فأعد الحرب جذعة ، وأذّن في تقدمك إلى الكوفة ، فأخرج عنها عامله ، وأظهر خلعه ، وتنبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين »(11) .
وقال الآخرون مثل ما قال سليمان بن صرد ... فقال لهم فيما روى البلاذري : (( أنتم شيعتنا ، وأهل مودّتنا ، فلو كنتُ بالحزم في أمر الدنيا أعمل ، ولسلطانها أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً ، ولا أشدّ شكيمة ، ولا أمضى عزيمة ، ولكنّي أرى غير ما رأيتم ؛ وما أردت فيما فعلت إلاّ حقن الدماء ، فارضوا بقضاء الله ، وسلّموا الأمر ، والزموا بيوتكم ، وامسكوا ، وكفّوا أيديكم حتّى يستريح برّ ، ويستراح من فاجر ))(12) .
فقد أعطاهم الحسن (عليه السّلام) ـ كما ترى ـ الرضا حين أعلن إليهم أنّهم شيعة أهل البيت ، وذووا مودّتهم ، وإذن فمن الحقّ عليهم أن يستمعوا له ، ويأتمروا بأمره ، ويكونوا عندما يريد منهم .
ثمّ طلب إليهم أن يرضوا بقضاء الله . يطيعوا السلطان ، ويكفّوا أيديهم عنه ، وأنبأهم بأنّهم لن يفعلوا ذلك آخر الدهر ، ولن يستسلموا لعدوهم بغير مقاومة ، وإنّما انتظار إلى حين ، هو انتظار إلى أن يستريح الأبرار من أهل الحقّ ، أو يريح الله من الفجّار من أهل الباطل .
فهو إذن يهيئهم للحرب حين يأتي إبّانها ، ويحين حينها ، ويأمرهم بالسلم المؤقتة حتّى يستريحوا ويحسنوا الاستعداد .
ومَنْ يدري لعلّ معاوية أن يريح الله منه ، فتستقبل الأمّة أمرها على ما يحبّ لها صالحوا المؤمنين(13) .
ولم يكن سليمان بن صرد ومَنْ معه منفردين في هذه الحركة ، فكثيراً ما جاء العراقيون إلى الحسن (عليه السّلام) يطلبون منه أن يثور ، ولكنّه كان يعدهم المستقبل ويعدّهم للثورة . وها هو يجيب حجر بن عدي الكندي بقوله : (( إنّي رأيت هوى عظم الناس في الصلح ، وكرهوا الحرب , فلم أحبّ أن أحملهم على ما يكرهون ؛ فصالحت بقياً على شيعتنا خاصّة من القتل ، ورأيت دفع هذه الحرب إلى يوم ما ؛ فإنّ الله كلّ يوم هو في شأن ))(14) .
وإذاً ، فهذه فترة إعداد وتهيؤ حتّى يأتي اليوم الموعود ، حين يكون المجتمع قادراً على الثورة مستعداً لها ، أمّا الآن فلم يبلغ المجتمع هذا المستوى من الوعي , بل لا يزال أسير الأماني والآمال .
هذه الأماني والآمال التي بثّت فيه روح الهزيمة التي صوّرها الإمام الحسن (عليه السّلام) لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين قال له : (( ما أردت بمصالحتي معاوية إلاّ أن أدفع عنكم القتل عندما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب ، ونكولهم عن القتال . ووالله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بدّ من إفضاء هذا الأمر إليه ))(15) .
وإذاً فقد كان دور الحسن (عليه السّلام) أن يُهيئ عقول الناس وقلوبهم للثورة على حكم الاُمويِّين ، هذا الحكم الذي كان يشكّل إغراءً قوياً للعرب في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) ، والذي غدا فتنة للعراقيين بعده حملتهم على التخلّي عن الإمام الحسن (عليه السّلام) في أحلك الساعات ، وذلك بأن يدع لهم فرصة اكتشافه بأنفسهم ، مع التنبيه على ما فيه من مظالم ، وتعدٍّ لحدود الله .
* * *
ولم يكن الحسين (عليه السّلام) أقلّ إدراكاً لواقع مجتمع العراق من أخيه الحسن (عليه السّلام) ؛ لقد رأى من هذا المجتمع وتخاذله مثل ما رأى أخوه ؛ ولذلك فقد آثر أن يعدّ مجتمع العراق للثورة ، ويعبّئه لها بدل أن يحمله على القيام بها الآن .
كان هذا رأيه في حياة أخيه الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فقد قال لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين فاوضه في الثورة بعد أن يئس من استجابة الإمام الحسن (عليه السّلام) : (( صدق أبو محمد ، فليكن كلّ رجل منكم حلساً من إحلاس بيته(16) ما دام هذا الإنسان حيّاً ))(17) . يعني معاوية بن أبي سفيان .
وكان هذا رأيه بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فقد كتب إليه أهل العراق يسألونه أن يجيبهم إلى الثورة على معاوية ، ولكنّه لم يجيبهم إلى ذلك ، وكتب إليهم : (( أمّا أخي ، فأرجو أن يكون الله قد وفّقه وسدّده فيما يأتي ، وأمّا أنا فليس رأي اليوم ذلك ، فالصقوا رحمكم الله بالأرض ، واكمنوا في البيوت ، واحترسوا من الظنّة ما دام معاوية حيّاً ))(18) .
وإذاً ، فقد كان رأي الحسين (عليه السّلام) ألاّ يثور في عهد معاوية ، وهو يأمر أصحابه بأن يخلدوا إلى السكون والهدوء ، وأن يبعدوا عن الشبهات .
وهذا يوحي لنا بأنّ حركة منظمة كانت تعمل ضدّ الحكم الاُموي في ذلك الحين ، وأنّ دُعاتها هم هؤلاء الأتباع القليلون المخلصون الذين ضنّ بهم الحسن (عليه السّلام) عن القتل فصالح معاوية ، وأنّ مهمّة هؤلاء كانت بعث روح الثورة في النفوس عن طريق إظهار المظالم التي حفل بها عهد معاوية ؛ انتظاراً لليوم الموعود .
وقد رأينا أنّ هذه الدعوة ضدّ الحكم الاُموي قد بدأت بعد الصلح ، وقد كانت في عهد الإمام الحسن (عليه السّلام) تسير في رفق وهدوء ، نظراً لأنّ المجتمع كان لا يزال مأخوذاً ببريق الحكم الاُموي ، ولم يتمثّل بعد طبيعة هذا الحكومة الظالمة الباغية تمثّلاً صحيحاً .
أمّا في عهد الإمام الحسين (عليه السّلام) فقد ازدادت الدعوة عنفاً وشدّة واحتداماً ، وأخذت تكسب أنصاراً كثيرين في كلّ مكان بعد أن أسفر الحكم الاُموي عن وجهه تماماً ، وبعد أن بدا على واقعه الذي سترته الوعود الجذّابة والألفاظ المعسولة .
ولقد كان كلّ حدث من أحداث معاوية يجد صدى مدوّياً في المدينة حيث الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ويكون مداراً لاجتماعات يعقدها الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أقطاب الشيعة في العراق ، والحجاز وغيرهما من بلاد الإسلام ، يدلّنا على ذلك أنّه حين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وأصحابه خرج نفر من أشراف الكوفة إلى الحسين (عليه السّلام) فأخبروه الخبر .
ولا بدّ أنّ حركة قويّة دفعت مروان بن الحكم عامل معاوية على المدينة إلى أن يكتب إلى معاوية : « أمّا بعد ، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي ، وإنّه لا يُؤمن وثُوبه ، وقد بحثت عن هذا فبلغني أنّه يُريد الخلاف يومه هذا ، فاكتب إليّ برأيك »(19) .

شخصيّة معاوية
وأكبر الظنّ أنّ الحسين (عليه السّلام) لو ثار في عهد معاوية لما استطاع أن يسبغ على ثورته هذا الوهج الساطع الذي خلّدها في ضمائر الناس وقلوبهم ، والذي ظلّ يدفعهم عبر القرون الطويلة إلى تمثّل أبطالها , واستيحائهم في أعمال البطولة والفداء .
وسرّ ذلك يكمن في شخصيّة معاوية ، واُسلوبه الخاصّ في معالجة الأمور ؛ فإنّ معاوية لم يكن من الجهل بالسياسة بالمثابة التي يُتيح فيها للحسين (عليه السّلام) أن يقوم بالثورة مدوّية ، بل الراجح أنّه كان من الحصافة بحيث يُدرك أنّ جهر الحسين (عليه السّلام) بالثورة عليه ، وتحريضه الناس على ذلك كفيل بزجّه في حروب تُعكّر عليه بهاء النصر الذي حازه بعد صلح الحسن (عليه السّلام) ، إن لم يكن كافياً لتفويت ثمرة هذا النصر عليه ؛ لأنّه عارف ـ ولا ريب ـ بما للحسين (عليه السّلام) من منزلة في قلوب المسلمين .
وأقرب الظنون في الاُسلوب الذي يتبعه معاوية في القضاء على ثورة الحسين (عليه السّلام) ـ لو ثار في عهده ـ هو أنّه كان يتخلّص منه بالسمّ قبل أن يتمكّن الحسين (عليه السّلام) من الثورة ، وقبل أن يكون لها ذلك الدوي الذي يُموّج الحياة الإسلاميّة التي يرغب معاوية في بقائها هادئة ساكنة .
والذي يجعل هذا الظنّ قريباً ما نعرفه من اُسلوب معاوية في القضاء على مَنْ يخشى منافستهم له في السلطان ، أو تعكير صفو السلطان عليه ؛ فإنّ الطريقة المثالية عنده في التخلّص منهم هي القضاء عليهم بأقلّ ما يمكن من الضجيج .
ولقد مارس معاوية هذا الاُسلوب في القضاء على الحسن بن علي (عليهما السّلام) ، وسعد بن أبي وقاص(20) ، ومارسه في القضاء على الأشتر لمّا توجّه إلى مصر ، ومارسه في القضاء على عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمّا رأى افتتان أهل الشام به(21) .
وقد أوجز هو اُسلوبه هذا في كلمته المأثورة : « إنّ لله جنوداً من العسل »(22) .
والذي يرتفع بهذا الظنّ إلى مرتبة الاطمئنان ما نعلمه من أنّ معاوية كان قد وضع الأرصاد والعيون على الحسين (عليه السّلام) وعلى غيره ممّن يخشاهم على سلطانه ، وأنّهم كانوا يكتبون إليه بما يفعل هؤلاء , ولا يغفلون عن إعلامه بأيسر الأمور وأبعدها عن إثارة الشكّ والريبة(23) .
فلو تحفّز الحسين (عليه السّلام) للثورة في عهد معاوية ثمّ قُضي عليه بهذه الميتة التي يُفضلها معاوية لأعدائه ، فماذا كانت تكون جدوى فعله هذا الذي لم يخرج عن حدود الفكرة إلى أن يكون واقعاً بحياة الناس بدمائهم وأعصابهم ؟ وما كان يعود على المجتمع الإسلامي من موته وقد قضى كما يقضي سائر الناس بهدوء وبلا ضجيج ؟ إنّه لن يكون حينذاك سوى علوي مات حتف أنفه ، يُثير موته الأسى في قلوب أهله ومحبيه وشيعة أبيه إلى حين ، ثمّ يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات .
وأين هذا ممّا صار إليه أمره وأمر مبدئه حين ثار في عهد يزيد ؟
* * *
هذا بالإضافة إلى أنّ معاوية كان يُدرك أنّه ليس ينبغي له ـ وهو يحكم الناس بسلطان الدين ـ أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامّة تحدّياً للدين يحكم بسلطانه ، بل عليه أن يسبغ على أعماله غشاء دينياً لتنسجم هذه الأعمال مع المنصب الذي وصل إليه ، أمّا ما لا يمكن تمويهه من التصرّفات فليرتكبه في السرّ(24) .
وقد أظهره سلوكه المحافظ على تعاليم الدين بمظهر لا غبار عليه من الناحية الدينية عند العامّة ، على الرغم من بعض الروايات التأريخيّة التي تؤكّد أنّه كان مُلحداً لا يؤمن بشيء ؛ ممّا جعل المغيرة بن شعبة وهو في تحلّله يغتمّ لما سمعه منه في بعض مجالسه معه ، ويقول عنه أنّه أخبث الناس(25) .
وقد استغل ظروفه لإسباغ صفة الشرعية على منصبه ؛ وذلك بدعواه أنّه يطلب بدم عثمان ، وبما موّه على الرأي العام في مؤتمر التحكيم بعد صفّين من صلوحه للخلافة ، وبصلحه مع الإمام الحسن (عليه السّلام) وبيعة الناس له بالخلافة . فلو أفلت من معاوية الزمام ، وغفلت عيونه وأرصاده فخرجت الفكرة إلى حيّز الواقع ، وتحوّلت إلى دويٍّ عظيم ، فهل كانت ثورة الحسين (عليه السّلام) تنجح في عهد معاوية ؟
والذي نتساءل عنه هنا ليس النجاح العسكري ؛ فإنّ ثورته ما كانت لتحوز نصراً عسكرياً آنيّاً يمكّن الحسين (عليه السّلام) من الإمساك بالسلطة ؛ لأنّه كان ضعيفاً من الناحية الماديّة ، ومعاوية أقوى ما يكون ، وقد رأينا أنّها أخفقت عسكرياً في عهد يزيد مع أنّ سلطان الاُمويِّين في عهده كان بالغ الضعف ؛ بسبب استنكار عامّة المسلمين لسلطانه ، وبسبب التناحر القبلي الذي كان قد بلغ غايته في الشام(26).
وإنّما نتساءل عن نجاح ثورته بمعنى تمكّنه من التعبير بها عن أهدافه الاجتماعيّة والإنسانيّة ، وإشعار الناس بواقعهم السيِّئ ، وكشف الحكم الاُموي على حقيقته لأعينهم ، وبعث روح جديدة فيهم ، وبث أخلاق جديدة بينهم , على النحو الذي سنرى أنّه تمكّن منه في عهد يزيد .
والجواب الذي لا بدّ منه هنا هو النفي ، بل كان مصيره إلى الإخفاق على الصعيد العسكري ، وعلى هذا الصعيد الآخر الذي بوّأ ثورته في عهد يزيد منزلة فريدة في تأريخ الثورات .
وإذا بحثنا عن السبب في إخفاق ثورة الحسين (عليه السّلام) لو ثار في عهد معاوية لوجدناه في مسحة الدين التي كان معاوية يحرص على إسباغها على سلوكه وسائر تصرّفاته أمام العامّة ، وفي صفة الشرعية التي أفلح في أن يسبغها على منصبه لدى جانب كبير من الرأي العام الإسلامي .
فإنّ هذا الواقع كان يُجرّد ثورة الحسين (عليه السّلام) ـ لو ثار ـ من مبرّرها الوحيد ؛ لأنّ الجواب الذي كان سيقدّمه معاوية وأعوانه للناس حيث يتساءلون عمّا حمل الحسين (عليه السّلام) على الثورة ، أو يجيب به الناس أنفسهم ، هو أنّ الحسين (عليه السّلام) طالب ملك ، ولو قُتل الحسين (عليه السّلام) في سبيل ما توهّمه الناس هدفاً من ثورته لما أثار قتله استنكاراً ، ولما عاد قتله بشيء على مبادئه ودوافعه الحقيقية للثورة , بل ربّما عدّه فريق من الناس مستحقّاً للقتل .
ولن يجدي الحسين (عليه السّلام) وأنصاره أن يعلنوا للناس أنّ ثورتهم لحماية الدين من تحريف وتزييف معاوية ، وإنقاذ الأمّة من ظلمه , فلن يصدّقهم الناس ؛ لأنّهم لا يرون على الدين من بأس ، ولم يُحدث معاوية في الدين حدثاً ، ولم يُجاهر بمنكر ، بل سيرى الناس أنّ مقالتهم هذه ستار يخفي مقاصدهم الحقيقية .

العهد والميثاق
ولقد كان معاوية خليقاً بأن يستغل في سبيل تشويه ثورة الحسين (عليه السّلام) ـ لو ثار في عهده ـ هذا الميثاق الذي كان نتيجة صلح الحسن (عليه السّلام) مع معاوية ، فلقد عرف عامّة الناس أنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) قد عاهدا معاوية على السكوت عنه ، والتسليم له ما دام حيّاً(27) ، ولو ثار الحسين (عليه السّلام) على معاوية لأمكن لمعاوية أن يصوّره بصورة المنتهز الناقض لعهده وميثاقه الذي أعطاه .
ونحن نعلم أنّ الحسين (عليه السّلام) ما كان يرى في عهد معاوية عهداً حقيقياً بالرعاية والوفاء ؛ فقد كان عهداً تمّ بغير رضاً واختيار ، وقد كان عهداً تمّ في ظروف لا بدّ للمرء في تغييرها .
ولقد نقض معاوية هذا العهد ، ولم يعرف له حرمة ، ولم يحمل نفسه مؤونة الوفاء به ، فلو كان عهداً صحيحاً لكان الحسين (عليه السّلام) في حلّ منه ؛ لأنّ معاوية قد تحلل منه ، ولم يأل في نقضه جهداً .
ولكنّ مجتمع الحسين (عليه السّلام) ، هذا المجتمع الذي رأينا أنّه لم يكن أهلاً للقيام بالثورة ، والذي كان يؤثر السلامة والعافية كان يرى أنّه قد عاهد ، وإنّ عليه أن يفي(28) .
وأكبر الظنّ أنّ ثورته ـ لو قام بها في عهد معاوية ـ كانت ستفشل على الصعيد السياسي وعلى الصعيد الاجتماعي حين ينظر إليها المجتمع الإسلامي من الزاوية التي كان معاوية سيسلّط عليها الأضواء ، وهي هذا العهد والميثاق الذي نقضه الحسين (عليه السّلام) وأنصاره من الثائرين ، فيظهرها للرأي العام وكأنّها تمرّد غير مشروع .
ولعلّ هذا هو ما يفسّر جواب الحسين (عليه السّلام) لسليمان بن صرد الخزاعي حين فاوضه في الثورة على معاوية ، والحسن (عليه السّلام) حي ، فقد قال له : (( فليكن كلّ رجل منكم حلساً من إحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيّاً ؛ فإنّها بيعة كنتُ والله لها كارهاً ، فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ، ورأينا ورأيتم ))(29) .
وجوابه لعدي بن حاتم الطائي وقد فاوضه في الثورة أيضاً بقوله :
(( إنّا قد بايعنا وعاهدنا ، ولا سبيل لنقض بيعتنا ))(30) .
وقد ثبت على موقفه هذا بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فقد روى الكلبي ، والمدائني ، وغيرهما من أصحاب السير ، قالوا : « لمّا مات الحسن بن علي (عليهما السّلام) تحرّكت الشيعة بالعراق ، وكتبوا إلى الحسين في خلع معاوية والبيعة له فامتنع عليهم ، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً ولا يجوز له نقضه حتّى تمضي المدّة ، فإذا مات معاوية نظر في ذلك »(31) .
وقد كان معاوية يستغل هذه الحُرمة التي للعهد في نفوس الناس ؛ فيلوّح بها في مكاتباته إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) حول نشاطه في تعبئة المجتمع الإسلامي للثورة على الحكم الاُموي ؛ فقد كتب إليه : « أمّا بعد ، فقد انتهت إليّ اُمور عنك ، إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها . ولعمر الله , إنّ مَنْ أعطى عهد الله وميثاقه لجدير بالوفاء , وإنّ أحق الناس بالوفاء مَنْ كان مثلك في خطرك وشرفك , ومنزلتك التي أنزلك الله بها . ونفسك فاذكر ، وبعهد الله أوفِ ؛ فإنّك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتقِ شقّ عصا هذه الاُمّة »(32) .
فها هو ذا معاوية يُلوّح هنا بالعهد والميثاق ، ويُطالب بالوفاء بهما .
ولربما فهم الناس من ثورته لو ثار في عهد معاوية أنّه كان على غير رأي أخيه الحسن (عليه السّلام) في الصلح مع معاوية ، وقد كان الحسين (عليه السّلام) دائماً حريصاً على أن يُظهر اتّفاقه مع أخيه في القرار الذي اتّخذه .
ومن جملة ما يدلّ على ذلك جوابه لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين ذكر له امتناع الحسين (عليه السّلام) من إجابة مَنْ دعاه إلى الثورة بعد الصلح ، مبيّناً لهم عدم استعداد المجتمع الإسلامي لذلك : (( صدق أبو محمد ، فليكن كلّ رجل منكم حلساً من إحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيّاً ))(33) .
وإذاً ، فلم يثُر الحسين (عليه السّلام) في عهد معاوية ؛ لأنّ المجتمع لم يكن مُهيئاً للثورة(34) ، وكان هذا هو السبب الذي دفع بالحسن (عليه السّلام) إلى أن يُصالح معاوية بعدما تبيّن له عقم محاولة المضي في الصراع ، ولولا ذلك لما صالح الحسن (عليه السّلام) معاوية ، ولما قعد الحسين (عليه السّلام) عن الثورة على معاوية .
وقد أضاف هذا الصلح سبباً آخر منع الحسين (عليه السّلام) من الثورة على معاوية الذي كانت شخصيته عاملاً في جعل الثورة عليه عملاً غير مضمون بالنجاح ؛ ولذا فقد كان لا بدّ للحسن والحسين (عليهما السّلام) ـ وهذه هي ظروفهما في عهد معاوية ـ أن يُهيّئا هذا المجتمع للثورة , وأن يعدّاه لها .
وقد مضت الدعوة إلى الثورة على الحكم الاُموي تنتشر بنجاح طيلة عهد معاوية ، تجد غذاءها في ظلم معاوية وجوره ، وبُعده عن تمثيل الحكم الإسلامي الصحيح ، وانتهى الأمر بهذه الدعوة إلى هذا النجاح الكبير الذي أوجزه الدكتور طه حسين في هذه الكلمات : « ومات معاوية حين مات ، وكثير من الناس وعامّة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني اُميّة وحبّ أهل البيت لأنفسهم ديناً »(35) .

شخصيّة يزيد
أمّا يزيد فقد كان على الضدّ مع أبيه في كلّ ما كان يحول بين الحسين (عليه السّلام) وبين الثورة على أبيه . لقد كان يزيد من أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروّي , كان إنساناً صغير العقل , متهوراً ، سطحي التفكير ، « لا يهم بشيء إلاّ ركبه »(36) .
واُسلوبه في معالجة المشاكل التي واجهته خلال حكمه يعزّز وجهة النظر هذه . اُسلوبه في معالجة ثورة الحسين (عليه السّلام) ، واُسلوبه في معالجة ثورة أهل المدينة ، واُسلوبه في معالجة ثورة ابن الزبير .
وتدلّ بعض الملاحظات التي ذكرها المؤرّخون عن حياته العاطفية أنّ هذا النزق والتهوّر ، والاستجابة السريعة العنيفة للانفعال ليس أموراً عارضة , بل هي سمات أصيلة في شخصيته(37) .
ومن ثمّ فهو أبعد الناس عن أن يواجه ثورة الحسين (عليه السّلام) باُسلوب أبيه , بل القريب أن يواجهها بالاُسلوب الذي يتّفق مع شخصيته ، وهو ما حدث في النهاية بالنسبة إليها وإلى غيرها من المشاكل التي واجهته .
ونشأة يزيد المسيحية ، أو القريبة من المسيحية(38) , جعلته أضعف ما يكون صلة بالعقيدة التي يُريد أن يحكم الناس باسمها ، أعني الإسلام . وحياة التحلّل التي عاشها قبل أن يلي الحكم ، والانسياق مع العاطفة , وتلبية كلّ رغباته ، كلّ ذلك جعله عاجزاً عن التظاهر بالورع والتقوى والتلبّس بلباس الدين بعد أن حكم المسلمين .
هذا بالإضافة إلى أنّ طبيعته النزقة جعلته يُعالن الناس بارتكاب المحرّمات ، ويُقارف من الآثام ما عرف الناس بمدى بُعده عن الصلاحية لتولّي منصب الخلافة . ومن ثمّ فلن يكون في وسع أنصار الحكم الاُموي أن يُلوثوا ثورة الحسين (عليه السّلام) أمام الرأي العام بأنّها ثورة في سبيل الملك ؛ لأنّ العامّة ترى أنّ مبرّرات هذه الثورة موجودة في سلوك يزيد نفسه .
هذا السلوك الذي لا يلتقي مع الدين على صعيد ، وسيقبل الناس بلا تردّد تبرير الحسين (عليه السّلام) وأنصاره لثورتهم بحماية الدين ، وإنقاذ المسلمين من جور الاُمويِّين .

موقف الحسين (عليه السّلام) من يزيد في حياة معاوية
وقد حاول معاوية أن يُقيّد الإمام الحسين (عليه السّلام) ببيعة يزيد ، أو يضمن ـ على الأقل ـ سكوت الإمام الحسين (عليه السّلام) عن يزيد ، فلم يفز بطائل . ويروي المؤرّخون عدّة مواقف للحسين (عليه السّلام) مع معاوية حين أخذ يعدّ الأمر لابنه يزيد من بعده .
وكان من جملة كتبه إليه في هذا الشأن قوله في أحدها : (( ... وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمّة محمد ؛ تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص .
وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه ؛ فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب الهراش عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهنّ ، والقيان ذوات المعازف ، وضرب الملاهي تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول ؛ فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه . فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور , وحنقاً في ظلم حتّى ملأت الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ... ))(39) .
وقد أراد معاوية أن يحمل الحسين (عليه السّلام) على البيعة ليزيد بحرمان بني هاشم جميعاً من أعطياتهم حتّى يبايع الحسين (عليه السلام)(40) , فلم يتحقق له ما أراد ، ومات معاوية والحسين (عليه السّلام) باقٍ على موقفه من الإنكار لبيعة يزيد .

موقف الحسين (عليه السّلام) من البيعة ليزيد
« ومات معاوية حين مات وكثير من الناس وعامة أهل العراق ـ بنوع خاص ـ يرون بغض بني اُميّة وحبّ أهل البيت لأنفسهم ديناً »(41) ؛ فقد اكتشف المجتمع الإسلامي ما فيه الكفاية من عورات الحكم الاُموي ، وذاق طعم عذابه ، وخبر ألواناً من عسفه وظلمه في الأرزاق والكرامات ، وانزاحت عن بصيرته الغشاوة التي رانت عليها في أوّل عهد معاوية .
ولم يكن يزيد في مثل تروّي أبيه وحزمه واحتياطه للأمور ، ولم يلتزم اُسلوب أبيه في الاحتفاظ بالغشاء الديني مُسدلاً على أفعاله وتصرّفاته , ولم يكن بين الحسن والحسين (عليهما السّلام) من جهة وبين يزيد من جهة اُخرى أي عهد أو ميثاق .
وهكذا فقد انزاحت بموت معاوية ووعي المجتمع الإسلامي جميع الأسباب التي كانت تحول بين الحسين (عليه السّلام) وبين الثورة في عهد معاوية ، وبدا الطريق إلى الثورة على الحكم الاُموي مُمهّداً أمام الحسين (عليه السّلام) .
وقد عجّل تلهف يزيد على أخذ البيعة له من كبار زعماء المعارضة له ـ وعلى رأسهم الحسين (عليه السّلام) ـ في تتابع الأحداث ؛ فقد كان أكبر همّه حين آل الأمر بعد موت أبيه هو بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعة يزيد ، فكتب إلى الوليد بن عتبة والي المدينة كتاباً يُخبره فيه بموت معاوية ، وكتاباً آخر جاء فيه : « أمّا بعد ، فخذ حسيناً ، وعبد الله بن عمر , وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتّى يبايعوا ، والسّلام »(42) .
ولقد آثر الحسين (عليه السّلام) أن يتخلّص من الوليد بالحُسنى حين دعاه إلى البيعة ، فقال له : (( مثلي لا يبايع سرّاً , ولا يجتزئ بها منّي سرّاً ، فإذا خرجت للناس ودعوتهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً )) .
ولكن مروان قال للوليد : « لئن فارقك الساعة ولم يُبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبسه فإن بايع وإلاّ ضربت عنقه » .
فوثب الحسين (عليه السّلام) عند ذلك ، وقال : (( ويلي عليك يابن الزرقاء ! أنت تأمر بضرب عُنقي ؟ كذبت ولؤمت )) .
ثمّ أقبل على الوليد فقال : (( أيها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله ))(43) .
بهذه الكلمات أعلن الحسين (عليه السّلام) ثورته على الحكم الاُموي الفاسد على عظمته وجبروته وقسوته في مؤاخذة الخارجين عليه ، فقد مات معاوية وانقضى العهد والميثاق ، وأصبح وجهاً لوجه أمام دوره التأريخي الذي يتحتّم عليه أن يصنعه ، وإنّه لعلى يقين من أنّ حكم يزيد لن يأخذ صفة شرعية ما دام هو مُمسكاً عن بيعته ، أمّا إذا بايعه فإنّه يكون قد اكتسب الغلّ الجديد الذي طُوقت به الأمّة المسلمة صفة قانونية شرعية ، وهذا شيء لا يفعله (عليه السّلام) .
إنّ ثمّة فرقاً عظيماً بين أن تكون الاُمّة راضخة لحكم ظالم ولكنّها تعلم أنّه حكم بغير حقّ , وأنّه حكم يجب أن يزول ، وبين أن تخضع الاُمّة لحكم ظالم وترى أنّه حكم شرعي لا بدّ منه , ولا يجوز تغييره .
إنّ الاُمّة في الحالة الثانية ترى أنّ حياتها التعسة ، وأنّ التشريد والجوع والحرمان والذلّ هو قدرها الذي لا مفرّ لها منه , هو مصيرها المحتوم الذي لا بدّ أن تصير إليه ، وحينئذ يُقضى على كلّ أمل في تغيير الأوضاع ، وحينئذ يضمحلّ كلّ أمل في الثورة ، وحينئذ تدعم الاُمّة جلاّديها بدل أن تثور عليهم ، وحينئذ يُصار إلى الرضا بما هو كائن بحسبانه ما ينبغي أن يكون .
أمّا حين تخضع الاُمّة وهي تعلم أنّ الحاكم لا حقّ له فحينئذ يبقى الأمل في التغيير حيّاً نابضاً , وتبقى الثورة مشتعلة في النفوس ، وحينئذ يكون للثائرين مجال للعمل ؛ لأنّ التربة مُعدّة للثورة .
وكان على الحسين (عليه السّلام) وحده أن ينهض بهذا الدور . لقد كانت الثورة قدره المحتوم ، أمّا الآخرون الذين أبوا البيعة ليزيد فلم يكن لهم عند المسلمين ما للحسين (عليه السّلام) من المنزلة وعلوّ الشأن ؛ أمّا ابن عمر فسرعان ما سلّم قائلاً : « إذا بايع الناس بايعت »(44) ؛ وأمّا ابن الزبير فقد كان الناس يكرهونه ويتّهمونه في إبائه البيعة بأنّه يريد الأمر لنفسه ؛ فلم تكن دوافعه دينية خالصة ، وإنّما كان يدفعه الطمع في الخلافة ، وما كان الناس يرونه لذلك أهلاً .
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا خرج وابن الزبير من المدينة إلى مكة ، وأقاما بها ، « عكف الناس على الحسين يفدون إليه ، ويقدمون عليه ، ويجلسون حواليه ، ويستمعون كلامه ، وينتفعون بما يسمع منه ، ويضبطون ما يروون عنه »(45) . ومغزى هذا الخبر بيّن فقد اتّجهت أنظار الناس إلى الحسين (عليه السّلام) وحده فانقطعوا إليه ، وهذا يدلّك على مركزه في نفوس المسلمين إذ ذاك .
قال أبو الفرج الأصفهاني : « إنّ عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحبّ إليه من خروجه إلى العراق ؛ طمعاً في الوثوب بالحجاز ، وعلماً منه بأنّ ذلك لا يتمّ له إلاّ بعد خروج الحسين »(46) .
وكان الحسين (عليه السّلام) يعي هذا أيضاً ، فقد قال يوماً لجلسائه : (( إنّ هذا ـ يعني ابن الزبير ـ ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنّه ليس له من الأمر شيء معي ، وأنّ الناس لم يعدلوه بي , فودّ أنّي خرجت منها لتخلو له ))(47) .
وقال عبد الله بن عباس له وهو يحاوره في الخروج إلى العراق : « لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز ،
والخروج منها ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك »(48) .
كلّ هذا يكشف عن مدى تعلّق جماهير المسلمين بالحسين (عليه السّلام) باعتباره رجل الساعة . ويقيناً لو أنّه بايع يزيد لما كان لابن الزبير وأضرابه وزن في المعارضة ؛ لأنّهم حينئذ ما كانوا ليجدوا أنصاراً على ما يريدون .
وإذاً ، فقد وجد الحسين (عليه السّلام) نفسه وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي ؛ الحكم الاُموي بكلّ ما فيه من فساد وانحطاط ورجعية وظلم ، والاُمّة المسلمة بذلّها وجوعها وحرمانها ومركزه العظيم في المسلمين ، كلّ ذلك وضعه وجهاً لوجه أمام دوره التأريخي ، وخطّط له المصير الذي يتحتّم عليه أن يضعه لنفسه , وعند ذلك أعلن ثورته بهذه الكلمات التي مرّت عليك , وقد أجمل فيها أسباب هذه الثورة ؛ التهتك , والتطاول على الدين ، والاستهتار بحقوق الشعب ، هذه هي أسباب ثورة الحسين (عليه السّلام) .
ويبدو أنّ يزيد بن معاوية أراد أن يخنق ثورة الحسين (عليه السّلام) قبل اشتعالها ، وذلك باغتياله في المدينة . وقد وردت إشارتان إلى ذلك في كتاب أورده اليعقوبي في تأريخه(49) من ابن عباس إلى يزيد بن معاوية صريحتان في الدلالة على أنّ يزيد دسّ رجالاً ليغتالوا الحسين (عليه السّلام) في المدينة قبل مغادرته إيّاها إلى العراق ؛ ولعلّ هذا ما يكشف لنا عن سبب خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة بصورة سرّية .

بواعث الثورة عند الحسين (عليه السّلام)
إنّ العنصر الاجتماعي شديد البروز في ثورة الحسين (عليه السّلام) ، ويستطيع الباحث أن يُلاحظه فيها من بدايتها حتّى نهايتها ، ويرى أنّ الحسين (عليه السّلام) ثار من أجل الشعب المسلم .
لقد ثار على يزيد باعتباره مُمثّلاً للحكم الاُموي . هذا الحكم الذي جوّع الشعب المسلم ، وصرف أموال هذا الشعب في اللذات والرشا , وشراء الضمائر وقمع الحركات التحرّرية . هذا الحكم الذي اضطهد المسلمين غير العرب وهدّدهم بالإفناء ، ومزّق وحدة المسلمين العرب ، وبعث بينهم العداوة والبغضاء . هذا الحكم الذي شرّد ذوي العقيدة السياسيّة التي لا تنسجم مع سياسة البيت الأموي ، وقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وقطع عنهم الأرزاق ، وصادر أموالهم .
هذا الحكم الذي شجّع القبيلة على حساب الكيان الاجتماعي للاُمّة المسلمة . هذا الحكم الذي عمل عن طريق مباشر تارة ، وعن طريق غير مباشر تارة اُخرى على تقويض الحس الإنساني في الشعب ، وقتل كلّ نزعة إلى التحرّر بواسطة التخدير الديني الكاذب .
كلّ هذا الانحطاط ثار عليه الحسين (عليه السّلام) ، وها هو يقول لأخيه محمد بن الحنفيّة في وصيته له : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحقّ ، وهو خير الحاكمين ))(50) . فالإصلاح في اُمّة جدّه (صلّى الله عليه وآله) هو هدفه من الثورة .
وهنا شيء اُريد أن أنبه عليه في قوله : (( ... فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ )) . إنّه لم يقل : فمَنْ قبلني لشرفي ومنزلتي في المسلمين ، وقرابتي من رسول الله , وما إلى ذلك ... لم يقل شيئاً من هذا , إنّ قبوله يكون بقبول الحقّ فهذا داع من دعاته ، وحين يقبل الناس داعي الحقّ فإنّما يقبلونه لما يحمله إليهم من الحقّ والخير لا لنفسه ، وفي هذا تعالٍٍ وتسامٍ عن التفاخر القبلي الذي كان رأس مال كلّ زعيم سياسي أو ديني في عصره (عليه السّلام) .
* * *
وظهر العصر الاجتماعي في ثورة الحسين (عليه السّلام) أيضاً حين التقى مع الحرّ بن يزيد الرياحي ، وقد كان ذلك بعد أن علم الحسين (عليه السّلام) بتخاذل أهل العراق عنه بعد بيعتهم له ، وبعد أن انتهى إليه نبأ قتل رسوله وسفيره إليهم مسلم بن عقيل ، وبعد أن تبيّن له ولمَنْ معه المصير الرهيب الذي ينتظرهم جميعاً ، فقد خطب الجيش الذي مع الحرّ قائلاً : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يُغيّر ما عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ مَنْ غيّر . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، وإنّكم لا تُسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم عليّ بيعتكم تصيبوا رُشدكم ؛ فإنّي الحسين بن علي , وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ اُسوة .
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي من أعناقكم , فلعمري ما هي لكم بنُكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل ، والمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ))(51) . فهو هنا يبيّن لهم أسباب ثورته : إنّها الظلم , والاضطهاد والتجويع ، وتحريف الدين ، واختلاس أموال الاُمّة .
ثمّ انظر كيف لمّح لهم إلى ما يخشون ، لقد علم أنّهم يخشون الثورة لخشيتهم الحرمان والتشريد ، فهم يؤثرون حياتهم على ما فيها من انحطاط وهوان على محاولة التغيير خشية أن يفشلوا فيعانوا القسوة والضّنك .
لقد علم منهم هذا , فقال لهم :
(( فإنّي الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . فبيّن لهم مركزه أوّلاً ، ثمّ قال لهم : (( نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ اُسوة )) , فيما قد يحدث من اضطهاد وحرمان .
ويقف المتأمّل وقفة اُخرى عند قوله : (( وأنا أحقّ من غيّر )) . فيها تعبير عن شعوره بدوره التأريخي الذي يتحتّم عليه أن يقوم بأدائه .
ومرّة ثالثة حدّث الحسين (عليه السّلام) أهل العراق عن ثورته ومبرراتها ، وكانت خطبته هذه في الساعات الأخيرة التي سبقت اشتباك القتال بينه وبين الجيش الأموي . قالوا : إنّه (عليه السّلام) ركب فرسه فاستنصتهم فلم ينصتوا ، حتّى قال لهم : (( ويلكم ! ما عليكم أن تنصتوا لي فتسمعوا قولي ؟! وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمَنْ أطاعني كان من المرشدين ، ومَنْ عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري ، غير مستمع لقولي ، فقد مُلئت [ بطونكم ] من الحرام ، وطُبع على قلوبكم . ويلكم ! ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ )) .
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم ، وقالوا : « أنصتوا له . فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله ، وصلّى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء والرسل ، وأبلغ في المقال » .
ثمّ قال : (( تبّاً لكم أيّها الجماعة وترحاً ! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً على أوليائكم , ويداً عليهم لأعدائكم , بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه , من غير حدث كان منّا , ولا رأي تفيّل لنا .
فهلاّ ـ لكم الويلات ! ـ إذ كرهتمونا وتركتمونا ، [ تجهزتموها ] والسيف مشيم , والجأش طامن , والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدُّبا ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش . فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومُحرّفي الكتاب ، ومُطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومُبيدي عترة الأوصياء ، ومُلحقي العهار بالنسب ، ومُؤذي المؤمنين ، وصُراخ أئمّة المُستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون !
وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون , وعنّا تخاذلون ! أجل والله ، الخذل فيكم معروف ؛ وشجت عليه اُصولكم ، وتأزّرت عليه فروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت صدوركم ، فكنتم أخبث ثمرة شجيّ للناظر ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها , وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً , فأنتم والله هم .
ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة , يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت وحجور طهرت ، واُنوف حمية ونفوس أبيّة ، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ...
ألا وإنّي قد أعذرت وأنذرت ، ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة مع قلّة العدد , وكثرة العدوّ , وخذلان الناصر .
ثمّ قال :
فـإن نـهزِم فـهزّامونَ  قـدماً      وإن نُـغـلب فـغير  مُـغلّبينا
ومـا أن طـبّنا جـبنٌ  ولـكن      مـنـايانا  ودولــة  آخـرينا
إذا  مـا الموتُ رفّعَ عن  اُناسٍ      كـلاكـلَه أنــاخَ بـآخـرينا
فـأفنى ذلـكمْ سـرواتُ  قومي      كـما أفـنى الـقرونَ  الغابرينا
فـلو  خـلدَ الـملوكُ إذاً  خلدنا      ولـو بـقي الـكرامُ إذاً  بـقينا
فـقل  لـلشامتينَ بـنا أفـيقوا      سيلقى الشامتونَ كما لقينا ))(52)

في هذه الخطبة حدّثهم الحسين (عليه السّلام) عن أنفسهم , وعن واقعهم , وعن زيف حياتهم . حدّثهم كيف أنّهم استصرخوه على جلاّديهم ثمّ انكفؤوا مع هؤلاء الجلاّدين عليه . هؤلاء الجلاّدون الذين لم يسيروا فيهم بالعدل وإنّما حملوهم على ارتكاب الحرام في مقابل عيش خسيس . خسيس في نفسه ، قليل دون الكفاية ، خسيس لأنّه يعمل على مدّ الأجل بحياة حقيرة ذليلة ، خسيس باعتباره أجراً لعمل خسيس .
وحدّثهم عن مواقفهم المتكرّرة من الحركات الإصلاحية ، إنّهم دائماً يُظهرون العزم على الثورة والرغبة فيها , يُظهرون العزم على تطوير واقعهم السيِّئ حتّى إذا جدّ الجدّ انقلبوا جلاّدين للثورة بدل أن يكونوا وقوداً لها . حدّثهم عن أعدائه باعتبارهم أعدائهم أيضاً ، ولكنّهم يُزيّفون حياتهم بأيديهم ، يُحاربون محرّريهم ، مَنْ يعلمون أنّهم المحرّرون . مع مَنْ ؟ مع أعدائهم مُذلّيهم وظالميهم .
هذه الخطبة , بهذا الاُسلوب الثائر ، وبما فيها من تقريع ، وبما فيها من فضح لهم , كانت ملائمة تمام الملاءمة للجو النفسي السائد آنذاك على الجيش الاُموي . إنّ محاربي ذلك الجيش كانوا على علم بمَنْ يُحاربون ، فأراد أن يُشعرهم بفداحة الإثم الذي يُقارفونه ، وعظم الأمر الذي يُحاولونه ، وأراد أن يُسمع المجتمع الإسلامي ـ هذا المجتمع الخاضع ـ صوته المدوّي . وبهذا اللون من البيان جعل الحسين (عليه السّلام) من كلّ مسلم بركاناً مدمّراً على أهبة الانفجار .

بواعث الثورة لدى الرأي العام
ولم يكن المغزى الاجتماعي للثورة مُدركاً من قبل الحسين (عليه السّلام) وحده ، فقد كان المسلمون يحسّون بضرورة العمل على تطوير واقعهم السيِّئ إلى واقع أحسن . أدرك هذا اُولئك الذين كتبوا إلى الحسين (عليه السّلام) يطلبون منه القدوم إلى العراق ، وأدرك هذا اُولئك الذين صبّروا أنفسهم على الموت معه .
والذين كتبوا إليه من العراق لم يكونوا أفراداً معدودين ، وإنّما كانوا كثيرين جدّاً ؛ ففي المؤرّخين مَنْ يقول : أنّ كُتب أهل العراق إلى الحسين (عليه السّلام) زادت على مئة وخمسين كتاباً(53) .
وقال مؤرّخون آخرون : إنّه قد اجتمع عند الحسين (عليه السّلام) في نُوب مُتفرّقة اثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق .
ونستطيع أن نكوّن فكرة صحيحة عن ضخامة عدد الكتب التي دعت الحسين (عليه السّلام) إلى القيام بالثورة إذا قرأنا هذا الخبر الذي رواه أغلب المؤرّخين , وهو : أنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا لقي الحرّ بن يزيد كان من جملة ما قاله للحرّ ومَنْ معه : (( أمّا بعد ، أيّها الناس ، فإنّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان . وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا , وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم , وقدمت به عليّ رسلكم , انصرفت عنكم )) .
فقال له الحرّ بن يزيد : إنّا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا عقبة بن سمعان ، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ )) . فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنشرها بين أيديهم(54) .
من هنا نستطيع أن نكوّن فكرة عن ضخامة عدد الكتب التي اُرسلت إلى الحسين (عليه السّلام) تدعوه إلى الثورة وتعده بالنصر . ونلاحظ من ناحية اُخرى أنّ هذه الكتب ليست من أفراد ؛ فقد كانت كتباً من الرجل والاثنين والأربعة والعشرة(55) , فلسنا أمام حركة فردية , وإنّما نحن أمام حركة جماعية قام بها المجتمع العراقي ، أو الكثرة الساحقة من هذا المجتمع .
وهذا نموذج للكتب التي وردت إليه : « سلام عليكم . أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك وعدوّ أبيك من قبل ، الجبّار العنيد ، الغشوم الظلوم ، الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها أمرها واغتصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ! وإنّه ليس علينا إمام غيرك فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ . والنعمان بن بشير في قصر الإمارة , ولسنا نجتمع معه في جمعة , ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا أنّك أقبلت أخرجناه حتّى يلحق بالشام إن شاء الله تعالى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يابن رسول الله »(56) .
هذا نموذج للكتب التي أرسلت إلى الحسين (عليه السّلام) تدعوه إلى الثورة ، ويبرز العامل الاجتماعي فيه بوضوح عظيم , فسياسة الإرهاب والتجويع هي التي حملت هؤلاء الناس على الثورة ، وكان الحسين (عليه السّلام) هو الشخصيّة الوحيدة التي يمكن أن تتزعّم ثورة كهذه ؛ إذ لم يكن في الزعماء المسلمين زعيم غيره يتجاوب مع آلام الشعب وآماله ومطامحه .

بواعث الثورة لدى الثائرين
فإذا نحن تجاوزنا هؤلاء الداعين إلى الثورة ثمّ المتخاذلين عنها إلى اُولئك الذين ثبتوا ثائرين مع الحسين (عليه السّلام) إلى اللحظة الأخيرة . اللحظة التي توّجوا فيها عملهم الثوري بسقوطهم صرعى رأيناهم يحملون نفس الفكرة ، ويبرّرون ثورتهم ويدعون الجيش الاُموي إلى تأييدهم بنفس تلك المبرّرات ؛ الظلم الاجتماعي ، وسياسة الإرهاب ، والإذلال التي يمارسها الحاكمون .
هذا زهير بن القين خرج على فرس له في السلاح , فخطب الجيش الاُموي قائلاً : « يا أهل الكوفة ، نذارِ لكم من عذاب الله نذارِ ، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد ، وملّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنّا نحن اُمّة وأنتم اُمّة .
إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله) ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد ؛ فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ بسوء عمر سلطانهما كلّه ؛ لَيُسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويُمثّلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهاني بن عروة وأشباهه »(57) .
فسبّوه وأثنوا على ابن زياد ، وقالوا : والله لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَنْ معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً .

________________________________________

(1) انظر : الفتوح ـ لابن أعثم 5 / 34 ، مناقب آل أبي طالب 3 / 241 .
(2) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 195 ، 196 .
(3) لسنا بصدد بيان كلّ ما قاله (صلّى الله عليه وآله) فيه وفي اُسرته كالحكم بن أبي العاص ، وعقبة بن أبي معيط وغيرهما ، ونكتفي برواية الطبري من حوادث سنة (51 هـ) ، والكامل ـ لابن الأثير / 202 ـ 209 ، وابن عساكر 2 / 379 ، والشيخ محمود أبو ريّه / 184 ـ 185 ما نقلوه عن الحسن البصري أنّه كان يقول :  أربع خصال كنّ في معاوية ، ولو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة ؛ انتزاؤه على هذه الأمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة ، وفيهم بقايا وذوو الفضيلة ، واستخلافه ابنه بعده سكيراً ، خمّيراً ، يلبس الحرير ، ويضرب الطنابير ، وادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) ، وقتله حجراً وأصحابه ، ويل له من حجر وأصحابه ! ويل له من حجر وأصحابه !
ومَنْ أراد المزيد فليراجع الطبري 4 / 202 و11 / 375 ، وسير أعلام النبلاء 1 / 237 ، ومسند أحمد 4 / 421 ، ووقعة صفّين ـ لنصر بن مزاحم / 246 ، والمعجم الكبير ـ للطبراني 1 / 427 ، والعقد الفريد 4 / 345 ، والاستيعاب / 412 ، وأُسد الغابة 3 / 106 ، وتهذيب ابن عساكر 7 / 206 ، والإصابة 2 / 260 ، والطبقات الكبري 4 / 222 ، وصفوة الصفوة 1 / 238 ، وسيرة ابن هشام 4 / 179 .
(4) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 202 ـ 208 ، جمهرة الخطب 2 / 242 ، جمهرة الرسائل 2 / 67 ، مروج الذهب 3 / 7 .
(*) هذه العبارة هي الاُخرى التي وردت بهذا الشكل , ولعل هناك سقطاً أو خطأً ما أربكها كما ذكرنا قبل قليل . (موقع معهد الإمامين الحسنين)
(5) انظر : الإرشاد ـ الشيخ المفيد 2 / 10 .
(6) انظر : مقاتل الطالبيِّين / 73 ، شرح النهج ـ لابن أبي الحديد 16 / 40 ، الكامل في التاريخ 3 / 204 و176 طبعة أخرى ، وحماة الإسلام 1 / 123 ، المجتني ـ لابن دريد / 36 .
(7) والنتيجة : أنّ وثيقة الصلح تضمّنت خمس موارد هي :
أ ـ  تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله ، وسُنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ، وسيرة الخلفاء الصالحين .
ب ـ ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده ، والأمر بعده للحسن (عليه السّلام) ، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين (عليه السّلام) .
ج ـ أن لا يُسمّيه أمير المؤمنين ، وأن يترك سبّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والقنوت عليه بالصلاة ، وأن لا يذكر علياً إلاّ بخير ، وأن لا يُقيم عنده شهادة .
د ـ الأمن العام لعموم الناس الأسود والأحمر منهم سواء فيه ، والأمن الخاص لشيعة أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وعدم التعرّض لهم بمكروه .
هـ ـ استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمس آلاف ، فلا يشمله تسليم الأمر ، وأن يُفضّل بني هاشم في العطاء ، وأن يُفرّق في أولاد مَنْ قُتل مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم الجمل ، وأولاد مَنْ قُتل معه بصفين ألف ألف درهم ، وأن يُوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه .
وممّا يجدر ذكره أنّ بعض المؤرّخين والباحثين أصرّ على المغالطات والمجادلات واللعب بالألفاظ ، وأورد أنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) قد تنازل عن الخلافة لمعاوية بما لكلمة التنازل من المعنى الخاص .
ونحن لو رجعنا إلى التاريخ لم نجد ، ولم يرد على لسان أحد ما يشعر من خطبه (عليه السّلام) أنّه تنازل عن الخلافة , بل إنّ المصادر تشير إلى أنّه (عليه السّلام) سلّم الأمر ، أو ترك الأمر لمعاوية ؛ وذلك من خلال ملاحظتنا للشروط التي ورد فيها إسقاطه إيّاه عن إمرة المؤمنين ، وأنّ الحسن (عليه السّلام) عاهده على أن لا يكون عليه أميراً ؛ إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له ؛ ولذا أسقط الإمام الحسن (عليه السّلام) الائتمار لمعاوية , إذ أمره أمراً على نفسه .
والأمير هو الذي أمّره مأمور مَنْ فوقه ، فدلّ على أنّ الله عزّ وجلّ لم يؤمّره عليه ، ولا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمّره عليه ؛ ولذا لا يُقيم عنده شهادة ، فكيف يُقيم الشهادة عند مَنْ أزال عنه الحكم ؟ لأنّ الأمير هو الحاكم ، وهو المُقيم للحاكم ، ومَنْ ليس له تأمير ، ولا تحاكم فحكمه هدر ، ولا تُقام الشهادة عند مَنْ حكمه هدر .
انظر : تاريخ الخلفاء / 194 ، البداية والنهاية ـ لابن كثير 8 / 41 ، الإصابة 2 / 12 و13 ، ابن قتيبة في المعارف / 150 ، مقاتل الطالبيِّين / 75 ، الإمامة والسياسة / 200 ، الطبري في تاريخه 6 / 92 ، الطبقات الكبرى ـ للشعراني / 23 ، ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 8 ، حياة الحيوان ـ للدميري 1 / 57 ، تهذيب التهذيب 2 / 229 ، تهذيب الأسماء واللغات ـ للنووي 1 / 199 ، ذخائر العقبى / 139 ، ينابيع المودّة / 293 ، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ـ لجمال =
الحسني / 52 ، تذكرة الخواص / 206 ، تأريخ مدينة دمشق 4 / 221 ، تأريخ دول الإسلام 1 / 53 ، جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام / 112 ، تأريخ الخميس 2 / 323 ، دائرة المعارف ـ للبستاني 7 / 38 ، الفتوح 2 / 293 .
(8) ولمّا وصل الحسن (عليه السّلام) إلى قنطرة ساباط ، وثب عليه الجرّاح الأسدي(*) فضربه على فخده بمغول ـ في خنجر ، مِغْوَل ، مِعْوَل ـ كان بيده ، وقال له : يا مُذلّ المؤمنين ! أتريد أن تُلحد كما ألحد أبوك من قبل ؟! ونزل بالمدائن وتداوى للضربة أربعين يوماً . انظر : أنساب الأشراب 2 / 282 .
(*) الجراح بن سنان من بني قبيصة الأسدي كما جاء في تاريخ اليعقوبي 2 / 215 ، والإمام الحسن بن علي / 18 ، لكن في الفتوح 2 / 29 « سنان بن الجرّاح » . انظر : الأخبار الطوال / 217 ، المقاتل / 72 ، مستدرك الحاكم 2 / 174 ، وابن الأثير 3 / 175 ، وابن خلدون 2 / 186 ، والإصابة ـ ترجمة الحسن بن علي ، وابن الوردي 1 / 166 .
(9) ومجمل القول : « إنّ الذين خطّؤوا الإمام الحسن (عليه السّلام) في هذا الصلح نظروا إلى ما ينبغي أن يكون ، وتجاهلوا الظروف والأحداث التي أحاطت بالحسن (عليه السّلام) وفرضت نفسها عليه ... اعتمدوا على اللمحة العابرة ، أو النظرية المجرّدة عن الزمان والمكان ، وصرفوا النظر عمّا يعترض تطبيقها من العقبات .
أمّا قول مَنْ قال : كان على الحسن (عليه السّلام) أن يستشهد كما استشهد أخوه الحسين (عليه السّلام) ، فإنّما يصح لو أدّى استشهاد الحسن (عليه السّلام) إلى نفس النتيجة التي أدّت إليها تضحية الحسين (عليه السّلام) من إحياء الدين ، وإعلان حقيقة الاُمويِّين . أمّا مع اختلاف النتيجة لاختلاف الظروف والمؤثرات فلا مبرّر للقياس .
قال العقاد : آلت خلافة الإمام إلى ابنه الحسن في معسكر مضطرب بين الخوارج والشيعة ، والموالي والأتباع الذين لا يعملون عمل الأتباع طائعين ، ولا يعملون عمل الرؤساء مُقتدرين مُضطلعين . وورث الحسن معسكراً لم يطل عليه عهد الولاء لأحد قط ليُناضل به , معسكراً لم يقع فيه خلاف قطّ منذ الفتح الأوّل إلاّ الخلاف الذي كان يريده معاوية ويعمل له ؛ حذراً من مغبّة الاتّفاق عليه .
انظر كتابه الموسوم : معاوية بن أبي سفيان / 122 , طبع بمطابع مؤسسة دار الهلال . ومعنى هذا في واقعه أنّ الحسن (عليه السّلام) لو لم يُصالح لقُتل بسيوف معسكره لا بسيوف أعدائه .
(10) انظر : البداية والنهاية 6 / 246 ، تأريخ مدينة دمشق 52 / 380 ، تأريخ ابن الأثير 8 / 121 ، الكامل في التاريخ 6 / 220 ، مقاتل الطالبيِّين / 70 ، شرح النهج ـ لابن أبي الحديد 4 / 16 و16 / 15 ، المعرفة والرجال ـ للبسوي 3 / 318 ، شرح الأخبار 2 / 157 ، مناقب آل أبي طالب 3 / 196 ، المصنف ـ لابن أبي شيبة الكوفي 7 / 351 ح23 ، تأريخ مدينة دمشق 52 / 380 , 59 / 150 ، البداية والنهاية 8 / 140 .
(11) انظر : تنزيه الأنبياء ـ الشريف الرضي / 223 .
(12) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 186 .
(13) انظر : الفتنة الكبرى ـ 2 ـ علي وبنوه ـ للدكتور طه حسين / 206 ـ 208 .
(14) انظر : الأخبار الطوال / 220 .
(15) انظر : الأخبار الطوال / 221 .
(16) حلس بالمكان حلساً : أي الزمه في الفتنة والهرج لزوم البساط له . انظر : لسان العرب 6 / 41 .
(17) انظر : الأخبار الطوال / 221 .
(18) انظر : الأخبار الطوال / 222 .
(19) انظر : الأخبار الطوال / 224 .
(20) انظر : مقاتل الطالبيِّين / 29 « وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن (عليه السّلام) ، وسعد بن أبي وقاص , فدسّ إليهما سمّاً فماتا منه » ، مختصر تاريخ العرب ـ سيد أمير علي / 62 .
(21) انظر : التمدن الإسلامي 4 / 71 .
(22) انظر : عيون الأخبار 1 / 201 ، مروج الذهب 2 / 139 طبعة بيروت ، المغتالين من الأشراف / 39 ، وتاريخ اليعقوبي 2 / 139 طبعة بيروت ، شرح النهج ـ لابن أبي الحديد 2 / 29 ، والطبري في تاريخه حوادث سنة (38 ـ 39 هـ) ، تهذيب الكمال 27 / 126 رقم 5731 ، التاريخ الكبير ـ للبخاري 7 / 311 ، وتاريخ الصغير 1 / 87 ، الثقات ـ لابن حبّان 2 / 298 ، سير أعلام النبلاء 4 / 35 ، تأريخ مدينة دمشق 56 / 376 و391 ، الأنساب 5 / 476 ، نظرات في الكتب الخالدة ـ لحامد حفني / 161 ، شيخ المضيرة ، أبو هريرة ـ لمحمود أبو ريّة / 179 ، ولكن بعض المصادر نسبت القول إلى عمرو بن العاص .
ويعني العسل الذي كان يدسّ فيه السمّ ، وقتل به الإمام الحسن (عليه السّلام) ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . انظر : المقاتل / =
= 43 ، وأنساب الأشراف 1 / 404 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 11 و17 ، ابن كثير 8 / 41 ، تأريخ الخلفاء / 138 ، الإصابة ترجمة الحسن ، ابن قتيبة / 150 ، الصواعق / 81 ، المسعودي في مروج الذهب بهامش الكامل 2 / 353 ، 6 / 55 ، وتهذيب تأريخ مدينة دمشق ـ لابن عساكر 4 / 226 ، وأسماء المغتالين من الأشراف / 44 ، وتاريخ اليعقوبي 2 / 225 ، وابن الأثير 2 / 197 ، وابن شحنة بهامش ابن الأثير 11 / 132 ، تأريخ الدول الإسلاميّة 1 / 53 ، تذكرة الخواص / 62 ، تأريخ أبي الفداء 1 / 194 ، الاستيعاب 1 / 389 ، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي / 74 ، مستدرك الحاكم 3 / 176 ، الإرشاد ـ للشيخ المفيد 3 / 15 ، المناقب ـ لابن شهر آشوب 3 / 191 ، كشف الغمّة 1 / 584 .
والأشتر النخعي هو مالك بن الحارث النخعي ، أدرك الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان رئيس قومه ، شُترت عينه في اليرموك فلقّب بالأشتر ، وله مواقف شهيرة في الجمل وصفين مع علي (عليه السّلام) . وفي سنة (38 هـ) ولاّه على مصر ، فأمر معاوية دهقاناً وكان بالعريش ـ مدينة من أوّل أعمال مصر من ناحية الشام ـ أن يدسّ له السمّ ، فلمّا نزل الأشتر العريش سمّه الدهقان في عسل ، فقال معاوية : « لله جنود من العسل » .
وعبد الرحمان بن خالد , هو عبد الرحمان بن خالد بن الوليد المخزومي ، وكان ممّن أدرك النبي (صلّى الله عليه وآله) , وهو من فرسان قريش وشجعانهم ، وكان له فضل وهدى وكرم ، إلاّ إنّه كان منحرفاً عن علي (عليه السّلام) ، وذكر أنّ أخاه المهاجر كان مع علي بصفين ، وذكر أنّ عبد الرحمان مرض فأمر معاوية طبيباً عنده يهودياً أن يأته فيسقيه سقية يقتله بها ، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات .
وأمر معاوية ابن آثال النصراني أن يحتال في قتله , وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش ، وأن يوليه خراج حمص ، فوفى معاوية بما ضمن له .
أمّا المهاجر بن خالد بن الوليد فدخل دمشق مستخفياً هو وغلام له ، فرصد ذلك اليهودي ، فخرج ليلاً من عند معاوية ومعه قوم , فهربوا عنه ، فقتله المهاجر . وكان ابن آثال خبيراً بالأدوية المفردة والمركّبة ، وقوّاها ، ومنها سموم قواتل ، وكان معاوية يقرّبه لذلك كثيراً .
انظر : الاستيعاب 2 / 396 تحت رقم 1697 ، اُسد الغابة 3 / 289 ، تأريخ الطبري 6 / 128 ، وابن الأثير 3 / 195 ، المغتالين من الأشراف / 47 ، ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 31 ، الأغاني 14 / 13 ، مختصر ابن شحنة في هامش ابن الأثير 11 / 133 ، عيون الأنباء في طبقات الأطباء / 171 طبعة بيروت .
وقتل ولده يزيد الإمام الحسين (عليه السّلام) ، تقدّم استخراج ذلك ، وقد شرحنا ذلك مفصّلاً في تحقيقنا لكتاب الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة ـ لابن الصباغ الماكي 2 / 131 وما بعدها . =
= وضرب الكعبة بالمنجنيق . انظر : مروج الذهب 3 / 79 ، وأباح المدينة . انظر : تاريخ الخلفاء / 209 ، وحاصر عبد الملك مكة ، وهدم الكعبة ، وأطلق يد الحجّاج في دماء المسلمين . وبعبد الملك اقتدى أولاده وأحفاده ، وزادوا عليه أضعافاً مضاعفة . انظر : الإمامة والسياسة 2 / 32 ، مروج الذهب ـ للمسعودي 3 / 175 ، العقد الفريد 3 / 214 ، ويقول صاحب مروج الذهب ، وصاحب العقد الفريد في أقوال الناس في الحجّاج : أُحصي مَنْ قتلهم الحجّاج صبراً , سواء مَنْ قتل في حروبه , فكانوا (120) ألفاً . وكان في حبسه (50) ألف رجلاً ، و(30) ألف امرأة ؛ ستة عشر منهنّ عاريات ، وكان يطعم المساجين ـ كما يقول ابن الجوزي في تاريخه ـ الخبز ممزوجاً بالرماد .
وجاء في العقد الفريد أيضاً على لسان عمر بن العزيز : لو جاء الناس يوم القيامة بفسّاقهم وجئنا بالحجّاج لزدنا عليهم .
(23) كان لمعاوية عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من اُمور الناس ، فكتب إليه : إنّ الحسين بن علي أعتق جارية وتزوّجها . انظر : أعيان الشيعة 4 / القسم الأوّل .
(24) انظر : تاريخ الإسلام السياسي 1 / 533 .
(25) انظر : شرح نهج البلاغة 2 / 357 ، مروج الذهب 2 / 341 .
(26) كان التناحر بين قيس وكلب ، أو بين مضر واليمن قد بلغ غايته في عهد يزيد ، ثم انفجر [بعد] موته بسبب الاختلاف فيمَنْ يخلف معاوية الثاني الذي تنازل عن الحكم ، ونشبت الحروب بين القبائل بسبب ذلك . راجع : ولهاوزن ـ الدولة العربيّة / 165 ـ 173 ، وبروكلمان ـ تأريخ الشعوب الإسلاميّة 1 / 156 ـ 157 .
(27) انظر : شرح نهج البلاغة « بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم » 4 / 8 .
(28) يميل المرحوم الشيخ راضي آل ياسين في كتابه النفيس « صُلح الحسن » / 252 ـ 270 ـ الطبعة الأولى ـ إلى التأكيد على أنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) لم يبايعا معاوية بالخلافة ؛ استناداً إلى نصوص وردت في بعض التي رُوي بها الميثاق بين الإمام الحسن (عليه السّلام) ومعاوية ، والتي يراها في بعض الصيغ دالّة على إعفاء الحسن (عليه السّلام) من كلّ التزام يشعر بأنّه سلّم إلى معاوية ـ بالإضافة إلى السلطان السياسي ـ الإمامة الدينية أيضاً .
وهذا رأي لا نملك رفضه ، فشيء آخر غير ما ذكر من النصوص ، وهو شخصيتا الحسن (عليه السّلام) ومعاوية يعزّز هذا الرأي . ولكن هذا الواقع لا يُغيّر من جوهر المسألة شيئاً ؛  فقد أظهر معاوية للرأي العام أنّ الحسن (عليه السّلام) قد بايع بما لهذه الكلمة من دلالات زمنية ودينية ، وقد كان المسلمون ينظرون إلى البيعة على أنّها عهد لا يمكن نقضه ولا الفكاك منه . لاحظ كتابنا « نظام الحكم والإدارة في الإسلام » / 48 ، ففيه شواهد تأريخيّة ، ولاحظ أيضاً « الدولة العربيّة وسقوطها » ولهاوزن / 115 ، وسمو المعنى في سمو الذات ـ للشيخ عبد الله العلايلي / 101 ـ 105 . منه (رحمه الله) .
(29) انظر : الأخبار الطوال / 221 ، الإمامة والسياسة 1 / 173 .
(30) انظر : الأخبار الطوال / 203 .
(31) انظر : الإرشاد / 206 ، إعلام الورى / 220 ، تأريخ الخلفاء / 206 ، وقد ذكر فيليب حتّي « تأريخ العرب » 2 / 252 أنّ أهل الكوفة كانوا قد بايعوا الحسين بعد موت أخيه ، وهذا غير صحيح ، وما صح هو هذه المحاولة التي لم يستجب لها الإمام الحسين (عليه السّلام) .
(32) انظر : الأخبار الطوال / 224 ـ 225 ، والإمامة والسياسة 1 / 188 .
(33) انظر : الأخبار الطوال / 221 .
(34) انظر : الإرشاد ـ للشيخ المفيد / 199 طبعة النجف الأشرف سنة 1962 .
(35) انظر : الفتنة الكبرى ـ 2 ـ علي وبنوه ـ للدكتور طه حسين / 295 .
(36) انظر : أنساب الأشراف 4 / القسم الثاني / 1 .
(37) انظر المصدر نفسه ، وله أبيات من الشعر فيها دلالة على تهتّكه . ومن =
= أبياته في زوجته اُمّ خالد :
ومـا نـحنُ يوم استعبرت اُمّ  خالدٍ      بـمرضى ذوي داءٍ ولا  بـصحاحِ
وقامت لتسقي الشُّربَ حُمراً عيونهمْ      مُـخصّبة الأطـرافِ ذات وشـاحِ
لـها عُـكّنٌ بـيضٌ كأنّ  غصونها      إذا  شَـفّ عـنها الـسابري  فداحِ
انظر : تأريخ مدينة دمشق 69 / 112 ، نسب قريش / 128 .
(38) انظر : تأريخ العرب 2 / 258 ، سمو المعنى في سمو الذات / 59 ـ 61 . وعن حياة اللهو لاحظ ولهاوزن ـ الدولة العربيّة وسقوطها / 137 ـ 138 ، وبروكلمان ـ تأريخ الشعوب الإسلاميّة 1 / 156 .
(39) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 195 ـ 196 .
(40) انظر : الإمامة والسياسة 1 / 200 ، الكامل في التاريخ 3 / 252 .
(41) انظر : الفتنة الكبرى ـ 2 ـ علي وبنوه ـ للدكتور طه حسين / 295 .
(42) انظر : الكامل في التاريخ 2 / 529 و3 / 263 ، تاريخ الطبري 4 / 250 و5 / 338 ، الأخبار الطوال ـ لابن داود الدينوري / 227 ، وفي الفتوح 2 / 355 و3 / 9 زيادة : فمَنْ أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه . وفي مقتل الحسين ـ للخوارزمي 1 / 180 مثله .
وهذا يُبطل كلّ كلام يُدافع به عن يزيد وعن تبرير المنافقين والمستشرقين الذي يدّعون بأنّ يزيد لم يكن راغباً في قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) .
(43) انظر : مقتل الحسين ـ للخوارزمي 1 / 184 وزاد فيه : (( والله لو رام ذلك أحد لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك ، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقاً ... )) . تأريخ الطبري 4 / 251 ، تذكرة الخواص ـ لسبط ابن الجوزي / 229 طبعة إيران ، الآداب السلطانية ـ للفخري / 88 ، الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير 4 / 75 ، تاريخ ابن عساكر 7 / 407 ، أنساب الأشراف 5 / 129 ، الفتوح 3 / 14 ، وكان يُقال له ـ أي مروان ـ ولولده : بنو الزرقاء ، يقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم . وهي الزرقاء بنت موهب جدّة مروان بن الحكم لأبيه ، وكانت من ذوات الرايات التي يستدلّ بها على بيوت البغاء ؛ فلهذا كانوا يدعون بها .
وقال البلاذري في أنساب الأشراف 5 / 126 : اسمها مارية ابنة موهب , وكان قيناً .
انظر : تذكرة الخواص / 229 ، تأريخ ابن عساكر 7 / 407 ، تأريخ الطبري 8 / 16 ، تفسير من آية 13 سورة القلم في قوله : ( عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) ، وانظر : كنز العمال ـ للمتقي الهندي 1 / 156 ، روح المعاني ـ للآلوسي 29 / 28 ، الإمامة والسياسة 1 / 227 .
(44) انظر : تاريخ الطبري 4 / 254 ، الكامل في التاريخ 3 / 265 ، أنساب الأشراف 1 / 14 .
(45) انظر : البداية والنهاية 3 / 217 .
(46) انظر : مقاتل الطالبيِّين / 245 ، وأنساب الأشراف 4 / 13 ـ 14 ، الإرشاد / 202 .
(47) انظر : تأريخ الطبري 4 / 288 ، والكامل 3 / 276 ، وأنساب الأشراف 4 / 14 .
(48) انظر : تأريخ الطبري 4 / 288 ، والكامل 3 / 276 ، وأنساب الأشراف 4 / 14 .
(49) انظر : تأريخ اليعقوبي 2 / 234 ـ 236 , طبع النجف سنة 1964 م .
(50) انظر : الفتوح ـ لابن أعثم 5 / 34 ، مناقب آل أبي طالب 3 / 241 .
(51) انظر : تأريخ الطبري 3 / 307 و4 / 304 ـ 305 ، والكامل في التأريخ 3 / 280 .
(52) نجد هذه الأبيات تارة مجتمعة في مصدر واحد ، وتارة متفرقة . انظر : الاحتجاج ـ الشيخ الطبرسي 2 / 25 ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد 3 / 344 ، النزاع والتخاصم ـ المقريزي / 139 ، اللهوف في قتلى الطفوف ـ السيد ابن طاووس / 59 ، تأريخ الطبري 2 / 292 ، البداية والنهاية 5 / 83 ، السيرة النبوية ـ لابن كثير 4 / 137 .
(53) انظر : الكامل في التاريخ 3 / 266 ـ 267 . اختلف المؤرّخون وأصحاب السير والمقاتل في =
= عدد الكتب التي وردت إلى الحسين (عليه السّلام) من أهل الكوفة ، وكذلك اختلفوا في بعض ألفاظها ، وبيد مَنْ أرسلوها . ولسنا بصدد بيان كلّ ما جاء في بطون الكتب , بل نشير إلى نموذج واحد منها على سبيل المثال ، ونحيل القارئ إلى مصادرها الأصلية ؛ فقد ذكر ابن أعثم في الفتوح 3 / 32 نحو خمسين ومئة , كلّ كتاب من رجلين وثلاثة وأربعة ، ومثله في مقتل الحسين ـ للخوارزمي 1 / 195 ، الإرشاد 2 / 38 ، وفي اللهوف / 15 « فورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب ، وتواترت الكتب حتّى اجتمع عنده في نوّب مُتفرّقة اثنا عشر ألف كتاب » .
انظر : مقتل الحسين ـ لأبي مخنف / 16 ، بلفظ : فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفة ... ومثله في تأريخ الطبري 4 / 262 ، الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير 4 / 10 و2 / 532 ، سمط النجوم العوالي 3 / 58 ، الأخبار الطوال / 229 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 242 .
(54) انظر : تأريخ الطبري 4 / 303 ، والكامل في التاريخ 3 / 280 ، أعلام الورى / 229 ، الأخبار الطوال / 249 .
(55) انظر : تأريخ الطبري 4 / 262 ، وجاء في أعيان الشيعة : « وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن شداد الأرحبي ، وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين (عليه السّلام) ومعهم نحو مئة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة والعشرة ، وهو مع ذلك يتأبّى ولا يجيبهم ، فورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب ، وتواترت الكتب حتّى اجتمع عنده في نوّب متفرّقة اثنا عشر ألف كتاب » .
انظر : مقتل الحسين ـ لأبي مخنف /16 بلفظ : فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفة ، ومثله في تأريخ الطبري 4 / 262 ، الكامل في التأريخ ـ ابن الأثير 4 / 10 و2 / 533 ، سمط النجوم العوالي 3 / 58 ، الأخبار الطوال / 229 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 242 .
(56) انظر : تأريخ الطبري 4 / 261 ـ 262 ، الكامل في التاريخ 3 / 266 .
(57) انظر : تأريخ الطبري 4 / 324 ، مقتل الحسين ـ لأبي مخنف / 119 .

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

البيان في حوادث آخر الزمان

المقدمة
أخبرنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في أحاديثه عن أشياء تأتي بعده من حين وفاته حتّى انقضاء العالم وقيام الساعة ، جاءت بها الأخبار، ودوّنها حَمَلَة العلم وحفّاظ الآثار في أسفارهم ، حيث ستقف على شطر منها. المزيد ...