طباعة

النقطة الرابعة الدوافع المغرية في شخصية حرب

النقطة الرابعة: في بحث الدوافع المغرية في شخصية حرب بدءاً من آبائه ومروراً به وانتهاءاً بأبنائه.
ليس العجب من رواة السوء حين يروون مثل ذلك الحديث المزعوم, وليس العجب من زوامل الأسفار الّذين يثبتون الحديث في أسفارهم, وليس العجب من تهالك بعض الحفاظ في تصحيح الاسناد، ليثبت للأشهاد أنّه حصل على صك الغفران بصحة السند, وكأنّ ذلك يكفي ويغني عن النظر في المتن، وإن كان منكراً من القول وزوراً.
ليس العجب من كل أولئك, ما داموا جميعاً في صف المعسكر المناوئ لعلي(عليه السلام), أو ممّن شايع مناوئيه.
ولكن العجب كل العجب أن نقرأ الحديث في بعض كتب شيعة عليّ(عليه السلام), ينقلونه عن الخصوم ويمرّون عليه مرور الكرام، وكأنّهم لم يفقهوا ما فيه، وتلك _ لعمر الحق _ مصيبة سلامة الطوية التي تجني البلية, مع فقدان الرويّة، وفتح الشهيّة لجمع كل ما هبّ ودبّ مما روى الأولياء والأعداء من دون تمحيص، غافلين عن دس السم في العسل.
وأعجب من ذلك كلّه أن يكون ضحية الكذب والافتراء عليه شخصية الإسلام الأولى بعد نبيه الكريم, والذي صحّ فيه قول زائره: (أشهد أنّك أوّل مظلوم وأوّل من غصب حقه).
وقد يهون ذلك العجب إذا تذكرنا أنّ الافتراء عليه كان منذ عهد النبي(صلى الله عليه وآله) حتى أن الأفّاكين رفعوا عليه شكاوى إلى النبي(صلى الله عليه وآله)، فلم يشكهم ونهرهم وقال لهم: ((ما تريدون من عليّ، عليّ منّي وأنا من عليّ)) (1).
ولكن العجب أشد العجب من أن يفترى على عليّ فيضحى به باسم الإسلام، وهو أوّل من آمن به, فيجعل منه إنسان كأنّه لا يفقه من الإسلام حكماً ولا أدباً, وهو الذي لولاه ما قام للإسلام عمود, ولا اخضرّ له عود, وحين تقرع طبول أعدائه, وتتراقص على أنغامهم أقلام بعض السذّج من أوليائه، دون أن يشعروا, بأنّ ذلك الطبل إنّما كان للحرب، وليس هو طبل الميلاد أو طبل الأفراح, ولم يشعروا _ ويا للأسف _ أنّ بني حرب _ حزب الشيطان _ قد حاربوا علياً بكل حول وطول، وبشتى الوسائل التي واتتهم السبل إليها.
فلئن حاربوه بالسيف ولم يشف ذلك غليلهم, ولئن حاربوه باللعن على منابر المسلمين تنقيصاً له ولم يبرد بذلك أوار حقدهم، ولئن قعدوا له بكل مرصد فافتروا عليه خطبة ابنة أبي جهل, ونسجوا لها ما ساعدتهم أنوالهم، ولئن.. ولئن... وفي كل ذلك لم يصنعوا شيئاً، بل كانت النتائج عكس ما أرادوا.
فهم كلّما أرادوا النيل منه وإذا هم كأنّما يأخذون بضبعيه، ويرفعونه إلى سماء المجد والعظمة, والآن ماذا يمنعهم أن يصوروه إنساناً يحبهم؟ وإن كانوا هم لا يحبّونه؟ وما الذي يمنعهم أن يبنوا لهم صرحاً ممرداً من قوارير الأحلام على قاعدة عليّ(عليه السلام) الصُلبة في الإسلام, فيجعلوا من آبائهم وأجدادهم شخوصاً محببة, يتمنّى إنسان مثل عليّ في مكانته المفضّلة أن يكتني باسم جدهم, وهذا هو ما يوحيه الحديث المزعوم, حديث يروي: كان عليّ يحب أن يكتني بأبي حرب.
والآن لنقرأ عن حرب وآبائه وأبنائه في مواقفهم من آباء وأجداد عليّ، لنرى هل يُعقل أن يكون عليّ أحبّ أن يكتني بأبي حرب؟ فنقول:

____________
1- راجع كتاب (عليّ إمام البررة) 2: 80 _ 95.\