طباعة

الثاني: مشروعية اللعن

لا ريب في مشروعيّة اللعن في الجملة، وإن اختلف العامّة في جواز لعن المعيَّن، وسيأتي بيان الحقّ فيه إن شاء الله تعالى.
وقد دلّ الكتاب والسُنّة على ذلك، قال الله تعالى: (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)(1).
وقال سبحانه: (قل هل أُنبّئُكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه)(2).. الآية.
وقال تبارك اسمه: (أولئك الّذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم)(3)
وقال عزّ سلطانه: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّار نار جهنّم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم)(4).
وقـال عـزّ مـن قائـل: (فـأذّن مـؤذّن بينهـم أن لعنـة الله علـى الظالمين)(5).
وقال جلّ وعلا: (وإنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين)(6).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها»، رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر(7).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم»، رواه أحمد والترمذي والحاكـم عـن أبـي هريـرة(8)، والطبرانـي في المعجـم الكبيـر عن أُمّ سلمة رضي الله عنها(9).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الربا وآكلـه وموكلـه وكاتبـه وشاهـده وهم يعلمون، والواصلـة والمستوصلـة والواشمـة والمستوشمـة والنامصـة والمتنمّصة»، رواه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود(10).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله المحلّل والمحلّل له»، رواه أحمد وأبو داود والترمـذي وابن ماجـة عن علـيٍّ عليه السلام (11)، والترمذي والنسائـي عنـه وعن ابن مسعود(12)، ورواه الترمذيّ أيضاً عن جابر(13).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لُعِن عبدُ الدينار، لُعِن عبدُ الدرهم»، رواه الترمذيّ عن أبي هريرة(14).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ستّة لعنتهم، لعنهم الله وكلّ نبيٍّ مجابٍ: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله تعالى، والمتسلّط بالجبروت فيعزّ بذلك من أذلّ الله ويذلّ من أعـزّ الله، والمستحـلّ لحـرم الله، والمستحلّ من عترتـي ما حرّم الله، والتارك لسُنّتي»، رواه الحاكم عن عائشة(15).
وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرةً.
وبالجملة: فلا يرتاب ذو تحصيلٍ في أنّ اللعن طاعةٌ يستحقّ عليها الثواب إذا وقع على وجهه، وهو أن يلعن مستحقّ اللعنة تقرّباً إلى الله تعالى لا للعصبيّة والهوى، وقد يكون واجباً كما إذا قصد به البراءة من أعداء الله واقتصر عليه، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا، وإنّك لخبيرٌ بأنّ تلك الاَُمور التي استحقّ فاعلها اللعن ليست بأعظم من قتل الحسين عليه السلام وأصحابـه، والرضا بـه، واستباحة المدينـة، وهدم الكعبة وضربها بالمجانيق، إن لم تكن دونه، فإذا جاز اللعن هناك فليجز هنا أيضاً.
بل الحقّ أنّ جوازه هنا بطريق أَوْلى، إذ لا رزيّة ولا مصيبة في الاِسلام أعظم ممّا وقع يوم عاشوراء بكربلاء، كما لا يخفى على من أنار الله بصيرته، وطهَّر من الخبث سريرته.
فإنْ قال قائل: قد ورد النهي عن كون المؤمن لعّاناً في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:
«لا تكونوا لعّانين» وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ينبغي لصدّيقٍ أنْ يكون لعّاناً»(16).
قلنا: هذا وارد في النهي عن اتّخاذ اللعن خُلُقاً بسبب المبالغة فيه والاِفراط في ارتكابـه بحيث ينجرّ إلى أن يلعـن اللعّان من لا يستحـقّ اللعن ـ كمـا حكـى ذلك ابن الجـوزيّ عن خـطّ القاضـي أبي الحسين محمّـد بن أبي يعلى بن الفرّاء(17).
وليس فيه النهي عن لعن المستحقّين، وإلاّ لقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تكونوا لاعنين، ولا ينبغي لصدّيقٍ أن يكون لاعنـاً، فإنّ بينهما(18) فرقاً يعلمه من أحاط بدقائق تصاريف لسان العرب.
وأمّا نهي عليٍّ عليه السلام أصحابه عن لعن أهل الشام، فإنّه عليه السلام كان يرجو إسلامهم ورجوعهم إليه، كما هو شأن الرئيس المشفق على الرعيّة، ولذلك قال عليه السلام: «قولوا: اللّهمّ أصلح ذات بيننا وبينهم».
وهذا قريب من قول الله تعالى في قصّة فرعون: (فقولا له قولاً ليّناً)(19)، كذا قال أصحابنا رحمهم الله تعالى(20).
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي في (شرح النهج)(21): الذي كرهه عليه السلام منهم أنّهم كانوا يشتمون أهل الشام، ولم يكن يكره منهم لعنهم
إيّاهم والبذاءة منهم. انتهى.
وله في هذا المقام كلام ينبغي لروّاد الحقائق الوقوف عليه(22)، والله الموفّق والمستعان.


____________
(1) سورة الرعد 13: 25.
(2) سورة المائدة 5: 60.
(3) سورة محمّـد 47: 23.
(4) سورة التوبة 9: 68.
(5) سورة الاَعراف 7: 44.
(6) سورة الحجر 15: 35.
(7) سنن أبي داود 3|324 ح 3674، المستدرك على الصحيحين 2|37 ح 2235.
(8) مسند أحمد 2|387 ـ 388، المستدرك على الصحيحين 4|115 ح 7067، سنن الترمذي 3|622 ح 1336؛ وفيه: لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) الراشي والمرتشي في الحكم.
(9) المعجم الكبير 23|398 ح 951.
(10) الجامع الصغير 2/ 406ح 7256.
(11) مسند أحمد 1|78 مقتضب من الحديث؛ وفيه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... الحديث»، سنن أبي داود 2|234 ح 2076 و2077، سنن الترمذي 3|427 ح 1119، سنن ابن ماجة 1|622 ح 1935؛ وفيه: قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... الحديث».
(12) سنن الترمذي 3|428 ح 1120، سنن النسائي 6|149 مقتضب من الحديث؛ وفيه: «لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم)... الحديث».
(13) سنن الترمذي 3|428 ذيل ح 1119.
(14) سنن الترمذي 4|507 ح 2375.
(15) المستدرك على الصحيحين 1|91 ح 102.
(16) صحيح مسلم باب النهي عن لعن الدوابّ وغيرها 4|2005 ح 2097، سنن البيهقي 10|193.
(17) الردّ على المتعصّب العنيد: 19.
(18) أي بين وزن «فاعل» ووزن «فعّال».
(19) سورة طـه 20: 44.
(20) نفحات اللاهوت: 44، رياض السالكين: 545، المحجّة البيضاء 5|222.
(21) شرح نهج البلاغة 11|21.
(22) شرح نهج البلاغة 11|22 ـ 23.