اولاً ـ المتوكل ( ٢٣٢ ـ ٢٤٧ ه‍ )

وهو جعفر بن المعتصم بن الرشيد ، بويع بعده وفاة أخيه الواثق في ذي الحجة سنة ٢٣٢ ه‍ ، وكان عمر الإمام العسكري عليه‌السلام نحو ثمانية أشهر ونصف ، إذ ولد عليه‌السلام في الثامن من ربيع الآخر سنة ٢٣٢.
إن السمة الغالبة على المتوكل هي النصب والتجاهر بالعداء لآل البيت عليهم‌السلام والحقد السافر عليهم وعلى من يمتّ لهم بصلة نسب أو ولاء ، وقد أجمع على هذا الأمر غالبية المؤرخين حتى : أولئك اعتبروه ناصراً للسنّة وشبّهوه بالصديق وعمر بن عبد العزيز.
قال السيوطي : « كان المتوكل معروفاً بالتعصب » (١).
وقال الذهبي : « كان المتوكل فيه نصب وانحراف » (2).
وقال ابن الأثير : « كان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم ، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث ، وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنّون ؛ قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين ، يحكي بذلك علياً عليه‌السلام والمتوكل يشرب ويضحك ...
وإنّما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي ، منهم : علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي ، وعمرو بن الفرج الرخجي ، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أميه ، وعبدالله بن داود الهاشمي المعروف بابن اُترجه ، وكانوا يخوّفونه من العلويين ، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم ، ثم حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علوّ منزلتهم في الدين ، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان ... » (3).
ولا يمكن أن يجرأ أحد من هؤلاء الذين ذكرهم ابن الأثير على النيل من أمير المؤمنين عليه‌السلام وعموم أهل البيت أمام أحد سلاطين بني العباس ، لولا علمهم المسبق بعداء ذلك ( الخليفة ) السافر لأهل البيت عليهم‌السلام وحقده المقيت عليهم ، وحرصه على تشجيع ثقافة النصب والبغض وافشائها في أوساط الناس عن طريق بعض المرتزقة من الشعراء وغيرهم.
روي أنّ أبا السمط مروان بن أبي الجنوب ، قال : « أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة ، فعقد لي على البحرين واليمامة ، وخلع عليّ أربع خلع ، وخلع عليّ المنتصر ، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار ، فنثرت عليّ ، وأمر ابنه المنتصر وسعد الايتاخي أن يلتقطاها لي ففعلا ، والشعر الذي قلته :

يرجوا التراث بنو البنا     ت وما لهم فيها قُلامه

والصهر ليس بـوارثٍ     والبنت لا ترث الامامه

ما للذين تنحلّوا     ميراثكـم إلا النـدامه

ليـس التراث لغيركـم     لا والالـه ولا كرامه

قال : ثمّ نثر عليّ بعد ذلك لشعرٍ قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم » (4).
ومن هنا كان زمان المتوكل إيذاناً ببدء عهد الظلم والتعسّف على أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم ؛ لأن المتوكل أمعن في التنكيل بهم وأسرف في القتل والحبس والحصار والتشريد وصنوف الأذي والعنت ، وفيما يلي نذكر بعض اجراءاته في هذا الإتجاه :

١ ـ استدعاء الإمام الهادي عليه‌السلام إلى سامراء وايذاؤه
كان المتوكل حريصاً على محاصرة الإمام الهادي عليه‌السلام ووضعه تحت الرقابة وعزله عن الجمهور المسلم الذي كان ينتفع به ويعظّمه وعن شيعته ومواليه في المدينة ، لهذا كتب باشخاصه مع أهل بيته ومواليه ، من مدينة جده صلى‌الله‌عليه‌وآله يثرب إلى عاصمة الملك العباسي آنذاك سامراء.

أسباب الاستدعاء
إنّما ينطلق المتوكل في كلّ مواقفه مع الإمام الهادي عليه‌السلام وشيعته من البغض الذي يكنّه لأهل بيت النبوة ، وفضلاً عن ذلك فقد ذكر المؤرخون سببين مرتبطين دفعا المتوكل إلى إشخاص الإمام عليه‌السلام إلى سامراء وهما :

السبب الأول : هاجس الخوف الذي يراود المتوكل من انصراف الناس إلى الإمام عليه‌السلام لما علمه من إلتفاف الناس حوله في المدينة ، نقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير قولهم : « إنّما أشخصه المتوكل إلى بغداد ، لأن المتوكل كان يبغض علياً عليه‌السلام وذريته ، فبلغه مقام علي عليه‌السلام بالمدينة ، وميل الناس إليه فخاف منه » (5).
وعبّر عن هذا المعنى أيضاً يزداد النصراني تلميذ بختيشوع طبيب البلاط ، قال : « بلغني أن الخليفة استقدمه من الحجاز فَرَقاً منه ، لئلا تنصرف إليه وجوه الناس ، فيخرج هذا الأمر عنهم ، يعني بني العباس » (6).
والإمام عليه‌السلام لم يكن في موقع الدعوة إلى الثورة ضد الخلافة العباسية ، لأن الظروف الموجودة آنذاك لم تكن تسمح بمثل هذا العمل ، وقد عرف الإمام عليه‌السلام بعد استدعائه هواجس نفس المتوكل ، فبين له أنه ليس همّه استلام السلطة ولا تنزع نفسه الكريمة إلى شيء من هذا الحطام ، وذلك حينما استعرض المتوكل جيشه بحضور الإمام عليه‌السلام وقد بلغ تسعين ألفاً من الترك ، فقال عليه‌السلام : « نحن لا ننافسكم في الدنيا ، نحن مشتغلون بأمرالآخرة ، ولا عليك ممّا تظنّ » (7).

السبب الثاني : الدور الذي مارسه بعض الحاقدين من عمال بني العباس في الوشاية بالإمام إلى المتوكل ، ومنهم عبد الله بن محمد بن داود الهاشمي ، المعروف بابن اترجة أو بريحة (8) ، وكان يتولى ادارة الحرب والصلاة في الحرمين.
قال المسعودي : كتب بريحة ... إلى المتوكل : إن كان لك في الحرمين حاجة فاخرج علي بن محمد منها ، فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير ؛ وتابع كتبه إلى المتوكل بهذا المعنى (9).
وقال الشيخ المفيد : سعى بأبي الحسن عليه‌السلام إلى المتوكل ، وكان يقصده بالاذى(10).
وقال اليعقوبي : كتب إلى المتوكل يذكر أن قوماً يقولون إنه الإمام (11).
ومهما يكن فان أفعال الوشاة توقظ شكوك المتوكل وأحقاده وتثير توجّسه الكامن في نفسه تجاه الإمام عليه‌السلام.

كتاب الاستدعاء
ذكر الشيخ المفيد أنه لما بلغ أبا الحسن عليه‌السلام سعاية عبد الله بن محمد به ، كتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد الله بن محمد عليه ويكذبه في ما وشى به إليه ، فتقدم المتوكل باجابة الإمام عليه‌السلام بكتاب دعاه فيه إلى حضور العسكر على جميل الفعل والقول (12). ثم أورد نسخة الكتاب.
وكان جواب المتوكل الذي استدعى بموجبه الإمام عليه‌السلام إلى سامراء هادئاً ليناً ، تظاهر فيه بتعظيم الإمام عليه‌السلام وإكرامه ، ووعده فيه باللطف والبرّ ، وذكر فيه براءته مما نسب إليه واتهم به من التحرك ضد الدولة ، وانه أمر بعزل الوالي الذي سعى به ـ وهو عبد الله بن محمد ـ عن منصبه وولّى محلّه محمد بن الفضل ، وادّعى في آخر الكتاب أنّه مشتاق إلى الإمام عليه‌السلام ، ثم أفضى إلى بيت القصيد وهو أن يشخص الإمام عليه‌السلام إلى سامراء مع من اختار من أهل بيته ومواليه ، وأن يرافقه يحيى بن هرثمة الذي أرسله لأداء هذه المهمة على رأس الجند.
ولا يعدو كتاب المتوكل كونه مناورة حاول الالتفاف من خلالها على الإمام عليه‌السلام واحتواء نشاطه ، أو قل هو صيغة دبلوماسية من قبيل ذرّ الرماد في العيون ، إذ لم يكن المتوكل صادقاً فيما وعد ، فحينما دخل يحيى بن هرثمة المدينة فتّش دار الإمام عليه‌السلام حتى ضجّ أهل المدينة ، ولما وصل ركب الإمام عليه‌السلام إلى سامراء احتجب عنه المتوكل في اليوم الأول ، ونزل الإمام عليه‌السلام الإمام في خان الصعاليك ، وأمر بتفتيش داره في سامراء مرات عديدة ، ولم يمض مزيد من الوقت حتى عزل محمد بن الفضل وولى مكانه محمد بن الفرج الرخّجي المعروف بعدائه السافر لآل البيت عليهم‌السلام (13).
ويبدوا أن المتوكل قد صاغ كتابه بصيغة الرجاء ، وكأنه ترك للإمام عليه‌السلام الخيار في الشخوص أو البقاء ، غير أنه الاكراه بعينه ، إذ أنه بعث الكتاب مع الجند وقادتهم الذي أرسلهم لأداء مهمة إشخاص الإمام ، ثمّ ( إن الإمام إن لم يذهب حيث أمره يكون قد أثبت تلك التهمة على نفسه ، وأعلن العصيان على الخلافة ، وكلاهما مما لا تقتضية سياسة الإمام ) عليه‌السلام (14).
ولعل أوضح دليل على إلزام الإمام عليه‌السلام بهذا الأمر هو تصريحه عليه‌السلام بذلك في حديث رواه المنصوري عن عم أبيه أبي موسى ، ثم قال : « قال لي يوماً الإمام علي بن محمد عليهما‌السلام : يا أبا موسى ، اُخرجت إلى سرّ من رأى كرهاً ... » (15).

الامام العسكري يرافق أباه عليهما‌السلام
رافق الإمام العسكري أباه الإمام الهادي عليهما‌السلام في رحلته من المدينة إلى سامراء مع أهل بيته وبعض مواليه ، وقد اختلف في عمره عليه‌السلام حينذاك نظراً للاختلاف في تاريخ رحلة الإمام عليه‌السلام.
ذكر المسعودي أنه شخص الإمام الحسن العسكري بشخوص والده عليهما‌السلام إلى العراق في سنة ٢٣٦ ه‍ وله أربع سنين وشهور (16).
وذكر الطبري أنه قدم يحيى بن هرثمة بعلي بن محمد بن علي الرضا بن موسى ابن جعفر سنة ٢٣٣ ه‍ (17) ، وعليه يكون عمر الإمام العسكري عليه‌السلام نحو سنة واحدة ، وعلى ضوئه ذكر ابن كثير أن مدة إقامة الإمام الهادي عليه‌السلام في سامراء أكثر من عشرين سنة. قال في أحداث سنة ٢٥٤ ه‍ ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام الهادي عليه‌السلام : نقله المتوكل إلى سامراء ، فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر ، ومات في هذه السنة (18) ، وكذلك ذكر ابن طولون أنه عليه‌السلام أقام في سامراء عشرين سنة وتسعة أشهر (19).
أما الشيخ المفيد فقد ذكر نسخة كتاب الاستدعاء الذي كتبه المتوكل. وورد في ذيله أن كاتبه إبراهيم بن العباس كتبه في سنة ٢٤٣ ه‍ (20). وأكّد هذا التاريخ باعتبار أن مقام الإمام الهادي عليه‌السلام في سامراء إلى أن قُبض عشر سنين وأشهراً (21). وعليه يكون عمر الإمام العسكري عليه‌السلام عندما غادر المدينة أحد عشرسنة وبضعة شهور.
ويبدو أن الشيخ المفيد استفاد من رواية الكافي لنسخة كتاب المتوكل ، والتي ورد فيها اسم كاتب المتوكل ( إبراهيم بن العباس ) في ذيل الكتاب إلا أنه يخلو من التاريخ ، لكن جاء في أول رواية الكافي ما يلي : عن محمد بن يحيى ، عن بعض أصحابنا ، قال : أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث من يحيى بن هرثمة في سنة ٢٤٣ ه‍ (22) ، وواضح أن هذا هو تاريخ أخذ نسخة الكتاب لا تاريخ كتابته ، ويؤيده أن ابن هرثمة هو الذي أخذ الكتاب إلى المدينة لاستدعاء الإمام عليه‌السلام إلى سامراء ، فكيف تؤخذ نسخة الكتاب منه قبل إنهاء مهمته ؟!
ورجّح السيد محمد الصدر أن تاريخ الرحلة كان سنة ٢٣٤ ه‍ ، وإذا صحّ ذلك فسيكون عمر الإمام العسكري عليه‌السلام حينما غادر المدينة نحو سنتين ، وترجيحه مبنياً على اعتبارين ؛ الأول : ما ذكره ابن شهر آشوب من أن مدة مقام الإمام الهادي عليه‌السلام في سامراء من حين دخوله إلى وفاته عشرون سنة (23) ، فإذا كانت وفاته ٢٥٤ ه‍ ، تكون سفرته سنة ٢٣٤ ه‍ ، الثاني : كون هذا التاريخ أنسب بالاعتبار السياسي ، لأنه بعد مجيء المتوكل إلى الخلافة بعامين ، فيكون المتوكل قد طبّق منهجه في الرقابة على الإمام عليه‌السلام في الأعوام الاولى من خلافته ، بخلاف رواية المفيد التي تبعد بالتاريخ عن استخلاف المتوكل أحد عشر عاماً (24).

من المدينة إلى سامراء
ذكر المسعودي « أن يحيى بن هرثمة قدم المدينة ، فأوصل الكتاب إلى بريحة ، وركبا جميعاً إلى أبي الحسن عليه‌السلام فأوصلا إليه كتاب المتوكل ، فاستأجلهما ثلاثاً ، فلما كان بعد ثلاث عاد يحيى إلى داره فوجد الدواب مسرجة والأثقال مشدودة قد فرغ منها ، وخرج صلوات الله عليه متوجهاً نحو العراق ، وأتبعه بريحة مشيعاً ، فلما صار في بعض الطريق ، قال له بريحة : قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك ، وعليَّ حلف بأيمان مغلظة لئن شكوتني إلى أمير المؤمنين أو إلى أحد من خاصته وأبنائه ، لأجمرنّ نخلك ، ولأقتلنّ مواليك ولأعورنّ عيون ضيعتك ، ولأفعلن وأصنعن.
فالتفت إليه أبو الحسن عليه‌السلام فقال له : إن أقرب عَرضي إياك على الله البارحة ، وما كنت لأعرضنك عليه ثم لاشكونك إلى غيره من خلقه. فانكبّ عليه بريحة وضرع إليه واستعفاه. فقال له : قد عفوت عنك » (25). وهكذا تجد بريحة يهتزّ من كلام الإمام عليه‌السلام فينكبّ عليه ويتضرع إليه ، رغم أنّه في موقع القوة ، وهذه هي هيبة أولياء الله في قلوب أعدائه ، وتلك هي أخلاقهم وسماحتهم لمن أساء إليهم.
ونقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير : « أن المتوكل دعا يحيى بن هرثمة وقال : اذهب إلى المدينة ، وانظر حاله وأشخصه إلينا ، قال يحيى : فذهبت إلى المدينة ، فلما دخلتها ضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي ، وقامت الدنيا على ساق ، لأنّه كان محسناً إليهم ملازماً للمسجد ، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا.
قال يحيى : فجعلت اُسكّنهم وأحلف لهم أنّي لم اُؤمر فيه بمكروه ، وأنه لا بأس عليه ، ثمّ فتّشت منزله ، فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عيني ، وتوليت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته ، فلما قدمت به بغداد بدأت باسحاق بن إبراهيم الطاهري ، وكان والياً على بغداد فقال لي : يا يحيى ، إن هذا الرجل قد ولده رسول الله والمتوكل من تعلم ، فإنّ حرّضته عليه قتله ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خصمك يوم القيامة ، فقلت له : والله ما وقعت منه إلا على كلّ أمر جميل ، ثم صرت به إلى سرّ من رأى ، فبدأت بوصيف التركي فأخبرته بوصوله ، فقال : والله لئن سقط منه شعره لا يطالب بها سواك ، قال : فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق » (26).
هذا الخبر يدل على الموقع الذي يشغله الإمام الهادي عليه‌السلام في نفوس الناس وكسب ثقتهم ومحبتهم على اختلاف توجهاتهم ، وذلك من خلال إحسانه إليهم ورعاية اُمورهم وتأثّرهم بخصائص شخصيته الباهرة ، ممّا جعله في موقع محبة الناس كلهم ، فهرعوا في مظاهرة احتجاجية لم يسمع بمثلها خوفاً على حياة إمامهم عليه‌السلام من بطش المتوكل الذي يعرفون توجهاته وممارساته ، لهذا حاول ابن هرثمة تهدئتهم بقسمه لهم أنه لم يؤمر فيه بمكروه ، وتأثّر ابن هرثمة بعظمة الإمام عليه‌السلام أيضاً فتولّى خدمته بنفسه وأحسن عشرته ، وهكذا امتدت محبة الإمام عليه‌السلام وتعظيمه إلى حاشية المتوكل في بغداد وسامراء.
وتتجلّى مظاهر الحب والتعظيم أيضاً في تشوق الناس من أهالي بغداد إلى الإمام الهادي عليه‌السلام واجتماعهم لرؤيته ، مما اضطرهم إلى دخول البلد ومغادرته في الليل ، فقد جاء في تاريخ اليعقوبي « أنه لما كان في موضع يقال له الياسرية نزل هناك ، وركب إسحاق بن إبراهيم الطاهري لتلقيه ، فرأى تشوق الناس إليه واجتماعهم لرؤيته ، فأقام إلى الليل ، ودخل به في الليل ، فأقام ببغداد بعض تلك الليلة ثم نفذ إلى سرّ من رأى » (27).

في سامراء :
حينما وصل ركب الإمام الهادي عليه‌السلام إلى سامراء تقدّم المتوكّل بأن يُحجَب عنه في يومه ، واُنزل في خان يُعَرف بخان الصعاليك (28) ، فأقام فيه يومه ، ثمّ تقدّم المتوكل بافراد دارٍ له ، فانتقل إليها ، فأقام أبو الحسن مدة مقامه بسرّ من رأى مكرماً معظماً مبجلاً في ظاهر حاله ، والمتوكل يبغي له الغوائل في باطن الأمر ، ويجتهد في ايقاع حيلة به ، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس ، فلا يتمكن من ذلك ولم يقدره الله عليه (29).
والظاهر أن المتوكل أمر أولاً بجحز الإمام عليه‌السلام وفرض الإقامة الجبرية عليه في مكان غير لائق ، ثمّ أنه لما سمع الاطراء من قادة الجند الموكلين به ، صار مضطراً إلى إكرامه ، نقل سبط ابن الجوزي عن علماء السير عن يحيى بن هرثمة أنه قال : « لمّا دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقته وورعه وزهادته ، وأني فتّشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم ، وأن أهل المدينة خافوا عليه ، فأكرمه المتوكل وأحسن جائزته وأجزل برّه ، وأنزله معه سر من رأى » (30) ، لتمرير مخططه القاضي بعزل الإمام عليه‌السلام ومراقبته.

مداهمة دار الامام عليه‌السلام :
تقوم أجهزة السلطة بذرائع مختلفة بالتفتيش المفاجئ لدار الإمام الهادي عليه‌السلام في سامراء ، وعلى رأسها الوشايات التي ترتفع إلى المتوكل من النواصب المحيطين به ، فتثير في نفسه كوامن الخوف والشك والحقد التي اشتملت على كيانه وأحاطت جوانبه ، فيأمر بكبس داره ، وفي كلّ حوادث الدهم التي تعرّضت لها دار الإمام يرجع المأمورون وبالتالي الوشاة بالخيبة والفشل الذريعين ، لأنهم لم يجدوا شيئاً مريباً ولا أيّ نشاط غريب ، وليس ثمة إلا الإمام عليه‌السلام وهو يتلوا القرآن أو يقيم الصلاة.
عن إبراهيم بن محمد الطاهري ـ في حديث طويل ـ قال : « سعي البطحاني (31) بأبي الحسن عليه‌السلام إلى المتوكل ، وقال : عنده سلاح وأموال ، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه ، وياخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمله إليه. قال إبراهيم : فقال لي سعيد الحاجب : صرت إلى دار أبي الحسن بالليل ، ومعي سُلّم ، فصعدت منه إلى السطح ، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة ، فلم أدر كيف أصل إلى الدار ، فناداني أبو الحسن من الدار : يا سعيد ، مكانك حتى يأتوك بشمعة ، فلم ألبث أن أتوني بشمعة ، فنزلت فوجدت عليه جبّه صوف وقلنسوة منها ، وسجادته على حصير بين يديه ، وهو مقبل على القبلة. فقال لي : دونك البيوت ، فدخلتها وفتشتها فلم اجد فيها شيئاً ... » (32).
ومرة اُخرى وشي بالإمام عليه‌السلام إلى متوكل ، فأرسل الأتراك على حين غرّة إلى دار الإمام ، وقد أمرهم هذه المرة بحمله عليه‌السلام إليه حتى وإن لم يجدوا ما يثير الريبة والاستغراب ، ذلك لأنّه كان عازماً على الاستخفاف بالإمام عليه‌السلام بطرق اُخرى أمام ندمائه حينما لم يجد متسعاً لتنفيذ رغباته عن طريق سعاية الوشاة ، وما كان يتوقع أن الإمام عليه‌السلام سوف يصفعه بعظات نزلت كالصاعقة على أسماعه وأسماع ندمائه ، لأنها تصور ما سيؤول إليه أمره وأمر أمثاله من الطغاة عبيد الأهواء والشهوات.
روى المسعودي بالاسناد عن محمد بن يزيد المبرد ، قال : « قد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل ، وقيل له : إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه ، وعليه مدرعة من شعر ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجهاً إلى ربه ، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، فأخذ على ما هو عليه ، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه ولا حالة يتعلل عليه بها ، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني منه ، فعفاه وقال : انشدني شعراً أستحسنه ، فقال : إني قليل الرواية للأشعار. فقال : لابد أن تنشدني. فأنشده :

باتوا على قُلل الأجـبال تحرسهم     غلب الرجـال فمـا أغتنهم القللُ

واستنزلوا بعد عـزّ مـن معاقلهم     وأسكنوا حفراً يا بئس مـا نزلوا

ناداهم صارخ من بعد مـا قبروا     أين الأسرةُ والتيجانُ والحـللُ

أين الوجوه التي كانـت منـعّمة     من دونها تضرب الأستار والكللُ

فأفصح القبر عنهم حـين ساءلهم     تلك الوجوه عليها الـدود يـقتتلُ

قد طالما أكلوا دهراً ومـا شربوا     فأصبحوا بعد طول الإكل قد أكلوا

وطالمـا عمّروا دوراً لتـحصنهم     ففارقوا الـدور والأهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادّخروا     فخلّفوها على الأعداء وارتحـلوا

أضحـت منازلـهم قفراً معطّلـة     وساكنوها إلى الأجداث قد نزلـوا
        

قال : فأشفق كلّ من حضر على عليّ ، وظن أن بادرة تبدر منه إليه ، قال : والله لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته ، وبكي من حضره ، ثمّ أمر برفع الشراب ، ثم قال له : يا أبا الحسن ، أعليك دين ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار ، فأمر بدفعها إليه وردهّ إلى منزله من ساعته مكرماً » (33).

٢ ـ هدم قبر الإمام الحسين عليه‌السلام :
والاجراء التعسفي الآخر الذي أقدم عليه المتوكل ، فسوّد به وجه التاريخ الانساني ، هو أنه أمر في سنة ٢٣٦ ه‍ بهدم قبر الإمام السبط الشهيد الحسين عليه‌السلام ، وقد بعث رجلاً من أصحابه يقال له الديزج ، وكان يهودياً فأسلم ، إلى قبر الحسين عليه‌السلام ، وأمره بكرب القبر ومحوه وإخراب كلّ ما حوله ، فمضى لذلك وخرّب ما حوله ، وهدم البناء ، وكرب ما حوله نحو مائتي جريب ، ثم أمر أن يبذر ويزرع ، ووكلّ به مسالح بين كلّ مسلحتين ميل ، فلا يزوره زائر إلا أخذوه ووجّهوا به إليه ، فقُتِل عدد كبير من زواره أو اُنهكوا عقوبة ، ونودي بالناس في تلك الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة أيام حبسناه في المطبق (34).
وجاء في بعض الأخبار : « أنه لما صار الماء فوق مكان القبر وقف وافترق فرقتين ، يميناً وشمالاً ، ودار حتى التقى تحت المكان ، وبقي الوسط خالياً من الماء ، والماء مستدير حوله ، فسمّي من ذلك اليوم بالحائر » (35).
وتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتم المتوكل على الحيطان والمساجد ، وهجاه الشعراء ، ومنهم دعبل بن علي الخزاعي ( ت ٢٤٦ ) والبسّامي (36) الذي يقول :

تالله إن كان اُمية قد أتت     قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتى بنو أبيه بمثله     هذا لعمري قبرة مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا     في قتله فتتبعوه رميمـا (37)

ولم يكتف المتوكل بالاعتداء على المكان المقدس الذي شهد ملحمة البطولة بين معسكر الحق بقيادة سيد الشهداء عليه‌السلام ومعسكر الباطل بقيادة يزيد ابن معاوية ، بل اعتدى على الزمان الذي بقي رمزاً يختزن الشجاعة والتحدّي للظلم والطغيان على مرّ الدهور ، فجعل المتوكل العاشر من المحرم الحرام سنة ٢٥٦ ه‍ يوماً لافتتاح مدينته التي بناها بالماحوزة ، ونزوله في قصر الخلافة فيها الذي سماه اللؤلؤة ، وكان يوماً مشهوداً يعجّ بأصحاب الملاهي والمطربين ، فاعطى فيه وأطلق ، وقيل : إنّه وهب فيه أكثر من ألفي ألف درهم (38).

٣ ـ حصار آل أبي طالب وملاحقتهم :
ذكرنا في الفصل الأول أن المتوكل فرض حصاراً ظالماً على آل أبي طالب حتى أن الوالي الذي استعمله على مكة والمدينة ـ وهو عمر بن الفرج الرخّجي ـ قد منعهم من الإتّصال والارتباط بالناس ومنع الناس من البرّ بهم ، وبلغ في هذا الاتجاه مبلغاً لم يبلغه أحد ممن سبقه (39).
قال أبو الفرج الأصفهاني : كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً على جماعتهم ، مهتمّاً بأمورهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم وسوء الظن والتهمة لهم ، واتّفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره كان يسيء الرأي فيهم ، فحسّن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحدٌ من خلفاء بني العباس القبله (40).
وتعرض آل أبي طالب بشكل عام والعلويون بشكل خاص لصنوف الأذى والقسوة في زمان المتوكل ، فتفرق رجالهم في النواحي ، واختفى بعض كبارهم ، وتعرض بعضهم للمطاردة والابعاد أو الاعتقال ، أو التصفية الجسدية بدسّ السمّ وهم سجناء ، وأُجْبِرَ آخرون على ارتداء السواد الذي يمثّل شعار الدولة العباسية.
وممن قُتِل في زمان المتوكل القاسم بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ، وكان رجلاً فاضلاً ، وقد حمله عمر بن الفرج الرخّجي إلى سرّ من رأى ، فأمروه بلبس السواد فامتنع ، فلم يزالوا به حتى لبس شيئاً يشبه السواد فرضي منه بذلك.
وروى أبو الفرج الأصفهاني عن أحمد بن سعيد ، عن يحيى بن الحسن عن ذوب مولاة زينب بنت عبد الله بن الحسين قالت : « اعتلّ مولاي القاسم بن عبد الله ، فوجّه إليه بطبيب يسأله عن خبره ، وجهه إليه السلطان ، فجسّ يده ، فحين وضع الطبيب يده عليها يبست من غير علّة ، وجعل وجعها يزيد عليه حتّى قتله ، قالت : سمعت أهله يقولون : أنه دسّ إليه السمّ مع الطبيب » (41).
وتوارى أحمد بن عيسىٰ بن زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام مدةً طويلة حتى توفي سنة ٢٤٧ ه‍ ، وكان فاضلاً عالماً مقدماً في أهله ، معروفاً فضله ، وقد كَتَب الحديث وعمّر ، وكُتِب عنه ، وروى عنه الحسين بن علوان روايات كثيرة ، وروى عنه محمد بن المنصور الراوي ونظراؤه.
وتوارى أيضاً عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليه‌السلام منذُ أيام المأمون ومات في أيام المتوكل (42).
وروى أبو الفرج الاصفهاني بالأسناد عن محمد بن سليمان الزينبي قال : « نُعي عبد الله بن موسى إلى المتوكل صبح أربع عشرة ليلة من يوم مات ، ونُعي له أحمد ابن عيسىٰ فاغتبط بوفاتهما وسُرّ ، وكان يخافهما خوفاً شديداً ، ويحذر حركتهما لما يعلم من فضلهما واستنصار الشيعة الزيدية بهما وطاعتهما لهما لو أرادوا الخروج عليه ، فلما ماتا أمن واطمأنّ ، فما لبث بعدهما إلا اُسبوعاً حتّى قُتِل » (43).

٤ ـ ملاحقة الشيعة وقتلهم :
أمنعت أجهزة المتوكل بمراقبة شيعة الإمام ومواليه ، فسامهم قتلاً واعتقالاً وافقاراً ، فأمروا ببعضهم أن يُلقى من جبل عالٍ بتهمة موالاة الإمام عليه‌السلام (44) ، وقطع المتوكل ارزاق بعضهم لملازمة الإمام أبي الحسن الهادي عليه‌السلام (45) ، وحبس علي بن جعفر ـ وَكيل الإمام الهادي عليه‌السلام وهو من أهل همينيا ـ لمدة طويلة وتحت ظروف قاسية (46).
وفي كلّ ذلك يتوجه الأصحاب إلى إمامهم عليه‌السلام فيعينهم بالدعاء. عن عبدالله بن سليمان الخلال ، قال : « كتبت إليه عليه‌السلام أسأله الدعاء أن يفرّج الله عنّا في أسباب من قبل السلطان ... إلى أن قال : فرجع الجواب بالدعاء ... » (47).

قتل إمام العربية يعقوب بن السكّيت
روى المؤرخون أنه في سنة ٢٤٤ ه‍ قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية ، فإنّه ندبه إلى تعليم أولاده ، فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه المعتز والمؤيد ، فقال لابن السكيت : من أحبّ إليك : هما أو الحسن والحسين ؟ فقال : قنبر خادم علي خير منك ومن ابنيك ، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات رحمه‌الله وقيل : أمر بسلّ لسانه من قفاه فمات ، وارسل إلى ابنه بديته (48).

دعاء المظلوم علي الظالم
بقي المتوكل يتوجّس خيفة من نشاط الإمام عليه‌السلام الذي لم تتضح له كامل أبعاده ، ففرض عليه ملازمة داره ومنعه من الركوب إلى أي مكان (49) ، ومن ثمّ أمر باعتقاله ، فبقي رهن الاعتقال عند علي بن كركر (50) ، وقبل مقتل المتوكل بأيام أمره أن يترجّل ويمشي بين يديه يوم الفطر ، وكان يوماً قائظاً شديد الحرّ ، فمشى عليه‌السلام مع بني هاشم حتى تفصّد عرقاً ، وكان عليه‌السلام لا يستطيع السير إلا متكأً لمرض ألمّ به ، فما كان من الإمام عليه‌السلام إلا أن يتوجه إلى الله سبحانه بدعاءٍ طويل يكشف عمّا يعانيه عليه‌السلام وشيعته من ظلم المتوكل وعدوانه وطغيانه ، وعن إحساسه عليه‌السلام العميق بمعاناة الأمة من الحيرة والضياع والحدود المعطلة والأحكام المهملة وغيرها من مظاهر التردّي.
روى المسعودي « أنه لما كان يوم الفطر في السنة التي قُتل فيها المتوكل ، أمر بني هاشم بالترجّل والمشي بين يديه ، وإنّما أراد بذلك أن يترجّل له أبو الحسن عليه‌السلام ، فترجّل بنو هاشم وترجّل فاتكأ على رجلٍ من مواليه ، فاقبل عليه الهاشميون ، فقالوا له : يا سيدنا ، ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه فيكفينا الله ! فقال لهم أبو الحسن عليه‌السلام : في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم على الله من ناقة ثمود ، لما عقرت وضج الفصيل إلى الله ، فقال الله : ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (51) ، فقتل المتوكل في اليوم الثالث. وروى أنه عليه‌السلام قال وقد أجهده المشي : أما إنه قد قطع رحمي ، قطع الله أجله » (52) ، وهذا يوافق ما جاء في التاريخ ، فقد قتل المتوكل في الرابع من شوال سنة ٢٤٧ ه‍.
وجاء الخبر الذي رواه المسعودي مفصلاً في رواية قطب الدين الراوندي ، والسيد ابن طاوس الذي رواه في أكثر من طريق ، وتضمّن الدعاء الطويل الذي سمّاه الإمام عليه‌السلام ( دعاء المظلوم على الظالم ) قال عليه‌السلام : « لمّا بلغ مني الجهد رجعت إلى كنوزٍ نتوارثها من آبائنا ، وهي أعزّ من الحصون والسلاح والجنن ، وهو دعاء المظلوم على الظالم ، فدعوت به عليه فأهلكه الله ».
وفيما يلي مقطع منه يعكس لك شدة معاناة الإمام عليه‌السلام : « اللّهم إنّه قد كان في سابق علمك وقضائك ، وماضي حكمك ونافذ مشيئتك في خلقك أجمعين ، سعيدهم وشقيهم ، وفاجرهم وبرّهم ، أن جعلت لفلان بن فلان عليَّ قدرة فظلمني بها ، وبغى عليَّ لمكانها ، وتعزّز عليّ بسلطانه .. ، وتجبّر عليّ بعلوّ حاله .. ، وغرّه إملاؤك له ، وأطغاه حلمك عنه ، فقصدني بمكروهٍ عجزتُ عن الصبر عليه ، وتعمدني بشرّ ضعفت على احتماله ، ولم أقدر على الانتصار لضعفي ، والانتصاف منه لذلّي ، فوكلته إليك ، وتوكّلت في أمره عليك ، وتواعدته بعقوبتك ، وحذرته سطوتك ، وخوفته نقمتك ، فظنّ أن حلمك عنه من ضعف ، وحسب أن إملاءك له من عجز ، ولم تنهه واحدة عن اُخرى ، ولا انزجر عن ثانية باُولى ، ولكنه تمادى في غيّة ، وتتابع في ظلمه ، ولجّ في عدوانه ، واستشرى في طغيانه ، جرأةً عليك يا سيدي ، وتعرضاً لسخطك الذي لا تردّه عن القوم الظالمين ، وقلّة اكتراث ببأسك الذي لا تحبسه عن الباغين.
فها أنا يا سيدي مستضعف في يديه ، مستضام تحت سلطانه ، مستذلّ بعقابه ، مغلوب مبغيّ عليّ ، مقصود وجلٌ خائف مروّع مقهور ، قد قلّ صبري ، وضاقت حيلتي ، وانغلقت عليّ المذاهب إلا إليك ، وانسدّت عليّ الجهات الا جهتك ، والتبست علي اُموري في رفع مكروهه عني ، واشتبهت عليّ الآراء في إزالة ظلمه ، وخذلني من استنصرته من عبادك ، وأسلمني من تعلّقت به من خلقك طرّاً ، واستشرت نصيحي فأشار عليّ بالرغبة إليك ، واسترشدت دليلي فلم يدلّني الا عليك ... » (53).

مقتل المتوكل
لم يلبث المتوكل بعد هذا الدعاء سوى ثلاثة أيام حتى أهلكه الله تعالى وجعله عبرةً لكلّ من طغى وتجبّر ، على يد ابنه المنتصر وخمسة من القادة الترك.
فقد كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ، ثمّ انه أراد تقديم المعتز لمحبته لاُمه قبيحة ، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحطّ من منزلته ويهدده ويشتمه ويتوعده ، واتفق أن انحرف الترك عن المتوكل لاُمور ، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه ، فدخل عليه خمسة في جوف الليل وهو سكران ثمل في مجلس لهوه ، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان ، وذلك لاربع خلون من شوال سنة ٢٤٧ ه‍.
وذكر المحدثون والمؤرخون أسباباً أخرى دفعت المنتصر إلى قتل أبيه تدلّ على انتصاره لأهل البيت عليهم‌السلام ، ومنها ما رواه الشيخ الطوسي عن ابن خشيش عن أبي الفضل ، قال : « إن المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة عليها‌السلام فسأل رجلاً من الناس عن ذلك ، فقال له : قد وجب عليه القتل ، إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر. فقال : ما إذا أطعت الله بقتله أن لا يطول لي عمر ، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر » (54).
وعن ابن الأثير : « أن عبادة المخنّث الذي كان يرقص بين يدي المتوكل والمغنون يغنون : قد أقبل الأصلع البطين ... يحكي بذلك علياً عليه‌السلام ، قد فعل ذلك يوماً والمنتصر حاضر ، فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه. فقال المتوكل : ما حالك ؟ فقام وأخبره. فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين ، إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك ، فكُل أنت لحمه إذا شئت ، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه ـ وتلك كلمة حق أمام سلطان جائر ... لكن المتوكل تمادي في طغيانه ـ فقال للمغنين : غنوا جميعاً :

غار الفتى لابن عمه     رأس الفتى في حِرّ أمّه

قال ابن الأثير : فكان هذا من الأسباب التي استحلّ بها المنتصر قتل المتوكل » (55).
وجاء في رواية ابن الأثير : « أن المتوكل شرب في الليلة التي قتل فيها أربعة عشر رطلاً ، وهومستمر في لهوه وسروره إلى الليل بين الندماء والمغنين والجواري » (56).
وانتهت بمقتل المتوكل صفحة سوادء من تاريخ الظلم والجور ، وكان قتله خزياً في الدنيا ( وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِنَ اللهِ مِن وَاقٍ ) (57).
__________________
(١) تاريخ الخلفاء : ٢٦٨. والظاهر أن أصل عبارة السيوطي ( بالنصب ).
(2) سير أعلام النبلاء ١٢ : ٣٥.
(3) الكامل في التاريخ ٦ : ١٠٨ ـ ١٠٩.
(4) تاريخ الطبري ٩ : ٢٣٠ ، الكامل في التاريخ ٦ : ١٤٠.
(5) تذكرة الخواص : ٣٢٢.
(6) دلائل الإمامة / الطبري : ٤١٩ / ٣٨٢ ـ مؤسسة البعثة ـ قم ـ ١٤١٣ ه‍ ، نوادر المعجزات / الطبري : ١٨٨ / ٧ ـ مؤسسة الإمام المهدي عليه‌السلام ـ قم ١٤١٠ ه‍.
(7) الخرائج والجرائح ١ : ٤١٤ / ١٩ ، الثاقب في المناقب : ٥٥٧ ، كشف الغمة ٣ : ١٨٥ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٥٥ / ٤٤.
(8) أو بريهة ، راجع : الكامل في التاريخ ٦ : ٢٤٥.
(9) إثبات الوصية : ٢٣٣.
(10) الإرشاد ٢ : ٣٠٩.
(11) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤٨٤.
(12) الإرشاد ٢ : ٣٠٩ ، وراجع نسخة كتاب المتوكل أيضاً في أصول الكافي ١ : ٥٠١ / ٧ ، والفصول المهمة ٢ : ١٠٦٩.
(13) قال ابن كثير : كان المتوكل لا يولي أحداً إلا بعد مشورة الإمام أحمد ، البداية والنهاية ١٠ : ٣١٦ ، فان كان ذلك حقاً ، فلا أدري كيف يوافق الإمام أحمد على تولية أمثال : محمد بن الفرج الرخجي ، والد يزج الذي هدم قبر الحسين عليه‌السلام ، وأبي السمط مروان بن أبي الجنوب الذي ولاه على اليمامة والبحرين ، وابن اُترجة الذي ولاه الحرب والصلاة في الحرمين وغيرهم من النواصب ؟! فإنّ أراد المبالغة في مدح المتوكل الناصبي فقد عرّض بالإمام أحمد وأساء إليه ، وإن كان قوله حقاً فعلى أمثال الإمام أحمد العفا.
(14) تاريخ الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر : ١٠٧ ـ دار التعارف ـ بيروت ـ ١٤١٢ ه‍.
(15) المناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٤٤٩ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٢٩ / ٨.
(16) إثبات الوصية / المسعودي : ٢٤٤.
(17) تاريخ الطبري ٩ : ١٦٣ ـ حوادث سنة ٢٣٣ ه‍.
(18) البداية والنهاية ١١ : ١٥ ـ حوادث سنة ٢٥٤ ه‍.
(19) الأئمة الاثنا عشر عليهم‌السلام / لابن طولون : ١٠٩ و ١١٣ ـ بيروت ـ دار صادر.
(20) الإرشاد ٢ : ٣١٠.
(21) الإرشاد ٢ : ٣١٢.
(22) أصول الكافي ١ : ٥٠١ / ٧ ـ باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهما‌السلام من كتاب الحجة.
(23) المناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٤٣٣.
(24) تاريخ الغيبة الصغري ٢ : ١٠٧ ـ ١٠٨.
(25) إثبات الوصية : ٢٣٣.
(26) تذكرة الخواص : ٣٢٢ ، مروج الذهب ٤ : ٤٢٢ نحوه.
(27) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٤٨٤.
(28) راجع : أصول الكافي ١ : ٤٩٨ / ٢ باب أبي الحسن علي بن محمد عليه‌السلام من ـ كتاب الحجة ، بصائر الدرجات / للصفار : ٤٢٦ / ٧ و ٤٢٧ / ١١ ـ مؤسسة الأعلمي ـ طهران ، الخرائج والجرائح / للقطب الراوندي ٢ : ٦٨٠ / ١٠.
(29) الإرشاد ٢ : ٣١١ ، الفصول المهمة ٢ : ١٠٧٠ ، إعلام الورى ٢ : ١٢٦.
(30) تذكرة الخواص : ٣٢٢ ، ونحوه في مروج الذهب ٤ : ٤٢٢.
(31) في الكافي : البطحائي العلوي ، وهو يشير إلى أن الدولة تستعمل الضدّ النوعي للتجسس على الإمام ، الأمر الذي تمارسه حكومات الطغيان والاستبداد في هذا الزمان.
(32) أصول الكافي ١ : ٤٩٩ / ٤ باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليه‌السلام من كتاب الحجة ، الإرشاد ٢ : ٣٠٣ ، الخرائج والجرائح ١ : ٦٧٦ / ٨.
(33) مروج الذهب ٤ : ٣٦٧ ـ ٣٦٨ ، وراجع أيضاً : تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي ٣٢٢ ـ مؤسسة أهل البيت ـ بيروت ـ ١٤٠١ ه‍ ، البداية والنهاية ١١ : ١٥ ، وفيات الأعيان / لابن خلكان ٣ : ٢٧٢ ـ منشورات الرضي ـ قم ، الأئمة الاثنا عشر عليهم‌السلام لابن طولون : ١٠٧ ـ منشورات الرضي ـ قم.
(34) راجع : مقاتل الطالبيين : ٣٩٥ ، الكامل في التاريخ ٦ : ١٠٨ ، تاريخ ابن الوردي ١ : ٢١٦ ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف ، البداية والنهاية ١٠ : ٣١٥ ، تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٢٦٨.
(35) بحار الأنوار ٤٥ : ٤٠٣ ، التتمة في التواريخ الأئمة عليهم‌السلام / للسيد تاج الدين العاملي : ١٣٧.
(36) هو أبو الحسن ، علي بن محمد بن نصر بن منصور ابن بسّام ، المعروف بالبساّمي ، أو ابن بسّام ، الشاعر المشهور في زمن المقتدر العباسي ، وقد هجا الخلفاء والوزراء ، توفي سنة ٣٠٢ ه‍. سير أعلام النبلاء ١٤ : ١١٢ / ٥٦.
(37) سير أعلام النبلاء ١٢ : ٣٥ ، تاريخ الخلفاء / للسيوطي : ٢٦٩.
(38) راجع : البداية والنهاية ١٠ : ٣٤٧ ، الكامل في التاريخ ٦ : ١٣٠.
(39) راجع : مقاتل الطابيين : ٣٦٩.
(40) مقاتل الطالبيين : ٤٠٦.
(41) مقاتل الطالبيين : ٤٠٧.
(42) مقاتل الطالبيين : ٤٠٨.
(43) مقاتل الطالبيين : ٤١٧.
(44) الثاقب في المناقب : ٥٤٣ ، المناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٤٤٨.
(45) المناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٤٤٢ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٢٧ / ٥.
(46) رجال الكشي : ٢ : ٨٦٦ / ١١٢٩ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٨٣ / ٥٨.
(47) الكامل في المناقب : ٥٤٨ / ٤٩٠.
(48) الكامل في التاريخ ٦ : ١٣٣ ، تاريخ الخلفاء : ٢٦٩ ، تاريخ ابن الوردي ١ : ٣١٣.
(49) راجع : الخرائج والجرائح ١ : ٣٩٦ / ٣ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٤٤ / ٢٨.
(50) راجع : المناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٤٣٩ ، الثاقب في المناقب : ٥٣٦ ، إعلام الورى ٢ : ١٢٣.
(51) سورة هود : ١١ / ٦٥.
(52) إثبات الوصية : ٢٤٠.
(53) مهج الدعوات : ٣٣٠ ـ ٣٣٧ ، بحار الأنوار ٩٥ : ٢٣٤ ـ ٢٤٠ / ٣٠.
(54) الأمالي : ٣٢٨ / ٦٥٥.
(55) الكامل في التاريخ ٦ : ١٠٩.
(56) الكامل في التاريخ ٦ : ١٣٦ ـ ١٤١ ، تاريخ الخلفاء / السيوطي : ٢٧١ ، البداية والنهاية ١٠ : ٣٤٩.
(57) سورة الرعد ١٣ / ٣٤.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ربيع الثاني

ثورة التوابين اندلعت ثورة التوابين في أوّل ربيع الثاني سنة (65هـ) بسبب شعور الشيعة بعظم الندم على خذلانهم سيد...

المزید...

٤ ربيع الثاني

(1) ولادة السيد الجليل عبد العظيم الحسني(2) ولادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (1) ولادة السيد الجليل ع...

المزید...

٥ ربيع الثاني

وفاة المنتصر بالله العباسي في مثل هذا اليوم 5 ربيع الثاني سنة (248هـ).مات محمد (المنتصر بالله) بن جعفر (المتو...

المزید...

٦ ربيع الثاني

موت هشام بن عبدالملك في يوم 6 ربيع الثاني سنة (125هـ) مات هشام بن عبدالملك بن مروان في رصافة قنسرين، وكان من ...

المزید...

٨ ربيع الثاني

ولادة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) ولد الامام أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) في مثل هذا اليوم 8 ر...

المزید...

١٠ ربيع الثاني

وفاة السيدة الجليلة فاطمة المعصومة [فاطمة بنت موسى بن جعفر (سلام الله عليها)] في العاشر من ربيع الثاني 201هـ....

المزید...

١٤ ربيع الثاني

ثورة المختار اندلعت ثورة المختار في (14) ربيع الثاني سنة (64هـ)، لتكون الرد العملي على جريمة نكراء ارتكبت ضد ...

المزید...

٢٢ ربيع الثاني

وفاة موسى المبرقع ابن الامام الجواد (عليه السلام) في 22 ربيع الثاني سنة (296هـ) توفي السيد الجليل موسى المبرق...

المزید...

٢٥ ربيع الثاني

خلع معاوية بن يزيد الخلافة عن نفسه مثل هذا اليوم 25 ربيع الثاني خلع معاوية بن يزيد عن نفسه الخلافةلما آذنت حي...

المزید...
012345678
  • اللطميات

  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الفقه

  • الصور

مشاهدة الكل

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page