معاناتي في طلب العمل

كنت أعمل في هذه الفترة في إحدى الشركات الخاصة والتي تعتمد إحدى وكالات شركة أجنبية بلجيكية، وكان سبب معرفتي بهذه الشركة أنني تقدمت لفرصة عمل في السعودية في إحدى الشركات للتكييف والتبريد، وبعد فترة جاء مدير الشركة السعودية وطلب مقابلتي واختباري وتقدمت بكل الأوارق المطلوبة، وطال الوقت مدّة ثمانية أشهر وجاء العقد مع الموافقة وحصلت على تذكرة الطائرة، ولكن تنقصني ورقة رسمية من الوزارة الخارجية السعودية، وبعد تردّدي إلى سفارة المملكة السعودية بدمشق جاءت ورقة عدم الموافقة، فاتصلت بالشركة السعودية للاستفسار عن السبب؟
فقالوا: إنّهم وجدوا ختماً على ملف العمل (ممنوع لكونه فلسطيني الجنسية) فتأملوا!
كنت أعقد الأمل على هذه الفرصة، وخاصة أنه تم قبولي فنياً، ولكن عنصرية البعض أصابتني في قلبي، عدت إلى المنزل وبقيت في غرفتي ثلاثة أيام انتهت إلى إصابة في عيني اليمنى بتمزق القرنية، وبعد مراجعة الأطباء تبيّن أنه لا شفاء لها إلاّ بعد سنوات، ويمكن إجراء عمل جراحي بعدها، ولكن أجور العملية تبلغ مئة وخمسين ألف ليرة سورية، أصبت للمرة الثانية بالكآبة والاحباط.
وكان من ضمن المتقدمين لهذا العمل شاب مهندس تعرفت عليه أثناء مراجعاتي للمكتب، ولم يذهب إلى العمل في الشركة مع أنه قُبل ووصلت له تذكرة طائرة، ولكنه حدث أمر طارىء منعه من الذهاب، وهذا الشاب اسمه وائل الصباغ، تبادلنا أرقام الهواتف وتكرّرت الاتصالات بيننا إلى أن نوّه إليّ أنه سيدخلني معه إلى الشركة التي يعمل فيها، بعد أن علم أن حالتي الصحية ليست جيدة وبحاجة لإجراء عملية جراحية في المستقبل، وهذه الشركة التي ذكرتها سابقاً تعمل في مجال استقدام آلات صناعية إلى الشركات المحلية وهي تحمل عدداً من الوكالات الأجنبية، فرحت بذلك وخاصة أن الأجر جيد نوعاً ما، وبدا لي أنه طيب الخلق، وعلمت أنه معيد في جامعة حلب ومثقف، وقد سافر إلى العديد من البلدان العربية والأجنبية وتعرف على العديد من الناس والتقاليد، يعني أنه يعتبر نفسه إنساناً متحضراً بامتياز.
وأثناء العمل حصل نوع من الودّ والألفة، لدرجة أنه أبلغني يوماً بأنه سوف يساعدني في إجراء العملية من حيث الأجرة، فخاله طبيب ممتاز بحلب وهو صاحب مستشفى كبير وله سمعة طيبة، ومن ناحية الاجرة فسوف يتم تزكيتي لجمعية خيرية إسلامية اسمها "جمعية النور" فرع حلب وهي تابعة لمعهد النور بدمشق.
المهم كثرت دعوتي له إلى المنزل حتى يتعرف على والدي، لكنه رفض بسبب التزماته الكثيرة، وحقيقة هو لم يعرف عن فكري ومنهجي، وأنا لم أفاتحه بذلك، لأنني وجدت عدم ضرورة في ذلك، فالعمل عمل لا يجب خلط الأمور ببعضها وجاءت فرصة.
مجيء مدير الشركة إلى بيتنا:
وفي يوم وبعد مرور عام على عملي مع هذا المهندس، كان مديراً للشركة وكنت أعتبره صديقاً، طلب مني بعض الأوراق بشأن الحالة الصحية لدي، وقال لي: سوف أحضر إلى منزلك لآخذها وعرضها على أحد الأطباء، سررت بذلك وقلت له: على الرحب والسعة.
وفعلاً بالموعد المحدّد حضر ودخل غرفه الاستقبال، وكانت فيها مكتبتي، فذهب إليها وبدأ ينظر إلى الكتب ويقرأ العناوين ثم جلس مع والدي، وبينما كنت أحضر الشاي وقبل دخولي إليهما سمعته يقول لوالدي: يبدو إنّ ابنك يسير باتجاه خاطئ عليك تحذيره.
ثم تقدمت وأعطيته كوب الشاي ونظرت إلى عينيه وجدت بهما نظرات تأنيب مع استخفاف، لم أتكلم معه وخرجت قصداً حتى أدعه يتكلم أكثر، فعاد وقال لوالدي: إنّ ابنك هذا سوف يضيّع نفسه في خوضه لهذا التيار الخاطىء، ثم استأذن وسلم علينا وخرج دون أن يكمل الشاي أو أن يأخذ الأوراق.
وفي اليوم الثاني حضرت إلى العمل، بعد سهر ليلة كاملة بين النقاش مع والدي الذي بدأ يؤنبني أيضاً لاعتقاده أن الرجل صادق وبين تفكيري بكلام هذا الصديق المثقف جداً، دخلت إلى المكتب وطرحت السلام عليه وأجاب بجفاف، ومضى اليوم الأوّل وعدّة أيام دون أن يفاتحني بشيء أو أن يتكلم معي سوى بخصوص العمل مع نبرة تكبر.
مرّت أيام كثيرة، فخطر على بالي أن أسأله عن موضوع العملية، فقلت: هل ستساعدني في شأن العملية الجراحية كما وعدتني، أم الأمر مازال مبكراً؟!
فأجابني وهو ينتفض وبصوت عال جداً لم اعتاده منه سابقاً: ولماذا أساعدك، هل أنت من جماعتنا حتى أساعدك، كما أن الجمعية لا تساعد أمثالك!
وأحسست يومها أنه أطلق رصاصة على جريح ينتفض لا أمل له بالنجاة، وذابت كلّ معاني الصداقة والإنسانية في قلبي، وأنا إلى الآن أعاني من جرح هذه الكلمة والله على ما أقول شهيد، لم أكن أتصور من شاب مهندس ومعيد ومثقف بدرجة عالية أن ينطق هذا الكلام!
ومن يومها بدأ يكيل لي الاتهامات والأقاويل، وأنا أتحمل، ويسب ويشتم ويلعن.
وقلت له ذات يوم: ليس هذا خلق الإسلام يا وائل؟
فقال لي: وهل تعرف أنت الاسلام؟!
بالله عليكم ماذا أجيبه، وماذا أقول له، أو ماذا تتوقعون قولي له؟
لا شيء سوى طلب الهداية له، ثم دمعت عيناي، نعم دمعت عيناي أمامه، فضحك وظنّ أنني استعطفه، لا! بل أنني تذكرت مظلومية الزهراء (عليها السلام) وأولادها، وتذكرت مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) وقلت في نفسي: ما أمري إلاّ هين أمام تلك المظلومية.
وقلت أيضاً في نفسي: كم قلوبهم قاسية أولئك الذين أسّسوا الظلم على أهل البيت (عليهم السلام)؟
وقلت مرّة في نفسي: أنا لم أناقشه بشيء فلماذا هذا الحقد ظهر فجأه؟! فعدت وقلت لنفسي: هذا الحقد عمره أربعة عشر قرناً، هذا هو نتاج التعتيم والتضليل، هذا التعصب القبلي بعينه، لعن الله الجاهلية ولعن الله الظالمين.
لم تمض سوى ثلاثة أشهر حتى تم تسريحي من العمل، لماذا؟ لأسباب أجهلها، وعندما راجعت مدير عام الشركة، قال لي: نحتفظ بالأسباب لأنفسنا. ونرجو لك مستقبلاً أفضل!
أيها القارىء العزيز أترك لك الحكم والقرار، وأنا مازلت حياً والرجل مازال حياً والشركة مازالت قائمة "وحسبي الله ونعم الوكيل".

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

2 شعبان

اليوم الثاني, موت الخليفة العباسي المعتز بالله مات محمد(المعتز بالله) بن جعفر(المتوكل على الله ) بن المعتصم في...

المزید...

3 شعبان

اليوم الثالث 1-  ولادة الامام الثالث سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليه السلام. 2-    توجه الامام الحسين...

المزید...

4 شعبان

اليوم الرابع ولادة قمر بني هاشم ابوالفضل العباس  

المزید...

5 شعبان

اليوم الخامس ولادة الامام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام     ...

المزید...

11 شعبان

اليوم الحادي عشر ولادة على الاكبر بن الامام الحسين عليه السلام ...

المزید...

15 شعبان

اليوم الخامس عشر 1-   ولادة المنقذ الحجّة بن الحسن العسكرى (عج) 2-  وفاة النائب الرابع و الاخير أبوالحسن ع...

المزید...

19 شعبان

اليوم التاسع عشر غزوة بني المصطلق و دور النفاق  

المزید...

25 شعبان

اليوم الخامس و العشرون 1-  موت يزيد بن عبد الملك بن مروان. 2-  قتل أبو مسلم الخراساني من قبل الخليفة العباس...

المزید...

27 شعبان

اليوم السابع و العشرون شهادة سعيد بن جبير الكوفي  

المزید...
012345678
  • شعبانيات

  • المرئيات

  • المحاضرات

  • الفقه

  • الصور

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page