الإمام الحسن العسكري عليه السلام

عندما تمرّ بنا ذكرى شهادة أو وفاة أحد الأئمّة الأطهار عليهم السلام نستذكر ونتذكّر مدى اتساع الفجوة بين حياتنا والحياة التي عاشها الرسول الأعظم’ وتجلّت فيها سيرته المصحوبة بالوحي الإلهي، وهو الذي قرن مع سيرته الشريفة سيرة أهل بيته، وإنّها لمصيبة كبرى أنّ الكثير منّا لا يعرف إلّا النزر اليسير عن حياة أهل البيت^ ولا يتمكّن من خلال مثل هذه المعرفة البسيطة أن يتبيّن الطريق السليم والصحيح وأن يأخذ بنهجهم القويم وإنّه لحاجز مضلّل وحجاب مظلم أن لا نعرف وأن لا نتبيّن من هم أهل البيت ثمّ ما هي صفات وسلوكيات وافتراءات أعدائهم أعداء الحقّ والشريعة والإنسانية.
في هذه الأسطر القليلة من سيرة الإمام الجليل الحادي عشر وأبي خاتم الأئمّة الإمام الحسن العسكري عليه السلام والذي هو والد الإمام المهدي عجل الله تعالى، في هذه السيرة نعيش.
ولادته: ولد الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة٢٣٢ﻫ في المدينة المنورة(1) لأبيه الإمام علي الهادي عليه السلام ولأم اسمها حديث(2)، وبقي مع والده في المدينة أحد عشر سنة ثمّ رحل معه إلى العراق إلى مدينة سامراء حيث سكن في منطقة العسكر ؛ ولذلك غلب عليه اسم الحسن العسكري(3)، وكانت له ألقاب شريفة أخرى منها الهادي والسراج(4).
كان للإمام الحسن عليه السلام أخٌ أكبر منه يسمّى محمّداً وكان عظيم الشأن وجليل المنزلة تتجه إليه أنظار أبناء الطائفة وترمقه ظنّاً من الناس أنّه هو الإمام من بعد والده، لكن الإمامة ليست في الأكبر أو الأصغر وإنّما هي اختيارٌ وقع من قبل باختيار من الله ورسوله إلى أبناء الرسول وبإشارات ربّانية تبيّن من هو الإمام وما هي الخصائص الدالّة عليه(5).
كان الإمام علي الهادي عليه السلام يشير إلى خواصّ أصحابه وشيعته أنّ صاحب العهد من بعده هو ابنه الأصغر الحسن العسكري(6) وبسبب وجود أخيه الأكبر محمّد وكرم شمائله داخل الناس بعض الريب لكن حكمة الله فوق كلّ شيء إذ توفّي الأخ الأكبر(7) بعد فترة وجيزة عندها تنفّس الناس الصعداء وعرفوا أنّ كلام والده هو الحقّ عندما قال لهم أن العهد لابني الأصغر وهو إمامكم من بعدي(8)، ودفن الابن الأكبر محمّد ما بين بغداد وسامراء وعلى مرقده هناك مزار كبير يزوره الناس متبركين ويطلبون بالبركة حاجاتهم إلى الله وتأكد الناس من إمامة الأخ الأصغر الذي قال له أبوه كلمة مشهورة: >يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً<(9).
يعني بذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكذّبه عندما أوصى بالإمامة إليه قبل أخيه الأكبر، وكتب الإمام لأصحابه ما يؤكدّ لهم فيه أن ابنه هذا هو الإمام من بعده، وهو الخلف الذي ينتهي إليه عرش الإمامة وأحكامها فإن أردتم شيئاً تحتاجونه فاسألوه يجبكم، واستلم الإمام مهامه الإلهية بعد وفاة والده سنة٢٥٤ﻫ وعاصر من الخلفاء العباسيين المعتز بالله بن المتوكّل (٢٥٢ﻫ - ٢٥٥ﻫ) ومن بعده المهتدي بن المتوكّل (٢٥٥ﻫ - ٢٥٦ﻫ) ثمّ المعتمد بالله (٢٥٦ﻫ - ٢٧٩ﻫ). الذي حكم ثلاثاً وعشرين سنة. أما وفاة الإمام فكانت سنة٢٦٠ﻫ حيث كان عمره ثماني وعشرين سنة(10)، وهو في ريعان الشباب ولم تطل مدة إمامته إلّا لستّ سنوات.
تميّز هذا الإمام بحسن طلعته وجلالته وهيبته، وكان في نشاطه الرسالي كالبحر الزاخر، وله قصّة عجيبة مع الخليفة العباسي الذي أودعه السجن وأوكل به حرّاساً أشداء غلاظ القلوب وأوصاهم بالتضييق عليه إلّا أن رئيس الحرّاس جاء إلى الخليفة ذات يوم وقال له: إنّ أمر هذا الرجل لعجيب أنني بقدر ما أوصي الحراس في معاملته بقسوة والتضييق عليه لا أجد عندهم إلّا محبّته والإيمان به ولقد أصبحوا بسببه من العبّاد الزاهدين فجمعهم الخليفة وسألهم: ويحكم كيف أوصيكم أن تضيقوا عليه لكنكم تصبحون له أصحاباً؟ قالوا: ماذا نعمل وماذا نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كلّه ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا منه مالا نملكه من أنفسنا، فتركهم الخليفة وشأنهم(11).
ومرة أخرى أوكل الخليفة للإمام أكثر حراسه شراسة وظلماً وسوء خلق وكان اسمه نحرير وكان يمتلك سباعاً في قفص فأراد إلقاء الإمام في وسطهن، وقالت له زوجته: يا نحرير اتق الله في هذا الرجل ولا تظلمه فإنك لا تعلم مكانته عند الله. أجابها نحرير: والله لألقينه للسباع وأمر زبانيته فألقوا بالإمام وسطهن وغادروه ثمّ رجعوا بعد فترة فوجدوه آمناً بين السباع وهو قائم يصلي(12)، وهكذا قضى الإمام عليه السلام مدة من حياته في السجون أو تحت التهديد والإرهاب والتضييق والمراقبة الشديدة من حوله، ولقد زاد الطين بلة أي زادت نقمة الحاكمين عليه عندما شاع بين الناس أن المهدي المنتظر من سيهدي هذه الأمة هو من صلب هذا الإمام فسلكوا نفس سلوك فرعون مع بني إسرائيل عندما قيل له أنّه سيولد فيهم صبيٌ يكون زوال ملك فرعون على يده فأمر فرعون بقتل جميع الأولاد وأمر بالتفتيش عن النساء الحوامل ومراقبتهن ولقد قام جهاز الخلافة العباسي بنفس ما قام به فرعون وفي ذلك قال المولوي: هجمت نحو حصن الغيب كي تسد الدرب عن رجال الغيب.
إنّه لتفكير ضعيف ضحل أن يعدل الخليفة العباسي إلى الوقوف في وجه الإرادة الإلهية لأن الله سبحانه وبحكمته وقدرته قام بحماية زوج الإمام العسكري والدة الإمام المنتظر وكانت ولادته سراً رغم العديد من النساء الجاسوسات اللواتي يترددن إلى بيت الإمام حتّى أن الشكوك راودتهم مرة في أحدى الجواري وأنها حامل فأوقفوها سنتين كانت فيها تحت المراقبة ثمّ أطلقوا سراحها بعد ذلك عندما تبيّن لهم بطلان الحمل(13).
كان القتل عن طريق دس السم من أشهر وسائل الاغتيال عند السلاطين في ذلك العهد وخشيتهم وخوفهم من القادة العظام والمصلحين الكبار من أمثال الإمام فقد كانوا يعمدون إلى تصفيتهم والخلاص منهم بهذه الطريقة الغادرة وقد عمد المعتمد إلى قتل الإمام الشاب في ريعان شبابه (٢٨سنة) بدس السمّ له(14) وتظاهر بالبراءة من دمه وبتكريمه وخوفاً من ثورة شعبية ضده أمر أقطاب السلطة أن يصلوا عليه وأن يكفنوه بالشكل الذي يليق بمكانته ثمّ كشف وجهه للناس ليشاهدوه محاولاً بذلك أن يزيل عنه تهمة قتله بالسم وقال أعوان السلطة لقد مات الحسن بن علي حتف أنفه(15).
رحل الإمام عليه السلام ولكن بعد أن خلّف وراءه سيرة وضّاءة تهتدي بنورها الأجيال، ودفن في مقامه الشريف بمدينة سامراء عند قبر والده(16)، أمّا المسلمون المؤمنون فسيظلون يتوافدون على ضريحه لزيارته والتبرّك به وإحياء ذكراه على مرّ الأجيال. فسلام الله وسلام الأبرار على أهل البيت يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون أحياء.


____________
1- الإرشاد ٢: ٣١٣.
2- المصدر السابق.
3- علل الشرائع ١: ٢٤١، باب١٧٦.
4- تاج المواليد: ٥٧.
5- الكافي ١: ٣٢٧، حديث١٠.
6- المصدر السابق: ٣٢٥، حديث١.
7- المصدر السابق: ٣٢٦، حديث٤.
8- انظر المصدر السابق: ٣٢٥ - ٣٢٦، حديث٢.
9- المصدر السابق: ٣٢٦، حديث٤ و٥.
10- الإرشاد ٢: ٣١١.
11- انظر الكافي ١: ٥١٢، حديث٢٣.
12- انظر المصدر السابق: ٥١٣، حديث٢٦.
13- بحار الأنوار ٥٠: ٣٢٩.
14- انظر أعلام الورى ٢: ١٣١.
15- الكافي ١: ٥٠٥، حديث١.
16- إعلام الورى ٢: ١٣١.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com