الإمام المهدي المنتظر عليه السلام

ليس في قضية المهدي عليه السلام أي خلاف بين مفكّري وعلماء الإسلام، بل إنّهم اتفقوا وإن اختلفت مفاهيمهم على التسليم بظهور المهدي(1)، وأنّه من أهل بيت النبوة(2)، ومن ولد فاطمة(3)، يدلّ على هذا حديث الرسول الكريم: > لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب<(4).
تؤكّد هذه الفكرة الحقيقة القرآنية التي تؤكّد على أنّ الأرض يرثها عباد الله الصالحون ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ (5)، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ (6).
هذه الحقائق تنسجم مع واقع إلهي رسمه الخالق البارئ للخليقة عندما وضعهم تحت الاختبار والابتلاء والتمحيص وأعطاهم نور العقل والمعرفة وحرّية العمل والعبادة، وهو سبحانه يعلم أنّ هذه الظروف سوف تفرز صراعاً دائماً بين الخير والشرّ وتبقى المعركة سجالاً بين خطّين خطّ الهدى وخطّ الأنبياء وخطّ الجاهلين الطغاة، ولكي تكون حجّة الله بالغة على عباده يظهر فيها عدله أنّه لن يعذّب أحداً إلّا بحقّ، فقد بعث لهم الرسل والأنبياء مزوّدين بالمناهج والمعجزات، وكان آخرهم وخاتمهم الرسول الأعظم’ الذي اختتم الله سبحانه وتعالى برسالته المحمّدية رسالات السماء، وهي قانون إلهي كلّه معجزات ولا يأتيه الباطل والتحريف من بين يديه ولا من خلفه فإذا ما عملت البشرية به وأدركت مراميه ومعجزاته فستنال سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
ارتحل النبيّ الكريم إلى الرفيق الأعلى بعد أن بيّن كلّ شيء، وبقي القرآن الكريم مؤكّداً على كلّ ما قاله وعمله رسول الله وحافظاً لسنته التي لا يمكن أن تخالف القرآن ونستقرىء في سيرة حياته’ كما نفهم من ثنايا القرآن الكريم أنّ الصراع باق أبداً بين الخير وأهله والشرّ وأهله، لكن الشرّ مهما انتصر فلابدّ ولا مناص من أن يتحقّق وعد الله الحقّ المتمثّل بظهور المهدي المنتظر عليه السلام محطماً أوثان الجهل والجاهلية وعروش الظلم والظالمين، وليملأ هذه الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً، وسيكون هذا المصلح المبعوث المنتظر من ولد فاطمة بنت محمّد’ ومن ذريتها المباركة بإجماع المفسرين لقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ (7).
إنّ وراثة الأرض لابدّ وأن تكون للصالحين المجاهدين الذين استضعفوا من قبل الجبابرة الطغاة، ولابدّ أن تكون الغلبة في النهاية لمن يدافع عن الحقّ وأهله مؤمناً بما جاء به القرآن الكريم وبما بلغ عنه رسول الهدى.
إنّ الجهاد في صفّ المستضعفين والانتصار لحقّ أهل الحقّ هو واجب على كلّ مسلم مؤمن بظهور المنقذ، منقذ البشرية من الظلم والفساد، وحتّى يتحقّق ذلك يجب أن يبقى المسلم المؤمن في جاهزية تامة متسلّحاً بإيمانه وبفضيلته ريثما يلتحق بإمامه القادم المنتظر، مثله في ذلك مثل من يعلم أنّ حاكماً كبيراً سوف يأتي لزيارته فهو سيكون بانتظاره بأفضل اللباس واللياقة المناسبة اللائقة بالزائر العظيم، يقول الرسول’: >أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج من الله(8)  U<.
إنّ المسلمين لا يختلفون حول موضوع ظهور المهدي فهو أمر مسلّم به ولكن الاختلاف يدور حول هل أنّه سوف يلد ولادة في بعض العصور ويظهر كما أمره الله سبحانه، أم أنّه ولد في زمن سابق كما تقول شيعة أهل البيت مستندين في ذلك إلى أقوال الرسول المؤكّدة أنّه ابن الحسن العسكري الإمام الحادي عشر عليه السلام وأن الله قد غيّبه مرتين، وأنّه عاش فترةً وغاب أخرى، وكان يدعو الناس ويعلمهم أمور دينهم عن طريق رجال خاصين كانوا رسلاً بينه وبين الناس، فأيّ الرأيين هو الحقيقة؟ وفيه ما يقبله العقل والشرع: هل أنّه موجود بيننا ومغيّب، أم أنّه سوف يولد مستقبلاً؟ فإن كان سوف يولد مستقبلاً فهذه قضية لا تحتاج إلى نقاش أمّا الثانية فتحتاج إلى براهين وأدلّة.
حقيقة الظهور: إنّ الذي خلق الكون اللامحدود بكلّ ما فيه من عجائب وآلاء ومعجزات، وخلق السماوات والأرض وجعل فيها ملائكة يسبحون لا يسأمون ثمّ خلق الجنّ ومنهم فريق الشياطين الذين نصيبهم إغواء الناس وفتنتهم وجعل في هذا الكون ملايين القضايا الغيبية، وجعلنا نؤمن أنّ دعوة المظلوم تخترق السماوات وتقطع مليارات الأميال في لحظة واحدة، إذ ليس بينها وبين الله حجاب ثمّ جعلنا نؤمن بالوحي الذي ينزل على الأنبياء أسرع من الحسّ والإدراك ومن الفكر والحركة فكيف نقول أن هذا الأمر غير مقبول لا عقلاً ولا شرعاً؟!
إنّه إذا كانت القضية تتعلّق بطول العمر حتّى ألف أو ألف وخمسمائة سنة فهذا أمر لا يرفضه العلم ولا العقل ولا الشرع، لأنّ العلم في عصرنا هذا قد توصّل إلى تنمية الخلايا على صعيد الإنسان والحيوان والنبات وأعطاها ما يجعلها تعيش أكثر من العادي والمألوف، ويؤكّد العلم أنّ حياة الإنسان وإن كانت مرتبطة ببعض الأسباب كالهرم مثلاً فإنّ العلم يستطيع أن يمدّ في حياة الخلايا الجسدية، وأن يجدّدها لتستمرّ في البقاء مدّة أطول، وذلك بالأسلوب العلمي وبالأدوية اللازمة وبتنظيم الحياة في الغذاء والنوم والرياضة والعمل، أمّا أن نقول إنّ الزمن أو الوقت محدود بالنسبة للإنسان فهذا يخالف العقل والشرع ؛ لأنّ الذي يهلك نفسه يموت قبل أوانه، ولنأخذ مثلاً على ذلك حوادث السيارات أو التأثيرات والنتائج السلبية للدخان والخمر والمخدّرات والتخمة، فهذه كلّها عوامل تقصر في حياة الإنسان قال الإمام الصادق عليه السلام : >أبى الله أن يجري الأشياء إلّا بالأسباب فجعل لكل شيء سبباً<(9).
النتيجة: إنّ من لا يؤمن بحقيقة الإمام الثاني عشر المنتظر يخالف رسول الله’ ويخالف القرآن الكريم ؛ لأنّ جميع كتب الصحاح تمتلئ بالروايات المتواترة والأحاديث المتضافرة على حقيقة ظهور المهدي، وإنّ الذين ينكرون هذه الحقيقة لا يصدرون في ذلك عن عقل ولا عن سندٍ شرائعي ولكنّهم وجدوا على ذلك أبائهم الأولين فاتّبعوا عقائدهم وسننهم وخضعوا لبيئتهم خضوعاً أعمى، أو لم يقل الرسول الكريم’: >لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتّى يملك رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي<(10).
والروايات تقول إنّ الغيبة الكبرى للإمام المهدي الذي يجدّد دين الله وسنة جدّه رسول الله قد انقطع فيها اتصال عن الأُمّة بعد أن أعلم بذلك وأوصى بالرجوع إلى الفقهاء بقوله عليه السلام : >وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم<(11) حتّى تتهيأ له ظروف الظهور وممارسة مهمة الإصلاح الإسلامي وإقامة دولة العدل الإلهي الكبرى على وجه الأرض بقيادة هذا الإمام الذي اختاره الله لأصعب الأدوار في الحياة، إنّه الإمام المنتظر ابن رسول الله وأن الأحاديث المتعلقة بذلك والواردة عن الرسول الكريم تؤكد الامتداد الطبيعي لدور آبائه الكرام وربطهم بهذه السلسلة وأنهم اثنا عشر خليفة(12) كمثل قوله’: >إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما<(13).
وقوله’: >مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى<(14).
محنة الأُمّة الإسلاميّة في هذا الزمان هو أنها إما أن تصدق أن الأئمّة هم اثنا عشر وآخرهم هو المهدي المنتظر وإما أن تكذب وجود أهل البيت الذين أقرهم القرآن الكريم وعندما يكون إنكارهم للأئمة وللمهدي وللنص القرآني الشريف ويكون إخفاء الناس للحقيقة هو من أجل الدنيا وحياءً من الناس ومجاملة إذ كيف يخالفون ما شاهدوا عليه آبائهم الأولين كما بينا منذ قليل.
قصة: يقول كميل بن زياد تلميذ الإمام علي عليه السلام : أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بيدي فأخرجني إلى ظهر الكوفة فلمّا أصحر تنفّس ثمّ قال: >يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، أحفظ عنّي ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح...
ها إنّ ههنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة...
اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيّناته<(15).
إنّ مسألة المهدي المنتظر من أكبر القضايا الإسلاميّة من حيث الأهمية والمكانة لأنّها تشكّل منعطفاً خطيراً بين الإيمان بغيبته وظهوره أو عدم الإيمان به وبعد وفاة والده العسكري ونظراً لأهمية مرحلة الاتصال بين الإمام المهدي وبين رسائله وسفرائه والاتصال الحسي والسري المنظم بهم والذي اتصف بالدقة والضبط التنظيمي فإنه كان يتصل بأربعة من سفراءه ويوصل من خلالهم الأوامر والتوجهات إلى إتباعه الذين كانوا يعيشون مرحلة السرية والكتمان ويعملون في ظل الاضطهاد والإرهاب السلطوي العباسي فإن هذا العلم يهيء لنا صورة واضحة حتّى نهيّئ أنفسنا لاستقباله وإقامة دولة المهدي الكبرى.
اللّهم اجعلنا ممن تشملهم رحمتك وعنايتك في الدنيا والآخرة.
اللّهم إنّما نقسم عليك بذاتك المقدّسة وبحقيقة أوليائك الكرام أن تجعلنا من الذين يليق بهم هذا الأمل الكبير وأنت أصدق الصادقين وأنت سبحانك من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.


___________
1- مسند أحمد ٣: ٢١.
2- المصدر السابق ١: ٨٤.
3- سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨، حديث٤٠٨٦.
4- كمال الدين: ٢٨٠، حديث٢٧، وانظر سنن أبي داود ٢: ٣٠٩، حديث٤٢٨٢.
5- الأنبياء ٢١: ١٠٥.
6- النور ٢٤: ٥٥.
7- القصص ٢٨: ٥.
8- كمال الدين: ٦٤٤، حديث٣.
9- بصائر الدرجات: ٢٦، حديث٢.
10- كنز العمّال ١٤: ٢٦٣، حديث٣٨٦٥٥.
11- كمال الدين: ٤٨٤.
12- صحيح مسلم ٦: ٣.
13- إحياء الميت بفضائل أهل البيت للسيوطي: ٨ ، حديث٦ وانظر الحديث٧ و ٨.
14- المستدرك على الصحيحين للحاكم ٢: ٣٤٣ و٣: ١٥١.
15- كمال الدين: ٢٩٠ - ٢٩١.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com