خاتمة

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ (1).
صدق الله العلي العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، ولا نتمسّك إلّا بحبله المتين، وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، وعلى أبنائه المطهّرين، الأئمّة الأخيار الذين وجبت ولايتهم ونصرتهم شرعاً، ويجب معرفة الإمام لقوله’: >من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية<(2).
ذلك لأنّ الولاية هي نظام المجتمع في قاعدته وفي قمته، ولابدّ لكلّ مجتمع من عملية تجمّع يكون على رأسها قائد ولي تجتمع فيه شروط الولاية التي عرفناها عن طريق القرآن الكريم وعن طريق سنّة نبيه العظيم وأحاديثه الشريفة، أمّا في غير هذه الحالة الصحيحة فيصبح التجمّع غير شرعي ولا محكومٍ بحكم الله بل بحكم شياطين الأهواء ومردة المصالح.
ومع مرور الزمن السيئ والصعب بلياليه الحالكة السوداء وظروفه الخانقة صار الناس يرون رؤيةً مشوهة، فيحسبون الحقّ باطلاً، والباطل حقّاً، وعمّ الخلط والتشويه في سيرة شيعة الأئمّة الأطهار، وبمرور الزمن أيضاً سوف تنعدم النعمة الإلهية عن هؤلاء الناس المشوِهين المشوَهين حتّى يأتي يوم يصبح فيه المسلم مقولباً مصنوعاً في مصانع الافتراءات، وفريسةً سهلة للأخطاء والضلالات، وهو - المسكين المغرور - ما يزال يظنّ أنّه هو المؤمن الحقيقي وهو التقي النقي الطاهر، بينما في واقعه بعيد كلّ البعد عن الخطّ الرسالي وطهره ونقائه، وإنّ مثل هذا المسلم المخدوع والمغرّر به مع أمثاله من مشايخه الجهلة اللاهثين وراء متاع الدنيا.
>ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون عند شيعتنا وينتقصون [بنا] عند نصابنا ثمّ يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيستقبله المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا فضلّوا وأضلّوهم وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي^ وأصحابه<(3).
جاء في مستدرك الصحيحين. وغيره من الصحاح والمسانيد: أنّ رسول الله’ قال: >مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق<(4) صدق رسول الله’.
وجاء في صحيح الترمذي ورواية عمران بن معين، ومسند أحمد، وفي الفضائل الخمسة والمحب الطبري أن رسول الله’ قال: >إن علياً مني، وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي<(5) صدق رسول الله’.
لقد استطاع شارب الخمر وخدين الجواري، وجليس القردة والمجرمين، يزيد بن معاوية أن يعيد كلّ ما في الجاهلية من معان بغيضة، وأن يمارسها ممارسةً عملية في ساحة كربلاء فأمر بقطع الرؤوس وحملها على الرماح، وأمر بسبي نساء آل بيت النبيّ، وأسر أطفاله، وسلب ما على جسد الحسين الطاهر من ثياب، ورضّ جسده والتمثيل به، بلى لقد قام ابن معاوية، وقائده المجرم المارق ابن زياد بكلّ هذا وبأكثر منه، وكلّ ذلك - يا ويليهم - زعموا أنّهم إنّما عملوه تنفيذاً لأوامر الله والقرآن، متخذين من الشريعة سلاحاً يقتلون به الشريعة، وفي ظلّ مثل هذا الإرهاب الذي لا حدود له، سقطت الكثير من الضمائر في سوق النخاسة الأموية، وقيل للكثيرين أنّ كلّ شيء قد انتهى، وأنّهم أراحوا واستراحوا من أهل البيت، وأنّ الساحة قد خلت من كلّ معارضة أو مقاومة، متجاهلين أنّ هذه الممارسات الظالمة الرعناء والبربرية النكراء كانت تحمل في طياتها وأعماقها نواةً ثورية، نواةً حيّة يريد لها سبحانه وتعالى أن تندثر وأن تموت، وأخذت النواة تكبر وتتعاظم حتّى أصبح دم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام يغلي ويفور في قلوب المؤمنين وأرواح الأحرار والصادقين وصارت كربلاء علماً في رأسه النار التي يستهدي بها كلّ ثائر على الظلم والطغيان.
وأخيراً سوف تنتصر بإذن ربّها كربلاء الدماء والدموع والقلق والخوف والعطش والجوع، وسيظلّ سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام يخاطب المؤمنين من ذوي العقول المنيرة والقلوب السليمة، فيعلّمهم كيف تكون الشهادة سبيلاً إلى الحياة، وكيف يكون الموت رسالةً تدكّ ممالك البغي والطغيان وعروش الجرائم والآثام.
أخي المؤمن، أخي القارئ الكريم، إنك لو شاهدت شريطاً سينمائياً أو تلفازياً ورأيت وشاهدت منابر الظلم والضلال تشتم وتلعن علي ابن أبي طالب، لأصابك القرف والاشمئزاز والاحتقار، ولقلت لنفسك: إنّ ما أراه كذب ونفاق ومغالاة ما بعدها غلواء، وإن الأغراض الدنيوية والمآرب الرخيصة تقف خلف هذا التجديف والبهتان الذي يتعارض ويتضاد مع عظمة الحقّ والبطولة والشجاعة والعلم والسماحة في سيرة علي وآل بيته والأئمّة الأطهار ونحن نقول لمن أراد أن يكون نعامةً تدفن برأسها في الرمال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ (6)، ونقول لمن يحب الحقيقة أينما كانت وكيفما كانت وأنى كان السبيل إليها، ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ (7).
أخي المؤمن، أخي القارئ الكريم، لقد بذلت قصارى جهدي في هذا الكتاب الصغير بحجمه، والكبير العظيم في موضوعه ومحتواه، مدفوعاً إلى ذلك ليس بمحبّتي وحدها وتقديسي لرسول الله الكريم، ولأخيه ووزيره ووليه من بعده، بطل التاريخ الإسلامي علي بن أبي طالب، ولآل بيته الأئمّة الأطهار الأبرار من بعده، لكنّني كنت مدفوعاً في عملي أيضاً بأمر الرسول الكريم: >من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع  فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان<(8).
على المرء أن يسعى بمقدار جهده    وليس عليه أن يكون موفّقاً
والله سبحانه وتعالى يعلم أنّني أقول الصدق، فلا أداري، ولا أماري بل أحاول أن أقوم بهذا الواجب الديني والأخلاقي والإنساني والتاريخي إنصافاً للحقّ والحقيقة، ودفاعاً عن الشريعة، وانتصاراً لآل البيت الميامين البررة الذين طهّرهم الباري وأبعد عنهم الرجس، وإنّني في عملي هذا لا أهدف إلى تحقيق مصلحة، أو إلى ربحٍ وكسب دنيوي رخيص، ولا إلى إرضاء سيدٍ أو كبير، اللّهم فلتكن وحدك من وراء القصد، اللّهم إهدنا سواء السبيل، سبيلك وسبيل أحبابك ولا تجعلنا من الذين تتوعدهم بغضبك وعذابك إنّك تعلم السرّ وما يخفى، يا من سوف تسألنا عما عهدت به إلينا لا مما قضيت به علينا يا أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيّبين الطاهرين إلى يوم الدين.


___________
1- الفرقان ٢٥: ٢٧ - ٢٩.
2- اكمال الدين: ٤٠٩، حديث٩ وانظر مسند أحمد ٤: ٩٦.
3- تفسير الإمام العسكري: ٣٠١.
4- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٤٣ والمعجم الأوسط ٥: ٣٥٥ و٦: ٨٥ والدر المنثور ٣: ٣٣٤ وانظر مجمع الزوائد ٩: ١٦٨ ونظم در السمطين: ٢٣٥ والجامع الصغير للسيوطي ١: ٣٧٣، حديث٢٤٤٢ وكنز العمال ١٢: ٩٤، حديث٣٤١٤٤.
5- مسند أحمد ٤: ٤٣٨ وسنن الترمذي ٥: ٢٩٦، حديث٣٧٩٦ وفضائل الصحابة: ١٥.
6- القصص ٢٨: ٥٦.
7- الزمر ٣٩: ٣٧.
8- مسند أحمد ٣: ٤٩ وصحيح مسلم ١: ٥٠.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com