نتائج البحث

بعد أن انكشف لنا بطلان الآراء الستّة المعلّلة لمنع التدوين، وعدم تماميّة السبب السابع كعلّة تامّة للمنع، وبعد أن وضّحنا أمّهات العوامل الحقيقية للمنع، تبيّنت لنا نتائج مهمّة ترتّبت على ذلك وأثّرت في التشريع الإسلامىّ، وكان أهمّ تلك النتائج:
1 ـ انقسام المسلمين إلى اتّجاهين فكريّين، صارا من بعد مدرستين مستقلّتين، لكلّ منهما أفكار وأُصول ومبان خاصّة بها.
2 ـ تحكيم مفاهيم أتباع منع التدوين في الثقافة الإسلاميّة، وبروز تعاليل شتّى ومبرّرات مختلفة لذلك المنع الُمحَكَّم.
3 ـ طرح مقولة (حسبنا كتاب الله) و(بيننا وبينكم كتاب الله) كخطوة أُولى لإبعاد العترة وللتغطية على العجز الفقهىّ عن الإلمام بسنّة النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ تخطّيهم عمّا رسموه، كما هو المشاهد في نزاع الخليفة الأوّل مع الزهراء واستشهادها بالقرآن عليه، وتخطّي الخليفة الثاني عن الأخذ بصريح القرآن في الطلاق ثلاثاً والمؤلّفة قلوبهم و...، وأخيراً استغلال بعض المغرضين هذه المقولة، لإِنكار ما عدا القرآن.
4 ـ منع الخلفاء من التدوين لخنق انتشار الأحاديث النبوّية المفسَّرة التي تبيّن أحقية أهل البيت بالخلافة، بعد محاولة غلق باب التفسير البياني الذي يصبّ في نفس المصبّ، متذرعين في ذلك بأوهن الذرائع.
5 ـ فتح باب الاجتهاد لسدّ الثغرة الحاصلة عن منع التدوين، وذلك عبر    
مراحل متعدّدة، هي:
أ ـ وجود بوادر أوّليّة في زمان النبىّ (صلى الله عليه وآله) عند من استلموا من بعده السلطة الفعليّة، فكانوا يخالفون النبىّ ويجتهدون ويذرون ما يأتي به (صلى الله عليه وآله).
ب ـ تطبيق الخليفة الأوّل لفكرة الاجتهاد عمليّاً في حياته.
ج ـ فتح الخليفة الثاني أوسع الأبواب لتطبيق اجتهاداته وآرائه كما هو الملحوظ في المؤلّفة قلوبهم والطلاق ثلاثاً والمتعة و...
6 ـ ظهور مفهوم (رأي رأيته) و(تأوَّل فأخطأ) في مرحلة مبكّرة من زمن حكومة المنع، وانجرارها إلى رسم أُصول جديدة، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها.
7 ـ تأثير منع التدوين وفتح الاجتهاد بشكل جدّي في حدوث التضاربات والاختلافات في فتاوى وآراء الصحابة، بل في فتاوى وآراء الصحابىّ الواحد، ممّا أنتج:
أ ـ القول بمشروعيّة الاختلاف وتعدّديّة الآراء عند الصحابة، وبالتالي حجّيّتها جميعاً والقول بعدالة الصحابة.
ب ـ القول بالتصويب في الأحكام الشرعيّة، أي أنَّ الله يُثَبِّت أحكامه في اللوح المحفوظ طبق فتاوى المجتهدين.
ج ـ القول باجتهاد النبىّ وأنَّه بشر يُخطىُ ويُصيب، ويقول في الرضا ما لا يقوله عند الغضب، كي يعذروا الشيخين.
د ـ تفسير أحاديث رسول الله بما يعجبهم، كما هو المشاهد في (اختلاف أُمَّتي رحمة) وغيره.
8 ـ طرح الخليفة الثاني لفكرة أعلميّته، بعد أن كان لا يدّعي ذلك لنفسه، وتطوُّر هذه الفكرة إلى فكرة (أعلميّة الخلفاء) بالأحكام، وأنّهم أولى مَن يتصدّر للإِفتاء، وبناءً على ذلك ساغ:
أ ـ ضرب الخليفة مَن يُحدِّث بخلاف آرائه، أو مَن يسأله عمّا لا يُريد.
ب ـ حبس أجلاّء الصحابة بسبب إكثار الحديث.
ج ـ لزوم انتظار الصحابىّ أمر الخليفة في الأحكام وغيرها.
9 ـ ظهور أفكار جديدة في حياة المسلمين، منها: لزوم اتّباع الحاكم لقولهم (وقد قال فيه ولاة الأمر) و(الخلاف شرّ) و(اتّبِعْهُ وإن ضرب ظهرك) وعدم اشتراط العدالة في كثير من القضايا، كالقضاء وغيره، وحتّى العبادات فقد أجازوا الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر وغيرها من الأفكار والآراء.
10 ـ اتّخاذ اجتهاد الصحابىّ أو سيرة الشيخين كأصل ثالث في التشريع، وعدّه قسيماً لكتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله) ، وقد تبيّن هذا بأجلى صوره يوم الشورى.
11 ـ فشل محاولة حصر الاجتهاد بالشيخين، وقَصْر العمل بما رأياه، وذلك لتوفّر الظروف والشروط الموضوعيّة لشمول الاجتهاد وعموميّته عند باقي الخلفاء، وفي ذلك نرى توسّع آراء عثمان ومعاوية ومَن بعدهما، حتّى أنَّ المسلمين ضاقوا ذرعاً بإحداثات عثمان، ولمّا أحسّ ببوادر الثورة عليه سخّر سعيد بن زيد بن نفيل(1) لوضع حديث العشرة المبشّرة بالجنّة دفعاً لاعتراضات المسلمين دون جدوى، لكنّها سرعان ما استغلَّت من بعد أيّما استغلال فأثّرت في عقائد وفقه المسلمين.
12 ـ اختصاص المدوّنات المتأخّرة زمنيّاً بقسط كبير من آراء أتباع الاجتهاد عموماً، وتركيزها الأكيد على تدوين سيرة الشيخين خصوصاً، ممّا أضفى على آرائهما المدوّنة ميزة وأرجحيّة على باقي الآراء، وهذا معناه أنَّ محاولة حصر الاجتهاد وإن كانت قد فشلت في الحصر التامّ، إلاّ أنّها نجحت في إضفاء هالة من القدسيّة والأولويّة على سيرتهما دون غيرهما.
13 ـ تسليط الأضواء على فقه المخالفين للتدوين والتعبّد، ورفض فقه المدوّنين المتعبّدين، وتقوية مكانة القرشيين ومتأخّري الصحبة ـ من هم ليسوا من عَلِيَّة الصحابة ـ وإعطاؤهم الأدوار المهمّة سياسيّاً وتشريعيّاً.
14 ـ إبعاد الأمّة عن المدوّنين والمدوّنات، وعلى رأسهم أهل بيت النبىّ (صلى الله عليه وآله) ومدوّناتهم، وقد برزت في هذا المحور عدّة خطوات، منها:
أ ـ تبنّي الرؤية القائلة بعدم اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم.
ب ـ وضع الأحاديث في فضائل المانعين، واختلاق الهفوات للمدوّنين، ومن ثمّ الدعوة للأخذ بمسلك المانعين الفقهىّ.
ج ـ صنع فكرة أفضليّة الشيخين على سائر الناس، وإضافة عثمان ثالثاً من بعد، وإبقاء علىّ بن أبي طالب في محلّ يساوى به سائر الناس.
د ـ نسبة جلّ الآراء الفقهيّة الناتجة عن المنع إلى المدوّنين الذين ثبتت عنهم نقولات أُخرى ثابتة صحيحة نابعة عن منهج التدوين.
15 ـ خفاء الكثير من الأحكام، وضياع قسم منها، نتيجة للنهي عن التدوين لمدّة قرن من الزمن، حتّى أصبحت سنّة النبىّ (صلى الله عليه وآله) منسيّة أو كالمنسيّة، وتطاول أمد المنع حتّى إذا فُتِحَ التدوين، كان تدويناً حكوميّاً ناقصاً خليطاً مملوءاً بالاجتهادات والآراء.
16 ـ خلق المبرّرات للاّحقين لتشريع ما يعجبهم والأخذ به وفرضه على المسلمين، وترك ما لا يعجبهم، وسهّل على الانتهازيّين طرق التمحّل والاستدلال انتظاراً لما يريده الحكّام، فكان أن نتج:    
أ ـ السماح بالاجتهاد مطلقاً، فيما ورد فيه النصّ، وفيما لا نصّ فيه.
ب ـ تحكيم المصلحة المدّعاة ـ لا الواقعيّة ـ على النصوص.
ج ـ عدم لزوم عرض أقوال الصحابة على كتاب الله، بل اعتبر البعض ما يقوله الصحابىّ حجّة مطلقة وأنَّ فعله يخصِّص كتاب الله.
17 ـ إنَّ المنع أوجب اختلاف الحديث عن رسول الله نظراً للاتّجاهات والآراء.
18 ـ إنَّ إبعاد الأمّة عن أهل البيت فقهيّاً وسياسيّاً ألزم أئمّة أهل البيت في الإصرار على التدوين وحفظ ما ورثوه عن آبائهم خوفاً من الضياع. وهو ممّا جعل التراث الحديثىّ عند الشيعة أكثر ممّا عند أهل السنّة والجماعة، لأنّا نعلم أن سنن النسائىّ يمتاز على بقيّة السنن في اشتماله على أحاديث الأحكام لقول مؤلّفه في رسالته لأهل مكّة: فهذه الأحاديث (أحاديث السنن) كلّها في الأحكام، فأمّا أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغير هذا فلم أخرجها.
وبلغت أحاديث هذه المجموعة (5274) حديثاً، فلو قيست هذه إلى أحاديث الأحكام في وسائل الشيعة (35850) ومستدرك الوسائل (23000) لكانت لاشي بالنسبة إليها، وقد ثبت عند المحقّقين بأنَّ مرويّات الشيعة تعادل ضعفي ما في الصحاح والسنن العاميّة من أحاديث.
19 ـ انعدام قدسيّة الرسول الأكرم في نفوس الخلفاء بنسب متفاوتة شدّة وضعفاً، ابتداءً من مناداته من وراء الحجرات وجرّهم إزاره (صلى الله عليه وآله) ، ومروراً ب (أنَّ الرجل ليهجر) و(متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أُحرِّمهما وأُعاقب عليهما) وقول معاوية لمن ذكَّره بنهي النبىّ عن الربا (لا أرى بأساً بذلك)، وانتهاءً بتمثّل يزيد بن معاوية بأبيات ابن الزبعرى، وتمزيق الوليد بن يزيد لكتاب الله المجيد.
20 ـ من كلّ ذلك كان اختلال النتائج والحصائل الفقهيّة والعقائديّة ملحوظاً ولا سبيل لإنكاره في تاريخ التشريع الإسلامىّ، فلم يستطع التدوين المتأخّر ردم هذه
الهوّة، بل زاد الأمر تعقيداً وحيرة بتدوينه مختلف الآراء والاجتهادات مخلوطةً بالصحيح الوارد عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، فلذا يعسر التوفيق بين المذاهب في أكثر المسائل الفقهيّة.
21 ـ نسبة منع التدوين إلى النبىّ (صلى الله عليه وآله) لتبرِئة ساحة المانعين الحقيقيّين، وإلقاء التبعة على رسول الدين، ومحاولة الموازنة والمقارنة بين روايات المنع والتدوين، مع أنَّ روايات المنع كلّها ضعاف وغير ناهضة لذلك، وإنَّما اختُلِقَتْ في وقت متأخّر لتبرير منع الشيخين ومن حذا حذوهما للتدوين والتحديث.
22 ـ صيرورة منع التدوين ذريعة بيد المستشرقين للنيل من الإسلام، والطعن على الفكر الإسلامىّ والثقافة الأصيلة، بادّعاء أنَّ الدين هو مبعث التخلّف ومنع الشعوب من الرقىّ الحضارىّ.
23 ـ تمحّل الكتّاب وأرباب القلم المؤيّدين لمدرسة الخلفاء، وسعيهم الدؤوب لخلق المبرّرات المختلفة لتبِرئة الخليفة من تبعات المنع، وعدم امتلاكهم الشجاعة الكافية للتصريح بخطأ الخليفة وبيان الحقائق في هذا السياق.
**************************
1- انظر الاحتجاج 1: 237، الكافئة: 25، وجاء في صحيح البخارىّ 5: 2095، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب والأصنام، ح 5180 عن سالم أنّه سمع عبد الله يحدّث عن رسول الله أنّه لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بَلْدَح وذلك قبل أن ينزل على رسول الله الوحي فقدّم إليه رسول الله سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثمّ قال: إنّي لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ممّا ذكر اسم الله عليه!. فلاحظ ما أُضفي من هالة على والد واضِعِ حديث العشرة المبشرة.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com