الإِمام دليل هاد للنفوس إلي مقاماتها كما أن النبي دليل يهدي الناس إلي الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة

يقول الطبطابائي في تفسيره : والإِمام دليل هاد للنفوس إلي مقاماتها كما أن النبي دليل يهدي الناس إلي الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة،
فلا يبقي للإِمامة إلا الهداية بمعني الإِيصال إلي المطلوب وهي نوع تصرف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلي موقف آخر.
وإذ كانت تصرفاً تكوينياً وعملاً باطنياً فالمراد بالأمر الذي تكون به الهداية ليس هو الأمر التشريعي الاعتباري بل ما يفسره في قوله:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء }
[يس: 82-83] فهو الفيوضات المعنوية والمقامات الباطنية التي يهتدي إليها المؤمنون بأعمالهم الصالحة ويتلبسون بها رحمة من ربهم.
ممكن توضحون معني كلام الطبطبائي وهل هناك كتب مختصه في هذا بشكل اوسع
ولكم تحياتنا أبو محمد

بسمه تبارك و تعالي
يتّضح مقصده رحمه الله بعض الاتّضاح من كلامه في المجلّد الأوّل ذيل قوله تعالي ﴿و إذ ابتلي إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهنّ قال إني جاعلك للناس إماما﴾ الآية.
و نقول :
لا شكّ أنّ أفعال الإنسان الاختيارية لها تأثير عميق بلا زوال في نفس الإنسان يؤيّده قوله تعالي ﴿ اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ و غيره. و هذا اثر من حيث التربية و آثارها. و للأعمال أثر ثانٍ في عالم الآخرة من حيث الحياة الأبدية التي للإنسان في ذالك العالم.
و لا شكّ أنّ الجزاء نفس العمل ؛ يدلّ عليه الآيات و الأحاديث مثل قوله تعالي ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ، و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره﴾ حيث يرجع ضمير <يره> في كلا الآيتين إلي <العمل> الذي يستفاد من قوله <يعمل> ، كما في قوله تعالي ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوي﴾.
و لا شكّ أنّ عمل كلّ شخص لايكون وزره إلاّ عليه و لا تزر وازرة وزر اخري.
و لا شكّ أنّ كلّ نفس بما عملت و كسبت رهينة و ليس لها من الدنيا إلاّ ما عمل و سعي ثم يجزاه الجزاء الأوفي.
و لا شك أنّ كلّ عمل و إن قلّ فإنه مكتوب في صحيفة أعمال عامله و أنّ قوله مِن عمله يُكتَب و يُحاسَب عليه ﴿ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد﴾.
و لا شكّ أنّ أثر كلّ عمل فإنه يصل إلي صاحبه لا محالة و يتعقّبه بلا مقالة.
و لا شكّ أنّ بعض الأعمال كالشرك (والعياذ بالله) يحبط بعضاً في الجملة.
و لا شكّ أنّ الحسنات من الأعمال نِعَم من الله تعالي جارية بإذنه علي يد العبد بتوفيق منه و أنّ السيّئات منها من سوء حظّ النفس و سلب التوفيق ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيّئة فمن نفسك﴾ و لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين.
و لا شكّ أنّ ارتكاب السيّئات يتعقّبه وجوب التوبة إلي الله و الندم علي ما مضي و العزم علي الترك فيما بقى.
ثمّ لا شكّ أنّ المؤمن السائر في طريق الكمال لا يزال يتقرّب إلي ربّه و ينتقل من موقف معنوي إلي موقف آخر فوقه بسبب الأعمال الصالحة و الملكات الحاصلة منها حتي تُشرِف علي عوالم النور، ثم علي نشأة الأسماء و هي عالم المحض من كلّ معني و البحت من كلّ بهاء و سناء ؛ فتشاهد علماً بحتاً و قدرةً بحتة و حياةً بحتة ، و من الوجود و الثبوت و البهاء و السناء و الجمال و الجلال و الكمال و السعادة و العزّة و السرور و الحبور ـ من كلّ منها ـ البحتَ المحض ؛ حتّي يلحق بالأسماء و الصفات ؛ ثمّ يندمج ـ باندماجها ـ في الذات المتعالية ؛ ثمّ يغيب بغيبها و يفنيٰ بفناء نفسها و يبقيٰ ببقاء الله ـ سبحانه و تعالي عن كلّ نقص ـ ؛ ﴿وَ أَنَّـ إِلَيٰ رَبِّكـَ ﭐلْمُنْتَهَيٰ﴾ و إلي الله الرجعيٰ.
هذا إذا كانت ملكات الإنسان مقدّسة ملائمة لعالم القدس.
و إذا كانت ملائمةً لثُفْل هذه النشأة غيرَ ملائمة لعالم القدس فينعكس كلّ ما يشاهده ألماً عليه و عذاباً من أنواعه ، كلّما أراد أن يخرج منها من غمّ بواسطة أصل ذاته اُعيد فيها بواسطة ردائة ملكاته ، و قيل له : <ذق عذاب الحريق> ، هذا.
و ليس الأمر علي ما تزعمه العامّة من أنّ جنّة السعداء حديقة فقط و أنّ نار الأشقياء حفرة نار فقط ، بل هي نشآت تامّة وسيعة أوسع من هذه النشأة بما لايوصف.
هذا الذي ذكرناه و الذي لم نذكره من الروابط الواقعية بين الأعمال أنفسها ، والتي بينها و بين غاياتها في الدنيا و في الآخرة نظام منتظم و زمامه بيد الإمام ع بإذن الله تعالي و إرادته ، و الإمام هو الذي ينظّمها و يدبّرها.
يدلّ علي هذا المعني قوله تعالي ﴿أئمّة يهدون بأمرنا﴾ ؛ توضيح ذلك :
إنّ السياق يشهد بأنّ <يهدون بأمرنا> مفسّر لقوله <أئمّة> ؛ فللإمام هداية النفوس.
و لما كان للنبيّ هداية الناس بمعني إرائة الطريق ، فلا يبقي للإمام إلاّ الهداية بمعني الإيصال إلي المطلوب ؛ لأنّ بعض الأنبياء نُصب إماماً بعد أن كان نبيّاً ؛ فالهداية غير الهداية.
و إيصال النفوس إلي المطلوب إنما يحصل بتصرّف تكوينيّ في النفوس القابلة للاستكمال بتسييرها في مسير الكمال و نقلها من موقف معنويّ (كالصبر) إلي موقف آخر فوقه (كالرضا) مثلاً  ؛
و هذا كاشف عن أنّ الأمر الذي تكون به الهداية ليس الأمر التشريعي قبال النهي بمعني أنهم مأمورون بالهداية (وإن كانوا كذا) ، بل الأمر التكويني الذي يفسّره قوله تعالي ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيء﴾ ؛
و بالجملة فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه ، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية علي الناس في أعمالهم ، و هدايتها إيصالها إياهم إلي المطلوب ـ بأمر الله ـ دون مجرّد إراءة الطريق الذى هو شأن النبي و الرسول.
فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت ـ متحقّقاً بكلمات من الله سبحانه ـ و نعلم أنّ الملكوت هو الأمر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم ،
فقوله تعالي ﴿يهدون بأمرنا﴾ يدلّ دلالة واضحة علي أنّ كلّ ما يتعلّق به أمر الهداية ـ و هو القلوب و الأعمال ـ فباطنه و حقيقته و وجهه الأمرىّ حاضر عند الإمام غير غائب عنه، و من المعلوم أنّ القلوب و الأعمال كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين، فالإمام يحضر عنده و يلحق به أعمال العباد، خيرها و شرّها، و هو المهيمن علي السبيلين جميعاً ـ سبيل السعادة و سبيل الشقاوة ـ .
و قال تعالي أيضا ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ فالإمام هو الذي يسوق الناس إلي الله سبحانه يوم تبلي السرائر ، كما أنه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة الدنيا و باطنها.
فتحصّل أنّ الإمام ع يهدي النفوس ، و يوصلها إلي الغاية التي خُلقت لأجلها ، و بيده زمام أمر الهداية ، و ترتّب آثار الأعمال عليها ، و هو الذي يسلك بالسلاّك في مسيرهم إلي الله ، و يفتح لهم الأبواب ، و يسيّرهم ، و ينقلهم في المدارج ، و هو حملدار قافلة الإنسان الكادح إلي ربّه كدحاً فملاقيه ، و هو قائد الاُمّة ، و سائس العباد ، فمَن أراد الله بدء بالإمام ، و مَن وحّده قبل عنه ، و من قصده توجّه به ، و هو باب الإيمان ، و إمام الهدي ، و كهف الوري ،
و الإمام ع يدبّر أمر الهداية والأعمال و يُشرِف عليهما من عالم الأمر و الملكوت و هو عالم فوق عالم المادّة و محيط به فبيده ملكوت الأعمال و سياسة العباد. و هذا معني قوله تعالي ﴿أئمّة يهدون بأمرنا﴾.

و في زيارة الجامعة فقرات تدلّ علي ثبوت هذا المقام للأئمة ع ، نذكر بعضها :
... وَ قَادَةَ الاُمَم ... وَ سَاسَةَ الْعِبَاد ... وَ أَبْوَابَ الإِيمَان ... أَئِمَّةِ الْهُدَي ... وَ كَهْفِ الْوَرَي ... مَحَالِّ مَعْرِفَةِ الله ... الدُّعَاةِ إِلَي اللهِ وَ الأَدِلاَّءِ عَلَي مَرْضَاةِ اللهِ وَ الْمُسْتَقِرِّينَ (وَ الْمُسْتَوْفِرِينَ) فِي أَمْرِ الله ... الأَئِمَّةِ الدُّعَاةِ وَ الْقَادَةِ الْهُدَاةِ وَ السَّادَةِ الْوُلاَةِ وَ الذَّادَةِ الْحُمَاة ... خُلَفَاءَ فِي أَرْضِه ... وَ أَعْلاَماً لِعِبَادِهِ وَ مَنَاراً فِي بِلاَدِهِ وَ أَدِلاَّءَ عَلَي صِرَاطِه ... الرَّاغِبُ عَنْكُمْ مَارِقٌ وَ اللاَّزِمُ لَكُمْ لاَحِق ... وَ إِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَ حِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ وَ فَصْلُ الْخِطَابِ عِنْدَكُم ... أَنْتُمُ الصِّرَاطُ الأَقْوَمُ (السَّبِيلُ الأَعْظَمُ) وَ شُهَدَاءُ دَارِ الْفَنَاء ... وَ الْبَابُ الْمُبْتَلَي بِهِ النَّاسُ ... مَنْ أَتَاكُمْ نَجَا وَ مَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ هَلَكَ إِلَي اللهِ تَدْعُونَ وَ عَلَيْهِ تَدُلُّون ... وَ إِلَي سَبِيلِهِ تُرْشِدُون ... وَ هُدِيَ مَنِ اعْتَصَمَ بِكُم ... مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالْجَنَّةُ مَأْوَاهُ وَ مَنْ خَالَفَكُمْ فَالنَّارُ مَثْوَاه ... وَ جَعَلَنِي مِمَّنْ يَقْتَصُّ آثَارَكُمْ وَ يَسْلُكُ سَبِيلَكُمْ وَ يَهْتَدِي بِهُدَاكُم ... مَنْ أَرَادَ اللهَ بَدَأَ بِكُمْ وَ مَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُم وَ مَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُم ... وَ أَنْتُمْ نُورُ الأَخْيَارِ وَ هُدَاةُ الأَبْرَارِ وَ حُجَجُ الْجَبَّارِ بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَ بِكُمْ يَخْتِم ... بِكُمْ يُسْلَكُ إِلَي الرِّضْوَان ... وَ بِكُمْ أَخْرَجَنَا اللهُ مِنَ الذُّلِّ وَ فَرَّجَ عَنَّا غَمَرَاتِ الْكُرُوبِ وَ أَنْقَذَنَا مِنْ شَفَا جُرُفِ الْهَلَكَاتِ وَ مِنَ النَّار ... مَنْ أَطَاعَكُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَ مَنْ عَصَاكُمْ فَقَدْ عَصَي الله.
و فيما روى عن الرضا ع في كتاب الكافى من صفات الإمام ع أيضا دلالة صريحة علي ثبوت هذا المقام للإمام :
الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏1، ص: 200
إِنَّ الإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ صَلاحُ الدُّنْيَا وَ عِزُّ الْمُؤْمِنِينَ ... بِالإِمَامِ تَمَامُ الصَّلاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ تَوْفِيرُ الْفَيْ‏ءِ وَ الصَّدَقَاتِ وَ إِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَ الأَحْكَامِ وَ مَنْعُ الثُّغُورِ وَ الأَطْرَاف ...
نَامِي الْعِلْمِ كَامِلُ الْحِلْمِ مُضْطَلِعٌ بِالإِمَامَةِ عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَاصِحٌ لِعِبَادِ اللهِ حَافِظٌ لِدِينِ الله.
و تدلّ علي المقصود أيضا الأخبار التي وردت في عرض الأعمال علي الإمام ع في كلّ اسبوع مرّتين ، و حضور الأئمّة علیهم السلام عند المحتضر ، و نزول الروح و الملائكة علي الإمام في ليلة القدر بما قدّر لكلّ أحد ، و غير ذلك.
هذا بيان ما أراده السيد الطباطبائي العلاّمة رضوان الله تعالي عليه ، و هو استخراج بديع في موضوعه لم يسبقه في استخراجه من الآيات ـ علي ما ببالي ـ أحد من المفسّرين ، و الموضوع ـ و هو ولاية الإمام علي نظام أعمال العباد ـ بديع أيضاً و لم أقف فيه علي كتاب رغم التتبّع البليغ. و الحمد لله ربّ العالمين.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الثاني

ثورة التوابين اندلعت ثورة التوابين في أوّل ربيع الثاني سنة (65هـ) بسبب شعور الشيعة بعظم الندم على خذلانهم سيد...

المزید...

٤ ربيع الثاني

(1) ولادة السيد الجليل عبد العظيم الحسني(2) ولادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (1) ولادة السيد الجليل ع...

المزید...

٥ ربيع الثاني

وفاة المنتصر بالله العباسي في مثل هذا اليوم 5 ربيع الثاني سنة (248هـ).مات محمد (المنتصر بالله) بن جعفر (المتو...

المزید...

٦ ربيع الثاني

موت هشام بن عبدالملك في يوم 6 ربيع الثاني سنة (125هـ) مات هشام بن عبدالملك بن مروان في رصافة قنسرين، وكان من ...

المزید...

٨ ربيع الثاني

ولادة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) ولد الامام أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) في مثل هذا اليوم 8 ر...

المزید...

١٠ ربيع الثاني

وفاة السيدة الجليلة فاطمة المعصومة [فاطمة بنت موسى بن جعفر (سلام الله عليها)] في العاشر من ربيع الثاني 201هـ....

المزید...

١٤ ربيع الثاني

ثورة المختار اندلعت ثورة المختار في (14) ربيع الثاني سنة (64هـ)، لتكون الرد العملي على جريمة نكراء ارتكبت ضد ...

المزید...

٢٢ ربيع الثاني

وفاة موسى المبرقع ابن الامام الجواد (عليه السلام) في 22 ربيع الثاني سنة (296هـ) توفي السيد الجليل موسى المبرق...

المزید...

٢٥ ربيع الثاني

خلع معاوية بن يزيد الخلافة عن نفسه مثل هذا اليوم 25 ربيع الثاني خلع معاوية بن يزيد عن نفسه الخلافةلما آذنت حي...

المزید...
012345678
  • اللطميات

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com