الفصل الثالث: الأنصار.. ضحية حنكة أبي بكر

ما تنعقد به الإمامة:

قال عضد الدين الإيجي حول ما تنعقد به الإمامة: الواحد والإثنان من أهل الحل والعقد كاف؛ لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة، فضلاً عن اجتماع الأمة([1]).
وينقل الماوردي عن طائفة من العلماء: أن أقل ما تنعقد به الإمامة هو خمسة، استناداً إلى أمرين:
أحدهما: أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة، اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس، وهم: عمر، وأبو عبيدة، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة.
الثاني: أن عمر جعل الشورى في ستة، وهذا قول أكثر فقهاء المتكلمين من أهل البصرة([2]).
فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء الخمسة قد بايعوا أبا بكر، ثم خرجوا به، وتركوا الأنصار في خصام وتنازع حتى جاءتهم بنو أسلم ومن معها وأجبروهم على البيعة.

لولا الأنصار:

والحقيقة هي: أن هذا التفكير وهذه المبادرة من قبل الأنصار ـ أعني الخزرج منهم، وسعد بن عبادة بالذات ـ هو الخطيئة الكبرى، والخطأ القاتل الذي أسهم في تمكين الفريق الآخر من تحقيق ما كان يصبو إليه، وهيأ له الفرصة، وأعطاه المبرر العملي للمبادرة إلى الإمساك بالسلطة بصورة فعلية، في اللحظة الحرجة، حيث كان علي «عليه السلام» وبنو هاشم مشغولين بتجهيز رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وكان سائر الناس في غفلة عما يراد بهم، وفي شغل عن تفاصيل ما يحاك، ويدبر في الخفاء، ليستعلنوا به بعد نضوجه، وفي الوقت المناسب.
ولو أن الأنصار تركوا سقيفتهم، وعملوا بواجبهم الديني، وانتصروا للحق، وأصروا على الإلتزام بتوجيهات رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكانوا إلى جانب علي «عليه السلام» وبني هاشم، وسائر أهل الإيمان لم يمكن لمناوئي علي «عليه السلام» أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه بهذه السهولة..
ولكن حب بعض الأنصار للرياسة، وانقياد الآخرين له بلا روية، ووقوعهم تحت وطأة الوساوس والأوهام، وضعف شخصيتهم، وفيال رأيهم، وسوء تدبيرهم قد أوقع الإسلام وأهله في مأزق، لم يكن وقوعه فيه حتمياً ولا ضرورياً..

نقاط ضعف في موقف الخزرج:

وقد كان الأنصار فريقين هما: الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب قبل أن يدخلوا في الإسلام، ولا زال بينهما تنافس وتحاسد، يخفى تارة، ويظهر أخرى، كما أن هذا التحاسد والتنافس كان قائماً بين شخصيات الخزرج أنفسهم، وكذلك الحال بالنسبة لشخصيات الأوس أيضاً، وكان أول ضعف واجهه سعد فيما أقدم عليه هو موقف الأوس أنفسهم منه، فإنهم بادروا إلى بيعة أبي بكر، كرهاً وحسداً له، «فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم»([3]).
ولو أن البيعة تمت لسعد بن عبادة قبل أن يداهمهم أبو بكر ومن معه، لأصبح الأمر أكثر صعوبة على أبي بكر وسائر المهاجرين، ولكن تباطؤ الخزرج في الإستجابة لسعد حتى دهمهم هؤلاء النفر قد أدخل عنصراً جديداً زاد في تعقيد الأمور على سعد.
ثم إن وجود بعض الحاسدين لسعد داخل الخزرج أنفسهم قد زارد من ضعف موقفه.
ويكفي أن نذكر: أن مسارعة بشير بن سعد الخزرجي لبيعة أبي بكر، سعياً منه في نقض أمر ابن قبيلته سعد ابن عبادة قد قلب الأمور رأساً على عقب، حيث لم يعد ثمة من حرج على الأوس إذا مالوا إلى أبي بكر، وخذلوا سعداً، فإن الخذلان قد جاء أولاً من قبل الخزرجيين أنفسهم.
وقال بعضهم لبعض: لئن وليتموها سعداً عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر([4]).
يضاف إلى ذلك: أن أسيد بن حضير، وهو من سادات الأوس، وكان أبوه حضير الكتائب قائد الأوس ضد الخزرج في حرب بعاث التي كانت فيما يقال قبل الهجرة بست سنين، إن أسيد بن حضير هذا كان يمت إلى أبي بكر بصلة القرابة، فقد كان ابن خالته يرى في خلافته حظاً له. وقد كان أبو بكر يكرمه، ولا يقدم أحداً من الأنصار عليه([5])، وكان له في بيعة أبي بكر أثر عظيم([6]).

الجرأة والمفاجأة:

وإنها لجرأة ظاهرة وكبيرة أن يأتي ثلاثة رجال، هم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، ليفاجئوا جماعة في عقر دارهم، كانوا يعقدون اجتماعاً سرياً، يريدون به إبطال سعي نفس هؤلاء الثلاثة، وأن ينتزعوا من أيديهم نفس الأمر الذي يكافحون من أجل الحصول عليه.
ولا بد أن يكون وقع هذه المفاجأة كبيراً، ويجعلهم في موقع الضعف، والتبرير، وأن تتغير لغتهم ولهجتهم، وأن يشعروا بالحرج الشديد، والخذلان، والخوف من فوات الفرصة، والإنتقال من حالة الهجوم إلى الدفاع، فقد أصبح هناك من يشاركهم في القرار، ويقوي أمر الحاسدين والمناوئين على الإعتراض والرفض.

ثلاثة أشخاص يبتزونهم:

ثم إن الذين وردوا على الأنصار في سقيفتهم كانوا ثلاثة أشخاص من المهاجرين، وهم:
1 ـ أبو بكر بن أبي قحافة.
2 ـ عمر بن الخطاب.
3 ـ أبو عبيدة.
وأضاف بعضهم: سالماً مولى أبي حذيفة، وربما أضيف خالد بن الوليد أيضاً، ولعلهما جاءا متأخرين عن أولئك.
واللافت هنا: أن ثلاثة أشخاص يقتحمون على الأنصار في عقر دارهم، ويبتزونهم ما كانوا يرون أنه في أيديهم، وهذا إن دل على شيء، فيدل على ضعف الأنصار، وسطحية تفكيرهم، وقلة تجربتهم، وضآلة شخصيتهم بصورة عامة..
نعم، لقد دخلوا عليهم، وأعلنوا خلافة أبي بكر، ثم بايع عمر وأبو عبيدة، وبشير بن سعد، وأسيد بن حضير أبا بكر، وأضاف البعض: سالم بن أبي حذيفة، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي. ثم خرجوا من بينهم، وتركوهم يتلاومون، أو يتشاتمون، وأقبلوا بأبي بكر يزفونه إلى المسجد كما تزف العروس([7]).
ولم يكلفهم تحقيق هذا الإنجاز سوى بضع كلمات تفوه بها أبو بكر وحده، هي لا تتجاوز بضعة أسطر، كان لها كل هذا الأثر السحري، فقد قال:
«إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى.
فإن نعق منكم ناعق جلس بين لحيي أسد، يضغمه المهاجري، ويجرحه الأنصاري.
وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين، ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ولرسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء»([8]).

توضيح خطبة أبي بكر:

وهذه الكلمات كانت هي الرشوة الشكلية التي قدموها للأنصار، حين ذكروا سابقتهم وفضلهم، واعتبروهم أول من آمن ونصر، وجعلهم الله موضع هجرة نبيهم، وفيهم جلة أزواجه واصحابه، فأرضوا بذلك غرور الأنصار واستمالوهم به.
ولكنهم فضلوا المهاجرين عليهم، فهم في الدرجة التي تلي درجة المهاجرين.
ثم تحاشوا أي تعبير يدل على استبعادهم، بل هم أزاحوهم عن موقعهم بطريقة تفيد أن لهم نصيباً في هذا الأمر، حيث أعطوا الأمارة للمهاجرين والوزارة للأنصار.
وأوقعوا بين الأنصار الخلاف، وأسالوا لعاب الكثيرين منهم، وأذكوا طموحهم للتوثب على هذا الأمر، ومنافسة سعد بن عبادة فيما يرشح نفسه له.
وحركوا عصبياتهم القبلية (التي وصفها النبي «صلى الله عليه وآله» بالنتنة).
وذكروهم بما كان بينهم في الجاهلية من حروب وترات، وجراح وآلام، وأذكوا نيران الحقد والإحن في قلوبهم، وادَّعوا لهم: أنها لا تنسى، ولا تداوى، مع أن الإسلام قد أخمدها، وكان البلسم الشافي لها، لو التزموا بأحكامه وتعاليمه.
ثم هددوهم..
وأهانوهم، وأهانوا سيدهم، الذي يرشح نفسه لهذا الأمر، واعتبروه ناعقاً، بل اعتبروا كل من يطلب منهم هذا الأمر ناعقاً أيضاً..
وتحاشوا أن يفضلوا المهاجرين بصورة مطلقة على الأنصار، لأن ذلك لن يكون مقبولاً، مع وجود كثير من المهاجرين ممن لا يحسن ذكر أفاعيلهم، لأنها ستكون مخجلة ومضرة، فاكتفوا بالإشارة إلى تقدم خصوص المهاجرين الأولين على من عداهم.
وجعلوا أنفسهم حكاماً في هذا الأمر، فهم الذين يقررون لأنفسهم ولغيرهم..
وأثبتوا لأنفسهم الأحقية في هذا الأمر.. فإنهم هم أولياء النبي «صلى الله عليه وآله» وعشيرته.. وأسقطوا حجة الأنصار فيه، وجعلوهم مبطلين.
وأعادوا الحكم إلى شريعة الجاهلية، واستبعدوا حكم الإسلام فيه.
وأخرجوا موقف الأنصار عن دائرة التدبير الحكيم.
وجعلوه من أعمال الفتنة، بهدف إثارة الخوف والشك لدى كل من يريد أن يشاركهم في مشروعهم، فربما يكون عمله إسهاماً في مشروع الفتنة.
وأدخلوا بذلك اليأس إلى قلوب الأنصار من أن يخضع لهم الناس، فإن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش..
وكان أبو بكر يسوق ذلك كله، وكأنه من الأمور البديهية والمسلمة.
ثم جاء عمر بن الخطاب ليؤكد ذلك التهديد والوعيد، وسائر المضامين التي سجلها أبو بكر، فقال مجيباً على مقولة: منا أمير ومنكم أمير.
«لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم.
ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين.
من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة»([9]).
وبعد أن أظهر بشير بن سعد اقتناعه بحجة أبي بكر وعمر، وتسليمه بأن لا نصيب للأنصار في الحكم والحاكمية، بادر أبو بكر إلى إظهار زهده في هذا الأمر، والتحدث بطريقة توحي أنه ينأى بنفسه عن هذا المقام، وأنه إنما كان يتكلم لمجرد إحقاق الحق، فقال مشيراً إلى عمر، وإلى أبي عبيدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فأيهما شئتم فبايعوا.
لقد قال هذا مع علمه بأن هذين الرجلين سيردان الأمر إليه، ربما لأنهم كانوا متفقين على ذلك.
وربما لعلمه بعدم جرأتهما على القبول بالتقدم عليه لأكثر من سبب..
وهكذا كان، فبايعاه وسبقهما بشير بن سعد بالبيعة، وبايعه أيضاً أسيد بن حضير، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وسالم مولى أبي حذيفة فيما قيل.
وترك هؤلاء سقيفة أولئك، ليواصلوا فيها نزاعاتهم، وخرجوا إلى المسجد لمعالجة امر علي وبني هاشم، وذلك بوضعهم أمام الأمر الواقع، ومواجهتهم بأمر قد قضي، ولا مجال للنقاش فيه ولا للعودة عنه.

الذين لم يبايعوا أبا بكر:

وقد تخلف عن بيعة أبي بكر جماعة منهم: بنو هاشم، وعلي، والعباس، والفضل بن العباس، وعتبة بن أبي لهب، وسعد بن عبادة، وسلمان، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة، والبراء بن عازب، وخزيمة بن ثابت، وفروة بن عمرو الأنصاري، وخالد بن سعيد بن العاص([10]).
والذين بايعوه إنما بايعوه كرهاً([11]).
ومن المقولات المشهورة قول أبي بكر: «إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها، وخشيت الفتنة»([12]).
وسمع عمر، وهو في مسيره إلى الحج أن الزبيرقال: لو قد مات عمر لقد بايعت علياً.
فلما بلغ المدينة صعد المنبر وقال: إنه قد بلغني أن فلاناً قال: لو قد مات عمر لقد بايعت علياً، لا يغرن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها، فتمت والله.
أو قال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه([13]).
و«الفلتة»: بفاء، فلام، فمثناة فوقية.
والفجأة: ما وقع من غير إحكام، وذلك أنهم لم ينظروا في بيعة أبي بكر بإجماع الصحابة، وإنما ابتدرها عمر مخافة الفرقة.
وقيل: يجوز أن يريد بالفلتة الخلسة بمعنى: أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليتها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعاً من الأيدي، واختلاساً. ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مثيرة للفتن، فعصم الله من ذلك، ووقى شرها([14]).

أبو بكر لم يدعِ النص:

والأهم من ذلك: أن أبا بكر نفسه لم يكن يدعي النص عليه بالخلافة، ولم يكن يدَّعيها له أيضاً أبو عبيدة، وعمر، وعائشة، فضلاً عن غيرهم..
ويشهد لذلك: أن أبا بكر لم يستطع أن يلمح لشيء من هذا القبيل في اجتماع السقيفة، وقد كان بأمس الحاجة إلى التلميح فضلاً عن التصريح..
فلم يقل مثلاً: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قد انتدبني للصلاة بالناس في مرض موته.. كما أنه لم يشر إلى أي شيء آخر في هذا السياق، بل اكتفى بالإستدلال على الأنصار بقوله: «لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، أوسط العرب نسباً وداراً»([15]).
وقال: «ونحن عشيرته، وأقاربه، وذوو رحمه»([16]).
كما أنه قال لأهل السقيفة: إنه قد رضي لهم أحد الرجلين: عمر، وأبا عبيدة حسبما تقدم، فلو كان هناك نص عليه لم يصح له التخلف عنه، ولا الإجتهاد في مخالفته.
وعمر بن الخطاب لم يستدل على الأنصار بالنص أيضاً في السقيفة، بل قال: من ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته([17]).
بل إن أبا بكر نفسه قد أعلن في مرض موته عن عدم وجود نص أصلاً، فقد روي بسند صحيح: أنه تحدث عن ثلاثة أشياء، فعلها ودّ أنه لم يفعلها، وثلاثة أشياء لم يفعلها ودّ أنه فعلها، وثلاثة أشياء ودّ أنه سأل عنها رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
فكان مما قال: «وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على الحرب!([18]).
ووددت أني لم أكن حرقت النحام (الفجاءة. ظ) السلمي، وأني قتلته شديخاً أو خليته نجيحاً!
ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدمت (قلدت. أو قذفت ظ) الأمر في عنق أحد الرجلين، ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً وكنت له وزيراً».
إلى أن قال: «وددت أني أسأل رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنهن، فإني وددت أني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه أحد!
وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ فلا يظلموا نصيبهم منه!
ووددت أني سألته عن بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما شيئاً»([19]).

موقفنا من حديث أبي بكر:

ولنا على هذا الحديث حول ندم أبي بكر حين موته مؤاخذات عديدة، نكتفي بالإشارة إلى بعضها، وهي التالية:
أولاً: إنه يريد أن يوهم أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم ينص على أحد حتى على علي «عليه السلام»، مع أنه كان قد بايعه هو وعشرات الألوف من المسلمين في يوم الغدير، وقال له: بخ بخ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
بالإضافة إلى عشرات أو مئات النصوص على إمامته «عليه السلام»، وفضلاً عن نزول الآيات القرآنية في ذلك، كقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([20]).
ثانياً: إن كلامه عن بيت فاطمة «عليها السلام» فيه إيحاء بأنهم كانوا محاربين، وهو إنما أراد بمهاجمته لهم وأد الفتنة. مع أن مهاجمته لهم قد حصلت فور فراغهم من دفن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يكونوا قد جمعوا الرجال، ولا أعدوا السلاح بعد، بل إن أنصار الخلافة أنفسهم كانوا هم المهاجمين، والضاربين، والمشعلين للنيران، ليحرقوا بها بيوت الأنبياء والأوصياء، وأبناء الأنبياء «عليهم السلام» على من فيها. وفيها وصي الأوصياء، وخير النساء..
ثالثاً: إنه حتى وهو يظهر هذا الندم قد بقي مصراً على إبعاد الأمر عن صاحبه الشرعي، وعلى مخالفة أمر الله تعالى ورسوله «صلى الله عليه وآله» فيه.
رابعاً: إنه قد أبقى لنفسه شراكة مهمة، وهي أن يصبح وزيراً لأبي عبيدة، ولعمر، وشريكاً لهما في الأمر..
وهذا معناه: أنه لم يقل ذلك لأنه ندم على تصديه للأمر، خوفاً من أن يكون قد وقع في خلاف ما يريده الله تبارك وتعالى.
خامساً: إنه قد أقر بارتكابه أمراً خطيراً من دون أن يكون مطمئناً لحكم الله فيه، وهو إحراقه للفجاءة. ثم هو يندم على أنه لم يقتل الأشعث لمجرد أنه يتخيل أنه لا يرى شراً إلا أعان عليه. مع أنه لا يصح قتل الناس استناداً إلى تخيلات وأوهام.
ومع غض النظر عن هذا وذاك!! فإن كلامه هذا يتضمن اعترافاً بالخطأ في أحكامه وسياساته.
سادساً: إنه يقر بأنه لم يكن له معرفة ببعض الأحكام الشرعية الفقهية، التي يكثر الإبتلاء بها، فكيف يصلح للإمامة من كان هذا حاله؟!
سابعاً: قوله: لو أنه سأل النبي «صلى الله عليه وآله» لمن هذا الأمر، يدل على أن النبي هو الذي يعين صاحب هذا الأمر.. ولا يصح الإجتهاد فيه.. ولا هو من موارد الشورى، ولا من صلاحيات أهل الحل والعقد كما يدعون، فلماذا لم يتريث ويسأل سائر الصحابة، فلعل أحداً سمع من النبي «صلى الله عليه وآله» ما يحل له هذه المشكلة؟!
ولماذا صار يهدد ويتوعد، ويضرب الناس حتى بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويسقط جنينها.. و.. و..
مع أن رأي عمر المعلن في هذا الأمر، هو أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يستخلف، فقد روى البخاري والبيهقي عنه أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، وهو رسول الله «صلى الله عليه وآله»([21]).
ثم جعلها شورى في ستة أشخاص.
كما أن عائشة نفسها قد أنكرت أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد أوصى إلى أحد، مدعية أنه «صلى الله عليه وآله» انخنث في حجري.. فمتى أوصى لعلي أو لغيره؟!([22]).
وهذا الإختلاف الظاهر في مواقف هؤلاء الذين استولوا على الخلافة من صاحبها الشرعي، يدل على أنها كلها تأويلات جاءت بعد الوقوع، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الإعتراف بالحق، والتنازل عن الحق لأهله بعد اغتصابه منهم.



([1]) المواقف الإيجي ج3 ص590 و 594 وكتاب الإرشاد للجويني ص357 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص186. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص391 وشرح المواقف للقاضى الجرجانى ج8 ص352 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص339 والبحار ج28 ص363 والغدير ج7 ص141.
([2]) الأحكام السلطانية ج2 ص6 و 7. وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 49 وتفسير الآلوسي ج28 ص24 والجمل للمفيد ص92 وكشف الغمة ج3 ص69 وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص74 وراجع: المناقب لابن شهرآشوب ج3 ص472 والإرشاد للمفيد ج2 ص259 ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهانى ص375 ومستدرك الوسائل ج13 ص141 وكتاب الأربعين للشيرازي ص396 وروضة الواعظين ص225.
([3]) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص458 والكامل في التاريخ ج2 ص331.
([4]) راجع: الإمامة والسياسة لابن قتيبة (بتحقيق الزيني) ج1 ص16 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص26 والبحار ج28 ص354.
([5]) راجع: أسد الغابة ج1 ص92 والإصابة ج1 ص49 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص292.
([6]) راجع: أسد الغابة ج1 ص92 والغدير ج11 ص108.
([7]) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج6 ص19 عن الموفقيات ص578 والرياض النضرة ج1 ص164 وتاريخ الخميس ج 1 ص188.
([8]) راجع: البيان والتبيين ج3 ص181 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص457 والبحار ج28 ص335 والكامل في التاريخ ج2 ص329.
([9]) راجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص92 والبحار ج28 ص181 و 345 وشرح النهج للمعتزلي ج6 ص9 والسقيفة وفدك للجوهري ص60 و تاريخ الأمم والملوك ج2 ص457 والإمامة والسياسة (بتحقيق الزيني) ج1 ص15 و (بتحقيق الشيري) ج1 ص25 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص188.
([10]) مروج الذهب ج2 ص301 والعقد الفريد ج4 ص259 وشرح النهج للمعتزلي ج1 ص131 وأسد الغابة ج3 ص222 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف) ج3 ص208 والكامل في التاريخ ج2 ص325 و 331 وتاريخ اليعقوبي (ط الغري) ج2 ص103 و 105وسمط النجوم العوالي ج2 ص244 والسيرة الحلبية (ط البهية بمصر) ج3 ص356 والمختصر لأبي الفداء ج1 ص156. وراجع: الرياض النضرة ج1 ص167 وتاريخ الخميس ج1 ص188 وابن عبد ربه ج3 ص64 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 وابن شحنة (بهامش الكامل) ج11 ص112 والجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد ج2 ص130 ـ 134.
([11]) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج1 ص219 وج6 ص9 و 11 و 19 و 40 و 47 و 48 و 49.
([12]) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج2 ص50 وج6 ص47 وأنساب الأشراف البلاذري ج1 ص590 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص314 عنه. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص154 والمراجعات للسيد شرف الدين ص337 والسقيفة وفدك للجوهري ص46.
([13]) راجع: صحيح البخاري (كتاب الحدود، باب رحم الحبلى من الزنا إذا أحصنت) (ط محمد علي صبيح) ج8 ص209 وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص23 و 26 و 29 وج6 ص47 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الجيل) ج4 ص226 والنهاية لابن الأثير ج3 ص466 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص305 والكامل في التاريخ ج2 ص327 ولسان العرب ج2 ص371 وتاج العروس ج1 ص568 والصواعق المحرقة (ط المحمدية) ص8 و 12 و 34 و 36 وتاريخ الخلفاء ص67 والسيرة الحلبية ج3 ص360 و 363 ومسند أحمد ج6 ص55 وأنساب الأشراف ج5 ص15 والرياض النضرة ج1 ص161 وتيسير الوصول ج2 ص42 و 44 وتمام المتون للصفدي ص137 والملل والنحل (ط دار المعرفة) ج1 ص22 والتمهيد للباقلاني ج1 ص116.
([14]) سبل الهدى والرشاد ج12 ص318. والفايق في غريب الحديث للزمخشري ج3 ص50.
([15]) سبل الهدى والرشاد ج12 ص312. وراجع: الطرائف لابن طاووس ص483 ومسنـد أحمـد ج1 ص56 وصحيح البخـاري ج8 ص27 والسنن الكـبرى = = للبيهقي ج8 ص142 وفتح الباري ج7 ص24 وج12 ص135 و 136 وعمدة القاري ج24 ص11 والمصنف للصنعاني ج5 ص443 وصحيح ابن حبان ج2 ص150 وكنز العمال ج5 ص646 والثقات لابن حبان ج2 ص155 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص282 و 285 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص446 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص7 والبداية والنهاية ج5 ص267 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1073 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص488 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص480.
([16]) سبل الهدى والرشاد ج12 ص312. وراجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.
([17]) البحار ج28 ص325 وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص38. وراجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.
([18]) تاريخ اليعقوبي ج2 ص137 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص117 و 118 وإثبات الهداة ج2 ص359 و 367 و 368 والعقد الفريد ج4 ص268 والإيضاح لابن شاذان ص161 والإمامة والسياسة ج1 ص18 وسير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين) ص17 ومجموع الغرائب للكفعمي ص288 ومروج الذهب ج1 ص414 وج2 ص301 وشرح النهج للمعتزلي الشافعي ج1 ص130 وج17 ص168 و 164 وج6 ص51 وج2 ص47 و 46 وج20 ص24 و 17 وميزان الإعتدال ج3 ص109 وج2 ص215 والإمامة (مخطوط، توجد نسخة مصورة منه في مكتبة المركز الإسلامي للدراسات في بيروت) ص82 ولسان الميزان ج4 ص189 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف) ج3 ص430 وكنز العمال ج3 ص125 وج5 ص631 و 632 والرسائل الإعتقادية (رسالة طريق الإرشاد) ص470 و 471 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج2 ص171 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص62 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص90 و 108 عن العديد من المصادر، والنص والإجتهاد ص91 والسبعة من السلف ص16 و 17 والغدير ج7 ص170 ومعالم المدرستين ج2 ص79 وعن تاريخ ابن عساكر (ترجمة أبي بكر)، ومرآة الزمان، وراجع: زهر الربيع ج2 ص124 وأنوار الملكوت ص227 والبحار ج30 ص123 و 136 و 138 و 141 و 352 ونفحات اللاهوت ص79 وحديقة الشيعة ج2 ص252 وتشييد المطاعن ج1 ص340 ودلائل الصدق ج3 ق 1 ص32 والخصال ج1 ص171 ـ 173 وحياة الصحابة ج2 ص24 والشافي للمرتضى ج4 ص137 و 138 والمغني لعبد الجبار ج20 ق 1 ص340 و 341 ونهج الحق ص265 والأمـوال لأبي عبيد ص194 (وإن لم = = يصرح بها)، ومجمع الزوائد ج5 ص203 وتلخيص الشافي ج3 ص170 وتجريد الإعتقاد لنصير الدين الطوسي ص402 وكشف المراد ص403 ومفتاح الباب (أي الباب الحادي عشر) للعربشاهي (تحقيق مهدي محقق) ص199 وتقريب المعارف ص366 و 367 واللوامع الإلهية في المباحث الكلامية للمقداد ص302 ومختصر تاريخ دمشق ج13 ص122 ومنال الطالب ص280.
([19]) راجع: الأموال ص174 والعقد الفريد ج4 ص93 ومروج الذهب ج2 ص317 والإمامة والسياسة ج1 ص24 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص429 وراجع: ضعفاء العقيلي ج3 ص420 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص324.
([20]) الآية 55 من سورة المائدة.
([21]) راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص309 وفي هامشه عن: البخاري ج13 ص218 (7218) والبيهقي في الدلائل ج7 ص222 ومسلم في الإمارة، باب الإستخلاف ج3 ص1454 (11)، وراجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.
([22]) راجع: سنن ابن ماجة ج1 ص519 وإمتاع الأسماع ج14 ص482 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص261 وعمدة القاري ج14 ص31 وشرح مسلم للنووي ج11 ص88 وصحيح مسلم ج5 ص75 وصحيح البخاري ج3 ص186 ومسند أحمد ج6 ص32 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص286 وشرح أصول الكافي ج6 ص114 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص361.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com