الخاتمة

 خاتمة الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله..
وبعد..
1 ـ فقد انتهيت من تأليف هذا الكتاب، كتاب «الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»». في هذه الأيام الصعبة والأليمة، حيث الصدور حرى، والعيون عبرى مما يجري على أهلنا وقرانا، وكل جبل عامل الجريح، وفي العديد من المناطق اللبنانية الأخرى، وخصوصاً الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعلبك، والهرمل، وسائر المناطق في البقاعين وسواهما.. على أيدي اليهود الذين اغتصبوا فلسطين وشردوا أهلها.. حيث كانت آلة حقدهم تصب حممها على شيعة أهل البيت «عليهم السلام»، فتزهق أرواحهم، وتمزق أجسادهم بما في ذلك أجساد النساء والرجال، شيوخاً وأطفالاً، وكباراً وصغاراً، وتهدم بيوتهم على رؤوسهم، فيموت من يموت، ويجرح من يجرح، وتندر الأيدي، وتقطع الأرجل، وتتحطم العظام، وتمزق الأجساد، وتبقر البطون.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
أما المشردون والتائهون في مختلف البلاد، وهم مئات الألوف، فالله أعلم بحقيقة معاناتهم، وما يجري عليهم، حتى إن منهم من يصعب عليه حتى أن يجد الملاذ والمأوى، فافترش الأرض، والتحف السماء.
ولعل أقسى ما يؤلمهم هو شماتة الأعداء بهم، بالإضافة إلى ما يعانونه من شظف العيش، وفقدان أدنى مقومات الحياة، فلا وطاء، ولاغطاء، ولا طعام ولاماء، ولاحتى دواء، فضلاً عما سوى ذلك..
على أن هناك ثلة من أهلنا من أصحاب النفوس الأبية، والأرواح القدسية، قد بقيت متشبثة بأرضها وبيوتها، تؤثر الموت فيما تهدَّم منها، على الهجرة عنها، رغم أنها تعيش في أقسى ظروف يمكن أن يواجهها البشر، حيث يقتلون على أيدي اليهود أحفاد قتلة الأنبياء، وأعداء الصلحاء، وإخوان القردة والخنازير، ومردة الشياطين، فكانت تحوم فوق رؤوسهم الطائرات، المحملة بقنابل الحقد، المشحونة بآلة الدمار..
فلا تكاد تفارقهم لحظة واحدة، وكل همها هو أن تتخير منهم من تشاء من أهل العفاف والتقوى، ليكونوا أهدافاً لها، ترميهم بسهام الحقد في أية لحظة تشاء.
هذا، بالإضافة إلى المدمرات والزوارق الحربية التي تتربص بهم، والمدافع الثقيلة والدبابات التي تصب حممها فوق رؤوسهم، مع احتمال أن يجتاحهم عدوهم بجنوده في كل ساعة، وأية لحظة.. ليتفنن بالفتك بهم..
هذا عدا عن أن الكثيرين منهم قد لا يجدون ما يدفعون به سورة الجوع والعطش عن أنفسهم.. فهم يأكلون الجشب، ويشربون الكدر.. فيا لها من مصيبة ما أعظمها، ومن جرح ما أشد ألمه..
2 ـ على أن كل هذا الحزن والأسى قد جاء متمازجاً بشعور الكرامة والعزة والإباء، ما دام أن تلك الوحوش الكاسرة إنما فتكت بهؤلاء الآمنين من النساء، والأطفال والمسنين، بعد أن أذاقها أولئك الأشاوس، عشاق علي والحسين والزهراء «عليهم السلام» مرارة الخزي والهوان، والذل والخسران في ساحات الوغى، فلاذت بالفرار، وتوارت خلف الأسوار، وصبت جام غضبها على الصغار والكبار، وباءت بغضب العزيز الجبار..
3 ـ وكان مما امتحنني الله به، هو تدمير مكتبتي، التي كانت في بيتي في الضاحية الجنوبية لبيروت. واحتراق غرفة كانت تحوي شطراً من مكتبتي في عيثا الجبل أيضاً.. وكانت تحوي بالإضافة إلى بعض المخطوطات القديمة جميع ما خطته يدي طيلة حياتي، وما أكثره، وقد التهمته النار، وأتت عليه، ولم يسلم لي حتى سطر واحد.
ولكن كل ذلك يهون ويرخص أمام ما عايناه من ألطاف إلهية، شملت أهل الإيمان تمثلت بنصر قل نظيره، وبعنايات ربانية مكنت محبي علي أمير المؤمنين «عليه السلام» وشيعته الأوفياء، ومواليه الصفياء من إذلال أعداء الله سبحانه، فأبار الله كيدهم. وأظهر خزيهم، وذلهم.
4 ـ إن قسماً كبيراً، أو القسم الأكبر من آخر جزء من هذا الكتاب، قد كتب في أجواء هذه الحرب، وفي أماكن فرضت علينا المخاطر اللجوء إليها، لأننا ظننا أنها أكثر أمناً..
فربما لم نتمكن من إعطائها حقها، ولو بمقدار ما حظيت به سائر أقسام هذا الكتاب، وربما نكون قد غفلنا عن أمور كثيرة كان يحسن بنا ذكرها، أو الإلماح إليها، بنحو أو بآخر..
فنحن نعتذر إلى القارئ الكريم عن أي تقصير يمكن أن يلاحظ فيها..
 5 ـ وبالنسبة لعملنا في هذا الكتاب نود أن نعترف ونعتذر، فنعترف بما يلي:
ألف: إننا بسبب تباعد أوقات عملنا فيه، لم نستطع في مراجعاتنا لمصادر النصوص أن نعتمد على طبعة واحدة منها، فاختلفت الطبعات لكثير من تلك المصادر، حتى في الفصل الواحد، وربما بين صفحة وأخرى، بل بين مورد وآخر.. مثل: كنز العمال، طبقات ابن سعد، تاريخ الطبري، الإصابة، مسند أحمد، البداية والنهاية، السيرة النبوية لابن هشام، تاريخ اليعقوبي، صحيح البخاري، صحيح مسلم، الكافي، البحار، وعشرات المصادر الأخرى..
ب: قد يلمس القارئ الكريم بعض الإختلاف في طريقة التعاطي مع النصوص فيما بين الثلث الأول من أجزاء هذا الكتاب، وبين الأجزاء التي تلتها، حيث آثرنا في الأجزاء العشرين الأخيرة أن نعتمد طريقة حشد طائفة من النصوص أولاً، ثم نبدأ بمناقشتها، أو بالتحليل لنصوصها. أو بتسجيل تحفظات، أو إثارة تساؤلات حولها.. ضمن عناوين لاحقة.. حيث وجدنا في هذه الطريقة بعضاً من السهولة علينا، وإن كانت قد توجب حالة من التوزع للمطالب، والتباعد بين موقع النص، وموضع مناقشته، أو تحليل نصوصه..
الأمر الذي قد يتسبب بحدوث توهمات لدى القارئ الذي لم يطلع على طريقتنا التي ألمحنا إليها، فيتوهم موافقتنا على مضمون النص، مع أن الأمر على خلاف ذلك..
ج: ثم إننا نريد أن نعتذر عن تقصيرنا في استقصاء النصوص، وعن عزوفنا في أحيان كثيرة عن استقصاء المصادر، فيؤدي ذلك الى إغفال بعض النصوص، وإهمال نقاشها، أو الإكتفاء بأقل القليل من ذلك.
وهذا ولا شك تقصير نستغفر الله فيه، ونعتذر للقارئ الكريم عنه.
د: علينا أن نعتذر أيضاً عن بعض الإستطرادات الطويلة، التي قد يتضايق القارئ منها، ويرى أنها فرضت عليه، ربما لمبرر لا يعنيه..
هـ: ونعتذر أخيراً عن عدم مراعاتنا الضوابط الفنية المقررة في طريقة تسجيل النصوص، وكيفية وضع الهوامش، فقد يحمل ذلك بعض من يتقيد بهذه الأمور على إصدار أحكام قاسية ضدنا، ونحن سوف نتلقاها بصدر رحب، وسنعطيه كل الحق في ذلك.
وليكن هذا الإعتراف شافعاً لنا عنده، ووسيلتنا إليه، ليقبل منا هذا الإعتذار.
و: وقبل الختام أحب أن أشير إلى أنه مهما قيل في قيمة هذا الجهد، وفي مستواه.. فإنني أقدمه للقراء الأعزاء على أنه مجرد خطوة متواضعة ومحدودة، معترفاً بأنه لم يستطع أن يوفي السيرة النبوية حقها.. فتبقى الحاجة ملحة إلى كثير من الخطوات التي تكون أكثر ثباتاً، وأشد رسوخاً في مجال التحقيق والتمحيص للنصوص، وفي مجال استفادة المناهج الصحيحة، والعبر الصريحة منها..
ز: وبعد.. فإنني أزجي شكري الجزيل لإخوتي الأعزاء الذين لم يدخروا وسعاً في مساعدتي، وتذليل الصعاب التي كانت تواجهني، فشكر الله سعيهم، وتقبل عملهم هذا بأحسن القبول، وأثابهم بما يثيب به المجاهدين في سبيله، إنه ولي قدير.
وأخيراً، فإنني أهدي ثواب هذا الجهد المتواضع إلى والديَّ، وإلى شهداء هذه الهجمة الشرسة والحاقدة.. سائلاً المولى الكريم أن ينصر عباده، ويعز أولياءه، إنه ولي قدير..

 

جعفر مرتضى العاملي

لبنان ـ 29 جمادى الثانية 1427 للهجرة.

الموافق: 25 تموز 2006للميلاد.
 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar

المفكرة

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
  • الإمام الحسن العسكري (ع)

  • المرئيات

  • الفقه

  • الصور

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com