السيّد اليزدي وزعماء النجف

يمثّل زعماء النجف فئة اجتماعية لها شأنها المؤثّر في الحياة العامّة للمدينة وما يرتبط بها من أوضاع سياسيّة واجتماعيّة. وليست هذه الزعامة صفة دينيّة، إنّما هي سلطة محلّية تقوم على أساس القوّة والأعوان والاعتبارات الشعبيّة.
وخلال الفترة ـ موضوع البحث ـ كانت الزعامات المحلّية تتوزّع على أربعة رؤساء، يتولّى كلّ واحد منهم السلطة على إحدى محلّات النجف الأربع: عطية أبو كِلل (محلّة العمارة)، مهدي السيّد سلمان (محلّة الحويش)، كاظم صُبّي (محلّة البراق)، سعد الحاج راضي (المشراق). كان عطية أبو كلل هو الأقوى لاينافسه سوى مهدي السيّد سلمان، وكان كلّ منهما يطمح إلى فرض هيمنته المطلقة على المدينة بأسرها.
ورغم أنّ توجّهات هؤلاء الزعماء تختلف عن توجّهات علماء الدين بحكم الفارق الاجتماعي والثقافي بينهما إلّا أنـّهم كانوا في المواقف الحسّاسة لايخرجون على إرادتهم، ففي الأيام الساخنة للحركة الدستورية (المشروطة) كان بعض رؤساء النجف يحيطون بالسيّد اليزدي لحمايته من اعتداء محتمل قد يشنّه أنصار المشروطة عليه. وقد كانت علاقتهم بالسيّد اليزدي وثيقة تفوق بقية المراجع، بل إنّ أحداث الحركة الدستورية جعلتهم يقفون إلى جانبه مبتعدين عن غيره من علماء الدين المؤيدين للمشروطة[1] .
وعندما أفتى علماء الشيعة بوجوب الجهاد ضد الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالميّة الاُولى، استجاب رؤساء النجف لدعوة الجهاد وتحمّسوا لأداء واجبهم الإسلامي، غير أنّ الانتكاسة العسكريّة في معركة الشعيبة في (14 نيسان 1915م) وسوء معاملة الأتراک للمجاهدين، مثّل بداية تحوّل في موقف رؤساء النجف. لقد تصاعدت في تلک الفترة درجة التذمّر من الحكم العثماني، ولجأ الكثير من الفارّين من الخدمة العسكرية إلى مدينة النجف الأشرف.
يبدو أنّ هذا الوضع الجديد ساهم في تكوين اتجاه يدعو إلى الثورة على الأتراک، وظهرت في المدينة منشورات تنادي بأنّ محاربة الحكومة العثمانيّة أولى من محاربة المشركين. وعلى أثر ذلک أرسل الوالي إلى النجف قوّة عسكريّة كبيرة للقبض على الفارّين، وأعطى قائد القوّة إنذاراً للأهالي أمده ثلاثة أيام لكي يسلّم الفارّون أنفسهم. ولمّا انتهت المدّة أخذ رجال الشرطة يتعقّبون الفارّين، ويداهمون البيوت ليلاً ونهاراً، ويتحسّسون أجساد النساء مخافة أن يكون أحد الفارّين قد تنكّر بزيّ امرأة[2] .
كان من شأن هذه الإجراءات أن تستفزّ الرأي العام، وتولّد ردود فعل عنيفة، لاسيّما مسألة التعرّض للنساء في مجتمع محافظ كمجتمع النجف، وكان من الطبيعي أن تتحوّل ردّة الفعل إلى اتّجاه اجتماعي وسياسي عام في المدينة، وأن يتصدّى رؤساء النجف للإجراء الحكومي، باعتبار أنّ التجاوز على البيوت أمر يرتبط مباشرة بموقعهم الاجتماعي واعتباراتهم الشعبيّة، خصوصاً وأنّ الناس في مثل هذه الحالات يلجؤون إلى زعاماتهم المحلّية.
في ليلة (22 مايس 1915م/ 8 رجب 1333 ه) اندلعت في النجف ثورة ضد الإدارة التركيّة، ودارت معارک عنيفة بين الثوار وبين القوّات العثمانيّة، اضطرّ الأتراک في النهاية إلى الاستسلام[3]. ودخلت الحكومة في مفاوضات مع رؤساء النجف تمخّضت عن احتفاظ الحكومة بوجود رمزي في المدينة، بينما أصبحت السلطة الفعليّة بيد الرؤساء.
لم يواجه رؤساء النجف مشكلة داخليّة في مشروعهم الإداري، بمعنى أنـّهم لم يتعرّضوا لردود فعل من أبناء المدينة أو من علماء الدين. ويبدو أنّ موقف السيّد اليزدي كان يمكن أن يفهمه رؤساء النجف على أ نّه في صالح الثورة. فخلال المعارک اُصيبت مآذن الصحن العلوي الشريف بقذائف الأتراک، ممّا جعل السيّد اليزدي يشجب هذا الاعتداء ببرقيّة أرسلها إلى إسطنبول[4].
كان موقف السيّد اليزدي دقيقاً في حركة الأحداث آنذاک. فالأتراک يخوضون حرباً دفاعيّة ضد الاستعمار البريطاني، ورغم مؤازرة علماء الشيعة وأبناء العشائر والمدن الشيعية لهم، إلّا أنّهم لم يثمّنوا هذه المواقف الكبيرة للشيعة، الّـذين تناسوا الخَزِين التاريخي ووقفوا إلى جانب الأتراک بدافع إسلامي واعٍ.
في مقابل ذلک، فإنّ توسيع نطاق الثورة واعتمادها كخطّ سياسي في التعامل مع الحكومة العثمانيّة، سيشكّل بدون ريب إضعافاً لوجودهم العسكري، وفي ذلک تقوية لأعدائهم البريطانيين.
إذن فالسيّد اليزدي ومعه علماء الشيعة كانوا يقفون إزاء معادلة سياسيّة حسّاسة وخطيرة، وقد تعاملوا مع الظرف بطريقة واعية دقيقة، وذلک باعتماد منهجين أساسيين في صياغة الموقف :
الأوّل : الإبقاء على موقفهم السابق في مواجهة الاحتلال البريطاني والتصدّي لجيوشه الاستعماريّة، كخطٍّ شرعي ثابت.
والثاني : الحفاظ على المكسب الاستقلالي الّذي حقّقه رؤساء النجف، وإنهاء حالة المواجهة والثورة المسلّحة ضد الأتراک، مع تنظيم صيغة رمزيّة للعلاقة مع الحكومة المركزيّة تحفظ هيبتها وصورتها الرسميّة أمام الرأي العام.
ورغم دقّة هذه المنهجيّة السياسيّة على المستوى التطبيقي، إلّا أنّه أمكن تنفيذها بنجاح، حيث إنّ العلاقة مع الدولة العثمانيّة لم تشهد تصعيداً جديداً. كما أنّ علاقة السيّد اليزدي الوثيقة برؤساء النجف ساهمت في إدارة الشؤون العامة للمدينة بشكل جيّد، فكانت توصياته تنفّذ من قبل الرؤساء، وكان ختم السيّد اليزدي يُعتمد في الشؤون الإدارية كالأملاک والعقارات، وغير ذلک من المعاملات الّتي تتّصل بحياة الناس وشؤونهم العامّة.

********************************
(1) مقابلة مع المرحوم السيّد عبدالعزيز الطباطبائي في (21 رمضان 1414 ه / 4 آذار1994م). والسيّد الطباطبائي أحد أحفاد السيّد كاظم اليزدي، ومن محققي الشيعة فيالعصر الحاضر، وهو عميد اُسرة اليزدي في حينه وكان بحوزته مجموعة وثائقية نادرةلمراسلات السيّد اليزدي المتبادلة مع علماء الدين ورؤساء العشائر والسياسة في تلکالفترة.
(2) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، د. علي الوردي: 4/188.
(3) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، د. علي الوردي: 4/189.
(4) موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف، جعفر الخليلي: 1/251.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

telegram ersali ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

30 رمضان

وفاة الخليفة العباسي الناصر لدين الله

المزید...

23 رمضان

نزول القرآن الكريم

المزید...

21 رمضان

1-  شهيد المحراب(عليه السلام). 2- بيعة الامام الحسن(عليه السلام). ...

المزید...

20 رمضان

فتح مكّة

المزید...

19 رمضان

جرح أميرالمؤمنين (عليه السلام)

المزید...

17 رمضان

1 -  الاسراء و المعراج . 2 - غزوة بدر الكبرى. 3 - وفاة عائشة. 4 - بناء مسجد جمكران بأمر الامام المهد...

المزید...

15 رمضان

1 - ولادة الامام الثاني الامام الحسن المجتبى (ع) 2 - بعث مسلم بن عقيل الى الكوفة . 3 - شهادة ذوالنفس الزكية ...

المزید...

14 رمضان

شهادة المختار ابن ابي عبيدة الثقفي

المزید...

13 رمضان

هلاك الحجّاج بن يوسف الثقفي

المزید...

12 رمضان

المؤاخاة بين المهاجرين و الانصار

المزید...

10 رمضان

1- وفاة السيدة خديجة الكبرى سلام الله عليها. 2- رسائل أهل الكوفة إلى الامام الحسين عليه السلام . ...

المزید...

6 رمضان

ولاية العهد للامام الرضا (ع)

المزید...

4 رمضان

موت زياد بن ابيه والي البصرة

المزید...

1 رمضان

موت مروان بن الحكم

المزید...
012345678910111213
  • شهر رمضان

  • المرئيات

  • محاضرات أخلاقية

  • الفقه

سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com