١٤ ذي الحجة

في اليوم (14) من ذي الحجّة وقعت « قصة فدك »

فدك بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والزهراء (عليها السلام)

 

قال تعالى: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[1]. نلاحظ أنّ هذه الآية خطاب من الله عزّ وجلّ إلى نبيّه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يأمره أن يؤتي ذالقربى حقّه، فمن هم ذوو القربى؟ وما هو حقّهم؟ وقد اتّفق المفسّرون أن ذوي القربى هم أقرباء الرسول وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) فيكون المعنى: أعطِ ذوي قرباك حقّهم.

جاء في الدرّ المنثور للسيوطي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: لمّا نزلت الآية (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ... )؛ دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء وأعطاها فدكاً[2].

وذكر ابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقة أنّ عمر قال: إنّي اُحدثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره فقال: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ...) فكانت هذه (يعني: فدكاً) خالصة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ويستفاد من الروايات التأريخية أنّ فدكاً كانت بيد الزهراء وأنّها كانت تتصرف فيها، ويستدل على أن فدكاً كانت بيد آل الرسول من تصريح الإمام عليّ(عليه السلام) في كتابه الذي أرسله إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة، «بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قومٍ آخرين، ونِعْم الحَكمُ الله...»[3].

عبّرت بعض الروايات أنّه عندما استقرّ الأمر لأبي بكر انتزع فدكاً من فاطمة(عليها السلام)[4]، ومعنى هذا الكلام أنّ فدكاً كانت في يد فاطمة وتحت تصرّفها من عهد أبيها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فانتزعها أبوبكر منها.

وفي رواية العلامة المجلسي: فلمّا دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة ـ بعد استيلائه على فدك ـ دخل على فاطمة (عليها السلام) فقال: «يا بنية إنّ الله قد أفاء على أبيكِ بفدك واختصّه بها، فهي له خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء وإنّه قد كان لاُمك خديجة على أبيك مهر، وإنّ أباك قد جعلها لك بذلك، وأنحلها لك ولولدك بعدك» قال:‌ فدعا بأديم ودعا بعليّ بن أبي طالب وقال له: «اُكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله» وشهد على ذلك عليّ بن أبي طالب(صلى الله عليه وآله وسلم) ومولىً لرسول الله واُمّ أيمن[5]. [6]

اغتصاب فدك

لمّا توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واستولى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أم أهله؟ قال: بل أهله، قالت: فما بال سهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّ الله أطعم نبيّه طعمة» ثم قبضه وجعله للذي يقوم بعده فولّيت أنا بعده أن أردّه إلى المسلمين.

وروي عن عائشة أنّ فاطمة(عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حينئذ تطلب ما كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمّد من هذا المال. وإني ـ والله ـ لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأعملن فيها بما عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً[7].

وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال عليٌّ لفاطمة(عليهما السلام): «إنطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاءت إلى أبي بكر وقالت: لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وأخرجتَ وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الله تعالى ؟» فقال إن شاء الله إنّك لا تقولين إلا حقاً ولكن هاتي على ذلك شهوداً، فجاءت اُم أيمن وقالت له: لا أشهد ـ يا أبا بكر ـ حتى أحتجّ عليك بما قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، اُنشدك بالله ألست تعلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «اُم أيمن امرأة من أهل الجنة»؟ فقال: بلى، وقالت: فاشهد أنّ الله ـ عزّوجل ـ أوصى إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله وجاء عليّ (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك، فكتب أبوبكر لها كتاباً ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال أبوبكر: إنّ فاطمة ادّعت فدك وشهدت لها اُم أيمن وعليّ فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزّقه، فخرجت فاطمة تبكي.

وروي أنّ الإمام علياً(عليه السلام) جاء إلى أبي بكر وهو في المسجد فقال: «يا أبا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟» فقال أبوبكر: هذا فيء المسلمين، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جعله لها، وإلا فلا حقّ لها فيه، فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): «يا أبابكر أتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟» قال: لا، قال(عليه السلام): «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادّعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟» قال: إياك أسأل البيّنة، قال(عليه السلام): «فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادّعوا شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟»... فسكت أبو بكر.

فقال عمر: يا على، دعنا من كلامك، فإنا لا نقوى على حجّتك، فأن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حقّ ولا لفاطمة فيه.

فقال الإمام عليّ(عليه السلام): «يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟» قال: نعم، قال(عليه السلام): «أخبرني عن قوله عزّوجل: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فيمن نزلت؟ فينا أوفي غيرنا؟» قال: بل فيكم، قال(عليه السلام): «فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بفاحشة ما كنت تصنع بها؟»، قال: كنت اُقيم عليها الحدّ كما اُقيم على نساء العالمين!، قال عليّ(عليه السلام): كنتَ إذن عند الله من الكافرين»، قال: ولمَ؟ قال(عليه السلام): «لأنّك رددت شهادة الله بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً وزعمت أنّها فيء للمسلمين، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر» فدمدم الناس، وأنكر بعضهم بعضاً، وقالوا: صدق والله عليّ[8]. [9]

مطالبتها بفدك:

خطبت خطبتها المعروفة(عليها السلام) بالفصاحة والبلاغة والكلام العميق في ارادة حقّها واستدلت بآيات من الذكر العظيم وفي خطبتها معارفٌ الهيّة كبرى دالّة على عمق فهمها وادراكها وعلو شأنها العلمي العالي ولكن القوم مع الاسف الشديد في آذانهم وقرأ وعلي عيونهم غطاء وفي عقولهم نقصان إن هم كالانعام بل أضلّ سبيلاً، إنّهم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)[10].

واين افرار من يوم تُشَخَّصُ فيه الابصار (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)[11].

ما فعلوا وهم قد سمعوا كراراً ومراراً: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويرضيني ما يرضيها»

«فاطمة روحي التي بين جنبيَّ» وعشرات الاحاديث، فانتظروا لمن عقبى الدار وانتظروا من يأتيه عذابٌ يخزبه ولله عاقبة الامور. ومن يريد أن يراجع خطبة الزهراء حول فدك بصورة كاملة واحتجاجها فليراجع الاحتجاج: 2/253.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ الروم: 38.

[2] ـ الدر المنثور: 4/177، وجاء مثله في كشف الغمة: 1/476، عن عطية، ورواه الحاكم النيسابوري في تاريخه.

[3] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 45.

[4] ـ راجع الصواعق المحرقة: 25.

[5] ـ بحارالأنوار: 17/378 ح 46.

[6] ـ اعلام الهداية : 3/131 ـ 133.

[7] ـ شرح نهج البلاغة: 16/217.

[8] ـ الاحتجاج للطبرسي: 1/234، وكشف الغمة: 1/478، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 16/274.

[9] ـ اعلام الهداية: 3/133 ـ 134.

[10] ـ البقرة: 18.

[11] ـ عبس: 40 ـ 42.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page