|
|||
|
(61)
في معانيها الشرعية في كلام الائمة الاطهار صلوات الله عليهم أجمعين مما يبعد النزاع فيه غاية البعد.
واستقلال القرآن والاخبار النبوية ـ المنقولة من غير جهة الائمة عليهم السلام ، بحكم ـ مما لا يكاد يتحقق بدون نص من الائمة عليهم السلام على ذلك الحكم. الثالث : الاصل في اللفظ أن يكون مستعملا فيما وضع له حتى يثبت المخرج ، فإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز ، رجحت الحقيقة. وكذا إذا دار بينها (1) وبين النقل ، أو التخصيص ، أو الاشتراك ، أو الاضمار. ولكن إن وقع التعارض بين واحد من هذه الخمسة مع آخر منها ـ كما قيل (2) في آية ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) (3) حيث إن الحكم بتحريم معقودة الاب على الابن من الآية موقوف على مجازية النكاح في الوطئ ، إذ على تقدير الاشتراك يجب التوقف ، كما يتوقف في حمل كل مشترك على واحد من معانيه بدون القرينة ـ فقد قيل : بتقديم (4) المجاز على الاشتراك وغيره عدا التخصيص ، و: بتقديم (5) الاشتراك على النقل ، وقيل : بالعكس ، و: بتقديم (6) التخصيص على غيره ، و: بتساوي الاضمار والمجاز (7). والاولى : التوقف في صورة التعارض ، إلا مع أمارة خارجية أو داخلية توجب صرف اللفظ إلى أمر معين ، إذ مما ذكروا في ترجيح البعض على البعض ، من كثرة المؤنة وقلتها ، وكثرة الوقوع وقلته ، ونحو ذلك ، لا يحصل الظن بأن 1 ـ في ب : بينهما. 2 ـ التمهيد : 190 ، الابهاج : 1 / 329 ، شرح البدخشي : 1 / 386. 3 ـ النساء / 22. 4 و5 و6 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : بتقدم. 7 ـ شرح العضد : 1 / 50 ، شرح البدخشي : 1 / 388 ، تهذيب الوصول : 16. 8 ـ في ط : المؤن. (62)
المعنى الفلاني هو المراد من اللفظ في هذا الموضع.
وبعد تسليم الحصول ـ أحيانا ـ لا دليل على جواز الاعتماد على مثل هذه الظنون في الاحكام الشرعية ، فإنها ليست من الظنون المسببة (1) عن الوضع. الرابع : إطلاق المشتق ـ كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما ـ على المتصف بمبدئه بالفعل حقيقة ، إتفاقا ، كالضارب لمباشر الضرب. وقبل الاتصاف بالمبدأ ؟ المشهور : أنه مجاز ، وادعى جماعة الاتفاق عليه ، وقال صاحب الكوكب الدرّي : « إطلاق النحاة يقتضي أنه إطلاق حقيقي » (2). وأما بعد زوال المبدأ ، كالضارب لمن انقضى عنه الضرب ؟ ففيه أقوال : أولها : مجاز مطلقا. ثانيها : حقيقة مطلقا (3). ثالثها : إن كان مما يمكن (4) بقاؤه فمجاز ، وإلا فحقيقة (5). وتوقف جماعة كابن الحاجب (6) والآمدي (7). وذكر الرازي (8) والآمدي (9) والتبريزي ـ في اختصار المحصول (10) ـ وجماعة اخرى (11) : أن محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي 1 ـ في أ : المسببية ، وفي ط : المستثناة. 2 ـ الكوكب الدرّي : 233. 3 ـ يشعر به كلام العلامة : تهذيب الوصول : 10 ، وكلام المحقق الكركي : رسائل المحقق الكركي : 2 / 82. 4 ـ في أ : لا يمكن. 5 ـ حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 25. 6 ـ المنتهى : 25. 7 ـ الاحكام : 1 / 48 ـ 50. 8 ـ المحصول : 1 / 91 ، ويفهم هذا من جوابه على ( قوله رابعا ). 9 ـ الاحكام : 1 / 50. 10 ـ حكاه عنه الإسنوي : التمهيد : 154. 11 ـ الابهاج : 1 / 229. (63)
يناقض المعنى الاول أو يضاده ، كالسواد مع البياض ، والقيام مع القعود ، ومع الطريان مجاز إتفاقا (1).
وفي تمهيد الاصول : « إن النزاع إنما هو فيما اذا كان المشتق محكوما به ، كقولك : زيد مشرك (2) ، أو قاتل ، أو متكلم ، فإن كان محكوما عليه ـ كقوله تعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا ... ) (3) ، ( والسارق والسارقة فاقطعوا ... ) (4) و( فاقتلوا المشركين ... ) (5) ونحوه ـ فإنه حقيقة مطلقا : سواء كان للحال أو لم يكن » (6). والحق : أن إطلاق المشتق باعتبار الماضي حقيقة ، إذا (7) كان إتصاف الذات بالمبدأ أكثريا ، بحيث يكون عدم الاتصاف بالمبدأ مضمحلا في جنب الاتصاف ، ولم تكن الذات (8) معرضة عن المبدأ ، أو راغبة عنه ، سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به ، وسواء طرأ الضد أم لا (9) ، لانهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب القرينة ، كالكاتب والخياط والقارئ والمتعلم والمعلم ونحوها ، ولو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم ونحوه. والقول : بأن الالفاظ المذكورة ونحوها كلها موضوعة لملكات هذه 1 ـ يلاحظ ان المصنف قد اعتمد في حكاية هذه الاقوال المذكورة على الإسنوي : التهميد : 154. 2 ـ زاد في أ : أو قائم. 3 ـ النور / 2. 4 ـ المائدة / 38. 5 ـ التوبة / 5. 6 ـ التمهيد : 154. 7 ـ في ط : إن. 8 ـ في ب : بالذات. 9 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : أولا. (64)
الافعال (1).
مما يأبى عنه الطبع السليم في أكثر الامثلة ، وغير موافق لمعنى مبادئها على ما في كتب اللغة. وقال الشارح الرضي (2) ، نقلا عن أبي علي والرماني (3) : « إن اسم الفاعل مع اللام فعل في صورة الاسم » قال : « ونقل ابن الدهان ذلك أيضا عن سيبويه ، ولم يصرح سيبويه بذلك ، بل قال : الضارب زيدا بمعنى ضرب » انتهى (4). والحاصل : أن استعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي في كلامهم أكثر من أن يحصى ، والاصل في الاستعمال الحقيقة ، وكذا غيره من المشتقات. ومن فروع المسألة ما لو قال أحد : « وقفت الشيء الفلاني على سكان موضع كذا » فهل (5) يبطل حق الساكن بالخروج عن الموضع مدة قليلة أو كثيرة ، على وجه الاعراض أو غير وجه الاعراض ؟ وقد عرفت التحقيق. 1 ـ في ب : الالفاظ. 2 ـ في أ : الشيخ الرضي. 3 ـ في ب : المازني ، وهو خطأ. 4 ـ شرح الكافية : 2 / 201. 5 ـ في أ : قيل. (65)
الباب الاول
في الامر والنهى
وفيه مقصدان (66)
(67)
الاول في الامر
وفيه مباحث :
الاول : في أن صيغة الامر هل تقتضي الوجوب أو لا ؟.
اختلف الناس في ذلك ، فقيل : إنها للوجوب (1) ، وقيل : للندب (2) ، وقيل : للقدر المشترك بينهما وهو الطلب (3) ، وقيل : باشتراكها بينهما لفظيا (4) ، وقد تدرج الاباحة فيها (5) لفظيا أو معنويا (6) باعتبار الاذن في الفعل ، وقد يدرج 1 ـ ذهب اليه الغزالي : المنخول : 107 ، والفخر الرازي : المحصول 1 / 204 ، والمحقق الحلّي : معارج الاصول : 64 ، والعلامة الحلّي : تهذيب الاصول : 21 ، والبيضاوي ، كما في الابهاج : 2 / 22 ، وابن الحاجب : المنتهى : 91 ، وشرح العضد : 1 / 191 ( المتن ) ، والمحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 46. 2 ـ ذهب اليه ابوهاشم ، كما في : شرح العضد 1 / 191. 3 ـ ذهب اليه الجبائي. حكاه عنه في : المنخول : 104. 4 ـ ذهب اليه الشافعي. حكاه عنه في : المستصفى : 1 / 426 ، وقال به السيد المرتضى أيضا : الذريعة : 1 / 53. 5 ـ كذا في ط ، وفي النسخ : فيهما. حكاه الإسنوي دون أن يسمي قائله : التمهيد : 268. 6 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : ومعنويا. (68)
التهديد فيها لفظيا (1) ، وقيل : بالوقف (2) في الاولين (3) ، وقيل للوجوب شرعا لا لغة (4).
والحق : أنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب ، وهو الطلب ، ولكن دل الشرع على وجوب امتثال الاوامر الشرعية فيحكم بالوجوب عند التجرد عن قرائن الندب (5) ، فههنا مقامان : الاول : أنها حقيقة في الطلب. والدليل عليه من وجوه : الاول : أن المفهوم من الصيغة ليس إلا طلب الفعل ، وربما لا يخطر بالبال الترك ، فضلا عن المنع عنه (6) ، ولهذا عرف النحاة (7) وأهل الاصول (8) الامر بأنه : طلب الفعل على سبيل الاستعلاء أو العلو (9). الثاني : ضعف دليل مثبتي الفصول المميزة ـ من الوجوب والندب ـ في 1 ـ قال الإسنوي في التمهيد : 268 : حكاه الغزالي في المستصفى. ولكن في المستصفى : « وقال قوم هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين والقرء » : المستصفى : 1/419. 2 ـ في ط : بالتوقف. 3 ـ ذهب اليه الآمدي ، حيث قال « وهو الاصح » : الاحكام : 2 / 369 ، وابوالحسن الاشعري ، والقاضي الباقلاني ، كما في المنخول : 105 ، و: شرح العضد : 1 / 192. 4 ـ اختلف في القائل بذلك ، للاختلاف في فهم كلمات الاصوليين ، ولعل المصنف أراد به قول الشافعي. انظر : الابهاج : 2 / 25. وقد ذهب الشيخ الطوسي إلى انها تقتضي الايجاب إن صدرت عن الحكيم : العدة 1/63. وقد يكون هذا القول هو مراد من ذكر هذا الاحتمال والله العالم. 5 ـ الذريعة : 1 / 53 ، المنخول : 108 ، المنتهى : 91. 6 ـ في ب : المنع من الترك. 7 ـ شرح المفصل : 7 / 58. 8 ـ التمهيد : 265 ، معارج الاصول : 62 ، تهذيب الاصول : 20. 9 ـ عبارة ( أو العلو ) ساقطة من أ ، ومع فرض وجودها تكون اشارة إلى الخلاف بين الاصوليين في اشتراط العلو ، أو اشتراط الاستعلاء ، أو عدم اشتراط شيء منهما. انظر تفصيل هذه الاقوال وادلتها في : المحصول : 1 / 198 ـ 199. (69)
حقيقة صيغة الامر ، كما ستطلع عليه.
الثالث : كثرة ورود الامر في الأحاديث متعلقا بأشياء بعضها واجب وبعضها مندوب ، من دون نصب قرينة في الكلام ، وهذا غير جائز لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك. وكذا كثرة وروده متعلقا بالامور الواجبة وكذا بالمندوبة ، من دون نصب القرينة في الكلام. لا يقال : على تقدير كون الصيغة حقيقة في القدر المشترك ، كيف يجوز استعمالها في الواجب (1) أو الندب ، بدون القرينة ؟! إذ المجاز مما لابد له من القرينة ؟! لانا نقول : الصيغة ليست مستعملة إلا في الطلب ، وإنما يعرف كون متعلقه (2) جائز الترك أو غير جائز الترك ، من موضع آخر (3) ، فليست إلا مستعملة في معناها الحقيقي. والقول باحتمال اقترانها بالقرينة حين الخطاب وخفائها علينا الآن ، مما يأبى عنه الوجدان ، لبعد خفائها في هذه المواضع على كثرتها ، ولاشتراك التكاليف بيننا وبينهم (4). 1 ـ كذا في النسخ ، والظاهر انه : الوجوب. 2 ـ كذا في أ ، وفي سائر النسخ : كون متعلق الصيغة. 3 ـ في ط : مواضع اخر. 4 ـ فان قلت : فالمنع من الترك والاذن فيه مراد للشارع ليكون داخلا فيما استعمل فيه الصيغة ، فيكون استعمال الصيغة في جل المواضع مجازا. قلت : المنع من الترك والاذن فيه ليسا من صفات الطلب ولا الفعل المطلوب حقيقة ، بل من صفات الطالب ، وظاهر انه لا يختلف معنى الصيغة باختلاف صفات المتكلم بها ، بل نقول : المنع من الترك مما لا ينفك عن حقيقة صيغة الامر ، غاية الامر أن المنع في بعض المواضع تنزيهي كما في المندوبات ، وفي البعض تحريمي غير كبيرة ، كما في الواجبات التي تركها من الصغائر ، وفي البعض تحريمي كبيرة ، كما في ما تركه يوجب الكفر ك ( آمن به ) ونحوه. فلو كان كون الصيغة للطلب يوجب مجازيتها في هذه المواضع ، كان كونها للايجاب أيضا يوجب مجازيتها في اغلب مواضع الايجاب ، وهم ينكرونه. فالحق ما عرفت من أن العقاب على ترك الفعل أو حرمان الثواب عليه ، أو الثواب على الفعل ، ليسا مما يتعقل دخوله في معنى الصيغة ، فتأمل جدا. ( منه رحمه الله ). (70)
حجة من قال بأنها حقيقة في الوجوب أمور :
أحدها : أن السيد إذا قال لعبده : ( إفعل كذا ) ولم يكن هناك قرينة أصلا ، فلم يفعل ، عد عاصيا ، وذمه العقلاء لتركه الامتثال ، فتكون للوجوب. (1) والجواب : لا نسلم تحقق العصيان والذم على تقدير انتفاء القرينة ، والقرائن في مثل هذه المواضع لا يكاد يمكن انتفاؤها ، إذ الغالب علمه بالعادة العامة ، أو عادة مولاه ، أو فوت منفعة مولاه ، ولهذا لو أمره مولاه بما (2) يختص بمصالحه ، من غير أن يعود على السيد منه نفع ولا ضرر ، لما ذمه العقلاء إذا لم يفعل ، وهذا ظاهر. والادلة الباقية : آيات قرآنية ، تدل على عدم جواز ترك ما تعلق به أمر الشارع (3) ، وسيجيء بعضها. والجواب : أن هذه الآيات لا تدل على كون الصيغة حقيقة في الوجوب ، كما لا يخفى. وحجة من قال بأنها للندب أمران : أحدهما : قول النبي صلى الله عليه وآله « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (4) » أي ما شئتم (5). 1 ـ معارج الاصول : 64. 2 ـ في أ : لما. 3 ـ : الذريعة : 1 / 57 ـ 58 ، المحصول : 1 / 205 ـ 234. 4 ـ غوالي اللآلي : 4 / 58 ح 206 ، صحيح مسلم : 2 / 975 ح 1337 ، مسند أحمد : 2 / 247 السنن الكبرى : 1 / 215. 5 ـ المنتهى : 92. (71)
وجوابه ظاهر ، لبطلان تفسير الاستطاعة بالمشيئة.
وثانيهما : مساواة الامر والسؤال إلا في الرتبة ، والسؤال إنما يدل على الندب ، فكذا الامر (1). وجوابه : منع المساواة أولا ، ونص أهل اللغة عليها غير ثابت ، ومنع دلالة السؤال على الندب ثانيا. المقام الثاني : إن امتثال الاوامر الشرعية واجب إلا مع دليل يدل على جواز ترك الامتثال ، والدليل عليه أيضا من وجوه : الاول : أن امتثال الامر طاعة ، إذ ليس معنى الطاعة إلا الانقياد كما صرح به أرباب اللغة ، وحصول الانقياد بامتثال الامر بديهي ، وترك الطاعة عصيان ، لتصريح أهل اللغة بأن العصيان خلاف الطاعة (2) ، والعصيان حرام ، لقوله تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ) (3). الثاني : قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) (4) مع الآيات الدالة على ذم ترك الطاعة ، كقوله تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) (5) وغيرها. الثالث : قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) (6). 1 ـ المحصول : 1 / 235 ، منهاج الوصول : 75. 2 ـ المفردات في غريب القرآن : حرف العين / ص 337. 3 ـ الجن / 23. 4 ـ النساء / 59. 5 ـ النساء / 80. 6 ـ النور / 63. (72)
والتهديد على مخالفة مطلق الامر لا يصح إلا مع وجوب امتثال مطلق الامر.
الرابع : ما ذكره السيد المرتضى رحمه الله من حمل الصحابة كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب (1). والظاهر كون باعث حملهم هو ما ذكرناه في هذا المقام ، لما مر (2) في المقام الاول ، ولاصالة عدم النقل. واعلم أن صاحب المعالم قال في أواخر هذا البحث : « فائدة : يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الائمة عليهم السلام ، أن استعمال صيغة الامر في الندب كان شائعا في عرفهم ، بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي ، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم عليهم السلام » (3) انتهى كلامه أعلى الله مقامه. وأنت بعد خبرتك بما ذكرنا تعلم أن صيغة الامر في كلام الائمة عليهم السلام ليست مستعملة إلا فيما استعملت فيه في كلام الله تعالى (4) ، وكلام جدهم صلى الله عليه وآله ، وكيف يتصور عنهم نقل لفظ كثير الاستعمال عن معناه الحقيقي في كلام جدهم صلى الله عليه وآله من غير تنبيه وإعلام لاحد : أن عرفنا في هذا اللفظ هذا المعنى ؟! حاشاهم عن ذلك ، بل الصيغة في كلامهم أيضا مستعملة في طلب مبدأ الصيغة ، وإنما يعلم العقاب على الترك وعدمه من أمر خارج. وورودها في كلامهم أيضا مجردة ، محمولة على الوجوب المذكور ، لفرض 1 ـ الذريعة : 1 / 54. 2 ـ في ط : لا ما مر. 3 ـ معالم الدين : 53. 4 ـ في أ : إلا فيما استعمل فيه كلام الله. (73)
طاعتهم أيضا ، لما مر ، ولما رواه الكليني ، في باب فرض طاعة الائمة عليهم السلام من الكافي ، بسنده عن بشير العطار ، قال : « سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : نحن قوم فرض الله طاعتنا ، وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته » (1).
وبسنده « عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل : ( وآتيناهم ملكا عظيما ) » (2) قال : « الطاعة المفروضة » (3). وفي الصحيح : عن أبي الصباح الكناني ، « قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : نحن قوم فرض الله عزوجل طاعتنا ... » الحديث (4). وروى الحسين بن أبي العلاء ، في الصحيح : « قال : ذكرت لأبي عبدالله عليه السلام قولنا في الاوصياء : إن طاعتهم مفترضة ؟ قال : فقال : نعم ، هم الذين قال الله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ) (5) وهم الذين قال الله عزوجل ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) » (6). وفي الصحيح : « عن معمر بن خلاد قال : « سأل رجل فارسي أبا الحسن عليه السلام ، فقال : طاعتك مفترضة ؟ فقال : نعم. قال : مثل طاعة علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال : نعم » (7). وفي الموثق : « عن أبى بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : سألته عن 1 ـ الكافي : 1 / 186 ـ كتاب الحجة / باب فرض طاعة الائمة ح 3. 2 ـ النساء / 54. 3 ـ الكافي : 1 / 186 ح 4. 4 ـ الكافي : 1 / 186 ح 6. 5 ـ النساء / 59. المائدة / 55. 6 ـ الكافي : 1 / 186 ح 7. 7 ـ الكافي : 1 / 186 ح 8. (74)
الائمة هل يجرون في الامر والطاعة مجرى واحد ؟ قال : نعم » (1).
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المذكورة في هذا الباب وفي غيره ، ولا شك أن الانقياد لمطلوبهم (2) طاعة ، وطاعتهم واجبة ، فامتثال أوامرهم واجب مطلقا إلا ما دل دليل على جواز عدم العمل به ، وهذا ظاهر. اختلفوا في صيغة الامر إذا وردت بعد الحظر ، على أقوال : الوجوب (3) ، والندب ، والاباحة (4) ، وتابعية ما قبل الحظر ، والتوقف (5). والحق : أن صيغة الامر ـ إذا وردت بعد الحظر أو الكراهة (6) ، أو في مقام مظنة الحظر أو الكراهة ، بل في موضع تجويز السائل واحدا منهما (7) ، كأن يقول العبد : هل أنام أو أخرج ؟ أو نحو ذلك ، فيقول المولى له : ( إفعل ذلك ) (8) ـ لا تدل إلا على رفع ذلك المنع التحريمي أو التنزيهي المحقق أو المحتمل (9). 1 ـ الكافي : 1 / 186 ح 9. 2 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : ان انقياد مطلوبهم. 3 ـ ذهب اليه الفخر الرازي ، المحصول : 1 / 236 ، والبيضاوي : منهاج الوصول : 76 ، والعلامة الحلّي : تهذيب الوصول : 21. 4 ـ حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 98 ، والبيضاوي : منهاج الوصول : 76. 5 ـ حكاه ابن الحاجب : المنتهى : 98. وذهب السيد المرتضى : الذريعة : 1 / 73 ، والشيخ الطوسي : العدة : 1 / 68 ، والمحقق الحلّي : معارج الاصول : 65 ، إلى أن حكم الامر الواقع بعد الحظر هو حكم الامر المبتدأ. 6 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : والكراهة. 7 ـ في ط : منها. 8 ـ في ط : افعل كذا. 9 ـ هذا قريب مما ذهب اليه الغزالي : المستصفى 1 / 435. (75)
وهو كالاذن في الفعل ، أمر مشترك بين الاباحة والندب والوجوب.
فالاباحة : مثل ( واذا حللتم فاصطادوا ) (1). والندب : مثل ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض ) (2). والوجوب : مثل ( فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) (3). لنا : تبادر رفع المنع من الفعل. والظاهر أنها مجاز في هذا المعنى ، والتبادر لاجل القرينة ، وهي مسبوقية الصيغة بالمنع المحقق أو المحتمل ، وتعليقها على زوال علة المنع في البعض. وأيضا : إجراء أدلة الوجوب والندب لا يتصور فيما نحن فيه ، لانه فرع فهم الطلب من (4) الصيغة ، وفرديتها لمفهوم الامر ، مع أنها ليست كذلك فيما نحن فيه (5). البحث الثاني : اختلفوا في دلالة صيغة الامر على الوحدة والتكرار على أقوال : ثالثها ـ وهو الحق ـ : عدم دلالتها على شيء منهما. لنا : تبادر مجرد طلب الفعل من الصيغة ، من غير فهم شيء من الوحدة والتكرار منها (6) ، كالزمان والمكان وغيرهما من المتعلقات (7) ، والمنكر مكابر. 1 ـ المائدة / 2. 2 ـ الجمعة / 10. 3 ـ التوبة / 5. 4 ـ في ط : عن. 5 ـ عبارة ( فيما نحن فيه ) : زيادة من ب. 6 ـ المحصول : 1 / 238. 7 ـ الذريعة : 1 / 100 ، معالم الدين : 53. |
|||
|