الوافية في اصول الفقه ::: 151 ـ 165
(151)
    الأول : الاجماع ـ لغة ـ : الاتفاق.
    واصطلاحا ـ عندنا ـ : اتفاق جمع يعلم به أن المتفق عليه (1) ، صادر عن رئيس الأمة ، وسيدها ، وسنامها ، صلوات الله عليه.
    والحق : إمكان وقوعه ، والعلم به ، وحجيته (2).
    وقد اختلف في كل من المواضع الثلاثة ، وركاكة حججهم تمنع من (3) التعرض لها (4).
    وسبب حجيته ظاهر بما مر من التعريف ، وهو اشتماله على قول الإمام المعصوم الذي لا يقول إلا عن وحي إلهي (5).
1 ـ كلمة ( عليه ) : ساقطة من الأصل ، وقد أثبتناها من سائر النسخ.
2 ـ معالم الدين : 172.
3 ـ كلمة ( من ) : زيادة من ط.
4 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : لهم.
5 ـ الذريعة : 2 / 605 ، 630 ، معارج الأصول : 126 ، تهذيب الوصول : 65 ، معالم الدين : 173.


(152)
    وليس سبب حجيته انضمام الاقوال واجتماعها ، كما يقول المخالفون (1) ، حيث احتالوا في إطفاء نور الله ، فجعلوا اجتماع أقوال الامة حجة ، واجب الاتباع ، كالقرآن ، والحديث ، وأدلتهم ـ بعد تمامها ـ لا تدل على مطلوبهم.
    فالاجماع عندنا ليس أمرا غير السنة.

    الفصل الثاني :
    الاجماع يطلق على معنيين :
    أحدهما : اتفاق جمع على أمر ، يقطع بأن أحد المجمعين هو المعصوم ، ولكن لا يتميز شخصه (2).
    وهذا القسم من الاجماع مما لا يكاد يتحقق (3) ، لان الامام عليه السلام قبل وقوع الغيبة : كان ظاهرا مشهورا عند الشيعة في كل عصر ، يعرفه كل منهم ، وبعد الغيبة : يمتنع حصول العلم بمثل هذا الاتفاق.
    وما يقال : من أنه إذا وقع إجماع علماء الرعية على الباطل ، يجب على الامام أن يظهر ويباحثهم ، حتى يردهم إلى الحق ، لئلا يضل الناس (4).
    فهو مما لا ينبغي أن يصغى إليه ، لان جل الاحكام ـ بل كلها ـ معطل ، كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وغير ذلك ، ومع ذلك فهو لا يظهر.
1 ـ المستصفى : 1 / 175 ، المحصول : 2 / 37 ، المنتهى : 52.
2 ـ الذريعة : 2 / 624 ، معارج الاصول : 132.
3 ـ معالم الدين : 175.
4 ـ عدة الاصول : 2 / 76. وقد حكي عن الميرداماد أيضا ذهابه إلى ذلك أو ما يقرب منه في مجلس درسه. انظر : ؟ فرائد الاصول : 86.


(153)
    وأيضا : إجماعهم إنما يوجب ضلالة الناس ، إذا كان واجب الاتباع بدون العلم بدخول الامام عليه السلام فيهم ، وليس كذلك كما عرفت.
    وثانيهما : اتفاق جماعة على أمر ، لا يقطع بدخول الامام عليه السلام فيهم ، بل قد يقطع بخروجه عنهم ، إلا أن هؤلاء المجمعين كانوا ممن لا يجوز العقل اجتماعهم على الافتاء من دون سماعهم لتلك الفتوى عن قدوتهم وإمامهم عليه السلام.
    وعدم ذلك التجويز لا يتم إلا بعد التتبع عن أحوال هؤلاء المجمعين ، والاطلاع على تقواهم وديانتهم ، فهو مختلف باعتبار خصوصص المجمعين ، فقد يحصل بإثنين ، بل بواحد ، وقد لا يحصل بعشرة ، بل بعشرين.

    البحث الثالث :
    الحق إمكان الاطلاع على الاجماع بالمعنى الثاني من غير جهة النقل في زمان وقوع الغيبة ، إلى حين انقراض الكتب المعتمدة ، والاصول الاربعماء‌ة المتداولة ، كزمان المحقق والعلامة وما ضاهاه (1) ، ولكنه بعيد.
    أما إمكانه : فلان كتب أصحاب الائمة عليهم السلام ، كانت موجودة مشهورة ، كفتاوى المتفقهة المتأخرين عندنا ، وفتاواهم كانت مودعة في كتبهم ، فقد يحصل العلم بقول الامام عليه السلام ، إذا حصل العلم بفتاوى عدة منهم ، كزرارة ، ومحمد بن مسلم ، والفضيل ، وأبي بصير المرادي ، ومن يحذو حذوهم ، وإنكار ذلك مكابرة.
    وأصحاب الائمة عليهم السلام كانت لهم فتاوى مشهورة ، وقد نقل
1 ـ في أ وط : وما ضاهاهما.

(154)
بعضها المتأخرون ، كما نقل رئيس المحدثين (1) فتاوى الفضل بن شاذان (2) ، ويونس بن عبد الرحمن (3) ، وغيرهما ، في كتاب الميراث من الفقيه ، وغيره ، وكذا الكليني في الكافي (4).
    ونقل الشيخ في التهذيب ، في باب الخلع (5) : فتيا جعفر بن سماعة ، والحسن بن سماعة ، وعلي بن رباط ، وابن حذيفة ، وعلي بن الحسين.
    وفي باب عدة النساء (6) : مذهب الحسن بن سماعة ، وعلي بن إبراهيم ابن هاشم ، وجعفر بن سماعة ، ومعاوية بن حكيم ، وغيرهم.
    وفي باب ميراث المجوس (7) : اختلاف أئمة الحديث ، وعملهم.
    وفي باب المرتد والمرتدة (8) : فتوى جميل بن دراج ، وغير ذلك مما (9) يطلع عليه بعد التتبع (10).
    وأما بعده : فلان من تتبع أحوال أئمة الحديث ، يحصل له العلم العادي بأنهم إذا سمعوا شيئا من الإمام عليه السلام ، يسندونه إليه ، ولا يقتصرون على مجرد (11) فتواهم ، وما أسندوه إلى الإمام عليه السلام في الفروع من الأمور المهمة
1 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الأصل : رئيس الطائفة. لكن في هامش الأصل : ( المحدثين خ ل ).
2 ـ الفقيه : 4 / 267 و270 و276 و286 و293 و295 و320.
3 ـ لم أعثر على ذلك.
4 ـ الكافي 6 / 94.
5 ـ التهذيب : 8 / 97.
6 ـ التهذيب : 8 / 124 ـ 125.
7 ـ التهذيب : 9 / 364.
8 ـ التهذيب : 10 / 137.
9 ـ في ط : ممن.
10 ـ في أ : بعد السعي.
11 ـ في ط : جرد.


(155)
المعتمدة ، نقله نقدة الحديث (1) كالمحمدين (2) الثلاثة ، سيما فيما يحتاج فيه إلى نقل الاجماع.
    فعلى هذا ، يشكل الاعتماد على الاجماعات المنقولة ، سيما في غير العبادات ، وسيما إذا لم تكن فتاوى أصحاب الأئمة فيه معلومة ، ولم يكن ورد فيه نص أصلا.
    نعم ، لا يبعد جواز الاعتماد على الاجماع في مادة وردت فيها نصوص مخالفة لذلك الاجماع ، إذا علم عدم غفلتهم عن هذه النصوص ، وتواترها عندهم ، فإن من هذا الاجماع المخالف لتلك النصوص ، يحصل العلم بوصول دليل يقطع العذر إليهم ، لكنه بعيد الوقوع ، إذ الغالب حينئذ تحقق النص ، بل النصوص الموافقة أيضا للاجماع.

    البحث الرابع :
    الحق التوقف في الاجماع المنقول بخبر الواحد (3) لما عرفت.
    ولاختلاف الاصطلاحات في الاجماع ، فإن الظاهر من حال القدماء ـ كالسيد المرتضى والشيخ وغيرهما (4) ـ إطلاق الاجماع على ما هو المصطلح عند العامة ، من اتفاق الفرقة غير المبتدعة ـ ولو في زمان الغيبة ـ على أمر.
    وحينئذ ، فكيف الوثوق بالاجماعات الواقعة في كلامهم ؟!
1 ـ كذا فلي أ وط وب ، وفي الأصل : نقله نقلة الحديث.
2 ـ في أ وط : كالمحدثين.
3 ـ خلافا للمحقق الشيخ حسن منا : معالم الدين : 180 ، وللفخر الرازي : المحصول : 2 / 73 ، وابن الحاجب : المنتهى : 64 ، والبيضاوي : منهاج الوصول : 136 ، ووفاقا للغزالي : المستصفى : 1 / 215 ، ولبعض الحنفية. كما حكاه عنهم في المنتهى : 64.
4 ـ في أ وط : غيرهم.


(156)
    وزعم بعض علمائنا (1) أن علماء‌نا في زمان (2) الغيبة إذا اتفقوا على أمر ، وكانوا مخطئين ، يجب على الامام أن يظهر لهم ـ ولو بنحو لا يعرفونه ـ ويباحث معهم ، حتى يردهم إلى الحق.
    وبطلان هذا مما لا يحتاج إلى البيان ، بعد ملاحظة تعطل أكثر الاحكام والامور.
1 ـ انظر ما تقدم في الهامش ( 4 ) من ص 152.
2 ـ في أ وط : زمن.


(157)
    الاول : السنة : هي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو الامام ، أو فعلهما أو تقريرهما على وجه.
    ولما كان المهم منها هو القول ، فلنتكلم فيه.
    ويسمى : حديثا وخبرا.
    والخبر ينقسم إلى : متواتر وآحاد.
    والمتواتر : هو خبر جماعة ، بلغوا في الكثرة مبلغا ، أحالت العادة تواطأهم على الكذب ، كالمخبرين عن وجود مكة واسكندر ، ونحوهما.
    والظاهر : قلة الخبر المتواتر باللفظ في زماننا ، فنسكت عنه.
    وخبر الواحد : هو ما لم يفد العلم ، باعتبار كثرة المخبرين ، وقد يفيد العلم بالقرائن ، وهو ضروري ، وإنكاره مكابرة ظاهرة.


(158)
    البحث الثاني :
    اختلف العلماء في حجية خبر الواحد ، العاري عن قرائن القطع.
    فالأكثر من علمائنا الباحثين في الأصول : على أنه ليس بحجة ، كالسيد المرتضى (1) ، وابن زهرة (2) ، وابن البراج (3) ، وابن إدريس (4) ، وهو الظاهر من ابن بابويه في كتاب الغيبة (5) ، والظاهر من كلام المحقق (6) ، بل الشيخ الطوسي أيضا (7).
    بل نحن لم نجد قائلا صريحا بحجية خبر الواحد ممن تقدم على العلامة (8).
    والسيد المرتضى يدعي الاجماع من الشيعة على إنكاره (9) ، كالقياس ، من غير فرق بينهما أصلا (10).
1 ـ الذريعة : 2 / 528.
2 ـ غنية النزوع : 475 ( تسلسل الجوامع الفقهية ).
3 ـ حكاه عنه المحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 189.
4 ـ السرائر : 1 / 51.
5 ـ للشيخ الصدوق في الغيبة كتاب ورسائل ثلاث ، ونسخها مفقودة في عصرنا هذا.
6 ـ معارج الأصول : 142 ـ 147 ، يظهر ذلك من مناقشته أدلة القائلين بحجيته.
7 ـ فقد قال المحقق الحلّي : « ذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا ، لكن لفظه وان كان مطلقا فعند التحقيق تبين انه لا يعمل بالخبر بمطلقا ، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة (ع) ودونها الأصحاب ، لا أن كل خبر يرويه الامامي يجب العمل به ». معارج الأصول : 147.
8 ـ علق الشيخ الأنصاري على هذه العبارة بعد ايرادها في فرائده بقوله « وهو عجيب » : فرائد الأصول : 109.
9 ـ رسائل السيد المرتضى : 1 / 24.
10 ـ رسائل السيد المرتضى : 3 / 309.


(159)
    ولكن الحق : أنه حجة كما اختاره المتأخرون منا (1) ، وجمهور العامة (2) ، لوجوه :
    الأول : أنا نقطع ببقاء التكاليف إلى يوم القيامة ، سيما بالأصول الضرورية كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها ، مع أن جل أجزائها ، وشرائطها ، وموانعها ، وما يتعلق بها ، إنما يثبت بالخبر غير بالقطعي ، بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد ، ومن أنكر ذلك ، فإنما ينكر باللسان ، وقلبه مطمئن بالايمان.
    الثاني : أنا نقطع بعمل أصحاب الأئمة عليهم السلام ، وغيرهم ممن عاصرهم ـ بأخبار الآحاد ، بحيث لم يبق للمتتبع شك في ذلك ، ونقطع بعلم الأئمة عليهم السلام بذلك ، والعادة قاضية بوجوب تواتر (3) المنع عنهم عليهم السلام لو كان العمل بها في الشريعة ممنوعا ، مع أنه لم ينقل عنهم عليهم السلام خبر واحد في المنع ، بل ظاهر كثير من الأخبار جواز العمل بها ، كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله.
    ويؤيده : إطباق العلماء على رواية أخبار الآحاد ، وتدوينها ، والاعتناء بحال الرواة ، والتفحص عن المقبول والمردود.
    قال العلامة في النهاية : « أما الامامية : فالأخباريون منهم ، لم يعولوا في أصول الدين وفروعه إلا على أخبار الآحاد ، المروية عن الأئمة عليهم السلام ، والأصوليون منهم ـ كأبي جعفر الطوسي وغيره ـ وافقوا على قبول خبر الواحد ،
1 ـ تهذيب الوصول : 76 ، معالم الدين : 189.
2 ـ المنخول : 253 ، المحصول : 2 / 170 ، المنتهى : 74 ، الأبهاج : 2 / 300.
3 ـ في ط : توارد.


(160)
ولم ينكره أحد (1) سوى المرتضى وأتباعه ، لشبهة حصلت لهم » (2).
    والحق : أنه لا يظهر (3) من كلام الشيخ أنه يعمل بخبر الواحد ، العاري عن القرائن المفيدة للقطع (4) ، نعم ، هو قسم القرائن ، وذكر فيها امورا ، لا يمكن إثبات قطعيتها.
    الثالث : ظواهر الروايات ، وهي كثيرة : منها : ما رواه الكليني ، بسنده « عن المفضل بن عمر ، قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : أكتب ، وبث علمك في إخوانك ، فإن مت فأورث كتبك بنيك ، فإنه يأتي على الناس زمان هرج ، لا يأنسون فيه إلا بكتبهم » (5).
    فإن ظاهرها : جاز العمل بما في الكتب من الأخبار ، وهي آحاد ، فإن تواترها ، واحتفافها بالقرائن المفيدة للقطع ، بعيد جدا.
    ومنها : ما رواه في الصحيح « عن محمد بن الحسن ابن أبي خالد شينولة ، قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام : جعلت فداك ، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر ، وأبي عبدالله عليهما السلام ، وكانت التقية شديدة ، فكتموا كتبهم ، ولم ترو عنهم ، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا ، فقال : حدثوا بها ، فإنها حق » (6).
    ومنها : ما رواه في الصحيح أيضا « عن سماعة بن مهران ، عن أبي الحسن موسى عليه السلام ، قال : قلت : أصلحك الله ، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا ،
1 ـ كلمة ( أحد ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ.
2 ـ نهاية الوصول ورقة 209 / أ ( مصورة ) وقد أورد هذه العبارة بلفظها الفخر الرازي المتقدم على العلامة في : المحصول : 2 / 188.
3 ـ في ط : لم يظهر.
4 ـ كما استظهر ذلك المحقق الحلّي وقد تقدم نقل كلامه.
5 ـ الكافي : 1 / 52 ـ كتاب فضل العلم / باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب / ح 11.
6 ـ الكافي 1 / 52 ح 15.


(161)
فلا يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطهر (1) ، وذلك مما أنعم الله به علينا بكم ، ثم يرد علينا الشيء الصغير ، ليس عندنا فيه شيء ، فينظر بعضنا إلى بعض ، وعندنا ما يشبهه ، فنقيس على أحسنه ؟ فقال : وما لكم وللقياس ، إنما هلك من هلك قبلكم ـ بالقياس ، ثم قال : إذا جاء‌كم ما تعلمون فقولوا به ، وإن جاء‌كم ما لا تعلمون فها ـ وأهوى بيده إلى فيه ـ » الحديث (2).
    وفيه تقرير منه عليه السلام في العمل والفتوى بالكتاب ، مع أنه غالبا يكون من قبيل أخبار الآحاد.
    ومنها : ما رواه في الصحيح ، عن عبدالله بن أبي يعفور « قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام ، عن اختلاف الحديث ، يرويه من نثق به ، ومنهم من لا نثق به ؟ قال : إذا ورد عليكم حديث ، فوجدتم له شاهدا من كتاب الله ، أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإلا فالذي جاء‌كم به أولى به » (3).
    وظاهر : أن السائل سأل عن أخبار الآحاد ، إذ لا دخل للوثوق بالراوي (4) ، وعدمه في القطعي من الاخبار.
    ونحوها : الأخبار الواردة في حكم اختلاف الأخبار (5) ، كما سيجيء في آخر الكتاب إن شاء الله ، وهي تدل على حجية خبر الواحد ، بشرط اعتضاده بالقرآن ، أو سنة الرسول (6).
1 ـ ورد في هامش الكافي ما يلي : « في بعض النسخ : مسطور ، وفي بعضها : مستطر ».
2 ـ الكافي : 1 / 57 ـ كتاب فضل العلم / باب البدع والرأي والمقائيس / ح 13. ومثله ما رواه البرقي باسناده عن محمد بن حكيم : المحاسن : 213.
3 ـ الكافي : 1 / 69 ـ كتاب فضل العلم / باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب / ح 2.
4 ـ كذا في أ وب ، وفي الاصل : للموثق بالراوي ، وفي ط : بالوثوق للراوي.
5 ـ الكافي : 1 / 62 ـ كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث / ح 7 ، 8 ، 9 ، وغيرها.
6 ـ لا يقال : اشتراط اعتضاده بالقرآن والسنة يدل على عدم حجية خبر الواحد. لانا نقول : شهادة القرآن والسنة لا توجب انتهاء‌ه إلى حد القطع ، فاجماله (ع) يدل على حجية الخبر المظنون المعتضد بالقرآن او السنة ، فتأمل جدا ( منه رحمه الله ).


(162)
    ونحوها : ما رواه في الموثق بعبد الله بن بكير ، عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام ـ إلى أن قال ـ : « وإذا جاء‌كم عنا حديث ، فوجدتم عليه شاهدا ، أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به ، وإلا فقفوا عنده ، ثم ردوه إلينا ، حتى يستبين لكم » (1).
    ومنها : الروايات الواردة في الامر بإبلاغ الحديث إلى الناس ، مثل ما رواه في الصحيح « عن خيثمة ، قال : قال لي أبوجعفر عليه السلام : أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عند الله إلا بعمل ، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ، ثم يخالفه إلى غيره » (2).
    إذ لا شك في علمهم عليهم السلام بعدم انتهائها إلى حد القطع.
    وقد يحتج على هذا المطلب بالآيات :
    كقوله تعالى : ( فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) (3).
    حيث يدل على وجوب الحذر ، بإنذار الطائفة من الفرقة ، وهي تصدق على واحد ـ ك‍ ( الفرقة ) على الثلاثة ـ فيفيد وجوب اتباع قول الواحد ، وهو المطلوب.
    وقوله تعالى : ( إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (4).
    حيث يدل بمفهومه (5) على انتفاء التبين والتثبت عند خبر العدل ، فإما : الرد ، أو : القبول (6) ، والاول : يوجب كون العدل أسوء حالا من الفاسق ، وهو
1 ـ الكافي 2 / 222 ـ كتاب الايمان والكفر / باب الكتمان / ح 4.
2 ـ الكافي : 2 / 300 ـ كتاب الايمان والكفر / باب من وصف عدلا وعمل بغيره / ح 5.
3 ـ المستصفى : 1 / 152 ، والآية من سورة التوبة / 122.
4 ـ المحصول : 2 / 178 ، والآية من سورة : الحجرات / 6.
5 ـ في أ : يدل المفهوم ، وفي ط : دل المفهوم.
6 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : فاما الرد أو لا أو القبول.


(163)
باطل ، فيكون الحق : هو الثاني ، وهو المطلوب (1).
    والاولى : ترك الاستدلال بهذه الآيات ، فإنه :
    يرد على الاستدلال بالاولى :
    أن المتبادر (2) من ( الطائفة ) الزيادة على الاثنين ، فالظاهر أن المراد ب‍ ( الفرقة ) ممن ذكره الله تعالى ـ أهل كل حشم حشم ، وقرية قرية.
    وأيضا : ـ على تقدير خروج واحد من كل ثلاثة ـ فالظاهر حينئذ : بلوغ المخبرين عدد التواتر ، لان الغالب في الاحشام والقرى ، الكثرة العظيمة ، ويندر توطن ثلاثة أنفس من الرجال والنساء والصبيان في موضع ، لا يكون لهم رابع بل عاشر.
    وأيضا : يحتمل كون الانذار بطريق الفتوى بمعنى الروايات (3) ، ولا نزاع لاحد في قبوله ، ويسمونه فتوى المجتهد.
    وأيضا : إطلاق الانذار على نقل روايات الاحكام الشرعية ، غير متعارف ، فيحتمل كون المراد التخويف على ترك أو فعل ما ثبت بطريق القطع ، وهذا مما تتأثر النفس بسماعه ، ويحصل به للنفس خوف ، يوجب اهتمامه بالواجبات وترك المحرمات ، وإن لم يكن خبر الواحد حجة.
    وأيضا : يحتمل أن يقال : إن خبر الواحد المشتمل على الانذار حجة ، لقضاء العقل بمثل هذه الاحتياطات دون غيره ، والاجماع على عدم الفصل ، غير معلوم.
    وأيضا : يحتمل أن يكون ضمير ( ليتفقهوا ) راجعا إلى الباقي من الفرقة مع العالم ، دون من نفر منهم.
    وغير ذلك من الاعتراضات.
1 ـ المحصول : 2 / 179 ـ 180.
2 ـ في أ وط : التبادر.
3 ـ في ط : لا بمعنى الروايات.


(164)
    وعلى الآية الثانية :
    بأنه استدلال بمفهوم الصفة على أصل علمي ، وحاله معلوم (1).
    وأيضا : الآية واردة في شخص خاص ، وذكر ( فاسق ) إنما هو (2) لاعلام الصحابة بفسق ذلك الشخص الخاص ، وتبيين حاله ، لا لانتفاء هذا الحكم عند انتفاء هذا الوصف.
    احتج المنكرون : بأن العمل بخبر الواحد ، اتباع الظن ، وقول على الله بغير علم ، وهو غير جائز (3).
    أما الصغرى : فلان خبر الواحد لا يفيد العلم ، وأيضا : النزاع إنما هو فيما لا يفيده ، وإنما غايته أن يفيد الظن.
    وأما الكبرى : فللآيات الكثيرة :
    كقوله تعالى في مقام الذم : ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) (4).
    وقوله تعالى : ( إن هم إلا يظنون ) (5).
    وقوله تعالى : ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) (6).
    ونحو ذلك.
    وقوله تعالى في الآيات الكثيرة : ( وأن تقولا على الله ما لا تعلمون ) (7).
1 ـ المنتهى : 75 ، لكن الفخر الرازي قرب الاستدلال بها بمفهوم الشرط : المحصول 1 / 179 ـ 180.
2 ـ في ط : إما انه.
3 ـ عدة الاصول : 1 / 44 ، الذريعة : 2 / 523 ، المستصفى : 1 / 154 ، المحصول : 2 / 192. المنتهى : 76.
4 ـ النجم / 28.
5 ـ الجاثية / 24.
6 ـ يونس / 36.
7 ـ البقرة / 169 وكذا : الاعراف / 33.


(165)
    وقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) (1).
    والجواب :
    أولا : منع الصغرى :
    فإن اتباع الظن : هو أن يكون مناط العمل هو الظن من حيث هو هو ، وههنا ليس كذلك ، وإنما مناط العمل هو كلام اصحاب العصمة المنقول عنهم ، وأخبار مهابط الوحي الالهي ، صلوات الله عليهم ، بشرط عدم المخالفة للكتاب والسنة ، وعدم المعارضة ، ونحو ذلك ، على ما سيأتي إن شاء الله ، سواء أفاد الظن أو لا.
    وعلى تقدير القول باشتراط جواز العمل به بإفادته الظن ـ أيضا لا يلزم كون مناط العمل هو الظن ، بل هو الخبر الخاص المشترط بالظن ، ولهذا لو حصل الظن بحكم شرعي ، لا من دليل شرعي ، لا يجوز العمل به إتفاقا منا ، بل ومن غيرنا أيضا ، فعلم الفرق بين اتباع الظن ، واتباع الخبر الخاص بشرط الظن ، فلا تغفل.
    وأيضا : فإن العمل بخبر الواحد ، إنما هو اتباع للدليل (2) القطعي ، الدال على حجية خبر الواحد ، فهو اتباع للقطع.
    وثانيا : بمنع الكبرى :
    فإن سياق الآيات يقتضي اختصاصها باصول الدين.
    وأيضا : فإن المطلق يقيد ، والعام يخص ، إذا وجد الدليل ، ونحن قد دللنا على حجية خبر الواحد.
1 ـ الاسراء / 36.
2 ـ في أ وط : الدليل.
الوافية في اصول الفقه ::: فهرس