|
|||
|
(181)
وهذه الرواية في الكافي ، في باب حجج الله على خلقه (1).
وروى ابن بابويه أيضا ، بسنده : « عن حفص بن غياث القاضي ، قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : من عمل بما علم كفي ما لم يعلم » (2). وفي النوادر من المعيشة من الكافي ، بسنده : « عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » (3). وبمعناه رواية اخرى عنه أيضا عليه السلام (4). ونقل عن كتاب المحاسن للبرقي : أنه روى عن « أبيه [ عن النضر بن سويد ] (5) ، عن درست ابن أبي منصور ، عن محمد بن حكيم ، قال : قال أبو الحسن عليه السلام : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا ، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها ـ ووضع يده علي فيه (6) ـ فقلت : ولم ذاك (7) ؟ قال : لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده ، وما يحتاجون إليه [ من بعده ] (8) إليه إلى يوم القيامة » (9). وقد يتوهم منافاة هذه الرواية للروايات السابقة ، والحق عدمها ، لانها 1 ـ الكافي : 1 / 164 ـ كتاب التوحيد / باب حجج الله على خلقه / ح 3 لكن باستبدال ( أحمد بن محمد بن يحيى العطار ) ب ( محمد بن يحيى ) ، وباسقاط كلمة ( علمه ) من المتن. 2 ـ التوحيد : 416 ح 17. 3 ـ الكافي : 5 / 313 ح 39. 4 ـ وهي رواية مسعدة بن صدقة : نفس المصدر / ح 40. 5 ـ ما بين المعقوفين زيادة من المصدر. 6 ـ في المصدر : فمه. 7 ـ في ط : ذلك. 8 ـ ما بين المعقوفين اضافة من المصدر. 9 ـ المحاسن للبرقي : 213 ح 91 / الباب ( 7 ) باب المقائيس والرأي من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن. وروى مثله الكليني باسناد آخر : الكافي : 1 / 57 ـ كتاب فضل العلم / باب البدع والرأي والمقائيس / ح 13 (182)
محمولة على تعيين الحكم الواقعي ، أو على (1) عدم الافتاء ، وإن جاز العمل لنفسه ، فتأمل.
وفي كتاب التوحيد لرئيس المحدثين ابن بابويه : « حدثنا أبي رحمه الله ، قال : حدثنا عبدالله بن جعفر الحميري ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحجال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبدالاعلى بن أعين ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عمن لم يعرف شيئا ، هل عليه شئ؟ قال : لا » (2). وأما الثاني : وهو السبيل إلى بيان المقدمتين المذكورتين ، وإمكانه فيما تعم به البلوى ، كنجاسة أرض (3) الحمام ، ونجاسة الغسالة ، ووجوب قصد السورة المعينة عند البسملة ، ووجوب نية الخروج ، ونحو ذلك : فالحق : إمكان بيان المقدمتين المذكورتين (4) ، فإن (5) المحدّث الماهر ، إذا تتبع الأحاديث المروية عنهم عليهم السلام في مسألة ـ لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر ، لعموم البلوي بها ـ ولم يظفر (6) بحديث يدل على ذلك الحكم ، يحصل له الظن الغالب بعدمه (7) ، لان جما غفيرا من العلماء ـ أربعة آلآف منهم تلامذة الامام الصادق عليه السلام ، كما نقله في المعتبر (8) ـ كانوا ملازمين لائمتنا في مدة تزيد على ثلاثماءة سنة ، وكان همهم وهم الائمة عليهم السلام إظهار الدين 1 ـ في ط : وعلى. 2 ـ التوحيد : 412 ـ الباب 64 / ح 8 ، ورواه الكليني باسناد آخر : الكافي 1 / 164 ـ كتاب التوحيد / باب حجج الله على خلقه / ح 2. لكن فيه ( من ) بدل ( عمن ). 3 ـ في ط : ماء. 4 ـ قوله : ( فالحق امكان بيان المقدمتين المذكورتين ) : ساقط من الاصل وب ، وقد اثبتناه من نسختي أ وط. 5 ـ في الاصل : فلان. وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ. 6 ـ في أ : ولم يظهر. 7 ـ في ط : به. وفي هامشها : بعدمه خ ل. 8 ـ المعتبر : 1 / 26. (183)
عندهم ، وتأليفهم كل ما يسمعونه منهم.
والفرق بين هذا القسم والقسم الثاني : أن بناء الاستدلال في القسم الثاني على انتفاء الحكم في الزمان السابق وإجرائه (1) في اللاحق بالاستصحاب ، فيرد عليه ما يرد على حجية الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي ، ولهذا اعترضت الشافعية على الحنفية بأن قولكم بالاستصحاب في نفي الحكم الشرعي دون نفسه تحكم (2). وبناؤه في هذا القسم على انتفاء الدليل على ثبوت الحكم في الحال ، سواء وجد في السابق أو لا. نعم ، لما اعتبر في القسم الثاني عدم العلم بتجدد ما يوجب ثبوت الحكم في الزمان اللاحق بعد الفحص المعتبر في الحكم ببراءة الذمة ، كان كل موضع يصح فيه الاستدلال بالقسم الثاني ، يصح بهذا القسم أيضا ، فلذا لم يفرق جماعة بينهما ، وعدوهما واحدا. واعلم أن الشهيد الثاني رحمه الله ذكر في تمهيد القواعد (3) : أن الاصل يطلق على معان : الاول : الدليل ، ومنه قولهم : « الاصل في هذه المسألة الكتاب والسنة ». الثاني : الراجح ، ومنه قولهم : « الاصل في الكلام الحقيقة ». الثالث : الاستصحاب ، ومنه قولهم : « إذا تعارض الاصل والظاهر ، 1 ـ في النسخ : واجراؤه ( بالضم ). والصواب ما اثبتناه ، وهو مطابق لما جاء في حكاية المحدّث البحراني لهذه العبارة : الدرر النجفية / درة في الاستصحاب / ص 35. 2 ـ تجد رأي الاحناف هذا في : المحصول : 2 / 549 ، شرح البدخشي : 3 / 176 ، وانظر الاعتراض على هذا التفصيل في : المستصفى : 1 / 217 وما بعدها ، شرح العضد : 2 / 453 ، الاحكام : 4 / 367. 3 ـ هذا ليس عبارته بل ظاهر كلامه. ( منه رحمه الله ). (184)
فالاصل مقدم إلا في مواضع » (1) كما ذكره الشهيد الاول رحمه الله في قواعده (2).
الرابع : القاعدة ، ومنه قولهم : « لنا أصل » ، ومنه قولهم : « الاصل في البيع اللزوم » ، و: « الاصل في تصرفات المسلم الصحة » أي : القاعدة التي وضع عليها البيع بالذات ، وحكم المسلم بالذات : اللزوم في بيعه ، والصحة في تصرفاته ، لان وضع البيع شرعا لنقل مال كل من المتابعين إلى الآخر (3). والمراد بالراجح : ما يترجح إذا خلي الشيء ونفسه ، مثلا : إذا خلي الكلام ونفسه ، يحمله (4) المخاطب على المعنى الحقيقي ، لانه راجح حينئذ. والمراد من الاصل في قولهم : « الاصل براءة الذمة » ـ هذا المعنى. وأما قولهم : « الاصل في كل ممكن عدمه » فيمكن حاله على الحالة الراجحة ، حتى يكون من القسم الثالث ، ويمكن حمله على الحالة السابقة ، حتى يكون من القسم الثاني. إذا عرفت هذا ، فالاصل بالمعنى الاول لا شك في حجيته. وكذا بالمعنى الثاني ، إذا كان في براءة الذمة ، مع عدم المخرج عنه ، أو كان الرجحان من نص شرعي. وبالمعنى الثالث سيجيء الكلام فيه. وأما بالمعنى الرابع ـ أي : القاعدة ـ فإن كانت تلك القاعدة مستفادة من نص شرعي ، أو جماع كذلك ، فظاهر أنه حجة ، وإلا فلا. فقولهم : « الاصل في الاشياء الطهارة » أصل مستفاد من الشرع ، لان « الطاهر هو : ما أبيح ملابسته في الصلاة اختيارا. والنجاسة : ما حرم استعماله في 1 ـ كنجاسة ارض الحمام. ( منه رحمه الله ). 2 ـ انظر : القواعد والفوائد : 1 / 137 ـ 141 / الفائدة الثانية والثالثة من فوائد القاعدة الثالثة ( قاعدة اليقين ). 2 ـ تمهيد القواعد : 2 / في قوله « قاعدة : الاصل لغة ما يبنى عليه الشيء ... إلى آخره ». 4 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : يحمل. (185)
الصلاة ، والاغذية ، للاستقذار ، أو للتوصل إلى الفرار » (1) ، والتعريفات من الشهيد الاول في قواعده (2).
فالشارع لما أمر بالصلاة مستقبلا ، طاهرا ، ساترا للعورة (3) ، تحصل هذه الماهية بأي فرد كان ، والبدن متلطخا بأي شيء كان ، وكذا الثوب متلطخا بأي شيء كان ، فاذا خرج (4) بعض الاشياء ، وهو النجاسات ، بقي الباقي على عدم مانعيته من الصلاة وتتحقق (5) الصلاة معه ، وهو معنى الطهارة ، فتكون طهارة الاشياء مستفادة من الامر بالصلاة مع الساتر ، ساكتا عما عدى النجاسات ، إذا كانت في البدن أو الثوب. وكذا قولهم : « الاصل في الاشياء الحل » لقوله تعالى : ( خلق لكم ما في الارض جميعا ) (6) فإن ( ما ) ظاهرة في العموم ، وكذا يفهم عموم أنواع الانتفاع أيضا ، فإنه لو كان المراد إباحة انتفاع خاص معين غير معلوم المكلفين ، لم يكن هناك امتنان ، إذ العقل يحكم بوجوب اجتناب ما تساوى فيه احتمال النفع والمضرة. وأيضا : يدل عليه قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله ) (7) وقوله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا 1 ـ دخل به الخمر والعصير ، فانهما غير مستقذرين ، ولكن الحكم بنجاستهما يزيدهما إبعادا من النفس لانها مطلوبة بالفرار عنهما ، وبالنجاسة يزداد الفرار. ( منه رحمه الله ). أقول : هذا من كلام الشهيد أيضا. في أ وط : أو التوصل ... إلى آخره. 2 ـ القواعد والفوائد : 2 / 85 ـ قاعدة : 175. 3 ـ في ط : العورة. 4 ـ في أ وب وط : اخرج. 5 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : تحقق. 6 ـ البقرة / 29. 7 ـ البقرة / 173. (186)
الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ) الآية (1) ، وقوله تعالى : ( يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ) (2) ، وقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) (3) ، بل في هذه الآية إشعار بأن إباحة الاشياء مركوزة في العقول قبل الشرع ، لانها في صورة الاستدلال على الحل بعدم وجدان التحريم إلا للاشياء الخاصة ، فتأمل.
وكذا قولهم : ( الاصل في الافعال (4) الاباحة ) لما مر من قوله عليه السلام : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » ، وما بعده من الأخبار الكثيرة ، المذكورة في هذا القسم. واعلم أيضا : أن ههنا قسما من الاصل ، كثيرا ما يستعمله الفقهاء ، وهو أصالة عدم الشيء ، وأصالة عدم تقدم الحادث ، بل هما قسمان. والتحقيق : أن الاستدلال بالاصل ـ بمعنى النفي والعدم ـ إنما يصح على نفي الحكم الشرعي ، بمعنى : عدم ثبوت التكليف ، لا على إثبات الحكم الشرعي ، ولهذا لم يذكره الاصوليون في الادلة الشرعية ، وهذا يشترك فيه جميع أقسام الاصل المذكورة. مثلا : إذا كانت أصالة براءة الذمة مستلزمة لشغل الذمة من جهة اخرى ، فحينئذ لا يصح الاستدلال بها ، كما إذا علم نجاسة (5) أحد الاناءين مثلا بعينه ، واشتبه بالآخر ، فإن الاستدلال بأصالة عدم وجوب الاجتناب من 1 ـ المائدة / 93. 2 ـ البقرة / 168. 3 ـ الانعام / 145. 4 ـ في ط : الاشياء. 5 ـ في ب : بنجاسة. (187)
أحدهما (1) بعينه لو صح ، يستلزم وجوب الاجتناب من الآخر.
وكذا في الثوبين المشتبه طاهرهما ، بنجسهما ، والزوجة المشتبهة بالاجنبية ، والحلال المشتبه بالحرام المحصور ، ونحو ذلك. وكذا أصالة العدم ، كأن يقال : الاصل عدم نجاسة هذا الماء ، وهذا الثوب ، فلا يجب الاجتناب عنه ، لا إذا كان شاغلا للذمة ، كأن يقال في الماء الملاقي للنجاسة المشكوك في كريته : الاصل عدم بلوغه كرا فيجب الاجتناب عنه. وكذا في أصالة عدم تقدم الحادث ، فيصح أن يقال في الماء الذي وجد فيه نجاسة بعد الاسستعمال ، ولم يعلم هل وقعت النجاسة قبل الاستعمال ؟ أو بعده ؟ ـ : الاصل عدم تقدم النجاسة ، فلا يجب غسل ما لاقى ذلك الماء قبل رؤية النجاسة ، ولا يصح إذا كان شاغلا للذمة ، كما إذا استعملنا ماءا ، ثم ظهر أن ذلك (2) الماء كان قبل ذلك الوقت (3) نجسا ، ثم طهر بإلقاء كر عليه دفعة ولم يعلم أن الاستعمال هل كان قبل التطهير ؟ أو بعده ؟ فلا يصح أن يقال : الاصل عدم تقدم تطهيره ، فيجب (4) إعادة غسل ما لاقى ذلك الماء في ذلك الاستعمال ، لانه إثبات حكم بلا دليل ، فإن حجية الاصل في النفي باعتبار قبح تكليف الغافل ، ووجوب إعلام المكلف بالتكليف ، فلذا يحكم ببراءة الذمة عند عدم الدليل ، فلو ثبت حكم شرعي بالاصل ، يلزم إثبات حكم من غير دليل ، وهو باطل إجماعا. فإن قلت : لم لا يكون اللازم (5) فيما لم يدل عليه دليل التوقف ؟!. 1 ـ في ط : في أحديهما. 2 ـ في أ وط : لان ذلك. 3 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : في وقت. 4 ـ زاد في أ في هذا المواضع كلمة : عليه. 5 ـ في أ : الامر. (188)
لما روى الشيخ السعيد ، قطب الدين الراوندي : « عن ابن بابويه ، قال : اخبرنا أبي ، قال : أخبرنا سعد (1) بن عبدالله ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه » (2).
وفي الكافي ، في باب اختلاف الحديث ، في الموثق : « عن سماعة ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر ، كلاهما يرويه ، أحدهما يأمر بأخذه ، والآخر ينهاه عنه ، كيف يصنع ؟ قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه ». وفي رواية اخرى : « بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك » (3). وفي آخر حديث عمر بن حنظلة ، عن الصادق عليه السلام : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حلال بين ، وحرام بين ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ». وفي آخره أيضا ، بعد بيان وجوه الترجيح في الخبرين المختلفين ، قال : « إذا كان كذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات » (4). 1 ـ في أ وط : سعيد. 2 ـ نقل الحرّ العاملي أيضا هذا الحديث عن الراوندي من رسالة له ، قال عنها أنه « ألفها في احوال احاديث اصحابنا واثبات صحتها » انظر هذا الحديث في الوسائل : 18 / 86 ـ كتاب القضاء / باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة / ح 35. ولم نوفق للعثور على نسخة من هذه الرسالة. 3 ـ الكافي 1 / 66 ـ كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث / ح 7. 4 ـ الكافي : 1 / 68 ـ كتاب فضل العلم / باب اختلاف الحديث ح 10 ، لكن فيه : ذلك. بدل : كذلك. كما أن فيه ( فأرجه ) ، لكنا ضبطناها كما جاءت في نسخة الوسائل : 18 / 76. (189)
وفي باب النهي عن القول بغير علم ، بسنده : « عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : أنهاك عن خصلتين ، فيهما هلاك الرجال : أنهاك أن تدين الله بالباطل ، وتفتي الناس بما لا تعلم » (1).
وفي الصحيح : « عن عبدالرحمن بن الحجاج ، قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : إياك وخصلتين ، ففيهما هلك من هلك : إياك أن تفتي الناس برأيك ، أو تدين بما لا تعلم » (2). وبمضمونهما روايات اخر ، مذكورة في هذا الباب والذي بعده. أو يكون الحكم حينئذ العمل بالاحتياط ؟! لما رواه الشيخ في التهذيب عن « علي بن السندي ، عن صفوان ، عن عبدالرحمن بن الحجاج ، قال : سألت أبا الحسن عليه السلام ، عن رجلين أصابا صيدا ، وهما محرمان ، الجزاء بينهما ؟ أم على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال : لا ، بل عليهما جميعا ، ويجزي عن كل واحد منهما الصيد ، فقلت ، إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه ؟ فقال : إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا ، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا » (3). والامر بالاحتياط يدل على عدم جواز العمل بالبراءة الاصلية ، وإلا لقال : فعليكم (4) بالبراءة الاصلية. وروى أيضا ، في بحث المواقيت « عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن سليمان بن داود ، عن عبدالله بن وضاح ، قال : كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام : يتوارى القرص ، ويقبل الليل ، ثم يزيد الليل ارتفاعا ، وتستتر عنا 1 ـ الكافي : 1 / 42 ـ كتاب فضل العلم / باب النهي عن القول بغير علم / ح 1. كذا الحديث في الكافي. وفي النسخ : هلك بدل : هلاك. 2 ـ الكافي : 1 / 42 ح 2 من الباب المذكور. 3 ـ التهذيب : 5 / 466 ح 1631. 4 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : عليكم. (190)
الشمس ، وترتفع فوق الجبل حمرة ، ويؤذن عندنا المؤذنون فاصلي حينئذ ؟ وأفطر إن كنت صائما ؟ أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟ فكتب إلي : أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة ، وتأخذ بالحائطة لدينك » (1). ولا يخفى أنه صريح في طلب الاحتياط.
ونقل عن محمد بن جمهور الاحسائي ، في كتاب غوالي اللآلي ، أنه قال : « روى العلامة مرفوعا إلى زرارة بن أعين ، قال : سألت الباقر عليه السلام ، فقلت : جعلت فداك ، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيهما آخذ ؟ فقال : عليه السلام : يا زرارة ، خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذ النادر ، إلى أن قال : إذن ، فخذ بما فيه الحائطة (2) لدينك ، واترك ما خالف الاحتياط » الحديث (3). قلت : الجواب : أما عن أدلة التوقف : فأولا : بمنع (4) أن ما لم يدل عليه دليل ، ولم يرد ، ولم يبلغنا فيه ، نص شرعي ـ داخل في الشبهة : إذ أدلة التوقف واردة فيها ورد فيه من الشرع نصان متعارضان ، فإلحاق غير المنصوص به قياس ، باطل عند العاملين بالقياس أيضا ، لانتفاء الجامع بين الاصل والفرع. وثانيا : بأن قولهم عليهم السلام : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » ، و: « ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم » ، وغير ذلك من الأخبار التي مر بعضها ـ أخرج ما لا نص فيه عن حكم الشبهة (5) على تقدير تسليم شمول أحاديث التوقف له ، وكونه شبهة. 1 ـ التهذيب : 2 / 259 ح 1031 ، الاستبصار : 1 / 264 ح 952. 2 ـ كذا في المصدر ، وفي النسخ : الحائط. 3 ـ غوالي اللآلي : 4 / 133 ح 229. 4 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : منع. 5 ـ وهو وجوب التوقف. ( منه رحمه الله ). (191)
وثالثا : بأن الأخبار الدالة على التوقف عند تعارض الامارتين ، معارضة بما دل على التخيير عند التعارض ، كما لا يخفى ، ففي تعيين وجوب التوقف في الشبهة المذكورة ، أيضا نظر ظاهر.
ورابعا : بأن المحرم : ما يجب اجتنابه ، وهذه الأخبار كالصريحة في أن (1) الشبهة ليست من المحرمات ، فلا يكون اجتنابها واجبا ، بل لما كانت مما قد ينجر ويفضي إلى ارتكاب الحرام ، يكون اجتنابها مستحبا ، وارتكابها مكروها ، ولهذا وقع طلب ترك ارتكاب الشبهة في هذه الروايات بطريق النصيحة والموعظة ، لا بطريق صيغة النهي الظاهر في الالزام ، فتأمل. وأما عن أدلة الاحتياط : فعن الرواية الأولى : أولا : بمنع أنه من قبيل ما نحن فيه ، لان بإصابة الصيد علم اشتغال ذمة كل من الرجلين ، فيجب العلم ببراءة الذمة ، ولا يحصل إلا بجزاء تام من كل واحد منهما ، فلا يجوز التمسك فيه بأصالة براءة الذمة. والحاصل : أنه إذا قطع باشتغال الذمه بشيء ، ويكون لذلك الشيء فردان : بأحدهما تحصل البراءة قطعا ، وبالآخر يشك في حصول براءة الذمة ، فإنه حينئذ لا أعلم خلافا في وجوب الاتيان بما يحصل به يقين براءة الذمة ، لقولهم عليهم السلام : « لا يرفع اليقين إلا يقين مثله » (2). وغير ذلك ، ونحن نجوز التمسك بالاصل فيما لم يقطع باشتغال الذمة ، وهذا ظاهر. وثانيا : بتسليم عدم جواز العمل بالاصل مع التمكن من الرد إلى الائمة عليهم السلام ، والسؤال منهم (3) عليهم صلوات الله عليه وسلامه ، لان العمل بالاصل مع 1 ـ في ط : كالصريحة بأن. 2 ـ في ب وط : بيقين. ولم نعثر على حديث بهذا اللفظ ، نعم وردت بهذا المضمون أحاديث متعددة سيأتي ذكرها في ص 203 ـ 207. والظاهر ان المصنف أراد بهذا مضمون تلك الاخبار. 3 ـ كذا الظاهر. وفي النسخ : عنهم. (192)
حضورهم والتمكن من سؤالهم ، بمنزلة العمل بالاصل في هذا الزمان من دون التفحص والتفتيش عن النص : هل هو متحقق ، أم لا ؟ وهو غير جائز بالاجماع.
وعن الرواية الثانية : أولا : بمثل الاول عن الأولى ، فإن اشتغال الذمة بالصلاة معلوم ، ولا يحصل يقين البراءة إلا بالتأخير حتى تذهب الحمرة. وثانيا : بأن الظاهر من قوله عليه السلام : « أرى لك إلى آخره » الاستحباب ، لا الوجوب ، وحينئذ يكون دالا على حصول البراءة بالتقديم أيضا. وعن الرواية الثالثة : ـ بعد الاغماض عن سندها ـ : فأولا : بأنه ليس من قبيل ما نحن فيه ، لانه منصوص ، ولكن ورد فيه نصان متعارضان (1) ، فإلحاق غير المنصوص ، به ـ قياس ، كما مر. وثانيا : بأنه معارض للاخبار (2) الدالة على التخيير ، وجواز العمل بكل من الخبرين. وثالثا : بأنه معارض للاخبار (3) الدالة على التوقف ، لان التوقف عبارة عن : ترك الامر المحتمل للحرمة وحكم آخر من الاحكام الخمسة ، والاحتياط : عبارة عن ارتكاب الامر المحتمل للوجوب وحكم آخر ما عدا التحريم ، كما هو ظاهر موارد التوقف والاحتياط ، ومن توهم أن التوقف هو الاحتياط فقد سها وغفل. ورابعا : باحتمال أن يكون المراد بالاخذ ب « ما فيه الحائطة (4) لدينك » الاخذ بما وافق كتاب الله ، وترك ما خالف كتاب الله ، إذ ليس هذا الوجه من 1 ـ في ط : بأنه ليس مما نحن فيه ، لانها ورد فيما ورد فيه نصان متعارضان. 2 و3 ـ في ط ، وب : بالاخبار. 4 ـ كذا في أ وب ، وفي الاصل وط : الحائط. (193)
الترجيح مذكورا في هذه الرواية ، مع أنه مذكور في جميع الروايات الواردة في هذا الباب بدلا عن هذا الوجه المذكور في هذه الرواية.
وخامسا : بإمكان الحمل على الاستحباب. ويشعر باستحباب الاحتياط في ترك ما يحتمل التحريم : صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ، « عن أبي إبراهيم عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة ، أهي ممن لا تحل له أبدا ؟ فقال : لا ، أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعدما تنقضي عدتها ، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. فقلت : بأي الجهالتين أعذر ؟ بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه ؟ أم بجهالته أنها في عدة ؟ فقال : إحدى الجهالتين أهوى من الاخرى ، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه ، وذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت : فهو في الاخرى معذور ؟ قال : نعم ، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها » الحديث (1). ولا يخفى أنه يظهر من الرواية قدرته على الاحتياط مع العلم بالتحريم في العدة والجهل بأنها في العدة ، ويظهر منها أنه معذور في ترك هذا الاحتياط ، ولفظ « أهون » فيه إشعار باستحباب الاحتياط مع العلم بالتحريم في العدة والجهل بالعدة (2). واعلم : أن لجواز التمسك بأصالة براءة الذمة ، وبأصالة العدم ، وبأصالة عدم تقدم الحادث ـ شروطا : أحدها : ما مر من عدم استلزامه لثبوت حكم شرعي من جهة اخرى. وثانيها : أن لا يتضرر بسبب التمسك به مسلم ، أو من في حكمه. مثلا : إذا فتح إنسان قفصا لطائر ، فطار ، أو حبس شاة ، فمات ولدها ، 1 ـ الكافي : 5 / 427 ح 3 ، الاستبصار : 3 / 186 ح 676 ، التهذيب : 7 / 306 ح 1274 لكن فيه : عن أبي عبدالله (ع). 2 ـ في ط : والجهل بأنها لعدة. (194)
أو أمسك رجلا ، فهربت دابته وضلت ، أو نحو ذلك ، فإنه حينئذ لا يصح التمسك ببراءة الذمة ، بل ينبغي للمفتي التوقف عن الافتاء حينئذ ، ولصاحب الواقعة الصلح ، إذا لم يكن منصوصا بنص خاص أو عام ، لاحتمال اندراج مثل هذه الصور في قوله عليه السلام : « لا ضرر ولا إضرار في الاسلام » (1) ، وفيما يدل على حكم من أتلف مالا لغيره (2) ، إذ نفي الضرر غير محمول على نفي حقيقته ، لانه غير منفي ، بل الظاهر أن المراد به : نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع.
والحاصل : أن في مثل هذه الصور لا يحصل العلم ، بل ولا الظن ، بأن الواقعة غير منصوصة ، وقد عرفت أن شرط التمسك بالاصل فقدان النص ، بل يحصل القطع حينئذ بتعلق حكم شرعي بالضار ، ولكن لا يعلم أنه مجرد التعزير ، أو الضمان ، أو هما معا ، فينبغي للضار أن يحصل العلم ببراءة ذمته بالصلح ، وللمفتي الكف عن تعيين حكم ، لان جواز التمسك بأصالة براءة الذمة ، والحال هذه ، غير معلوم. وقد روى البرقي ، في كتاب المحاسن : « عن أبيه ، [ عن النضر بن سويد ] ، عن درست ابن أبي منصور ، عن محمد بن حكيم ، قال : قال : أبو الحسن عليه السلام : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا ، وإذا جاءكم ما لا تعلمون ، فها ـ ووضع يده على فيه ـ فقلت : ولم ذاك ؟ فقال : لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى الناس بما اكتفوا به على عهده ، وما يحتاجون إليه من بعده ، إلى يوم القيامة » (3). 1 ـ الفقيه : 4 / 334 ـ باب ميراث أهل الملل ح 5718. ولهذا الحديث مصادر كثيرة ولكنها بلفظ آخر. في ط : ضرار. بدل : اضرار. 2 ـ التهذيب : 7 / 215 ح 943 ( صحيحة أبي ولاد ) ، دعائم الاسلام : 2 / 424 ح 1476. 3 ـ المحاسن للبرقي : 213 ، وما بين المعقوفين زيادة من المصدر ، مع استبدال كلمة ( فيه ) ب : (195)
فإن قلت : هذه الرواية كما تدل على حكم ما إذا حصل الضرر ، تدل على حكم (1) غيره أيضا.
قلت : لا نسلم فإنا ندعي أنه ليس داخلا في « ما لا تعلمون » ، فإن قبح تكليف الغافل معلوم ، وموضوعية « ما حجب علمه عن العباد » معلوم ، واباحة « ما لم يرد فيه نهي » معلوم ، للاخبار المذكورة. وأما في صورة الضرر : فكون التكليف حينئذ تكليف الغافل غير معلوم ، إذ الضار يعلم أنه صار سببا لاتلاف مال محترم ، واشتغال الذمة حينئذ ـ في الجملة ـ مما هو مركوز في الطبائع ، وكذا الكلام في كونه من « ما حجب علمه عن العباد » ، ومن « ما لم يرد فيه نهي ». وثالثها : أن لا يكون الامر المتمسك فيه بالاصل جزء عبادة مركبة ، فلا يجوز التمسك به لو وقع الاختلاف في صلاة ، هل هي ركعتان أو أكثر ؟ أو أقل ؟ ـ في نفي الزائد ، وعلى هذا القياس. بل ! كل نص بين فيه أجزاء ذلك المركب ، كان دالا على عدم جزئية ما لم يذكر فيه ، فيكون نفي ذلك المختلف فيه حينئذ منصوصا ، لا معلوما بالاصل ، كما لا يخفى. ثم اعلم أن جماعة من الفقهاء ، كثيرا ما يستعملون الاصل المحمول عليه العدم ، وبعد التأمل يظهر رجوعه إلى ادعاء أصالة الوجود ، كما قالوا : « الاصل عدم تداخل الاسباب » يعني : إذا تحقق أمارتان لشيء ، فالاصل عدم الاكتفاء بفعل ذلك الشيء (2) مرة واحدة ، بل يلزم فعله متعددا بحسب تعدد سببه. ( فمه ). ورواه في الكافي بسند آخر : الكافي 1 / 57 وقد تقدم الاستشهاد بهذا الحديث ، وسيأتي ذكره أيضا. 1 ـ كلمة ( حكم ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 2 ـ في أ وط : عدم الاكتفاء بذلك الشيء. |
|||
|