|
|||
|
(196)
وكذا كثيرا ما يستعملون لفظ ( الاصل ) في مواضع لا ترجع إلى الاصل المذكور أنه حجة ، ولا إلى القاعدة المستفادة من الشرع ، والشهيد الاول ـ في القواعد ـ استعمل لفظ الاصل في مواضع ، منها صحيح ، ومنها لا يظهر له وجه.
قال : « الاصل عدم اجزاء كل من الواجب والندب عن الآخر » (1). وقال : « الاصل أن النية فعل المكلف ، ولا أثر لنية غيره » (2). وقال : الاصل عدم بلوغ الماء كرا » (3). وقال : « قد يتعارض الاصلان ، كدخول المأموم في صلاة ، وشك هل كان الامام راكعا ؟ أو رافعا ؟ ولكن يؤيد الثاني بالاحتياط » (4). وقال : « الاصل صحة البيع » (5). وقال : « الاصل عدم القبض الصحيح » يعني للمبيع (6). وقال : « الاصل عدم معرفة المشتري بصفة المبيع » (7). وقال : « قد يتعارض الاصل والظاهر » (8). وقال : « الاصل عدم تقدم الاسلام » (9). وقال : « الاصل عدم صحة العقد » (10). وقال : « الاصل السلامة من العلة » (11). وقال : « الاصل في اللفظ الحمل على الحقيقة الواحدة » (12). وقال : « الاصل في الكلام الحقيقة » (13). 1 ـ القواعد والفوائد : 1 / 83 ـ الفائدة السادسة. 2 ـ القواعد والفوائد : 1 / 122 ـ الفائدة 31. 3 ـ القواعد والفوائد : 1 / 133 ـ القاعدة الثالثة. 4 ـ القواعد والفوائد : 1 / 134 ـ القاعدة الثالثة. وفيه : يتأيد. 5 و6 و7 و8 و9 و10 و11 ـ القواعد والفوائد : 1 / 135 ـ 139 / القاعدة الثالثة. 12 ـ القواعد والفوائد : 1 / 152 ـ قاعدة 40. 13 ـ القواعد والفوائد : 1 / 154 ـ قاعدة 41. ولكن فيه : الاصل في الاطلاق الحقيقة. (197)
وقال : « الاصل يقتضي قصر الحكم على مدلول اللفظ ، وأنه لا يسري إلى غير مدلوله » (1).
وقال : « الاصل عدم تحمل الانسان عن غيره ، ما لم يأذن له » (2). وقال : « الاصل أن كل واحد لا يملك إجبار غيره » (3). وقال : « الاصل في الاحكام التابعة لمسميات : أن تناط (4) بحصول تمام المسمى » (5). وقال : « الاصل عدم تداخل الاسباب » (6). وقال : « الاصل في البيع اللزوم » (7). وقال : « الاصل في العقود الحلول » (8). وقال : « الاصل في الميراث النسبي : التولد ، وفي السببي : الانعام بالعتق » (9). وقال : « الاصل في هيأت المستحب : أن تكون مستحبة ، لامتناع زيادة الوصف على الاصل (10) في الاكثر » (11) وأخرج مواضع من الاصل الذي ذكر (12). 1 ـ القواعد والفوائد : 1 / 323 ـ قاعدة 116. 2 ـ القواعد والفوائد : 1 / 353 ـ قاعدة 135. 3 ـ القواعد والفوائد : 1 / 356 ـ قاعدة 136. 4 ـ كذا في المصدر ، وفي النسخ : ارتباطه. بدل : أن تناط. 5 ـ القواعد والفوائد : 1 / 358 ـ قاعدة 139. 6 ـ القواعد والفوائد : 2 / 223 ـ قاعدة 229. 7 ـ القواعد والفوائد : 2 / 242 ـ قاعدة 243. 8 ـ القواعد والفوائد 2 / 261 ـ قاعدة 254. 9 ـ القواعد والفوائد : 2 / 286 ـ قاعدة 275. 10 ـ القواعد والفوائد : 2 / 303 ـ قاعدة 288. 11 ـ وقد خولف في مواضع ، منها : الترتيب في الاذان ، ومنها : رفع اليدين بالتكبيرات ، عند المرتضى ، و: وجوب الطهارة للصلاة المندوبة. ( منه رحمه الله ). 12 ـ كذا العبارة في أ وط ، ولكنها في الاصل وب كما يلي ، وفي الاكثر أخرج إلى آخره. (198)
وأنت بعدما أحطت بشرائط العمل بالاصل ، تتمكن من معرفة الصحيح منها من غيره ، بعد اطلاعك في الجملة على الفروع الفقهية.
مثلا : قوله « الاصل في البيع اللزوم » ليس له وجه ، لان خيار المجلس مما يعم أقسام البيع ، وهكذا. والغرض من نقل جملة من مواضع استعمال الاصل ، أن تمتحن نفسك في المعرفة ، لتشحذ ذهنك ، وتحقيق الاصل على هذا الوجه مما لا تجده في غير هذه الرسالة والله أعلم. القسم الرابع : الاخذ بالاقل عند فقد الدليل على الاكثر ، كما يقول بعض الاصحاب : « في عين الدابة : نصف قيمتها » ، ويقول الآخر : « ربع قيمتها » ، فيقول المستدل : ثبت الربع اجماعا ، فينتفي الزائد ، نظرا إلى البراءة الاصلية. وعد صاحب المعتبر هذا القسم من البراءة الاصلية (1) وذكر في الذكرى : أنه راجع إليها (2). والحق : أنه قسم من أقسام أصالة البراءة (3) ، ولا وجه لعدّة قسما على حدة ، إلا أني التزمت أن اورد كل ما عد في أدلة العقل ، ثم أذكر ما هو الحق فيه. واعلم : أن التمسك بهذا القسم ، لا يكاد يصح إلا أن يعلم تحقق إجماع شرعي ، أو دليل آخر على ثبوت الاقل ، وإلا فشغل الذمة معلوم ، فيجب تحصيل العلم ببراءة الذمة ، ولا يعلم بالاقل ، وقد عرفت ما في حجية الاصل ، اذا كان من هذا القبيل. 1 ـ المعتبر : 1 / 32. 2 ـ الذكرى : 5 / المقدمة / الاصل الرابع / القسم الرابع. 3 ـ في ط : أصل البراءة. (199)
القسم الخامس :
التمسك بعدم الدليل ، فيقال : عدم الدليل على كذا ، فيجب انتفاؤه. قال في المعتبر : « وهذا يصح فيما علم أنه لو كان هناك دليل لظفر به. أما لا مع ذلك : فيجب التوقف ، ولا يكون ذلك الاستدلال حجة » (1). وكلامه في غاية الجودة ، ففيما تعم به البلوى : يمكن التمسك بهذه الطريقة ، وأما في غيره فيحتاج إلى المقدمتين المذكورتين ، ولا يتم إلا ببيانهما ، مع استحالته عندنا ، لما عرفت ، فلا نعيده. قال في الذكرى : « ومرجع هذا القسم إلى أصالة البراءة » (2). والظاهر : أن الفقهاء يستدلون بهذه الطريقة على نفي الحكم الواقعي ، وبأصالة البراءة على عدم تعلق التكليف ، وإن كان هناك حكم في نفس الامر ، فلذا عدا قسمين. واختلف العامة في : أن عدم المدرك ، هل هو مدرك شرعي لعدم الحكم ؟ أو لا ؟ (3). وقد عرفت مما مر جلية الحال. والحق عندنا : أنه لا توجد واقعة إلا ولها مدرك شرعي ، ببركات أئمة الهدى عليهم السلام ، ولا أقل من اندراجها في : « ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » ، وفي : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » ، وفي : اخبار التوقف ، وغير ذلك مما مر ، فلا تغفل (4). 1 ـ المعتبر : 1 / 32. 2 ـ الذكرى : 5 / المقدمة / الاصل الرابع / القسم الثالث. 3 ـ المحصول : 2 / 581. 4 ـ تقديم تخريج هذه الأحاديث فلاحظ. (200)
القسم السادس :
استصحاب حال الشرع ، وهو التمسك بثبوت ما ثبت في وقت ، أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت ، وفي غير تلك الحال ، فيقال : إن الامر الفلاني قد كان ، ولم يعلم عدمه ، وكل ما هو كذلك فهو باق. وقد اختلف فيه العامة بينهم ، فنفته جماعة وأثبتته اخرى (1) ، واختاره منا العلامة رحمه الله (2) ، ونسب اختياره إلى الشيخ المفيد أيضا (3) وسيجيء ، وأنكره المرتضى (4) ، والاكثر. حجة المثبتين : أن ما تحقق وجوده ، ولم يظن طرو مزيل له ، فإنه يحصل الظن ببقائه وبأنه ثبت الاجماع على اعتباره في بعض المسائل ، فيكون حجة. وفيه : أنه بناء على حجية مطلق الظن ، وهو عندنا غير ثابت ، والمسائل التي ذكروها ليست مما نحن فيه ، كما ستطلع عليه. وحجة النافين : أن الاحكام الشرعية لا تثبت إلا بالادلة المنصوبة (5) من قبل الشارع ، والاستصحاب ليس منها. ولتحقيق المقام لابد من إيراد كلام يتضح به حقيقة الحال فنقول : الاحكام الشرعية تنقسم إلى ستة أقسام : 1 ـ فهو حجة عند الشافعي والمزني والصيرفي والغزالي والآمدي والبيضاوي ، خلافا للحنفية وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين وغيره ، فانه لا يثبت به حكم شرعي عندهم ، نعم تمسكوا به في النفي الاصلي. انظر : المستصفى : 1 / 217 ، الاحكام : 4 / 367 ، شرح العضد : 2 / 453 ، الابهاج 3 / 168 ، شرح البدخشي : 3 / 176. 2 ـ تهذيب الوصول : 105. 3 ـ معالم الدين : 231. 4 ـ الذريعة : 2 / 829 ـ 832. 5 ـ في ط : المنصوصة. (201)
الاول والثاني : الاحكام الاقتضائية المطلوب فيها الفعل ، وهي الواجب والمندوب.
والثالث والرابع : الاقتضائية المطلوب فيها الكف والترك ، وهي الحرام والمكروه. والخامس : الاحكام التخييرية الدالة على الاباحة. والسادس : الاحكام الوضعية ، كالحكم على الشيء بأنه سبب لامر ، أو شرطه له أو مانع عنه. والمضايقة بمنع أن الخطاب الوضعي داخل في الحكم الشرعي ـ مما لا يضر فيما نحن بصدده. إذا عرفت هذا ! فإذا ورد أمر بطلب شيء ، فلا يخلو إما أن يكون مؤقتا ، أو لا. وعلى الاول : يكون وجوب وجوب ذلك الشيء أو ندبه في كل جزء من أجزاء ذلك الوقت ، ثابتا بذلك الامر ، فالتمسك حينئذ في ثبوت ذلك الحكم في الزمان الثاني ـ بالنص ، لا بالثبوت في الزمان الاول ، حتى يكون استصحابا ، وهو ظاهر. وعلى الثاني : أيضا كذلك ، إن قلنا بإفادة الامر التكرار ، وإلا فذمة المكلف مشغولة حتى يأتي به في أي زمان كان ، ونسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداءا في كل جزء منها ، سواء قلنا بأن الامر للفور ، أو لا. والتوهم بأن الامر إذا كان للفور ، يكون نمن قبيل المؤقت المضيق ، اشتباه غير مخفي على المتأمل. فهذا أيضا ليس من الاستصحاب في شئ. ولا يمكن أن يقال : بأن إثبات الحكم في القسم الاول فيما بعد وقته ـ من الاستصحاب ، فإن هذا لم يقل به أحد ، ولا يجوز إجماعا. وكذا الكلام في النهي ، بل هو أولى بعدم توهم الاستصحاب فيه ، لان مطلقه لا يفيد التكرار. (202)
والتخييري أيضا كذلك.
فالاحكام (1) الخمسة : ـ المجردة عن الاحكام الوضعية ـ لا يتصور فيها الاستدلال بالاستصحاب. وأما الاحكام الوضعية : فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الاحكام الخمسة ـ كالدلوك لوجوب الظهر ، والكسوف لوجوب صلاته ، والزلزلة لصلاتها ، والايجاب والقبول لاباحة التصرفات والاستمتاعات في الملك والنكاح ، وفيه لتحريم أم الزوجة (2) ، والحيض والنفاس لتحريم الصوم والصلاة ، إلى غير ذلك ـ فينبغي أن ينظر إلى كيفية سببية السبب ، هل هي على الاطلاق ؟ كا في الايجاب والقبول ، فإن سببيته على نحو خاص ، وهو الدوام إلى أن يتحقق مزيل ، وكذا الزلزلة ، أو في وقت معين ، كالدلوك ونحوه مما لم يكن السبب وقتا ، وكالكسوف والحيض ونحوهما مما يكون السبب وقتا للحكم ، فإن السببية في هذه الاشياء على نحو آخر ، فإنها أسباب للحكم في أوقات معينة ، وجميع ذلك ليس من الاستصحاب في شيء ، فإن ثبوت الحكم في شيء من أجزاء الزمان الثابت فيه الحكم ليس تابعا للثبوت في جزء آخر ، بل نسبة السبب في اقتضاء الحكم في كل جزء نسبة واحدة. وكذا الكلام في الشرط والمانع. فظهر مما مر : أن الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلا في الاحكام الوضعية ـ أعني : الاسباب ، والشرائط ، والموانع ، للاحكام الخمسة ـ من حيث أنها كذلك (3) ، ووقوعه في الاحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها ، كما يقال في الماء الكر المتغير بالنجاسة ، إذا زال تغيره من قبل نفسه : بأنه يجب الاجتناب 1 ـ في أ وط : والاحكام ، وفي ب : فان الاحكام. 2 ـ في ط : وكذا الايجاب والقبول لتحريم ام الزوجة. 3 ـ قيد الحيثية لجواز أن يكون حكم من الاحكام الخمسة سببا أو شرطا أو مانع لآخر منها. ( منه رحمه الله ). (203)
عنه (1) في الصلاة ، لوجوبه قبل زوال تغيره ، فإن مرجعه إلى : أن النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيره ، فتكون كذلك بعده ، ويقال في المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة : إن صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان ، فكذا بعده ، أي : كان مكلفا ومأمورا بالصلاة بتيممه قبله ، فكذا بعده ، فإن مرجعه إلى : أنه كان متطهرا قبل وجدان الماء ، فكذا بعده ، والطهارة من الشروط.
فالحق ـ مع قطع النظر عن الروايات ـ : عدم حجية الاستصحاب ، لان العلم بوجود السبب أو الشرط أو المانع في وقت ، لا يقتضي العلم بل ولا الظن بوجوده في غير ذلك الوقت ، كما لا يخفى ، فكيف يكون الحكم المعلق عليه ثابتا في غير ذلك الوقت ؟! فالذي يقتضيه النظر ، بدون ملاحظة الروايات : أنه إذا علم تحقق العلامة الوضعية ، تعلق الحكم بالمكلف ، وإذا زال ذلك العلم ، بطر وشك ـ بل وظن أيضا (2) ـ يتوقف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أولا. إلا أن الظاهر من الأخبار : أنه إذا علم وجود شيء ، فإنه يحكم به ، حتى يعلم زواله. روى زرارة ، في الصحيح ، عن الباقر عليه السلام : « قال : قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة ، والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة ، قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن ، فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء. قلت : فإن حرك إلى جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيء من ذلك أمر بين ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ، ولكن ينقضه بيقين آخر » (3). 1 ـ كذا في أ ، وفي سائر النسخ : منه. 2 ـ في ط : بطر وظن بل شك أيضا. 3 ـ التهذيب : 1 / 8 ح 11. (204)
فإن اليقين والشك عام ، أو مطلق ينصرف إلى العموم ، في مثل هذه المواضع ، بل صرح الشارح الرضي رحمه الله : بأن الجنس المعرف باللام (1) أو الاضافة للعموم ، وادرجه ابن الحاجب في مختصره (2) في ألفاظ العموم من غير نقل خلاف فيه ، ثم ذكر ألفاظا أختلف في عمومها.
ومع التنزل عن ذلك ، فالظاهر هنا العموم ، فإنه عليه السلام استدل على أن الوضوء اليقيني لا ينقض بشك النوم ، بقوله : « ولا تنقض اليقين أبدا بالشك » ، ولو كان مراده أن لا ينقض يقين الوضوء أبدا بشك النوم ، كان عينا للمقدمة الأولى ، فقانون الاستدلال يقتضي أن يكون عاما. وأيضا : فإن حمل المعروف باللام هنا على العهد ، يحتاج إلى قرينة مانعة عن الحمل على الجنس ، وليست متحققة. قال الرضي ، في أوائل بحث المعرفة والنكرة : « فكل اسم دخله اللام لا يكون فيه علامة كونه بعضا من كل فينظر ذلك الاسم ، فإن لم تكن معه قرينة حالية ولا مقالية دالة على أنه بعض مجهول من كل ـ كقرينة الشراء الدالة على أن المشترى بعض في قولك ( اشتر اللحم ) ، ولا دلالة على أنه بعض معين كما في قوله تعالى : ( أو أجد على النار هدى ) (3) ـ فهي اللام التي جيء بها للتعريف اللفظي ، والاسم المحلى بها لاستغراق الجنس » ثم شرع في الاستدلال على وجوب حمله على الاستغراق ، ثم قال : « فعلى هذا ، قوله عليه السلام « الماء طاهر » أي (4) : كل الماء ، و« النوم حدث » أي : كل النوم ، إذ ليس في الكلام قرينة البعضية ، لا مطلقة ولا معينة ـ ثم ذكر ـ قوله تعالى : ( إن 1 ـ شرح الكفاية : 2 / 129. 2 ـ شرح العضد : 1 / 215 ( لاحظ المتن ). 3 ـ سور طه / 10. 4 ـ كلمة ( أي ) : ساقطة من الاصل ، واثبتناها من سائر النسخ. (205)
الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ) (1) أي : كل واحد منهم » (2).
وقال العلامة التفتازاني في المطول ، في بحث تعريف المسند إليه باللام : « اللفظ إذا دل على الحقيقة باعتبار وجودها في الخارج ، فإما أن يكون لجميع الافراد ، أو لبعضها ، إذ لا واسطة بينهما في الخارج ، فإذا لم يكن للبعضية ، لعدم دليلها ، وجب أن يكون للجميع ، وإلى هذا ينظر صاحب الكشاف ، حيث يطلق لام الجنس على ما يفيد الاستغراق ، كما ذكر في قوله تعالى : « ( إن الانسان لفي خسر ) أنه للجنس ، وقال في قوله : ( إن الله يحب المحسنين ) (3) : إن اللام للجنس ، فيتناول كل محسن » (4). ولا يخفى : أن قوله « لعدم دليلها » صريح في أن حمل لام الجنس على البعض يحتاج إلى الدليل ، دون حمله على الجميع. ثم لا يخفى : أن ( اليقين ) و( الشك ) مما لا يمكن اجتماعهما في وقت واحد ، فالمراد أنه إذا تيقن وجود أمر ، يجب الحكم بوجوده ، إلى أن يتحقق يقين آخر يعارضه. وصحيحة اخرى لزرارة أيضا ، وفي آخرها : « قلت : فإن ظننت أنه قد أصابه ، ولم أتيقن ذلك ، فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه ؟ قال : تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت : لم ذلك ؟ قال : لانك كنت على يقين من طهارتك ، ثم شككت ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا. قلت : فإني قد علمت أنه قد أصابه ، ولم أدر أين هو ، فأغسله ؟ قال : تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها ، حتى تكون على يقين من طهارتك » 1 ـ المصر / 2. 2 ـ شرح الكافية : 2 / 129. كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : أي إلا كل واحد منهم. 3 ـ البقرة / 195 ، والمائدة / 13. 4 ـ المطول : 81. (206)
تمام الحديث (1).
وههنا أيضا : لا يمكن حمل ( اليقين ) على يقين طهارة الثوب ، و( الشك ) على الشك في نجاسة الثوب ، بلا معارض أصلا ، لما مر. وفي الكافي ، في باب السهو في الثلاث والاربع (2) ، في الصحيح : « عن زرارة ، عن أحدهما عليهما السلام ، قال : قلت له : من لم يدر في أربع هو ، أم في ثنتين ، وقد أحرز الثنتين ، قال : يركع ركعتين ـ إلى أن قال ـ : ولا ينقض اليقين بالشك ، ولا يدخل الشك في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ، ولكنه ينقض الشك باليقين ، ويتم على اليقين ، فيبني عليه ، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات » (3). ودلالته على العموم غير خفية. وفي التهذيب : « عن بكير ، قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : إذا استيقنت أنك قد توضأت ، فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت » (4). وروى عمار في الموثق : « عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : كل شيء طاهر ، حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك » (5). وروى عبدالله بن سنان ، في الصحيح : « قال سأل رجل أبا عبدالله عليه السلام ، وأنا حاضر : إني اعير الذمي ثوبي ، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ، ويأكل لحم الخنزير ، فيرده علي ، فأغسله قبل أن اصلي فيه ؟ فقال أبوعبدالله عليه 1 ـ التهذيب : 1 / 421 ح 1335 ، الاستبصار : 1 / 183 ح 641. 2 ـ في النسخ : « باب السهو في الفجر والمغرب والجمعة » وهو سهو. 3 ـ الكافي : 3 / 351 ـ باب السهو في الثلاث والاربع / ح 3. 4 ـ التهذيب : 1 / 102 ح 268. 5 ـ التهذيب : 1 / 284 ـ 285 ح 832. لكن فيه : نظيف. بدل : طاهر. (207)
السلام : صل فيه ، ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنه نجسه ، فلا بأس أن تصلي فيه ، حتى تستيقن أنه نجسه » (1).
وروى ضريس ، في الصحيح : « قال : سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن السمن والجبن نجده في أرض المشركين بالروم ، أنأكله ؟ فقال : أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام ، فلا تأكل ، وأما ما لم تعلم فكله ، حتى تعلم أنه حرام » (2). وروى عبدالله بن سنان ، في الصحيح : « قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : كل شيء يكون فيه حرام وحلال ، فهو لك حلال أبدا ، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » (3). وروى مسعدة بن صدقة ، في الموثق : « عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : سمعته يقول : كل شيء هو لك حلال ، حتى تعلم أنه حرام بعينه ، فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته ، وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه ، أو خدع فبيع ، أو قهر ، أو إمرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا ، حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البينة » (4). وروي بعدة طرق ، عن الصادق عليه السلام : « كل ماء طاهر حتى يستيقن أنه قذر » (5). لا يقال : هذه الأخبار الاخيرة إنما تدل على حجية الاستصحاب في 1 ـ التهذيب : 2 / 361 ح 1495. لكن فيه : أبي. بدل : رجل. 2 ـ التهذيب : 9 / 79 ح 336. 3 ـ الكافي : 5 / 313 ـ كتاب المعيشة / باب النوادر / ح 39 ، التهذيب : 7 / 226 ح 988 ، و9 / 79 ح 337. 4 ـ الكافي : 5 / 313 ـ كتاب المعيشة / باب النوادر / ح 40 ، التهذيب 7 / 226 ح 989. 5 ـ المروي في الكافي : 3 /1 ح 2 ، 3 ، والتهذيب : 1 / 215 ح 619 هو : « الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر ». (208)
مواضع مخصوصة ، فلا تدل على حجيته على الاطلاق.
لانا نقول : الحال على ما ذكرت من ورودها (1) في موارد مخصوصة ، إلا أن العقل يحكم من بعض الأخبار الدالة على حجيته مطلقا ، ومن حكم الشارع به (2) في مواضع مخصوصة كثيرة ـ كحكمه باستصحاب الملك ، وجواز الشهادة به ، حتى يعلم الرافع (3) ، والبناء على الاستصحاب في بقاء الليل والنهار ، وعدم جواز قسمة تركة الغائب ولو مضى زمان يظن عدم بقائه ، وعدم تزويج زوجاته ، وجواز عتق العبد الآبق من (4) الكفارة ، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ـ بأن الحكم في خصوص هذه المواضع بالبناء على الحالة السابقة ليس لخصوص هذه الموانع ، بل لان اليقين لا يرفعه إلا يقين مثله. وينبغي أن يعلم : أن للعمل بالاستصحاب شروطا : الاول : أن لا يكون هناك دليل شرعي آخر ، يوجب انتفاء الحكم الثابت أولا في الوقت الثاني ، وإلا فيتعين العمل بذلك الدليل إجماعا. الثاني : أن لا يحدث في الوقت الثاني أمر يوجب انتفاء الحكم الاول ، فالعامل بالاستصحاب ينبغي له غاية الملاحظة في هذا الشرط. مثلا : في مسألة من دخل في الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثناء الصلاة ، ينبغي للقائل بالبناء على تيممه وإتمام الصلاة للاستصحاب ، ملاحظة النص الدال على أن التمكن من استعمال الماء ناقض للتيمم ، هل هو مطلق ؟ أو عام ؟ بحيث يشمل هذه الصورة ؟ أو لا ؟ فإن كان الاول ، 1 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : من أن ورودها. 2 ـ كلمة ( به ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 3 ـ كذا في أ وب وط. وفي الاصل : الواقع. 4 ـ كذا في النسخ. ولعلها تصحيف : عن. (209)
فلا يجوز العمل بالاستصحاب ، لانه حينئذ يرجع إلى فقد الشرط الاول حقيقة ، وإلا فيصح التمسك به.
وفي مسألة من طلق زوجته المرضعة ، ثم تزوجت بعد العدة بزوج آخر ، وحملت منه ، ولم ينقطع بعد لبنها ، فالحكم بأن اللبن للزوج الاول للاستصحاب ، كما فعله المحقق في الشرائع (1) وغيره ـ يتوقف على ملاحظة ما دل على أن لبن المرأة ، الحاصل (2) من الذي حملت منه ، هل يشمل هذه الصورة ؟ أو لا ؟ فعلى الاول لا يصح الاستصحاب ، لانه إما أن يتعين الحكم بالثاني ، أو يصير من قبيل تعادل (3) الامارتين ، فيحتاج إلى الترجيح ، وعلى الثاني يصح. الثالث : أن لا يكون هناك استصحاب آخر معارض له ، يوجب نفي الحكم الاول في الثاني. مثلا : في مسألة الجلد المطروح ، قد استدل جماعة على نجاسته باستصحاب عدم الذبح ، فإن في وقت حياة ذلك الحيوان يصدق عليه أنه غير مذبوح ، ولم يعلم زوال عدم المذبوحية ، لاحتمال الموت حتف أنفه ، فيكون نجسا لان الطهارة حينئذ لا تكون (4) إلا مع الذبح ، فإن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب طهارة الجلد الثابتة في حال حياته ، إذ لم يعلم زوالها ، لاحتمال الذبح ، وباستصحاب عدم الموت حتف أنفه أو نحوه الثابت أولا ، كعدم المذبوحية. واستدل بعض آخر على النجاسة : بأن للذبح أسبابا حادثة ، والاصل عدم الحادث ، فيكون نجسا. وقد عرفت أيضا : أن أصالة العدم أيضا مشروطة بشروط ، منها أن لا يكون 1 ـ شرائع الاسلام : 2 / 282. 2 ـ كذا في ط ، وفي الاصل وأ وب : الحامل. 3 ـ في ط : تعارض. 4 ـ كذا في أ وط ، وفي الاصل وب : لا يمكن. (210)
مثبتا لحكم شرعي ، مع أنه معاض أيضا بأصالة عدم أسباب الموت أيضا.
الرابع : أن يكون الحكم الشرعي المترتب على الامر الوضعي المستصحب ثابتا في الوقت الاول ، إذ ثبوت الحكم في الوقت الثاني ، فرع لثبوت الحكم في الاول ، فإذا لم يثبت في الزمان الاول ، فكيف يمكن إثباته في الزمان الثاني ؟! مثلا : باستصحاب عدم المذبوحية في المسألة المذكورة ، لا يجوز الحكم بالنجاسة ، لان النجاسة لم تكن ثابتة (1) في الوقت الاول ، وهو وقت الحياة (2). والسر فيه : أن عدم المذبوحية لازم لامرين : الحياة ، والموت حتف أنفه ، والموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو هو ، بل ملزومه الثاني ، أعني : الموت ، فعدم المذبوحية لازم أعم لموجب النجاسة ، فعدم المذبوحية العارض للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه ، والمعلوم ثبوته في الزمان الاول هو الاول ، لا الثاني ، وظاهر أنه غير باق في الوقت الثاني. ففي الحقيقة : تخرج مثل هذه الصورة من الاستصحاب ، إذ شرطه بقاء الموضوع ، وعدمه هنا معلوم. وليس مثل المتمسك (3) بهذا الاستصحاب ، إلا مثل من تمسك على وجود عمرو في الدار في الوقت الثاني ، باستصحاب بقاء الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار في الوقت الاول ، وفساده غني عن البيان. الخامس : أن لا يكون هناك استصحاب آخر في أمر ملزوم لعدم ذلك المستصحب. 1 ـ في أ وط : بثابتة. 2 ـ كأن نظر من حكم بنجاسة الجلد المطروح على انه غير جائز الاكل لعدم العلم بالتذكية ، وهو حكم بانه ميتة ، وهو يستلزم الحكم بالنجاسة ، وفي صحة هذه المقامات بحث ونظر ، فتأمل. ( منه رحمه الله ). 3 ـ كذا في ب وط ، وفي الاصل وأ : التمسك. |
|||
|