|
|||
|
(211)
مثلا : إذا ثبت في الشرع أن الحكم بكون الحيوان ميتة ، يستلزم الحكم بنجاسة المائع القليل الواقع ذلك الحيوان فيه ـ لا يجوز الحكم باستصحاب طهارة الماء ، ولا نجاسة الحيوان في مسألة من رمى صيدا فغاب ، ثم وجده (1) في ماء قليل ، يمكن استناد موته إلى الرمي وإلى الماء.
وأنكر بعض الاصحاب ثبوت هذا التلازم ، وحكم بكلا الاصلين : نجاسة الصيد ، وطهارة الماء ، ولكن قد عرفت سابقا أن طهارة الاشياء ليست بالاستصحاب في وقت ، بل بالاصل ، بمعنى : القاعدة المستفادة من الشرع ، وكذا النجاسة قبل ثبوت الرافع الشرعي ، لان الحكم وقع في الأخبار في بيان تطهير (2) النجس بالغسل ، في الثوب والبدن والاناء ، وإعادة الصلاة قبله ، وهو صريح في بقاء النجاسة إلى حين الغسل ، فيكون بقاء النجاسة إلى حين الغسل مدلولا للاخبار ، فلا يكون بالاستصحاب. وكذا وقع الامر بإهراق الماء القليل النجس ، والنهي ـ الظاهر في الدوام ـ عن التوضي والشرب من الماء النجس (3) ، وهو كالصريح في إستمرار النجاسة ، وورد الامر في حق المربية للصبي بغسل قميصها في اليوم مرة (4) ، وورد (5) النهي عن الصلاة في الثوب المشترى من النصراني قبل غسله (6) ، وتعجبه عليه السلام في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، حين سأله عن : « الارض والسطح ، يصيبه البول أو ما أشبهه ، هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال : كيف تطهر من غير ماء ؟! » (7) إلى غير ذلك ، مما يدل على بقاء 1 ـ كذا في ط ، وفي الاصل وأ وب : وجد. 2 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : تطهر. 3 ـ الكافي : 3 / 10 ـ كتاب الطهارة / باب الوضوء من سؤر الدواب والسباع والطير / ح 6. 4 ـ التهذيب : 1 / 250 ح 719 ، الفقيه : 1 / 70 ح 161. 5 ـ كذا في أ وط ، وفي الاصل وب : وورود. 6 ـ التهذيب : 1 / 263 ح 766 ، قرب الاسناد : 96. 7 ـ التهذيب : 1 / 273 ح 805. (212)
النجاسة.
وإذا كان بقاء النجاسة إلى حين المطهّر الشرعي منصوصا من الروايات ، فكيف يمكن القول بأنه بالاستصحاب (1) ؟! ففي بعض الامثلة المذكورة : وفي شرائط الاستصحاب قد انضم إليه أمر آخر من الادلة ، وهو الاصل ، بمعنى : القاعدة : فالامثلة للتوضيح. وقد يمكن اشتراط شروط اخر غير ما ذكرنا ، لكن الجميع في الحقيقة يرجع إلى انتفاء المعارض وعدم العلم والظن بالانتفاء. قال المدقق الاسترآبادي في الفوائد المكية (2) ، بعد إيراد الأخبار الدالة على الاستصحاب المذكور (3) : « لا يقال : هذه القاعدة تقتضي جواز العمل باستصحاب أحكام الله تعالى ، كما ذهب اليه المفيد والعلامة من أصحابنا ، والشافعية قاطبة ، وتقتضي بطلان قول أكثر علمائنا والحنفية ، بعدم جواز العمل به ، لانا نقول : هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الاصوليين والفقهاء ، وقد أجبنا عنها في الفوائد المدنية (4) : تارة بما ملخصه : أن صور الاستصحاب المختلف فيها عند النظر الدقيق والتحقيق ، راجعة إلى : أنه : إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته ، نجريه (5) في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة ، وحدوث نقيضها فيه ، ومن المعلوم أنه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد ، اختلف موضوع المسألتين ، فالذي سموه استصحابا ، راجع 1 ـ زاد في أ في هذا الموضع : قد انضم اليه. 2 ـ هذا الكتاب جزء من التراث المفقود في العصر الحاضر ، وقد ذكره العلامة المجلسي في عداد مصادر كتابه : بحار الانوار : 1 / 20. 3 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : المذكورة. 4 ـ لاحظ ذلك في بحث الاستصحاب من الفوائد المدنية : ص 16 ، 17 ، 141 وما بعدها ، وفي بحث البراءة الاصلية منه ص 137. 5 ـ كذا في أ ، وفي الاصل وب : بجريه ، وفي ط : تجريه. (213)
بالحقيقة إلى إسراء حكم إلى موضوع آخر ، يتحد معه بالذات ويغايره بالقيد والصفات ، ومن المعلوم عند الحكيم ، أن هذا المعنى غير معتبر شرعا ، وأن القاعدة الشريفة المذكورة غير شاملة له.
وتارة : بأن استصحاب الحكم الشرعي ، وكذ الاصل ، أي : الحالة التي إذا خلي الشيء ونفسه كان عليها ، إنما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما ، وقد ظهر في محال النزاع. بيان ذلك : أنه تواترت الأخبار عنهم عليهم السلام ، بأن كل ما يحتاج اليه الامة إلى يوم القيامة ، ورد فيه خطاب وحكم ، حتى أرش الخدش ، وكثير مما ورد مخزون عند أهل الذكر عليهم السلام (1) ، فعلم أنه ورد في محال (2) النزاع أحكام نحن لا نعلمها بعينها ، وتواترت الأخبار عنهم عليهم السلام بحصر المسائل في ثلاث : بين رشده ، وبين غيه ، أي : مقطوع به لا ريب فيه ، وما ليس هذا ولا ذاك ، وبوجوب (3) التوقف في الثالث » (4) انتهى كلامه بألفاظه. ولا يخفى عليك ضعف هذين الجوابين : أما الاول : فلانه ظاهر أن مورد الروايات بعدم نقض الشك لليقين ، إنما هو إذا تغير وصف الموضوع ، بأن يعرض له أمر يجوز العقل رفعه به ، كالخفقة والخفقتين للوضوء ، وظن إصابة النجاسة لطهارة الثوب في لبس الذمي الثوب ، ونحو ذلك ، فإن سلم تبدل وصف الموضوع في هذه المواضع ، تكون الأخبار المذكورة حجة عليه ، وإلا فنحن لا نتمسك بالاستصحاب ، إلا فيما علم وجود أمر في وقت ، وتجدد في وقت آخر أمر يجوز العقل أن يكون رافعا 1 ـ الكافي : 1 / 238 ـ 242 ـ كتاب الحجة / باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (ع). 2 ـ في أ : محل. 3 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : فبوجوب. 4 ـ كما في مقبولة عمر بن حنظلة : الكافي : 1 / 68 ح 10. (214)
للاول ، لا فيما ترتب حكم على أمر موصوف بصفة ، بحيث يكون الحكم مترتبا على المركب من الموصوف والصفة جميعا ، ثم زالت الصفة في الوقت الثاني ، فإنا لا نحكم ببقاء ذلك الحكم في الوقت الثاني ، وهو ظاهر.
وأما الثاني : فلانا لا نسلم أنه دخل في الشبهة ، بل هو داخل في ال ( بين رشده ) ، لان الأخبار ناطقة بأن الحكم السابق باق إلى أن يعلم زواله ، ولا يزول بسبب الشك. وهذا أظهر. وقال هذا الفاضل في الفوائد المدنية ، في أغلاط المتأخرين من الفقهاء ـ بزعمه ـ : « من جملتها : أن كثيرا منهم ، زعموا أن قوله عليه السلام : « لا ينقض اليقين بالشك أبدا ، وإنما تنقضه بيقين آخر » جار في نفس أحكامه تعالى (1) ، ومن جملتها : أن بعضهم توهم أن قوله عليه السلام : « كل شيء طاهر ، حتى تستيقن أنه قذر » يعم صورة الجهل بحكم الله تعالى ، فإذا لم نعلم أن نطفة الغنم طاهرة أو نجسة ، نحكم بطهارتها ، ومن المعلوم أن مرادهم عليهم السلام ، أن كل صنف فيه طاهر وفيه نجس ، كالدم والبول واللحم والماء واللبن والجبن ، مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة ، فهو طاهر ، حتى تعلم أنه نجس ، وكذلك كل صنف فيه حلال وحرام ، مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة ، فهو لك حلال ، حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه » انتهى كلامه (2). 1 ـ قال المحدّث البحراني في معرض رده على ما افاده الأمين الاسترآبادي من بطلان القول بالاستصحاب : « السادس : قوله ومن القسم الثاني من الاختلاف ذهاب شيخنا المفيد قدس سره إلى جواز العمل بالاستصحاب إلى آخره فان فيه : انه وان كرر ذلك في غير موضع من هذا الكتاب ـ يعني به الفوائد المدنية ـ وشنع به على من عمل به من الاصحاب إلا أنه وقع فيما شنع به ، ومن عاب استعاب ، كما وقفت عليه من كلامه في حاشية [ حاشيته ظ ] على شرح المدارك وإن تستر ببعض التمويهات والتشبيهات التي هي أوهن من بيت العنكبوت ، وقد نقلنا كلامه المشار اليه في درة الاستصحاب ، فارجع اليه يظهر لك ما فيه من العجب العجاب والله الهادي إلى جادة الصواب ». الدرر النجفية : 92 ، ولاحظ : درة الاستصحاب في ص 73 منه. 2 ـ الفوائد المدنية : 148. (215)
ولا يخفى عليك ما في كلامه ، فإن قوله عليه السلام : « كل شيء طاهر حتى تستيقن أنه قذر » عام شامل ، لما إذا كان الجهل بوصول النجاسة ، أو بأنه في الشرع هل هو طاهر ؟ أو نجس ؟.
مع أن الاول يستلزم الثاني للجاهل ، فإن المسلم إذا أعار ثوبه للذمي الذي يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، ثم رده عليه ، فهو جاهل بأن مثل هذا الثوب الذي هو مظنة النجاسة ، هل هو مما يجب التنزه عنه في الصلاة ، وغيرها مما يشترط بالطهارة ؟ أو لا ؟ فهو جاهل بالحكم الشرعي ، مع أنه عليه السلام قرر في الجواب قاعدة كلية ، بأن ما لم تعلم نجاسته ، فهو طاهر ، والفرق بين الجهل بحكم الله تعالى إذا كان تابعا للجهل بوصول النجاسة ، وبينه إذا لم يكن كذلك ، كالجهل بنجاسة نطفة الغنم ، مما لا يمكن إقامة دليل عليه. وأيضا : قد عرفت مما مر في القسم الثالث ، أن الطهارة في جميع ما لم يظهر مخرج عنها ـ قاعدة مستفادة من الشرع. وأيضا : فرقه بين نطفة الغنم ، وبين البول والدم واللحم وغيرها ، تحكم ظاهر ، فإن النطفة أيضا منها طاهرة ، كنطفة غير ذي النفس ، ومنها نجسة. ومن العجب حكمه بالطهارة فيما إذا وقع الشك في بول الفرس هل هو طاهر ؟ أو نجس ؟ وحكمه بنجاسة نطفة الغنم عند الشك !. وكذا الكلام في الحلال والحرام. فإن قلت : قوله عليه السلام : « كل شيء طاهر ، حتى تستيقن أنه قذر » ظاهر في جوانب البناء في جميع الاشياء على الطهارة ، حتى يعلم بالنجاسة ، من غير فحص عن (1) المعارض ، مع أن البناء على أصل الطهارة في نفس الاحكام (2) من المسائل الاجتهادية ، التي يحتاج ترجيحها إلى الفحص عن عدم المعارض. 1 ـ كلمة ( عن ) : اضافة من ب. 2 ـ في أ وط : الحكم. (216)
وأيضا : على هذا يلزم معذورية من صلى مع البول مثلا ، عالما بأنه بول غير المأكول ، إذا جهل نجاسة البول.
فيجب أن يكون المراد من الحديث معذورية الجاهل بإصابة النجاسة لثوبه أو بدنه أو نحو ذلك ، لا معذورية الجاهل مطلقا. قلت : أولا : بإمكان التزام معذورية الجاهل بالنجاسة مطلقا ، من غير فحص لهذه الروايات. وثانيا : بالتزام معذورية الجاهل بالنجاسة مطلقا ، إذا كان غافلا عن الحكم بالكلية ، وعدم معذورية من سمع الحكم مثل نجاسة البول ، وإن لم يصدق به ، بل حينئذ يلزمه التفحص حتى يظهر عليه الحكم الواقعي ، ولو بعدم الاطلاع على النجاسة بعد الفحص ، فإن مقتضاه الحكم بالطهارة. وثالثا : بأن ظاهر هذا الحديث ، وإن اقتضى عدم وجوب الفحص مطلقا ، إلا أنه مخصص بما دل على لزوم الفحص عن المعارض ، في حق المجتهد في نفس الحكم ، حتى يجوز له الحكم بالطهارة. ورابعا : بالتزام لزوم الفحص ، سواء جهل بأصل النجاسة ، أو بإصابتها ، إذا كان موجبا للجهل بحكم الله ، لانه من قبيل الاجتهاد ، فمن علم أن ظن النجاسة لا اعتبار به شرعا ، لا يلزمه الفحص عن ثوبه ، هل أصابته النجاسة ؟ أو لا ؟ وقد دل عليه بعض الروايات ، ومن لم يعلم ذلك ، وظن نجاسة ثوبه ، لا يبعد أن يقال : إنه يلزمه السؤال إن كان عاميا ، والفحص عن أنه هل ورد الشرع باجتناب مثل ذلك ؟ أو لا ؟ إن كان مجتهدا. واعلم : أن الشهيد الاول قال في قواعده : « البناء على الاصل ، وهو استصحاب ما سبق ، أربعة أقسام : أحدها : استصحاب النفي في الحكم الشرعي ، إلى أن يرد دليل ، وهو المعبر عنه بالبراءة الاصلية. (217)
وثانيها : استصحاب حكم العموم إلى ورود مخصص ، وحكم النص إلى ورود ناسخ ، وهو إنما يتم بعد استقصاء البحث عن المخصص والناسخ.
وثالثها : استصحاب حكم ثبت شرعا ـ كالملك عند ورود سببه (1) ، وشغل الذمة عند إتلاف مال أو التزام ـ إلى أن يثبت (2) رافعه. ورابعها : استصحاب حكم الاجماع في مواضع النزاع ، كما نقول : الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ، للاجماع على أنه متطهر قبل هذا الخارج ، فيستصحب ، إذ الاصل في كل متحقق دوامه ، حتى يثبت معارض ، والاصل عدمه » (3). ومثله قال الشهيد الثاني في كتاب تمهيد القواعد (4). ولا يخفى عليك الحال في القسم الاول ، فإنه قد مر مفصلا. وعرفت أيضا أن الثاني ليس من الاستصحاب. وأما الثالث : فهو من الاستصحاب ، ولكن الفائدة في قوله : « استصحاب حكم ثبت شرعا » وتقييد الثبوت بالشرع ، غير ظاهرة ، لعموم أدلة الاستصحاب على ما مر ، فتأمل. وأما الرابع : فيجري فيه ما يجري في الثاني ، من خروجه عن الاستصحاب إن كان المجمع عليه الثبوت مطلقا ، وإلا فلا يجوز الاستصحاب. وما قد يستدل في بعض المسائل ، بأن هذا الحكم ثابت بالاجماع ، والاجماع إنما هو إلى هذا الوقت الخاص ، فلا دليل عليه فيما بعده ، فلم يكن 1 ـ في ط : عند ثبوت سببه. وفي المصدر : عند وجود سببه. 2 ـ كذا في أ وط والمصدر. وفي الاصل وب : ثبت. 3 ـ القواعد والفوائد : 1 / 132 ـ 133 / القاعدة الثالثة. 4 ـ تمهيد القواعد : 37 / المقصد الخامس / قاعدة : استصحاب الحال حجة ... إلى آخره. (218)
الحكم فيما بعده ثابتا ـ فهو (1) غير منقح ، فإنه يجب التفتيش عن متن الحكم المجمع عليه ، هل هو محدود إلى وقت ؟ أو حال ؟ أو هو مطلق غير محدود ؟ فإن كان الاول ، فالاستدلال صحيح ، وإلا فلا ، ولا يجدي (2) تحقق الخلاف في وقت ، إذا كان متن الاجماع غير محدود ، لانه يصير حجة على المخالف.
ثم اعلم : أن حجية الاستصحاب والعمل به ، ليس مذهبا للمفيد والعلامة فقط من أصحابنا ، بل الظاهر أنه مذهب الاكثر ، فإن من تتبع كتب الفروع ، سيما في أبواب العقود (3) والايقاعات ، يظهر عليه أن مدارهم في الاغلب على الاستصحاب. يشهد بذلك شرح الشرائع للشهيد الثاني رحمه الله (4). وقد صرح الشهيد الاول في قواعده باختياره في مواضع ، منها في قاعدة اليقين (5). ونسب الشهيد الثاني اختياره في تمهيد القواعد إلى أكثر المحققين ، حيث قال : « قاعدة : استصحاب الحال حجة عند أكثر المحققين ، وقد يعبر عنه بأن الاصل في كل حادث تقديره في أقرب زمان ، وبأن الاصل بقاء ما كان على ما كان » (6). القسم السابع : التلازم بين الحكمين ، فإنه إذا ثبت تلازم حكمين ، وتحقق أحدهما ، 1 ـ كذا في أ وط. وفي الاصل وب : فانه. 2 ـ في ط : وإلا فلا يجدي ... إلى آخره. 3 ـ في أ : كتب الفروع سيما في العقود ، وفي ط : كتب الفروع وفي أبواب العقود. 4 ـ المسالك : 1 / 6 ـ كتاب الطهارة / احكام الوضوء / في شرح قوله : « أو تيقنهما ». 5 ـ القواعد والفوائد : 1 / 132 ـ 141 / القاعدة الثالثة : قاعدة اليقين. 6 ـ تمهيد القواعد : 37. (219)
فإنه يدل على تحقق الحكم الآخر.
والتلازم قد يكون مستفادا من الشرع ، كتلازم القصر في الصلاة والافطار في الصوم في السفر ، المستفاد من قوله عليه السلام : « اذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت » (1). وقد يكون مستفادا من حكم العقل ، كما يقال : إن الامر بالشيء في وقت معين لا يزيد عليه ، يستلزم عدم الامر بضده في ذلك الوقت بعينه وإلا لزم التكليف بما لا يطاق ، وهو قبيح عقلا ، مع قطع النظر عن كونه منصوصا أيضا. وهذا القسم مما يتوقف (2) حكم العقل فيه على ورود الخطاب الشرعي ويندرج فيه امور بحسب الظاهر ، فنحن نذكرها ، ونبين ما هو الحق في كل منها. الاول : مقدمة الواجب : وقد وقع الخلاف في أن وجوب الشيء هل يستلزم وجوب مقدمته ؟ أي : ما يتوقف عليه ذلك الشيء ، أو لا ؟ فقيل : بالتلازم مطلقا. وقيل : لا ، مطلقا. وقيل : به إذا كانت المقدمة سببا لا غير. وقيل : به إذا كانت شرطا شرعيا لا غير. والاول : مذهب أكثر القدماء والمحققين (3) ، ولكن أدلتهم المنقولة مما لا 1 ـ الفقيه : 1 / 437 ح 1269. 2 ـ وضع ناسخ الاصل كلمة ( لا ) في الهامش ووضع عليها الرمز ( ظ ). اشارة إلى استظهار ان الصواب في العبارة هو : مما لا يتوقف. ولكن هذا الاستظهار كما ترى. 3 ـ فقد قال السيد المرتضى : « اعلم أن كل من تكلم في هذا الباب اطلق القول بأن الامر بالشيء (220)
يمكن التعويل عليها ، لضعفها ، كما يقال : على تقدير عدم وجوب المقدمة ، يكون تركها جائزا ، فإذا تركت : فإن بقي التكليف بذي المقدمة حينئذ ، كان تكليفا بما لا يطاق ، وإلا فيلزم خروج الواجب عن كونه واجبا ، وهو محال (1) ، وهذا الدليل عمدة أدلتهم ، وعليه يدور أكثر أدلتهم.
والجواب : أن هذا الواجب لا يخلو : إما أن يكون مؤقتا ؟ أم لا ؟ وعلى الاول : فإن تضيق الوقت ، بحيث لو أتى بالمقدمة ، لا يمكن الاتيان بذي المقدمة إلا فيما بعد وقته ، كالحج في المحرم مثلا ، فنختار عدم بقاء التكليف. قوله : « يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا ». قلنا : نعم ، يلزم أن لا يكون الواجب المؤقت واجبا بعد وقته ، ولا فساد فيه ، فإن الحج مثلا في غير ذي الحجة ليس واجبا. فإن قلت : نحن نقول : من استطاع الحج (2) ، وترك المشي إليه بغير عذر ، وطلع عليه هلال ذي الحجة ، وهو في بلدة بعيدة لا يمكنه إدراك الحج في هذه السنة ـ إن وجب عليه الحج في هذه السنة ، يلزم تكليفه بالمحال عادة ، وإلا يلزم خروج الواجب في وقته عن الوجوب. قلت : لما كان وقوع الحج في هذه السنة في وقته محالا ، عادة ، فالتكليف به حينئذ ينصرف (3) إلى التكليف بإيقاعه فميا بعد وقته ، فنختار عدم بقاء التكليف حينئذ ، وليس إلا خروج الواجب بعد وقته عن الوجوب ، ولا استحالة فيه ، بل يتحقق (4) الاثم حينئذ. ـ هو بعينه أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به » : الذريعة : 1 / 83 ، وممن صرح بالوجوب الغزالي : المستصفى : 1 / 71 ، والرازي : المحصول : 1 / 289. 1 ـ حكى هذا الدليل المحقق الشيخ حسن ثم رده : معالم الدين : 62. 2 ـ كذا في ب وط. وفي الاصل : إلى الحج. وفي أ : للحج. 3 ـ في ط : يؤول. 4 ـ كذا في أ وب ، وفي الاصل وط : تحقق. (221)
وإن كان الوقت متسعا ، أو لم يكن الواجب مؤقتا ، فنختار بقاء التكليف ، وليس تكليفا بالمحال ، لانه يمكن الاتيان بالمقدمة بعد.
على : أنه يمكن جريان هذا (1) الدليل على تقدير وجوب المقدمة أيضا ، إذا تركها المكلف ، فتأمل. واستدل ابن الحاجب على وجوب الشرط الشرعي : بأنه لو لم يجب لكان الآتي بالمشروط فقط آتيا بجميع ما امر به ، فيجب أن يكون صحيحا ، فيلزم خروج الشرط الشرعي عن كونه شرطا (2). والجواب : منع الشرطية ، لان المتأخر عن الشرط لا يتأتى إلا بفعل الشرط ، فليس آتيا بجميع ما امر به على تقدير عدم الاتيان بالشرط ، لفوت وصف التأخر في المشروط (3) حينئذ. وهذه المسألة بأدلتها من الطرفين مذكورة في كتب الاصول ، كالمعالم ، وغيره ، والمعترض مستظهر من الجانبين ، إلا أن المتتبع ـ بعد الاطلاع على المدح والذم الواردين في الأخبار والآيات القرآنية على فعل مقدمة الواجب وتركها ـ يحصل له ظن قوي بوجوب مقدمة الواجب مطلقا. واعلم : أنه قد تطلق المقدمة على امور ، يكون الاتيان بالواجب حاصلا في ضمن الاتيان بها ، وكأنه (4) لا خلاف في وجوب هذا القسم من المقدمة ، لانه عين الاتيان بالواجب ، بل هو منصوص في بعض الموارد ، كالصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة (5) ، والصلاة في كل من الثوبين عند اشتباه 1 ـ كلمة ( هذا ) : زيادة من أ وب وط. 2 ـ المنتهى : 36 ، شرح العضد : 1 / 90 ـ 91 ( لاحظ المتن ). 3 ـ كذا في أ وب وط. وفي الاصل : الشروط. 4 ـ كذا في أ وب وط. وفي الاصل : فكأنه. 5 ـ الفقيه : 1 / 278 ح 854. (222)
الطاهر بالنجس (1) ، وغير ذلك.
ولما [ ظهر ] ضعف أدلتهم المذكورة على وجوب مقدمة الواجب ، فلا فائدة في التعرض لحال (2) مقدمة المندوب والحرام والمكروه. والثاني : النهي عن الشيء عند الامر بضده الخاص. وقد اختلف في أن الامر بالشيء ، هل يستلزم النهي عن ضده الخاص ؟ أو لا ؟ بعد الاتفاق على النهي عن الضد العام ، أي : ترك الواجب. وأدلة الاستلزام ضعيفة ، كما لا يخفى على من له أدنى تدبر ، فلا فائدة في ذكرها. والحق : عدم الاستلزام ، للاصل ، ولانه لو كان كذلك لتواتر ، لانه من الامور العامة البلوى ، على ما قال الشهيد الثاني [ من ] أنه لو كان كذلك لم يتحقق إباحة السفر إلا لاوحدي الناس (3) ، لتضاده غالبا لتحصيل العلوم الواجبة ، بل قلما ينفك الانسان عن شغل الذمة بشيء من الواجبات الفورية ، مع أنه على ذلك التقدير موجب لبطلان الصلاة الموسعة في غير آخر وقتها ، ولبطلان النوافل اليومية وغيرها. فلو كان الامر بالشيء مستلزما للنهي عن ضده الخاص ، لتواتر عنهم عليهم السلام النهي عن أضداد الواجبات ، من حيث هي كذلك ، والتالي (4) باطل. 1 ـ التهذيب : 2 / 225 ح 887 ، الفقيه : 1 / 249 ح 756. 2 ـ في أ وب : بحال. 3 ـ روض الجنان : 388 / باب سفر المعصية / كتاب الصلاة. وقد صرح الشهيد الثاني بعدم اقتضاء الامر بالشيء النهي عن ضده الخاص في : تمهيد القواعد : 17 ، وقد بنى على ذلك في الفقه ، انظر : روض الجنان : 120 / مسألة ما لو كان على بدن المحدّث او ثوبه نجاسة ولم يجد من الماء إلا ما يكفيه لازالة النجاسة خاصة ، وص 204 منه / مسألة الصلاة في الثوب المغصوب ، وص 339 منه ، والمسالك : 1 / 25 / مسألة وجوب رد السلام على المصلي. 4 ـ في ط : والثاني. (223)
على أنه لم ينقل آحادا أيضا.
وبعض المتأخرين غير العبارة في المدعى (1) ، وقال : الامر بالشيء يستلزم عدم الامر بضده ، وإلا لزم التكليف بالمحال ، فيبطل الضد إذا كان عبادة. وفيه أيضا نظر ، ينكشف مما سنتلو عليك. فاعلم : أن الواجب إما مؤقت أو غير مؤقت ، وكل منهما إلا مضيق أو لا ، فالاقسام أربعة : المؤقت الموسع ، كالظهر مثلا. والمؤقت المضيق ، كالصوم. وغير المؤقت الموسع ، كالنذر المطلق على المشهور ، وغيره مما وقته العمر. وغير المؤقت المضيق ، كإزالة النجاسة عن المسجد ، وأداء الدين والحج وغيرها من الواجبات الفورية. فنقول : قوله : « الامر بالشيء يستلزم عدم الامر بضده » غير صحيح في الواجبين الموسعين مطلقا ، إذ لا يتوهم فيه أنه تكليف بالمحال ، وهو ظاهر. وأما في المؤقتين المضيقين فالمدعى حق ، إلا أنه لم يرد في الشرع شيء من هذا القبيل ، إلا ما تضيق بسبب تأخير المكلف ، كما إذا أخر المكلف الواجبين الموسعين إلى أن يبقى من الوقت بقدر فعل أحدهما. ولكن لا يخفى أنه حينئذ لا يمكن الاستدلال على بطلان أحدهما ، لتعلق الامر بكل منهما ، ولا يتفاوت كون أحدهما أهم من الآخر ، بل الحق حينئذ التخيير ، وتحقق الاثم إن كان التأخير بسبب تقصيره ، بل لا يبعد أن يقال بوجوب كل منهما في هذا الوقت أيضا ، ولا يلزم التكليف بالمحال ، لان حتمية فعلهما في هذا الوقت ، إنما هي بالنظر إلى ما بعد ذلك الوقت ، لا بالنظر إلى ما 1 ـ انظر : زبدة الاصول : 82 ـ 83. وقد لمح الشهيد الثاني إلى ذلك حيث قال : « وإرادة أحد الضدين يستلزم عدم إرادة الآخر » المسالك : 1 / 55. (224)
قبله ، لان نسبة هذا الجزء من الوقت إلى هذين الواجبين ، مثل نسبة أول الوقت ووسطه ، فكما أن الفعلين الواجبين في أول الوقت ووسطه متصفان بالوجوب من غير لزوم التكليف بالمحال ـ لكون الوجوب راجعا إلى التخييري بحسب أجزاء الوقت ـ فكذا في آخر الوقت أيضا ، والحتمية ـ بمعنى : عدم (1) جواز التأخير عنه ـ لا ترفع التخيير فيه بالنظر إلى ما قبله من أجزاء الوقت.
فإن قلت : إذا قصر المكلف ، وأخر الواجبين الموسعين حتى لا يبقى من وقتهما إلا بمقدار فعل أحدهما ، فحينئذ إن وجب كل منهما معا في هذا الوقت ، يكون تكليفا بالمحال ، ولا يجدي إمكان إيقاعهما قبل هذا الوقت ، لان الفرض أنه فات. قلت : وجوبهما في هذا الوقت بالايجاب السابق ، الذي نسبته إلى اول الوقت ووسطه وآخره نسبة واحدة ، فكما لا يتوهم التكليف بالمحال في الاولين ، فكذا في الآخر. وأما في المضيقين غير المؤقتين ـ كإزالة النجاسة من المسجد ، وأداء الدين مثلا إذا تضادا ـ فنقول : أول وقت وجوبهما ، قبل أن يمضي زمان يمكن فعل أحدهما فيه ، لا يجوز أن يكون كلاهما واجبا عينيا ، للزوم التكليف بالمحال ، بل يكون وجوبهما حينئذ تخييريا (2) إن لم يكن بينهما ترتيب ، ولا يمكن الاستدلال على النهي عن (3) أحدهما بسبب الامر بالآخر ، لما عرفت ، تساويا في الاهمية أو لا. وأما إذا مضى من أول وقت وجوبهما بقدر فعل أحدهما ، ففيه الاحتمالان المذكوران : 1 ـ كلمة ( عدم ) : ساقطة من الاصل ، واثبتناها من سائر النسخ. 2 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : بل يكون وجوبهما تخييرا. 3 ـ كذا في ب وط ، وفي الاصل وأ : من. (225)
كون وجوبهما في كل جزء من الزمان تخييريا (1) ، ولكن مع تحقق الاثم على ترك ما تركه منهما ، بسبب تقسيره في التأخير مع إمكان فعله سابقا.
وكون وجوبهما في كل جزء منه حتميا بالنظر إلى ما بعده ، أعني : عدم جواز تأخيرهما ، لا بالنظر (2) إلى ما قبله ، لامكان فعلهما قبله. وعلى أي تقدير ، فلا يمكن الاستدلال على النهي عن (3) أحدهما بسبب الامر بالآخر : أما على الاول : فلان الامر بأحدهما على التخيير ـ لا بهما معا ، حتى يتوهم التكليف بالمحال ـ لكن مع تحقق الاثم بترك ما تركه ، لتقصيره بتأخيره. وأما على الثاني : فلما عرفت ، فتأمل. وأما في الموسع مطلقا والمؤقت المضيق : فقد يتوهم أن هذا الوقت المضيق ، لما (4) صار متعينا لوقوع هذا الواجب المضيق فيه ، خرج عن (5) أن يكون وقتا لهذا الواجب الموسع ، فلم يتحقق الامر فيه بالواجب الموسع ، فإذا فعل فيه يكون باطلا ، وفيه بحث ، لان خروجه عن وقتية (6) الموسع ممنوع. فإن قلت : فما الفائدة في جعل هذا الوقت المضيق ، الذي ليس إلا بقدر الواجب المضيق ، وقتا له على التعيين ، وللموسع على التخيير ؟. قلت : الفائدة فيه أنه لو عصى المكلف وترك فيه الواجب المضيق ، ولكن أتى فيه بالموسع ، يكون مؤديا للموسع غير فايت له (7) ، وكذا الكلام في الموسع 1 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : تخييرا. 2 ـ اسقط حرف النفي من ط. 3 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : من. 4 ـ كلمة ( لما ) ساقطة من الاصل ، واثبتناها من سائر النسخ. 5 ـ في ط : من. 6 ـ في أ وط : وقته. 7 ـ كذا في النسخ : والمراد : مفوت. وقد اتفق للمصنف رحمه الله امثال هذه المسامحات اللفظية في مواضع اخر من كتابنا هذا فلاحظ. ويحتمل أن يكون في المقام محذوف ، والتقدير : فالموسع |
|||
|