|
|||
|
(271)
وكذا الكلام على الكليني (1).
مع : أن ابن بابويه كثيرا ما يطرح الروايات المذكورة في الكافي : قال ـ في باب ( الرجل يوصي إلى رجلين ) بعد ما ذكر توقيعا من التوقيعات ، الواردة من الناحية المقدسة ـ : « هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام ، وفي كتاب محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله رواية (2) خلاف ذلك التوقيع ، عن الصادق عليه السلام » ، ثم قال : « لست افتي بهذا الحديث ـ مشيرا إلى رواية محمد بن يعقوب ـ بل افتي بما عندي بخط الحسن ابن علي عليهما السلام ، ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول الاخير ، كما أمر به الصادق عليه السلام ، وذلك أن الأخبار لها وجوه ومعان ، وكل إمام أعلم بزمانه وأحكامه ، من غيره من الناس » (3). وقال ـ في باب ( الوصي يمنع الوارث ) بعد نقل حديث ـ : « ما وجدت هذا الحديث إلا في كتاب محمد بن يعقوب الكليني رضي الله عنه ، وما رويته إلا من طريقه ، حدثني به غير واحد ، منهم محمد بن محمد بن عصام الكليني ، عن محمد بن يعقوب الكليني » (4). وطرح الشيخ الطوسي لاحاديث الفقيه ، والكافي ، وكذا السيد المرتضى ، وغيرهما ـ أكثر من أن يحصى ، وهذا يدل على أن هذه الأخبار لم تكن قطعية عند قدماء أصحابنا. هذا ، والاقوى في هذا الزمان : جواز العمل بالاخبار المودعة في الكتب الثلاثة ، لمن له أهلية العمل بالحديث ، من دون ملاحظة الاسانيد ، بشرط : عدم المعارض. 1 ـ كلمة ( الكليني ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 2 ـ كلمة ( رواية ) ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 3 ـ الفقيه : 4 / 203 في تعليقه على الحديث 5471 ، 5472. 4 ـ الفقيه : 4 / 223 معلقا بذلك على الحديث 5526. (272)
وعدم كون مضمونه مخالفا لعمل المشاهير من فقهائنا. وسيجيء تحقيق حكم صورة التعارض في بحث التراجيح ، إن شاء الله تعالى.
الشك الثاني : شك اعتبار مطلق الظن ، وهو مما اختاره بعض الفضلاء (1) ، وصورته أن يقال : قد حصل لنا من تتبع آثار العلماء ، أنهم كانوا يعملون بكل ما حصل لهم الظن بأنه مراد المعصوم ، سواء كان منشأ حصول هذا الظن رواية صحيحة أو لا ، مسندة أو لا ، مرسلة أو لا ، إلى غير ذلك. ويلزم على هذا : أن لا يكون العلم بأحوال الرواة محتاجا إليه ، إذ ربما يحصل هذا الظن من رواية من هو في غاية الضعف ، ولا يحصل من رواية من هو في غاية الثقة. والجواب : لا نسلم عمل العلماء بكل ما حصل لهم الظن به ، بل الظاهر من أحوال القدماء عدم عملهم إلا بالقطعيات ، وكلام السيد المرتضى ، وابن إدريس ، وابن زهرة ، ينادي بأعلى صوته بمنع العمل بالظنيات ، كما لا يخفى على من له أدنى تتبع ، وأكثر هذه الأخبار الضعيفة باصطلاح المتأخرين ، كان صحيحا عند القدماء. وأيضا : لا يجوز أن يكون الظن من حيث هو ظن مناطا للاحكام الشرعية ، ما لم يكن ناشئا عما ثبت اعتباره شرعا ، إذ كثيرا ما يحصل هذا الظن بأسباب اخر ، مثل : هوى النفس ، أو التعصب ، أو الحسد ، أو نحو ذلك ، كما هو محسوس مشاهد ، وعلى هذا ، فيحصل الهرج والمرج في الدين ، لاختلاف الناس في هذه الاسباب ، فيجب أن يكون الظن الذي يجوز العمل به مضبوطا ، بأن يكون ناشئا من الكتاب الجيد (2) ، أو الحديث الصحيح ، أو 1 ـ هو المحقق الشيخ حسن في : معالم الدين : 192 / قوله : ( الرابع ان باب العلم القطعي بالاحكام الشرعية إلى آخره ). وتقرير الدليل للمصنف. 2 ـ كلمة ( المجيد ) : زيادة من أ وب وط. (273)
مطلقه لو ثبت حجيته مطلقا.
بل الحق : أن العمل بهذه الادلة ليس عملا بالظن ، بل عمل بكلام من يجب اتباعه ، غاية الامر الاكتفاء بالظن الخاص في نسبة هذا الكلام إلى من يجب اتباعه. الشك الثالث : أنه وقع الاختلاف في أسباب الجرح. فقيل : الكبائر سبع. وقيل : أكثر. وقيل : بأنها إضافية. وعلى هذا ، لا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل وجرحه ، إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل ، وهذا العلم مما لا يكاد يمكن حصوله ، إذ المعدلين والجارحين ـ وهم : الكشي ، والنجاشي ، والشيخ الطوسي ، وابن طاووس ، وابن الغضائري ، وغيرهم ـ ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما ، بل صرح الشيخ بتوثيق المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقا في (1) أفعال جوارحه ، وتوثيق بعض المتأخرين ، كالعلامة ، وابن داود ، مبني على توثيق القدماء. وأيضا : اعتبر بعض العلماء (2) في الجرح والتعديل شهادة إثنين ، وعلى هذا : لا يوجد حديث صحيح ، يكون جميع رجال سنده معدلا بتعديل عدلين. وأيضا : تعديل هؤلاء المعدلين مبني على غيرهم ، مع عدم معلومية 1 ـ زاد في أ في هذا الموضع كلمة : جميع. 2 ـ كالمحقق الحلّي : معارج الاصول : 150. والمحقق الشيخ حسن : معالم الدين : 204 ، و: منتقى الجمان : 1 / 16 ـ الفائدة الثانية. والشيخ بهاء الدين العاملي : مشرق الشمسين : 4 ( المرقمة ب 471 تسلسل رسائل الشيخ بهاء الدين ) حيث ورد في الهامش : ( والحاصل اني أشترط في الرواية اخبار ثلاثة : واحد بها ، واثنين بعدالة راويها ، واشترط في التزكية إخبار اثنين لا غير. منه طاب ثراه ). ولكن يظهر من المتن خلاف ذلك. والمحدث الاسترآبادي : الفوائد المدنية : 256 / قوله « فائدة : يفهم من هذين الحديثين الشريفين إلى آخره ». (274)
مذهب هؤلاء أيضا.
وهذا الشك مما أورده الشيخ الفقيه بهاء الملة والدين فقال : « من المشكلات أنا نعلم مذهب الشيخ الطوسي رحمه الله في العدالة ، وأنه يخالف مذهب العلامة رحمه الله ، وكذا لا نعلم مذهب بقية أصحاب الرجال ، كالكشي ، والنجاشي ، وغيرهم ، ثم نقبل تعديل العلامة رحمه الله في التعديل على تعديل أولئك. وأيضا : كثير من الرجال ، ينقل عنه أنه كان على خلاف المذهب ثم رجع وحسن إيمانه ، والقوم يجعلون روايته من الصحاح ، مع أنهم غير عالمين بأن أداء الرواية متى وقع ؟ أبعد التوبة ؟ أم قبلها ؟ وهذان المشكلان لا أعلم أن أحدا قبلي تنبه لشيء منهما » انتهى كلامه (1). وأيضا : العدالة بمعنى الملكة المخصوصة التي ذهب إليها المتأخرون ، مما لا يجوز إثباته بالشهادة ، لان الشهادة وخبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات ، والعدالة ـ بمعنى الملكة المخصوصة ـ ليست محسوسة ، كالعصمة ، فلا تقبل فيها الشهادة ، فلا يعتمد على تعديل المعدلين بناءا على طريقة المتأخرين ، وهذا مما أورده الفاضل الاسترآبادي (2). وأيضا : قد تقرر في محله أن شهادة فرع الفرع غير مسموعة ، ولا تقبل 1 ـ لم نعثر على هذا النص فيما طبع من آثار ومصنفات الشيخ بهاء الدين ، كالزبدة والوجيزة والحبل المتين ومشرق الشمسين وما عليها من حواشيه وتعليقاته ، وغيرها ، وأما مصنفاته التي لم تطبع إلى الآن فلم نعثر على نسخها الخطية رغم البحث عنها كحواشيه على القواعد للشهيد الاول ، وحواشيه على شرح العضد. هذا وقد نقل النص المذكور اعلاه المحدّث البحراني أيضا في : الحدائق الناضرة ـ المقدمة : 1 / 24 ( في الهامش ). 2 ـ قد يتصيد هذا المطلب من مواضع متعددة من كلام الاسترآبادي في الفوائد المدنية منها ما ذكره في ص 247 و253 فان كلماته تلوح بذلك ، ولكن للمحدث الاسترآبادي مصنفات اخرى لعل المصنف ينقل هذا النص منها ، كالفوائد المكية الذي سبق ذكره عند المصنف بالاسم في ص 212 ونقل منه بعض كلام الاسترآبادي وكتعليقاته على المدارك التي وقف عليها المحدّث البحراني ونقل منها كلام الاسترآبادي بلفظه في : الدرر النجفية/ درة في الاستصحاب ص 34. (275)
[ الشهادة ] إلا من الشاهد الاصل والشاهد الفرع ، مع أن شهادة علماء الرجال على أكثر المعدلين والمجروحين ، من شهادة فرع الفرع ، إذ ظاهر : أن الشيخ الطوسي والنجاشي والكشي (1) ، لم يلقوا أصحاب مثل الباقر والصادق عليهما السلام ، ولا أصحاب غيرهما من الائمة ، وكذا ظاهر : عدم ملاقاتهم لمن أدرك أصحاب هؤلاء الائمة ، فلا تكون شهاداتهم إلا شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة ، فكيف يجوز التعويل في الشرع على شهادتهم في الجرح والتعديل ؟! وهذا أيضا مما أورده المورد المذكور (2).
وأيضا : قلما يخلو اسم عن اشتراكه بين جماعة بعضهم غير معدل ، وكثيرا ما لا يحصل العلم بأن الشخص الواقع في سند الرواية المخصوصة هو ذلك الثقة أو غير ، وقلما يحصل بكثرة التتبع ظن ضعيف بأنه هو الثقة لا غير ، واعتبار مثل هذا الظن في الشرع ، بحيث يعتمد عليه في الاحكام الشرعية ، مما لا دليل عليه ، فلا يتحقق للتعديل فائدة يعتد بها ، حتى يكون علم الرجال محتاجا إليه. وأيضا : على تقدير العلم بأن رجال الرواية الفلانية ثقات ، لا يحصل العلم بعدم سقوط جماعة من رجال السند من البين ، فلا يمكن حصول العلم بصحة الحديث بالاصطلاح المشهور ، وحينئذ فلا يحصل أيضا للتعديل فائدة لنا يعتد بها. وقد ذكر صاحب منتفى الجمان : « أن في كثير من روايات الشيخ الطوسي ، عن موسى بن القاسم البجلي ، في كتاب الحج ـ علة ، وذلك أن الشيخ أخذ الحديث من كتاب موسى بن القاسم ، وهو قد أخذ الحديث من كتب جماعة ، وذكر أول السند في أول رواياته ، ثم بعد ذلك ذكر صاحب 1 ـ كلمة ( الكشي ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 2 ـ لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مؤلفات الاسترآبادي ، نعم في ص 251 من الفوائد المدنية ما يناسبه. (276)
الكتاب الذي أخذ الحديث من كتابه ، والشيخ روى تلك الأحاديث من موسى عن صاحب ذلك الكتاب ، مع أنه لم يلقه ، فصار الحديث منقطعا معللا » انتهى (1).
وعدم مثل غير معلوم في بقية أحاديثه ، بل ولا في أحاديث غير الشيخ أيضا ، غايته حصول الظن بالعدم ، وجواز الاعتماد على مثل هذا الظن في الاحكام الشرعية غير معلوم. وذكر أيضا : « أن الكليني قد لا يذكر أول سنده ، اعتمادا على إسناد سابق قريب ، والشيخ رحمه الله ربما غفل عن المراعاة ، فأورد الاسناد من الكافي بصورة وصله بطريق الكليني ، من غير ذكر الواسطة المتروكة ، فيصير الاسناد في رواية الشيخ له منقطعا ، ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله » انتهى كلامه (2). ولا يخفى : أنه لا يؤمن وقوع مثل ذلك من الشيخ رحمه الله فيما نقله من غير الكافي من كتب الحديث أيضا ، وكذا في حق غيره كما عرفت. وأيضا : كثيرا ما يذكر جماعة من الرواة بعطف بعضهم على بعض ، وبعد التتبع يعلم أن العطف سهو ، والواجب نقل البعض عن البعض ، وكذا الحال في عكس ذلك. قال في المنتفى : « ومن المواضع التي اتفق فيها هذا الغلط مكررا ، رواية الشيخ ، عن سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبدالرحمن ابن أبي نجران ، وعلي بن حديد ، والحسين بن سعيد ، فقد وقع في خط الشيخ رحمه الله في عدة مواضع منها ، إبدال إحدى واوي العطف بكلمة ( عن ) وقد اجتمع الغلط بالنقيصة وبالزيادة في رواية سعد عن الجماعة المذكورة بخط الشيخ رحمه الله في إسناد حديث زرارة : « عن أبي جعفر عليه السلام فيمن صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر وهو بمكة ، أو غيرها ، أنه قال : يصلي ركعتين » فإن 1 ـ منتقى الجمان / المقدمة / الفائدة الثالثة : 1 / 25. 2 ـ منتقى الجمان / المقدمة / الفائدة الثالثة : 1 / 24 (277)
الشيخ رواه بإسناده عن سعد بن عبدالله ، عن ابن أبي نجران ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، مع أن سعدا إنما يروي عن ابن أبي نجران بواسطة أحمد بن محمد بن عيسى ، وابن أبي نجران يروي عن حماد بغير واسطة ، كرواية الحسين ابن سعيد عنه ، ونظائر هذا كثيرة » انتهى كلامه (1).
وأيضا : حكم الحاكم بتعديل المعدلين وجرح الجارحين ، حكم بشهادة الميت ، وهو ظاهر. والجواب عن جميع هذه الشكوك العشرة المذكورة هههنا ـ بعد إمكان الاجوبة الجدلية عن كل منها ـ هو : أن أحاديث الكتب الاربعة ، أعني ، الكافي ، والفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار ، مأخوذة من اصول وكتب معتمدة معول عليها ، كان مدار العمل عليها عند الشيعة ، وكان عدة من الائمة عليهم السلام عالمين (2) بأن شيعتهم يعملون بها في الاقطار والامصار ، وكان مدار مقابلة الحديث وسماعه في زمن العسكريين عليهما السلام ، بل بعد زمن الصادق عليه السلام ، على هذه الكتب ، ولم ينكر أحد من الائمة عليهم السلام على أحد من الشيعة في ذلك ، بل قد عرض عدة من الكتب عليهم ، ككتاب الحلبي ، وكتاب حريز (3) وكتاب سليم بن قيس الهلالي ، وغير ذلك ، والعلم بأخذ الكتب الاربعة من هذه الاصول المعتمدة ، يحصل من إخبار المحمدين الثلاثة رحمهم الله ، على ما مر مفصلا ، ومن شهادة القرائن بأن تمكنهم من أخذ الأخبار من هذه الكتب المعتمدة ، يمنعهم من أخذها من الكتب التي لا يجوز العمل بها ، والعادة شاهدة بأن من صنف كتابا ، وتمكن من إيراد ما هو الحق عنده ، لا يرضى بإيراد المشتبهات والمشكوكات. إذا عرفت هذا ، فنقول : إنا لما حصل لنا علم عادي بأن أخبار الكتب 1 ـ منتقى الجمان / المقدمة / الفائدة : 1 / 26. 2 ـ كذا الظاهر ، وفي النسخ : عالما. 3 ـ عبارة ( وكتاب حريز ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. (278)
الاربعة مأخوذة من كتب معتمدة بين الشيعة ، فنحن لا نحتاج إلى العلم بأحوال الرجال فيما لا معارض له ، وأما مع التعارض : فنحن نتفحص عما يحصل به رجحان أحد المتعارضين على الآخر عند النفس : من العرض على كتاب الله ، وعلى مذهب العامة ، ومن حال الراوي ، وكثرته ، وثقته ، ونحو ذلك ، ولا شك في حصول الرجحان عند النفس بسبب تعديل المعدلين ، وإن ورد عليه ما ذكر من الشكوك ، ومن لم يحصل عنده رجحان بذلك ، فحكمه ما سيجيء في بحث الترجيح ، إن شاء الله تعالى.
فإن قلت : فعلى هذا تكون أخبار الكتب الاربعة قطعية الصدور من المعصوم ، كما قال به المورد المذكور. قلت : لا يلزم من كون جواز العمل بهذه الكتب قطعيا ، كون أخبارها قطعية الصدور من المعصوم ، إذ يجوز من المعصوم عليه السلام تجويز العمل بكتاب مشتمل على الأخبار الكثيرة ، بحيث يعلم عدم صدور بعضها منه ومن غيره من الائمة ، لعدم تمكنه من تمييز (1) الصحيح من غيره ، لتقية ، أو ضيق وقت ، أو نحو ذلك ، وهذا غير خفي. فإن قلت : فإذا جاز العمل بما في هذه الكتب ، فلا يحتاج في العمل إلى العلم بأحوال الرجال عند التعارض أيضا ، إذ يصير من قبيل تعارض القطعيين ، وحكمه : العرضان ، أو التخيير ، أو التوقف ، أو الاحتياط ، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. قلت : قد عرفت أن قطعية العمل لا تقتضي قطعية الحديث ، ونحن قد حصل لنا القطع بجواز العمل في صورة عدم التعارض ، ولهذا ترى جل الفقهاء بل كلهم يستدلون على المطالب بالاخبار الضعيفة السند ، ويكفي في ذلك ملاحظة الكتب الاستدلالية للشيخ ، والسيد المرتضى ، والعلامة ، 1 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : تميز. (279)
والمحقق ، وابن إدريس ، وغيرهم. وأما مع التعارض فقد وجدناهم لا يطرحون المتعارضين ، بل يفتشون عما يحصل به عندهم رجحان أحدهما على الآخر في أنفسهم من ملاحظة حال الراوي ، ونحو ذلك.
والحاصل : أن المعلوم هو جواز العمل بهذه الأخبار عند عدم التعارض ، وأما في صورة التعارض فجواز العمل بأحدهما مع إمكان ترجيح أحدهما على الآخر ـ بملاحظة حال الراوي ، أو نحوه ـ غير معلوم ، بل المعلوم من حال السلف عدم العمل بدون التفتيش ، فيحتاج إلى التفتيش (1) عن حال الرواة ، لانه من جملة ما يحصل به الترجيح ضرورة. على : أن الشكوك المذكورة مصادمة للضرورة ، إذ ربما يحصل من التفتيش العلم العادي بعدالة بعض الرواة وضبطه وديانته ، فإنا بعد التفتيش حصل لنا القطع بثقة مثل سلمان الفارسي رضي الله عنه ، والمقداد ، وأبي ذر ، وعمار ، رضي الله عنهم ، ونظرائهم ، وزرارة ، وبريد (2) ، وأبي بصير المرادي ، والفضيل ، ونظرائهم ، وجميل بن دراج ، وصفوان ، وابن أبي عمير ، والبزنطي ، ونظرائهم ، وإنكار ذلك مكابرة. وربما نحكم بعدالة شخص لم نره ، ولم يشهد عندنا من نعتمد على قوله ، بل بمجرد الاطلاع على أحواله وسيرته ، وعلمنا بعدالة مثل الشيخ أبي جعفر الطوسي ، والسيد المرتضى ، والمحقق ، وأمثالهم ـ من هذا القبيل ، فإنا قبل ملاحظة كتب الرجال كان هذا العلم حاصلا لنا من تقديم العلماء إياهم والاقتداء بهم ، إلى غير ذلك من القرائن ، فلا يلزم من الشكوك المذكورة سد باب الاحتياج إلى علم الرجال والتفتيش عن أحوالهم. نعم هذا العلم لا يحصل إلا في قليل من الرواة غير أصحاب الاصول. 1 ـ قوله ( فيحتاج إلى التفتيش ) : ساقط من الاصل وب ، واثبتناه من نسختي أ وط. 2 ـ في أ وط : يزيد. (280)
وأما أصحاب الاصول : فيمكن تحصيل هذا العلم في كثير منهم.
ثم تحصيل العلم بأن الرجال الذين بينهم وبين مصنفي الكتب الاربعة ، من شيوخ الاجازة ، فلا يضر عدم عدالتهم في صحة الحديث. وأيضا : فإن بعض الرواة قد وردت الأخبار من الائمة الاطهار بلعنهم ، وذمهم ، والاجتناب عنهم ، وبأنهم من الكذابين والمفترين ، مثل : فارس بن حاتم القزويني ، وأبي الخطاب محمد ابن أبي زينب ، والمغيرة بن سعيد ، ونظرائهم ، ويشكل جواز العمل بروايات هؤلاء الملعونين الكذابين ، وإن كانت موجودة في الكتب الاربعة ، إلا أن تكون معتضدة بإحدى القرائن المذكورة ، لانا لا نعلم أن قدماءنا كانوا يعملون بأخبار هؤلاء ، وإن كانت مودعة في الاصول المعتمدة ، فيحتاج إلى معرفة الرجال ليتميز (1) من نص بعدم جواز العمل بروايتهم عن غيرهم. واعلم : أن ههنا أشياء اخر ، سوى العلوم المذكورة ، لها مدخلية في الاجتهاد ، إما بالشرطية ، أو المكملية : الاول : علم المعاني. ولم يذكره الاكثر في العلوم الاجتهادية ، وجعله بعضهم من المكملات ، وعده بعض العامة من الشرائط (2) ، وهو المنقول عن السيد الاجل المرتضى في الذريعة (3) ، وعن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم والمتعلم (4) ، وعن الشيخ 1 ـ كذا في ب ، وفي الاصل وط : لتميز. وفي أ : لتمييز. 2 ـ لم أعثر على مأخذ ذلك في ما لدي من المصادر. 3 ـ لم يزد السيد في الذريعة على القول بأن ( الذي يجب أن يكون عليه المفتي هو أن يعلم الاصول كلها على سبيل التفصيل ويهتدي إلى حل كل شبهة تعترض في شيء منها ، ويكون أيضا عالما بطريقة استخراج الاحكام من الكتاب والسنة وعارفا من اللغة والعربية بما يحتاج اليه في ذلك ) : الذريعة : 2 / 800. 4 ـ المسمى ب : منية المريد في آداب المفيد والمستفيد : الخاتمة / المطلب الاول / الفصل الثاني / ص 225. (281)
أحمد المتوج البحراني في كتاب كفاية الطالبين (1).
الثاني : علم البيان. ولم يفرق أحد بينه وبين علم المعاني في الشرطية والمكملية إلا ابن جمهور (2) ، فإنه عد علم المعاني من المكملات ، وسكت عن البيان وعلل ب : أن أحوال الاسناد الخبري ، إنما يعلم فيه ، وهو من المكملات للعلوم العربية. الثالث : علم البديع ولم أجد أحدا ذكره إلا ما نقل عن الشهيد الثاني في الكتاب المذكور (3) ، وصاحب كفاية الطالبين (4) ، فإنهما عدا العلوم الثلاثة أجمع في شرائط الاجتهاد. والحق : عدم توقف الاجتهاد على العلوم الثلاثة ، أما على تقدير صحة التجزي : فظاهر ، وأما على تقدير عدم صحة التجزي : فلان فهم معاني العبارات لا يحتاج فيه إلى هذه العلوم ، لان في هذه يبحث عن الزائد على أصل المراد. فإن المعاني : علم يبحث فيه عن الاحوال التي بها يطابق الكلام لمقتضى الحال ، كأحوال الاسناد الخبري ، والمسند إليه والمسند ومتعلقات الفعل ، والقصر والانشاء ، والفصل والوصل ، والايجاز والاطناب والمساواة. وبعض مباحث القصر والانشاء المحتاج إليه يذكر في كتب الاصول. والبيان : علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة. وما يتعلق 1 ـ كفاية الطالبين ص 38 من مخطوطة محفوظة برقم 2805 ، و: الصفحة قبل الاخيرة من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 7212 ، و: الصفحة قبل الاخيرة أيضا من مخطوطة ثالثة محفوظة برقم 2538 ، ثلاثتها من نفائس مكتبة ( آستان قدس رضوي ) في مشهد ـ ايران. 2 ـ كاشفة الحال عن احوال الاستدلال / ورقة 8 أ / من مخطوطة محفوظة برقم 4700 في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي العامة بقم ـ ايران ، و: ورقة 4 أ / من مخطوطة أخرى محفوظة ضمن مجموعة برقم 6322 في المكتبة المذكورة. 3 ـ منية المريد : 225. 4 ـ اشرنا إلى المأخذ آنفا. (282)
بالفقه من أحكام الحقيقة والمجاز مذكور في كتب الاصول أيضا.
والبديع : علم يعرف به وجوه محسنات الكلام. وليس شيء من مباحثه مما يتوقف عليه الفقه. نعم ، لو ثبت تقدم الفصيح على غيره ، والافصح على الفصيح ، في باب التراجيح ـ أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزي ، وله ـ في بعض الاحيان ـ إذ فصاحة الكلام وأفصحيته مما لا يعلم في مثل هذا الزمان إلا بهذه العلوم الثلاثة ، وكذا على تقدير تقدم الكلام الذي فيه تأكيد أو مبالغة على غيره ، وسيجيء الكلام على هذه الامور في باب التراجيح إن شاء الله تعالى ، ولكن لا شك في مكملية هذه العلوم الثلاثة للمجتهد. الرابع : بعض مباحث علم الحساب ، كالاربعة المتناسبة ، والخطأين والجبر والمقابلة (1) ، وهو أيضا مكمل وليس شرطا ، أما في المتجزي : فظاهر ، وأما في غيره : فلانه ليس على الفقيه إلا الحكم باتصال الشرطيات ، وأما تحقيق أطراف الشرطية فليس في ذمته ، مثلا : عليه أن يحكم بأن من أقر بشيء فهو مؤاخذ به ، وليس عليه بيان كمية المقربه في قوله : ( لزيد علي ستة إلا نصف ما لعمرو ، ولعمرو علي ستة إلا نصف ما لزيد ) مثلا ، فتأمل. الخامس : بعض مسائل علم الهيأة ، مثل ما يتعلق ، بكروية الارض ، للعلم بتقارب مطالع بعض البلاد مع بعض أو تباعدهما ، وكذا لبعض مسائل الصوم ، مثل : تجويز كون الشهر ثمانية وعشرين يوما بالنسبة إلى بعض الاشخاص. السادس : بعض مسائل الهندسة ، كما لو باع بشكل العروس مثلا (2). 1 ـ تجد توضيح هذه المصطلحات في : مفتاح السعادة : 1 / 370 ، و: ابجد العلوم : 2 / 263. 2 ـ شكل العروس ـ عند القدماء من علماء الهندسة ـ عبارة عن : كل مثلث قائم الزواية ، فان مربع وتر زاويته القائمة يساوي مربعي ضلعيها وإنما سمي به لحسنه وجماله. انظر : كشاف اصطلاحات الفنون : 1 / 785. (283)
السابع : بعض مسائل الطب ، كما لو احتاج إلى تحقيق ( القرن ) ونحوه.
وليست هذه العلوم محتاجا إليها ، لما عرفت ، وإلا لزم الاحتياج إلى بعض الصنائع ، كالعلم بالغبن ، والعيوب ، ونحو ذلك. الثامن : فروع الفقه. ولم يذكره الاكثر في الشرائط. والحق : أنه لا يكاد يحصل العلم بحل الأحاديث ومحاملها بدون ممارسة فروع الفقه. التاسع : العلم بموقع الاجماع والخلاف ، لئلا يخالف الاجماع. وهذا شرط لا يستغني غير المتجزي عنه ، وهذا العلم إنما يحصل في هذا الزمان بمطالعة الكتب الاستدلالية الفقهية ، ككتب الشيخ ، والعلامة ، ونحوها. العاشر : أن تكون له ملكة قوية ، وطبيعة مستقيمة ، يتمكن بها من رد الجزئيات إلى قواعدها الكلية ، واقتناص (1) الفروع من الاصول ، وليس هذا الشرط مذكورا في كلام جماعة من الاصوليين. وتحقيق المقام : أن الدليل النقلي إذا كان ظاهرا أو نصا في معناه ، ولم يكن له معارض ، ولا لازم غير بين ، ولا فرد غير بين الفردية ، فلا يحتاج الحكم بمعناه والعمل به إلى هذا الشرط ، بل تكفي الشرائط السابقة ، مثلا : في العلم بأن الكر من الماء لا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ، من قوله عليه السلام : « إذا بلغ الماء قدر كر (2) لم ينجسه شيء » (3) ـ لا يحتاج إلى أكثر من العلم بمعاني 1 ـ في ب : اقتباس. 2 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : كرا. بدل : قدر كر. 3 ـ كذا الحديث في النسخ ، والمروي : « إذا كان الماء ... إلى آخره » الكافي : 3 / 2 ـ كتاب الطهارة / باب الماء الذي لا ينجسه شيء / ح 1. التهذيب : 1 / 39 ـ 40 / ح 107 ـ 109. نعم روى في غوالي اللآلي : 1 / 76 و: 2 / 6 : « اذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا ». (284)
مفردات هذا الحديث من اللغة والصرف ، وبالهيأة التركيبية من النحو ، وهذا ضروري.
وأما عند وجود المعارض : فيحتاج إلى الملكة المذكورة للترجيح ، وكذا للعلم باللوازم غير البينة ، كالحكم بوجوب المقدمة ، والنهي عن الاضداد عند الامر بالشيء ، وبمفهوم الموافقة والمخالفة ، ونحوها ، وربما يحتمل كفاية العلم بالمطالب الاصولية لهذا القسم. والعمدة في الاحتياج إلى الملكة إنما هو للحكم بفردية ما هو غير بين الفردية للكلي المذكور في الدليل ، أو لمعارضه ، أو لمقدمته ، أو لضده ، أو نحو ذلك. مثلا : للعلم باندراج الكر الملفق من نصفين نجسين مع عدم التغير ـ في الحديث المذكور ، حتى يحكم بصيرورته طاهرا ، أو بعدم اندراجه فيه ، فيحكم ببقائه على النجاسة ، يحتاج إلى تأمل تام وفهم ذكي (1). وكذا في اندراج من عنده من الماء ما لا يكفيه للوضوء إلا مع مزجه بمضاف لا يسلبه الاطلاق ، في : ( غير الواجد للماء ) فيصح تيممه ، أو في نقيضه : وهو ( الواجد للماء ) فيبطل تيممه. وكذا في اندراج الخارج من بيته للسفر قبل حد الترخص ـ في ( الحاضر ) فيتم الصلاة ـ أو في ( المسافر ) فيقصر. وكذا في اندراج حاج في طريقه عدو ، لا يندفع إلا بمال ، وهو يقدر على ذلك المال ـ في ( المستطيع ) فيجب عليه الحج ، أو عدم اندراجه فيه فلا يجب. وهذا القسم من الكثرة بحيث لا يعد ولا يحصى ، ومعظم الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى هذا ، ولا شك في أن العلم (2) بهذا القسم ـ ليعمل لنفسه ، 1 ـ كذا في أ وط ، وفي الاصل وب : زكي. 2 ـ في الاصل : للعلم ، وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ. (285)
أو ليفتي غيره ـ يحتاج إلى ملكة قوية ، وفهم ذكي (1) ، وطبع صفي.
ويجب الاجتناب في الحكم بأن هذا الشيء الجزئي فرد لهذا الكلي ومندرج فيه ـ عن الاعتماد على الظنون الضعيفه والناشئة عن الهوى النفساني ، وينبغي أن يختبر نفسه في الاستقامة بمجالسة العلماء ، ومذاكرتهم ، وتصديق جماعة منهم باستقامة طبعه ، بحيث يحصل له الجزم بسببه بعدم اعوجاجه في الاغلب ، وإلا فلا يعتمد على اعتقاداته في الاحكام التي من هذا القبيل ، وربما قيل : بجواز الاعتماد على شهادة عدلين خبيرين (2) بذلك ، وهو محل تأمل مع عدم حصول الجزم من شهادتهما بانتفاء القرائن. فإن قلت : اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم العلم بوجود المجتهد ، والتالي باطل ، فكذا المقدم. أما بيان الملازمة : فلان الملكة المذكورة أمر غير منضبط (3) ، لانه لا يكاد يتفق إثنان فيها ، لاختلاف الطبائع غاية الاختلاف ـ فليس ههنا مرتبة معينة يمكن أن يقال : إن (4) من له هذه المرتبة مجتهد دون من هو دونها ـ فلا يمكن تحصيل العلم باجتهاد أحد. وأما بطلان التالي : فلانه لا تتم التكاليف في مثل هذا الزمان بدون العلم بالاجتهاد ، إذ غير المجتهد لا يجوز له العمل باعتقاداته ، ولا يجوز لغيره العمل بقوله ، لما مر من الادلة على اعتبار كل شرط من الشرائط المذكورة للعمل بالاحكام الشرعية. وأيضا : اعتبار هذا الشرط يستلزم عدم وجوب الاجتهاد كفاية ، والتالي باطل. 1 ـ كذا في أ وط ، وفي الاصل وب : زكي. 2 ـ كذا في ب وط ، وفي الاصل وأ : خيرين. 3 ـ ذهب إلى ذلك المحدّث الاسترآبادي : الفوائد المدنية : 93 / الوجه الثامن. 4 ـ كلمة ( إن ) : زيادة من ط. |
|||
|