الوافية في اصول الفقه ::: 286 ـ 300
(286)
    بيان الملازمة : أن هذه الملكة أمر موهبي من الله تعالى ، لا يمكن اكتسابه ، وإن أمكن تقويته في الجملة بالكسب ، فإنا نرى جماعة لا يمكنهم تحصيل مسائل لها عراقة في النظرية في الجملة ، وإن صرفوا أعمارهم في تحصيلها ، بل نشاهد جماعة لا يمكنهم إلا تحصيل قليل من النظريات بعد الكد التام والسعي البليغ ، فعلم أن هذه الملكة مما لا تحقق لها في أكثر الناس ، فلم يكن الاجتهاد واجبا عليهم ، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق.
    وأما بطلان التالي : فلانهم بين قائل بوجوبه العيني ، كما نقله الشهيد في الذكرى عن قدماء أصحابنا وفقهاء حلب (1) ، وبين قائل بوجوبه الكفائي ، ومن خواص الواجب الكفائي إثم الكل بتركه.
    لا يقال : الاجتهاد ليس واجبا كفائيا بالنسبة إلى المكلفين ، بل بالنسبة إلى صاحبي الملكة ، فعلى تقدير انتفائه لا يلزم إلا إثم صاحبي الملكة المذكورة.
    لانا نقول : شرط التكليف إعلام المكلف ، وقبل (2) الاجتهاد لا يتميز صاحب الملكة عن غيره ، فلا يعلم أحد أنه مكلف بالاجتهاد (3) ، لعدم علمه بأنه صاحب الملكة.
    وأيضا : يلزم تأثيم ( غير المعين ) وإنه غير معقول ، كما صرحوا به في تحقيق الواجب الكفائي.
    وأيضا : هذا الجواب خلاف ما صرحوا به من تأثيم الكل بترك الاجتهاد.
    والجواب الحق عن كلا البحثين : أنا ما أدعينا اعتبار الملكة المذكورة في مطلق المجتهد بل اعتبرناها في المجتهد المطلق ، لما عرفت أن العلم بمعاني الادلة
1 ـ الذكرى : 2 / المقدمة / الاشارة الثانية. لكن فيه : بعض قدماء الامامية.
2 ـ في الاصل : وقيل. وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ.
3 ـ في الاصل : الاجتهاد. وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ.


(287)
الشرعية ـ الناصة أو الظاهرة في معناها بلا معارض ـ غير محتاج إلى الملكة ، والاحتياج إليها إنما هو لاجل العلم بحكم التراجيح ، أو اللوازم غير البينة ، أو الجزئيات غير البينة الاندراج تحت القواعد الكلية ، ونحو ذلك.
    فإن أراد المعترض بالاستغناء عن الملكة : الاستغناء في القسم الاول ، فنعم الوفاق.
    وإن أراد : الاستغناء في هذه الاقسام الاخر ، فلا يخلو : إما إن أراد عدم الاحتياج إلى استعلام هذه الاقسام ، أو أراد عدم الاحتياج في استعلام هذه الاقسام إلى الملكة المذكورة : فإن أراد الاول ، فبطلانه ظاهر ، فإنه كثيرا ما يقع الاحتياج إلى العلم بحال هذه الاقسام ، مثلا : ربما نحتاج إلى أن نعلم أن نصفي كر من الماء كل منهما نجس ـ هل يطهران بمزجهما ؟ أو لا ؟ وهذا العلم لا يحصل إلا بأن نعلم هل هو مندرج في قوله عليه السلام : « إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا » (1) ؟ أو لا ؟ وهو يحتاج إلى الملكة المذكورة.
    وكذا نحتاج إلى أن نعلم : أن الحاج متى كان في طريقه عدو لا يندفع إلا بمال ، وهو يقدر على إعطاء ذلك المال ـ هل هو داخل في ( المستطيع إلى الحج ) ؟ أو لا ؟ وكذا نحتاج إلى أن (2) نعلم : هل الدين المضيق يبطل الصلاة في أول الوقت ؟ أو لا ؟ إذ ظاهر : أن القول ببطلانها ، يتوقف على إتمام الدليل الدال على أن الامر بالشيء يستلزم النهي عن الضد الخاص.
    والقول بصحتها يتوقف على القدح في الدليل المذكور ، وكلاهما لا يتم بدون الملكة.
1 ـ غوالي اللآلي 1 / 76 و2 / 6.
2 ـ كلمة ( أن ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ.


(288)
    ومثل هذه المسائل المحتاج إليها أكثر من أن يحصى.
    وإن أراد الثاني ـ أي : عدم الاحتياج لاستعلام مثل هذه المسائل إلى الملكة المذكورة ـ فبطلانه من أجلى البديهيات ، لانا لا نعني بالملكة إلا حالة بها يتمكن من ترجيح أحد طرفي هذه المسائل ، فلا يتصور العلم بالنفي أو الاثبات في هذه المسائل إلا بالملكة ، فعلم أن الدليل على الاستغناء في هذه الاقسام شبهة في مقابل الامر القطعي.
    وتفصيل الجواب عن الاعتراض الاول : منع استلزام اعتبار الملكة المذكورة في الاجتهاد المطلق ، عدم العلم بوجود المجتهد : أما في الاجتهاد والعلم بالاحكام التي هي من قبيل القسم الاول من القسمين المذكورين : فظاهر ، لانا لم نعتبرها فيه.
    وأما في القسم الثاني : فلان الاطلاع على هذه الملكة ليس بمتعذر ، بل ولا بمتعسر غاية التعسر ، بل يمكن : بالمعاشرة.
    وبإخبار الجماعة.
    وبشهادة العدلين المطلعين على قوله (1).
    وبنصب نفسه متعرضا للفتوى بمجمع خلق كثير ـ على ما قيل.
    وبعرض ترجيحاته المخترعة على ترجيحات من هو معلوم أنه صاحب الملكة.
    وبنحو ذلك ، كما سيجيء إن شاء الله في مسألة على حدة.
    وعدم انضباط الملكة المذكورة ـ بمعنى : أن لها مراتب مختلفة ـ لا يوجب عدم العلم بها ، لان المراد بها : حالة يتمكن بها من رد الفروع إلى الاصول ، بحيث لا يقع الغلط منه غالبا ، ولها مراتب كثيرة ، المتصف بكل منها ممن يتعلق
1 ـ كذا في ب ، وفي سائر النسخ : قول.

(289)
به أحكام المجتهد.
    وعن الاعتراض الثاني : أيضا منع الملازمة ، والبيان الذي ذكره لم يكن دالا على نفي الوجوب الكفائي عن مطلق الاجتهاد ، إذ (1) قد عرفت مرارا عدم اعتبار الملكة المذكورة في العلم بالاحكام التي هي من قبيل القسم الاول من القسمين المذكورين آنفا.
    فإن قلت : فهل الاجتهاد في الاحكام التي هي من قبيل القسم الثاني واجب ؟ أو لا ؟ قلت : يمكن أن يقال : إنه واجب كفائي بالنسبة إلى صاحب الملكة (2).
    قوله : « شرط التكليف إعلام المكلف ، وقبل الاجتهاد لا يتميز صاحب الملكة عن غيره » إلى آخره.
    قلنا : قبل الاجتهاد في القسم الثاني من الاحكام ، وبعد الاجتهاد في القسم الاول ـ يتميز صاحب الملكة عن غيره بإحدى الطرق المذكورة سابقا ، ولا يلزم تأثيم غير المعين ، لان عدم التعيين قبل الاجتهاد ـ في القسم الاول من الاحكام ـ مستند إلى تقصيرهم من ترك الاجتهاد بالكلية ، وبعده يتحقق التعيين لو لم يقصروا بترك الفحص عن حالهم.
    وتصريحهم إنما هو بتأثيم الكل بعدم الاجتهاد بالكلية ، فتأمل.
    وقال مولانا محمد أمين الاسترآبادي : « الذي ظهر لي من الروايات : أن طلب العلم فريضة على كل مسلم في كل وقت ، بقدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت ، ولا يجب كفاية طلب العلم بكل ما تحتاج إليه الامة كما قالته العامة ـ لانه غير منضبط بالنسبة إلى الرعية ، والتكليف بغير المنضبط محال ، كما تقرر في الاصول في مبحث علة القياس ، بل يفهم من الروايات : أن علم الرعية
1 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : وإذ.
2 ـ في أ وط : صاحبي الملكة.


(290)
بجميع ذلك من المحالات » انتهى (1).

    وهم وتنبيه (2) :
    قد بالغ مولانا المدقق محمد أمين الاسترآبادي في إنكار الاجتهاد ، وزعم أن المجتهد فيه لا يكون إلا ظنيا ، وأحكامنا كلها قطعية ، لما مر من أن (3) القرآن والسنة النبوية ، لا يجوز العمل بهما إلا بعد تحقق ما يوافقهما في كلام العترة الطاهرة ، وأخبار العترة الطاهرة كلها قطعية ، لما مر من الوجوه (4).
    وجوابه :
    أولا : أن اشتراط كون المجتهد فيه ظنيا ، ليس إلا في كلام العامة والعلامة وقيل من أصحابنا. والاكثر منا : لم يذكروا الظن في تعريف الاجتهاد فقطعية الاحكام لا تنافي صحة الاجتهاد ، مع أنه في الحقيقة راجع إلى نزاع لفظي.
    وثانيا : أنا لا نسلم قطعية صدور أحاديثنا (5) كلها من المعصوم ، وقد مر الكلام فيه.
    وبعد التسليم : لا يلزم قطعية الحكم ، بل قلما تبلغ دلالة الأخبار على
1 ـ الفوائد المدنية : 241.
2 ـ في ط : تذنيب. بدل : وهم وتنبيه.
3 ـ كلمة ( أن ) ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ.
4 ـ هذا هو خلاصة ما افاده المحدّث الاسترآبادي في الفوائد المدنية في موارد متعددة ، انظر : ص 28 و40 و47 و49 و63 و91 و135 ـ 136 و164 و253 منه.
5 ـ في ط : قطعية أخبارنا.


(291)
جميع ما يستفاد منها مرتبة القطع ، وهو في غاية الظهور.
    وأيضا : شنع المذكور (1) على أكثر فقهائنا قدس الله ارواحهم ، بأنهم كانوا يفتون بمجرد آرائهم من غير دليل (2).
    وأنت قد عرفت : أن كثيرا من الاحكام من قبيل اللوازم (3) غير البينة إلا بالتأمل والدليل ، ومن قبيل الجزئيات والافراد غير البينة الفردية ، ونحو ذلك.
    ولما كان العلم باندراج هذه الفروع في اصولها ، يحتاج إلى طبيعة وقادة ، وقريحة نقادة (4) ، تحصل للبعض دون البعض ـ لا يحسن لمن لا تحصل له ، الطعن على من حصلت فيه بأنه أفتى في الحكم الفلاني من غير دليل.
    مثلا : ربما يتوهم أن القول بوجوب القصد بالبسملة إلى سورة معينة في الصلاة ، قول بالحكم الشرعي من غير دليل ، إذ لا نص يدل على ذلك الوجوب.
    وهو باطل ، لان من قال به ، يقول : إنه قد وردت النصوص بوجوب قراء‌ة سورة كاملة ، ولا تتحقق السورة الكاملة إلا مع القصد المذكور ، لان البسملة لما كانت مشتركة ، لا تصير جزء‌ا إلا بالقصد.
    والغرض : أن فتاوى الفقهاء كلها راجعة إلى أحد من الادلة التي هي واجبة الاتباع عندهم ، ولا أقول بامتناع الغلط والخطأ عليهم ، إذ غير المعصوم لا ينفك عن السهو والخطأ ، إذ أحد من العقلاء لم يجوز القول في الاحكام الشرعية من غير دليل ، ومعلوم : أن أدلة الشرع منحصرة ـ عند فقهاء الشيعة كلهم ، كما صرحوا به في جميع كتبهم الاصولية ـ في : القرآن ، والحديث الصحيح ، والاجماع الذي علم دخول المعصوم فيه ، والدلالة العقلية التي قد
1 ـ كلمة ( المذكور ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ.
2 ـ الفوائد المدنية : 178 ـ 180 / الفصل الثامن / السؤال الحادي والعشرون.
3 ـ في الاصل : اللزوم ، وما اثبتناه مطابق لسائر النسخ.
4 ـ في ط : نفاده.


(292)
مر الكلام فيها.
    والفتاوى الراجعة إلى الادلة العقلية ـ وهي : الاستصحاب ، وأقسام المفهوم ـ قليلة في كلامهم ، والمعظم من قبيل الجزئيات المندرجة تحت اصولها التي لا يمكن إرجاعها إلى أحد من الادلة العقلية.
    والادلة عند معظم العامة : أيضا منحصرة في أشياء مخصوصة ، نعم قليل من أصحاب أبي حنيفة ... ، كانوا يعملون بالرأي ، ويسمون بأصحاب الرأي ، والظاهر : أنه إما العلم بالاستحسان ، أو المصالح المرسلة ، إذ لا يتصور غيرهما (1).
    وكيف يتوهم من له أدنى شائبة من العقل أن معظم فقهائنا ـ كالمفيد ، والمرتضى ، والشيخ الطوسي ، وتلامذتهم ، والمحقق ، والعلامة ، وجميع المتأخرين ـ كانوا يعملون في الاحكام الشرعية بما لم يعمل به أكثر العامة أيضا ، فإن الفتاوى المذكورة في كتب العلامة ، والمحقق ، وغيرهما من المتأخرين ـ شذما يخلو عنها كتب الشيخ الطوسي ونظرائه ، مثل : ابن أبي عقيل ، وابن الجنيد ، والمفيد ، والمرتضى ، وغيرهم ، كما هو مذكور في كتب الاستدلال.
    وقد نقل أغلاطا عن (2) العلامة ، يعلم بأدنى تأمل ، أنه هو الغالط فيها ، وذكر : أن الشهيد الثاني رحمه الله نقل ـ في شرح الشرائع ـ عن العلامة أنه قال في القواعد في مسألة : « أفتيت بهذا بمجرد رأيي ولم أجد فيه نصا وأثرا » (3).
    وأنا أقول : حاشا ثم حاشا مثل ذلك من مثل العلامة رحمه الله ، بل ممن له أدنى فضل وورع ، وقد تصفحت من أول شرح الشرائع إلى أول كتاب الميراث ، فما وجدت مما نقله عينا ولا أثرا ، وهذا القواعد حاضر ، كيف والعلامة ينادي في كتبه الاصولية بانحصار الادلة في : الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والقياس المنصوص العلة ، والاستصحاب ، ثم يفتي بالرأي الذي لم يعمل به
1 ـ شرح اللمع : 2 / 969.
2 ـ كذا في ب وط ، وفي الاصل وأ : من.
3 ـ الفوائد المدنية 178.


(293)
إلا شاذ من الحنفية ! (1)
    نعم ، نقل الشهيد في الشرح ، في كتاب الصلح (2) ، عن التذكرة (3) : أنه قال في مسألة : « ولست أعرف في هذه المسألة بالخصوصية ، نصا من الخاصة ، ولا من العامة ، وإنما صرت إلى ما قلت عن اجتهاد » انتهى ، وظاهر : أن مراده بالاجتهاد هو : الاستدلال بالعمومات ، فإنه استدل على فتواه في هذه المسألة ، بجواز تصرف الانسان في ملكه كيف شاء ، ودلالة العمومات عليه ظاهرة.
    وقد وجدت مواضع مما عدّة من أغلاط العلامة ، غير موافق لعبارة الكتاب الذي نقله عنه.
    فإن قال : لا يجوز رد الفروع والجزئيات إلى اصولها.
    قلنا : لا شك أنا إذا علمنا أن هذا الحكم متعلق بهذا الكلي ، وعلمنا أن هذا الشيء الخاص فرد لهذا الكلي ، يحصل لنا العلم بأن ذلك الحكم متعلق بذلك الشيء الخاص.
    فإن قال : إن فردية الفرد لابد أن تكون قطعية حتى يصح الحكم ، مع أن الفقهاء يحكمون بمجرد الظن.
    قلنا : الذي ذكره الفقهاء الحكم على الاشياء بالادلة الظنية التي ثبتت حجيتها في الشرع ، ولا يعلم من ذلك أنهم كانوا يكتفون في فردية الفرد ، واندراج الجزئي بالظن ، حتى يصح الطعن.
    مع : أنه يمكن الاستدلال على الاعتماد على هذا الظن أيضا ـ بما يستدل به على حجية خبر الواحد ، كما لا يخفى.
1 ـ لاحظ التعليقة المذكورة برقم ( 1 ) في الصفحة السابقة.
2 ـ المسالك : 1 / 214 ـ كتاب الصلح / في شرح قول المحقق : « المسألة الأولى يجوز اخراج الرواشن والاجنحة ... إلى آخره ».
3 ـ التذكرة : 2 / 182 ـ كتاب الصلح / الفصل الثالث / مسألة « إذا أخرج جناحا أو روشنا في الشارع النافذ فقد بينا أنه ... ».


(294)
    وأيضا : إنه أورد في بحث صحة أحاديثنا : أن الفاضل المدقق محمد بن إدريس الحلّي رحمه الله ، أخذ أحاديث من اصول قدمائنا التي كانت عنده ، وذكرها في باب هو آخر أبواب السرائر ، وأورد حديثين عن جامع البزنطي ، صاحب الرضا عليه السلام : أحدهما : عنه ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : « إنما علينا أن نلقي اليكم (1) الاصول ، وعليكم أن تفرعوا ».
    والثاني : أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : « علينا إلقاء الاصول إليكم (2) ، وعليكم التفريع » (3).
    فإن هذين الحديثين الصحيحين : يدلان على لزوم رد الفروع إلى الاصول ، وظاهر : أنه لا معنى للتفريع إلا إجراء حكم الاصول والكليات إلى الجزئيات والافراد مطلقا ، بل لا يخفى صدق التفريع المأمور به في الاجراء إلى الافراد المظنونة الفردية ، ولكنه محل تأمل.
    واعلم : أن الاجتهاد كما يطلق على استعلام الاحكام من الادلة الشرعية ، كذلك يطلق على العمل بالرأي وبالقياس ، وهذا الاطلاق كان شائعا في القديم (4).
    قال الشيخ الطوسي ، في بحث شرائط المفتي ، من كتاب العدة : « إن جمعا من المخالفين عدوا منها : العلم بالقياس ، وبالاجتهاد ، وبأخبار الآحاد ، وبوجوه العلل ، والمقاييس ، وبما يوجب غلبة الظن » ثم قال : « إنا بينا فساد ذلك ، وذكرنا أنها ليست من أدلة الشرع » (5) وظاهر : أن الاجتهاد الذي ذكر أنه
1 و2 ـ في ط : عليكم.
3 ـ الفوائد المدنية : 154.
4 ـ كانت نقطة التحول في اصلاح الاجتهاد على يد المحقق الحلّي إذ عرف الاجتهاد ببذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية ( معارج الاصول : 179 ) بعد ان كان عبارة عن أحد الادلة الشرعية وواقعا في عرضها كما سيوضحه المصنف فيما بعد.
5 ـ عدة الاصول : 2 / 115.


(295)
ليس من أدلة الشرع ، ليس بالمعنى المتعارف ، إذ لا يحتمل (1) كونه من جنس الادلة.
    والسيد المرتضى في كتاب الذريعة ، ذكر : أن الاجتهاد « عبارة عن إثبات الاحكام الشرعية بغير النصوص والادلة ، أو إثبات الاحكام الشرعية بما طريقه الامارات والظنون » (2) وقال في موضع آخر منه : « وفي الفقهاء من فرق بين القياس والاجتهاد ، وجعل القياس ما له أصل يقاس عليه ، وجعل الاجتهاد ما لم يتعين له أصل ، كالاجتهاد في طلب القبلة ، وفي قيمة المتلفات ، واروش الجنايات ، ومنهم من عد القياس من الاجتهاد ، وجعل الاجتهاد أعم منه » (3).
    قال : وأما الرأي ، فالصحيح عندنا : أنه عبارة عن المذهب والاعتقاد الحاصل من الادلة ، غير الحاصل من الامارات والظنون (4).
    هذا حاصل كلامه.
    وظاهر أيضا : أن ( الاجتهاد ) في كلامه ليس بمعناه المعروف ، وقد ورد ذم الاجتهاد في بعض الأخبار ، وهو بهذا المعنى الثاني ، وكأن هذا هو الباعث لانكار الاجتهاد للقائل المذكور ، وهو غلط ناش من الاشتراك اللفظي.
    وإنكاره الاجتهاد ، مستندا بغلط جماعة من المجتهدين ، شبيه باستدلال عوام العامة على عدم حقية مذهب الشيعة بتركهم لصلاة الجماعة ، واستدلال جماعة من جهلة العوام على ذم العلم بأن جل علماء هذا الزمان حريصون على الدنيا ، وهو مذموم ، إذ عمل بعض من المجتهدين بمجرد رأيه ، أو غلطه في بعض الاحكام ـ على تقدير تسليمه ـ لا يوجب بطلان الاجتهاد ، أي : العلم
1 ـ كذا في أ وب ، وفي الاصل وط : لا يحمل.
2 ـ الذريعة : 2 / 792.
3 ـ الذريعة : 2 / 672.
4 ـ الذريعة : 2 / 673. والعبارة فيها كما يلي : « فأما الرأي ، فالصحيح عندنا أنه : عبارة عن المذهب والاعتقاد ، وإن استند إلى الادلة ، دون الامارات والظنون ».


(296)
بالاحكام عن أدلتها التفصيلية ، وهو من البديهيات.
    وربما يستدل له : بأنا لا ننكر الاجتهاد ، إلا بمعنى : أن العمل بالادلة والاحاديث يتوقف على الملكة المذكورة ، إذ ظاهر : أن هذه الأحاديث والاخبار ، كان يعمل بها في عصر الائمة عليهم السلام ، كل من سمعها من الشيعة من العوام والعلماء ، وإنكار ذلك مكابرة ، ولم ينقل عن أحد من الائمة عليهم السلام الانكار على أحد من الشيعة ، وهذا مما يوجب القطع بجواز العمل بها لكل من فهمها ، من غير توقف على أمر آخر.
    وجوابه : أنك قد عرفت وجه الاحتياج إلى الشرائط المذكورة ، في هذه الاعصار دون عصر الائمة عليهم السلام ، وعرفت : أن الاحتياج إلى الملكة المذكورة إنما هو للعمل باللوازم غير البينة اللزوم ، وبالافراد غير البينة الفردية ، ونحو ذلك ، لا للعمل بمناطيق الأخبار ومدلولاتها الصريحة ، والذي هو معلوم من حال السلف ، هو عملهم بهذه الأخبار ومدلولاتها الصريحة.
    وأما العمل باللوازم ، والافراد غير البينة ، فلا يعلم من حالهم العمل بها بدون الملكة بل هو بديهي البطلان.
    فإن قلت : فعلى ما ذكرت يلزم الاستغناء عن الملكة لعمل بالمدلولات الصريحة للاخبار ، ولو كان لها معارض ، وقد مر خلافه.
    قلت : المعلوم من حال السلف ، العمل بما سمعوه من الأخبار المعتمدة من غير الفحص عن المعارض ، ولا يلزم منه الاستغناء عن الملكة بعد الاطلاع على المعارض.
    وسيجيء لهذا زيادة بيان في بحث التراجيح إن شاء الله تعالى.
    فإن قلت : لا يجوز العمل إلا بالمدلولات الصريحة ، لان اللوازم ، والافراد غير البينة : إن كانت ظنية : فلا يجوز العمل بها للادلة الدالة على النهي عن العمل بالظن ، ولقوله عليه السلام : « ما تعلمون فقولوا ، وما لا تعلمون فها. وأهوى


(297)
بيده إلى فيه » (1) وهذا داخل في ( ما لا تعلمون ) ، فيجب التوقف فيه.
    وإن كانت قطعية : فلا يجوز أيضا ، لاحتمال قصر الحكم على ما لا يحتاج في الحكم بلزومه أو بفرديته إلى دليل ونظر ، فإن وجوب العمل بالاخبار ، عام لمن تمكن من إقامة الدليل ، ولمن لم يتمكن ، مثلا : أهل الاجتهاد يقولون : يجب على الولي منع الطفل عن مس كتابة القرآن ولو كان مميزا متوضئا ، لقوله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) (2) ، والطفل لما لم يكن وضوؤه شرعيا ، لم يكن رافعا للحدث ، فهو محدث ، والمحدث لا يجوز له مس كتابة القرآن ، فيجب من باب الحسبة منعه ، المنع في الطفل يتعلق بوليه.
    فنقول ـ بعد قطعية جميع المقدمات ـ : لم لا يكون المنع مقصورا على من علم كونه محدثا ، من غير نظر ودليل ؟! والطفل المتوضي ليس كذلك ، والعرف قاض بذلك.
    قلت : قد مر أنه يحصل القطع بتعلق الحكم بالافراد ، واللوازم غير البينة ، إذا قطع باللزوم (3) والفردية.
    وأيضا : الخبران المذكوران المنقولان عن السرائر ، يدلان على ذلك.
    وأيضا : لم يزل العلماء في عصر الائمة عليهم السلام ، يجرون حكم الكلي على أفراده ، كزرارة ، ومحمد بن مسلم ، وهشام بن الحكم ، ويونس بن عبدالرحمن ، والفضل بن شاذان ، ونظرائهم من أهل النظر والاستدلال.
    وأيضا : كان الائمة كثيرا ما يستدلون على حكم بآية.
    ويستدلون على الاندراج ، كما لا يخفى على المتتبع ، فلا يكون الحكم مقصورا على اللوازم البينة اللزوم ، والافراد البينة الفردية ، فتأمل.
1 ـ تقدم من المصنف الاستشهاد بهذا الحديث مكررا ، وقد رواه كل من البرقي في المحاسن : 213 والكليني في الكافي : 1 / 57 على ما تقدم.
2 ـ الواقعة / 79.
3 ـ كذا في أ وب وط ، وفي الاصل : اللزوم.


(298)
    وقد يستدل الخصم (1) أيضا : بأن مصنفي الكتب الاربعة ، مصرحون بجواز العمل بالاحاديث ، من غير توقف على ملكه أو غيرها ، سوى فهم الحديث ، فيكون الاجتهاد باطلا.
    أما الاول : فلان أبا جعفر ابن بابويه ، صرح ـ في أول كتاب من لا يحضره الفقيه ـ : بأن وضع هذا الكتاب ، إنما هو لان يرجع إليه ويعمل بما فيه من لم يكن الفقيه عنده (2).
    وهو صريح في أن المقلد ـ الذي عليه الاستفتاء ، على تقدير حضور الفقيه والمجتهد عنده ـ عليه العمل بأخبار هذا الكتاب عند عدم حضور الفقيه (3).
    وكذا ثقة الاسلام ، صرح في أول الكافي بأنه : « كتاب يكتفي به المتعلم ، ويرجع إليه المسترشد ، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به » (4).
    وهذا ظاهر في جواز رجوع كل متعلم ومريد لعلم الدين إلى هذا الكتاب ، من غير توقف على شرط.
    وكذا رئيس الطائفة ، ذكر في أول الاستبصار (5) : « أن تهذيبه : كتاب يصلح أن يكون مذخورا يلجأ (6) إليه المبتدي في تفقهه ، والمنتهي في تذكره ، والمتوسط في تبحره ».
    وقال في أول التهذيب (7) أيضا : « لما فيه ـ أي : في الكتاب المذكور ـ من
1 ـ في أ وط : للخصم.
2 ـ الفقيه : 1 / 2.
3 ـ قوله « والمجتهد عنده عليه العمل باخبار هذا الكتاب عند عدم حضور الفقيه » ساقط من الاصل ، وقد اثبتناه من سائر النسخ.
4 ـ الكافي : 1 / 8.
5 ـ الاستبصار : 1 / 2.
6 ـ في ط : يرجع.
7 ـ التهذيب : 1 / 3.


(299)
كثرة النفع للمبتدي والريض في العلم » وظاهر : أن المبتدي لا يكون مستجمعا للشرائط المذكورة للعمل بالاحكام ، سيما الملكة.
    قلت : غاية ما يلزم من كلامك ، تصريحهم بجواز العلم بمناطيق الأخبار ومدلولاتها الصريحة لكل فاهم للحديث ، سواء كان مستجمعا للشرائط الاخر أو لا ، ولا يلزم منه عدم اعتبار الشرائط الاخر ، والملكة ، في العمل بالقسم الثاني من القسمين المذكورين للاحكام الشرعية ، والله أعلم.

    البحث الرابع : في التقليد.
    وهو : قبول قول من يجوز عليه الخطأ من غير حجة ولا (1) دليل.
    يعتبر في المفتي الذي يستفتى منه ـ بعد الشرائط المذكورة ، على النحو المذكور ـ أن يكون مؤمنا ، ثقة.
    ويكون حصول هذه الشرائط فيه معلوما للمقلد بالمخالطة المطلقة ـ إن أمكن الاطلاع في حقه ـ أو بالاخبار المتواترة ، أو بالقرائن الكثيرة المفيدة للعلم ، أو بشهادة العدلين العارفين ـ على قول.
    ولا يشترط المشافهة ، بل يجوز العمل بالرواية عنه.
    وفي جواز العمل بالرواية عن المجتهد الميت خلاف ، على ما نقل.
    قال الشهيد الثاني ، في كتاب آداب العالم والمتعلم : « وفي جواز تقليد المجتهد الميت ، مع وجود الحي ، أو لا معه ؟ للجمهور أقوال : أصحها عندهم : جوازه مطلقا ، لان المذاهب لا تموت بموت أصحابهم ـ ولهذا يعتد بها بعدهم في الاجماع والخلاف ـ ولان موت الشاهد قبل الحكم لا
1 ـ حرف النفي زيادة من ط. وقد نص الغزالي على أصل التعريف : المستصفى : 2 / 387 لكن قيده المصنف ليخرج بذلك قبول قدم المعصوم عن التقليد.

(300)
يمنع الحكم بشهادته ، بخلاف فسقه.
    والثاني : لا يجوز مطلقا ، لفوات أهليته بالموت ، وهذا هو المشهور بين أصحابنا (1) ، خصوصا المتأخرين منهم ، بل لا نعلم قائلا بخلافه ممن يعتد بقوله.
    والثالث : المنع منه مع وجود الحي ، لا مع عدمه » (2).
    ونقل الشهيد الاول في الذكرى (3) القول بجواز تقليد الميت ، ولم يصرح باسم قائله.
    ونقل المحقق الشيخ علي ، في حواشي الشرائع (4) ، عن الشيخ السعيد فخر الدين ، عن والده العلامة : جواز (5) تقليد الميت إذا خلا العصر عن المجتهد الحي ، واستبعده ، وحمل كلامه على الاستعانة بكتب المتقدمين في معرفة صور المسائل والاحكام مع انتفاء المرجع.
    وقال فخر المحققين ـ في كتاب إرشاد المسترشدين وهداية الطالبين (6) ، على ما نقل عنه أنه قال ـ : في وجه الاقتصار على الاصول الكلامية : « واقتصرت على هذه الاصول ، ولم أذكر العبادات السمعية ، لان والدي ـ جمال الدين الحسن بن يوسف [ بن ] (7) المطهّر قدس الله سرهم (8) ـ ذكر ما أجمع
1 ـ وذهب اليه بعض العامة أيضا كالفخر الرازي في المحصول : 2 / 526.
2 ـ منية المريد : 167. باختصار.
3 ـ الذكرى : 3 / المقدمة / الاشارة الخامسة.
4 ـ حاشية المحقق الشيخ علي الكركي على الشرائع / الصفحة الاخيرة من مخطوطة محفوظة برقم 1418 في مكتبة المدرسة الفيضية بقم ـ ايران و/ الصفحة 639 / من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 1964 في المكتبة المذكورة.
5 ـ كلمة ( جواز ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ.
6 ـ ارشاد المسترشدين وهداية الطالبين / الخاتمة / الصفحة الاخيرة من مخطوطة محفوظة برقم 454 في مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة بقم ـ ايران.
7 ـ ما بين المعقوفين زيادة من المصدر قد خلت منها النسخ.
8 ـ كذا في المصدر ، وفي النسخ : ذكره.
الوافية في اصول الفقه ::: فهرس