|
|||
|
(301)
عليه أهل البيت عليهم السلام ، وهم الائمة المعصومون صلوات الله عليهم ، وما صح نقله عنهم ، بالطريق الذي له إلى الشيخ الطوسي ، ومن الشيخ الطوسي إلى الائمة عليهم السلام ، بالطرق الصحيحة التي لا شك فيها ولا ريب ، لان والدي لما ذكرنا له أن الميت لا قول له ، فقال : إني قد أثبت لكم ما اتفقت عليه الائمة عليهم السلام ، فلا يحتاج إلى تقليد أحد بعد معرفة ( واجب الاعتقاد ) (1) ومن عدل عنه إلى غيره ، فقد عدل عن يقين إلى ظن ، وعن قول معصوم إلى قول مجتهد ، فأيها المؤمنون تمسكوا واعتمدوا عليه » انتهى كلامه.
احتج المحقق الشيخ علي ، في حواشي كتاب الجهاد من الشرائع (2) ، على المنع بوجوه : الاول : أن المجتهد إذا مات سقط اعتبار قوله ، ولهذا ينعقد الاجماع على خلافه. وضعف هذا الوجه ظاهر ، لانه ـ بعد عدم صحته على اصولنا ـ ينتقض بمعروف النسب ، مع أنهم اعتبروا شهادة الميت في الجرح والتعديل ، وهو يستلزم الاعتداد بقوله في عدد الكبائر ، فتأمل. الثاني : أنه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته ، لامتنع في زماننا ، للاجماع على وجوب تقليد الاعلم والاورع من المجتهدين ، والوقوف على الاعلم والاورع بالنسبة إلى الاعصار السابقة في هذا العصر غير ممكن. 1 ـ هو من مصنفات العلامة قدس سره في اصول الدين. انظر : الذريعة : 25 / 4. 2 ـ حاشية المحقق الكركي على شرائع الاسلام / ص 635 ـ 638 من مخطوطة محفوظة برقم 1964 في مكتبة المدرسة الفيضية بقم ـ ايران و/ الصفحة قبل الاخيرة من مخطوطة اخرى محفوظة برقم 1418 في المكتبة المذكورة. ( بتصرف ). وقد ذكر المحقق الكركي ذلك في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تعقيبا على قول المحقق الحلّي في الشرائع : « ولا يجوز أن يتعرض لاقامة الحدود ولا للحكم بين الناس إلا عارف بالاحكام مطلع على مآخذها ... » شرائع الاسلام : 1 / 344. (302)
وفيه ـ بعد تسليم هذا الاجماع ـ : أنه يمكن الاطلاع على الاورع والاعلم ، بالآثار والاخبار والتصانيف ونحو ذلك ، وهذا في غاية الظهور.
الثالث : أن المجتهد إذا تغير اجتهاده ، وجب العمل باجتهاده الاخير ، ولا يتميز في الميت فتواه الأولى والاخيرة. وفيه : أنه يمكن العلم بتقديم الفتوى وتأخيرها في الميت من كتبه ، وأنه لا يتم إلا في ميت تغيرت فتواه في مسألة واحدة ، واحتمال التغير ينتقض بالحي. الرابع : أن دلائل الفقه لما كانت ظنية ، لم تكن حجيتها إلا باعتبار الظن الحاصل معها (1) ، وهذا الظن يمتنع بقاؤه بعد الموت ، فيبقى الحكم خاليا عن السند ، فيخرج عن كونه معتبرا شرعا. وأورد هذا الوجه الفاضل المدقق مير محمد باقر الداماد ، في كتابه شارع النجاة (2) ، بتغيير ما ، وزاد : أنه بعد موته يمكن ظهور (3) خطأ ظنه ، فلا يمكن القول بأصالة لزوم اتباع ظنه كما في حال الحياة (4) ، إذ بقاء الموضوع معتبر في الاستصحاب. والجواب : ـ بعد تسليم زوال الاعتقادات والعلوم القائمة بالنفس الناطقة بعد الموت ـ منع خلو الحكم عن السند ، وهل هذا إلا عين (5) المتنازع فيه ؟! فإنا نقول : إذا حصل للمجتهد العلم أو الظن بالحكم الشرعي ، من دليل اقترن به علمه أو ظنه ، فلم لا يجوز العمل بذلك الحكم ـ الذي أفتى به 1 ـ في ط : بها. 2 ـ شارع النجاة ( فارسي ) : 10 ـ 11. 3 ـ كلمة ( ظهور ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ. 4 ـ في ط : حياته. 5 ـ في أ وط ، غير. وهو خطأ ، لان مراد المصنف ان الاستدلال المذكور مصادرة إذ انه عين المدعى. (303)
في حياته ـ بعد موته ؟! ولم لا يكفي لسندية ذلك الحكم بالنسبة إلى المقلد ، ظنه السابق المقترن به مع عدم العلم بالمزيل في حياته ؟! لابد لنفيه من دليل ! ودعوى لزوم بقاء ظن المجتهد إلى حين عمل المقلد ، أول المسألة ، غايته لزوم عدم العلم بتغير اعتقاده ، وهو حاصل ههنا بحسب الفرض.
واحتمال ظهور خطأ الظن غير مضر ، كما في الحي. ولضعف هذه الوجوه قال صاحب المعالم : « والحجة المذكورة للمنع في كلام الاصحاب ـ على ما وصل إلينا ـ ردية جدا ، لا تستحق أن تذكر ». ثم قال : « ويمكن الاحتجاج له ب : أن التقليد إنما ساغ : للاجماع المنقول سابقا. وللزوم الحرج الشديد والعسر بتكليف الخلق بالاجتهاد. وكلا الوجهين لا يصلح دليلا في محل النزاع : لان صورة حكاية الاجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الاحياء ، والحرج والعسر يندفعان بتسويغ التقليد في الجملة. على أن القول بالجواز قليل الجدوى على اصولنا ، لان المسألة اجتهادية ، وفرض العامي فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد ، وحينئذ فالقائل بالجواز : إن كان ميتا : فالرجوع إلى فتواه فيها ـ دور ظاهر. وإن كان حيا : فاتباعه فيها ، والعمل بفتاوى الموتى في غيرها ـ بعيد عن الاعتبار غالبا ، مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي ، بل قد حكى الاجماع فيه صريحا بعض الاصحاب » انتهى كلامه ، أعلى الله مقامه (1). 1 ـ معالم الدين : 247 ـ 248. (304)
والجواب من وجوه :
الاول : مع عموم النهي عن التقليد واتباع الظن ، بل هو مختص بالاصول. الثاني : أن المسوغ لجواز تقليد الحي ، ليس إلا الوجه الاخير من الوجهين اللذين ذكرهما ، وكيف يمكن دعوى الاجماع مع مخالفة كثير من الاصحاب ؟! ونقد نسب المنع من التقليد مطلقا ، الشهيد في الذكرى (1) إلى قدماء أصحابنا وفقهاء حلب. وكلام الكليني في أول الكافي (2) ، ظاهر في منع التقليد مطلقا ، حيث جعل التكليف منوطا بالعلم واليقين ، ونهى عن التقليد والاستحسان. وصرح ابن [ زهرة في كتاب غنية النزوع ] (3) بعينية الاجتهاد ، وعدم جواز التقليد ، وجعل فائدة رجوع العامي إلى العلماء الاطلاع على مواضع الاجماع ليعمل به (4). وأيضا : العلم بدخول قول المعصوم أو تقريره في مثل هذه المسائل الاصولية ، التي علم عدم الكلام عنها في عصر المعصوم ـ غير ممكن الحصول ، فإن هذه المسائل غير مذكورة في كتب قدمائنا ، بل غير مذكورة إلا في كتب العلامة ومن تأخر عنه ، فكيف يمكن العلم بالاجماع الذي يكون حجة عندنا ؟! 1 ـ الذكرى : 2 / المقدمة / الاشارة الثانية. لكن فيه : بعض قدماء الامامية. 2 ـ الكافي : 1 / 8 ـ المقدمة. 3 ـ في النسخ : وصرح ابن حمزة في كتاب غنية ( عتبة ـ ط ) الدروع. والصواب ما اثبتناه. 4 ـ غنية النزوع : 485 ـ 486 ( تسلسل الجوامع الفقهية ). (305)
مع : أنه روى الكشي ـ في ترجمة يونس بن عبدالرحمن ـ بسنده : « عن الفضل بن شاذان ، عن أبيه ، عن أحمد بن أبي خلف ، قال : كنت مريضا ، فدخل علي أبوجعفر عليه السلام يعودني في مرضي ، فإذا عند رأسي كتاب ( يوم وليلة ) فجعل يتصفحه ورقة ورقة ، حتى أتى عليه من أوله إلى آخره ، وجعل يقول : رحم الله يونس ، رحم الله يونس ، رحم الله يونس » (1).
والظاهر : أن الكتاب كان كتاب الفتوى ، فحصل تقرير الامام عليه السلام على تقليد يونس بعد موته. وأيضا : روى بسنده « عن داود بن القاسم : أن أبا جعفر الجعفي ، قال : أدخلت كتاب ( يوم وليلة ) الذي ألفه يونس بن عبدالرحمن ، على أبي الحسن العسكري عليه السلام ، فنظر فيه ، وتصفحه كله ، ثم قال : هذا ديني ودين آبائي ، وهو الحق كله » (2) فلو لم يجز العمل بقول الميت ، لانكر عليه السلام العمل به قبل عرضه عليه. وأيضا : ابن بايويه صرح بجواز العمل بما في : من لا يحضره الفقيه ، مع أنه كثيرا ما ينقل فتاوى أبيه ، وهو صريح في تجويزه العمل بفتاوى أبيه بعد موته ، وإنكاره مكابرة. نعم ، الوجه الاخير ـ وهو لزوم الحرج ـ يدل على جاوز التقليد. وكذا : ما ورد من الأخبار ، من رجوع الناس بأمر الائمة عليهم السلام إلى : محمد بن مسلم ، ويونس بن عبدالرحمن ، والفضل بن شاذان ، وأمثالهم ـ في أحكامهم ، والامر بأخذ معالم الدين عنهم ، على ما ذكره الكشي في ترجمتهم (3). 1 ـ رجال الكشي : 484 الترجمة : 913. 2 ـ رجال الكشي : 484 الترجمة 915. 3 ـ رجال الكشي : 161 الترجمة : 273 ، وص 483 الترجمة : 910 ، وص 542 الترجمة : 1027. (306)
لكن تخصيص الحي وإخراج الميت ، يحتاج إلى دليل.
ولا يكفي اندفاع العسر بتقليد الاحياء ، للاندفاع بتقليد الميت أيضا. الثالث : أن قوله : « لان المسألة اجتهادية ، وفرض العامي ، الرجوع فيها إلى المجتهد » ممنوع ، لان المسألة اصولية ، يمكن تحصيل القطع فيها ، فإن الانسان اذا علم أن جواز إستفتاء المقلد عن المجتهد ، إنما هو لانه مخبر عن أحكام الله تعالى ، يحصل له القطع بأن حياة المجتهد وموته ، مما لا يحتمل أن يكون مؤثرا في ذلك. وعلى تقدير عدم إمكان تحصيل القطع : فلا شك في الاكتفاء بالظن ، إذ اشتراط القطع في الاصول مبني على إمكانه ، كما صرحوا به ، وتحكم به البديهة ، وليس اعتماد المقلد على ظنه في المطالب الاصولية ـ التي يعتمد فيها على الظن ـ مشروطا بشيء ، كالاعتماد على الظن في الفروع ، حيث إنه مشترط بثبوت الاجتهاد. وعلى تقدير تسليم كون المسألة اجتهادية : فلا نسلم أن فرض العامي الرجوع فيها إلى المجتهد ، فإنه مبني على ما أشار إليه بقوله : « على اصولنا » من عدم صحة تجزي الاجتهاد ، وقد عرفت بطلانه. وحينئذ : فيمكن الاجتهاد في هذه المسألة ، ثم الرجوع إلى فتاوى الاموات في بقية أحكامه. الرابع : أن قوله : « وحينئذ ، فالقائل بالجواز : إن كان ميتا ، فالرجوع إلى فتواه فيها ـ دور ظاهر ، وإن كان حيا ، فاتباعه فيها والعمل بفتاوى الموتى في غيرها ، بعيد عن الاعتبار غالبا ... » إلى آخره ـ غير صحيح ، إذ لا بعد في تقليد مجتهد حي في هذه المسألة ، وتقليد الموتى في غيرها ، ولا معنى لادعاء البعد في مثل هذه المقامات البرهانية. الخامس : أن قوله : « مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا ... » إلى آخره ـ فيه : أنه لو تحقق اجماع شرعي على منع تقليد الميت مع وجود الحي ، لاستغنى (307)
عن التطويل الذي ذكره ، فإن قوله : « والحرج والعسر يندفعان بتسويغ التقليد في الجملة » كالصريح في أن مراد المستدل المنع من تقليد الميت عند وجود المجتهد الحي ، وإلا فلا يندفع العسر إلا بتقليد الميت كما لا يخفى ، ولكنك عرفت عدم تحقق الاجماع مثل هذه المسائل الاصولية ، وسيما هذه المسألة.
وأقول : الذي يختلج في الخاطر في هذه المسألة ، أن من علم من حاله أنه لا يفتي في المسائل إلا بمنطوقات الادلة ، ومدلولاتها الصريحة ـ كابني بابويه ، وغيرهما من القدماء ـ يجوز تقليده حيا كان أو ميتا ، ولا تتفاوت حياته وموته في فتاواه. وأما من لا يعلم من حاله ذلك ، كمن يعمل باللوازم غير البينة ، والافراد الخفية (1) ، والجزئيات غير البينة الاندراج ـ فيشكل تقليده حيا كان أو ميتا ، فإن من تتبع ، وظهر عليه كثرة اختلاف الفقهاء في هذه الاحكام ، يعلم أن قليل الغلط في هذه الاحكام قليل ، مع أن شرط صحة التقليد : ندرة الغلط. والسر فيه : أن مقدمات هذه الاحكام ، لما لم يوجد فيها نص صريح ، كثيرا ما يشتبه فيها الظني بالقطعي ، وربما يشتبه الحال فيتوهم جواز الاعتماد على مطلق الظن (2) ، فيكثر فيها الاختلاف ، ولهذا قلما يوجد في مقدمات هذا القسم ، مقدمة غير قابلة للمنع ، بل مقدمة لم يذهب أحد إلى منعها وبطلانها. بخلاف الاختلاف الواقع في القسم الاول ، فإنه يرجع إلى اختلاف الأخبار (3). فإن قلت : فعلى هذا يبطل جواز اعتماد المجتهد ـ أيضا ـ على اعتقاده في هذا القسم الثاني. 1 ـ كلمة ( الخفية ) : زيادة من ب. 2 ـ في ط : فيتوهم جواز العمل على الظن. 3 ـ في الكافي [ 1 / 56 ح 11 ] في باب البدع والرأي والمقاييس : في الصحيح « عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبدالله (ع) ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب ولا سنة ، فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما إنك إن اصبت لم تؤجر ، وإن اخطأت كذبت على الله عزوجل ». ( منه رحمه الله ). (308)
قلت : لا يلزم ذلك ، لانه إذا حصل له الجزم باللزوم أو الفردية ، يحصل له الجرم بالحكم الشرعي ، ومخالفة الحكم المقطوع به غير معقول ، فتأمل.
إذا عرفت هذا : فالاولى والاحوط للمقلد المتمكن من فهم العبارات : أن لا يعتمد على فتوى القسم الثاني من الفقهاء إلا بعد العرض على الأحاديث ، بل لو عكس أيضا كان أحوط (1). تنبيه (2) : حكم جماعة من متأخري أصحابنا ، ببطلان صلاة من لم يكن مجتهدا ولا مقلدا لمن يجوز تقليده ، وكذا غير الصلاة من العبادات (3) ، ولا أرى لاطلاق ذلك وجها ، بل لا يصح ذلك الحكم في صور : الاولى : من احتاط في العبادة ، بحيث تحصل الصحة على كل تقدير ، فحينئذ لا وجه للقول ببطلان تلك العبادة ، كمن صام وكف عن جميع ما يحتمل أن يكون مبطلا ، ويتأتى ذلك في الصلاة أيضا ، كالاتيان بجميع ما يحتمل أن يكون تركه مبطلا ، وترك جميع ما يحتمل أن يكون فعله مبطلا ، بحيث يحصل له القطع بصحة صلاته على كل تقدير. فإن قلت : هذا لا يتأتى في الصلاة ، لان الافعال المحتملة للوجوب والندب ـ كالسورة ، والتسليم ، ونحوهما ـ إن وقعت على وجه الوجوب ، أبطلت الصلاة على تقدير ندبيتها ، وكذا العكس. 1 ـ في الكافي ( 1 / 53 ح 3 ) في باب التقليد : في الصحيح « عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) فقال : والله ، ما صاموا لهم ، ولا صلوا لهم ، ولكن أحلوا لهم حراما ، وحرموا عليهم حلالا ، فاتبعوهم ». ( منه ). 2 ـ في ط : تذنيب. 3 ـ المقاصد العلية : 32 ، روض الجنان : 248. (309)
قلت : لا نسلم بطلان ذلك ـ أي : بطلان الصلاة بإيقاع بعض أجزائها الواجبة على وجه الندب ، وبالعكس ـ إذا تحققت نية القربة ، غايته كونه آثما في اعتقاده (1) خلاف الواقع ، وليس النهي متعلقا بنفس الصلاة ، أو بشيء من أجزائها ، بل ولا بصفاتها اللازمة ، كما لا يخفى.
وعلى تقدير التسليم : فيمكن عدم نية الوجه في مثل تلك الافعال ، بل الاقتصار على قصد القربة ، وكونه مشغولا بالصلاة ، إذ لا دليل على تعيين نية الوجه في تفاصيل أجزاء الصلاة ، ولهذا لم يذهب إليه أحد من العلماء ـ وإن ذهب البعض إلى البطلان مع نية الوجه المخالف للواقع ـ ولذا لم يذهب أحد إلى بطلان صلاة الذاهل عن الوجه في أجزاء الصلاة. مع : أنه لا يتم القول بالبطلان ـ بوجه ـ على تقدير صحة تجزي الاجتهاد ، فإن من اجتهد في أمر النية وظهر عليه أن لا يعتبر نية الوجه في أجزاء الصلاة ، ثم أتى بالصلاة على الوجه المذكور (2) ، فحينئذ لا يتصور القول ببطلان صلاته بوجه. الثانية : لو وقعت العبادة موافقة لحكم الشرع في نفس الامر ، واقترنت بنية القربة : مثلا : من صلى وترك قراءة السورة في الصلاة ، بمجرد تقليد مثله من العوام ، فلا يمكن للمجتهد المعتقد استحباب السورة ، الحكم ببطلان تلك الصلاة ، إذ ليس النهي عنده متعلقا بصلاة ذلك المصلي ، بل بتقليده لمثله كما مر. وعلى هذا ، فلا يمكن الحكم ببطلان صلاة من كانت صلاته موافقة لشيء من أخبار الائمة عليهم السلام المعمول به ، أو لقول من أقوال الفقهاء المعتمدين شرعا ، وإن لم يكن ذلك المصلي إلا مقلدا لمثله ، بمجرد حسن الظن 1 ـ كذا في ط ، وفي سائر النسخ : اعتقاد. 2 ـ أي : الاتيان بجميع ما يحتمل ان يكون تركه مبطلا. ( منه رحمه الله ). (310)
به ، بحيث يتأتى منه نية القربة.
قال الفاضل الورع المحقق مولانا أحمد الاردبيلي ـ في شرح قول العلامة في الارشاد : « ويجب معرفة واجب أفعال الصلاة ... » إلى آخره ـ : « إعلم : أن الذي تقتضيه الشريعة السهلة ، والاصل ، عدم الوجوب على التفصيل والتحقيق المذكور في الشرح وغيره ، وأظن : أنه يكفي الفعل على ما هو المأمور به (1) ، وفي الأخبار إشارة إليه ، كما مر البعض وستقف على أمثاله أيضا ، خصوصا في مسائل الحج ، إذ الظاهر : أن الغرض إيقاعه على شرائطه المستفادة من الادلة ، وأما كونه على وجه الوجوب فلا ، وغير معلوم أنه داخل في الوجه المأمور به (2) ، بل الظاهر عدمه ، فلا يتم الدليل بأن فعل الواجب على الوجه المأمور به موقوف على المعرفة والعلم ، فبدونه ما أتى بالمأمور به على وجهه ، فيبقى في عهدة التكليف. وعلى تقدير تسليم الوجوب : لا نسلم البطلان على تقدير عدمه ، خصوصا عن الجاهل والغافل عن وجوبه ، وعن الذي أخذه بدليل ، مع كون (3) وظيفته ذلك ، وكذا المقلد لمن لا يجوز تقليده ، ولا خفاء في صعوبة العلم الذي اعتبروه سيما بالنسبة إلى النساء والاطفال في أوائل البلوغ ، فإنهم كيف يعرفون المجتهد ، وعدالته ، وعدالة المقلد ، والوسائط ؟! مع أنهم ما يعرفون العدالة ، ومعرفتهم إياها وأخذهم عنهم فرع العلم بعدالتهم. ومعرفة العدالة ما تحصل غالبا إلا بمعرفة المحرمات والواجبات ، فهم (4) الآن ما حصلوا شيئا ، وليس بمعلوم لهم العمل بالشياع بأن فلانا (5) عدل ، مع عدم معرفتهم حقيقة العدالة ، بل ولا بالعدلين ، ولا بالمعاشرة. وتحقيقهم ذلك كله 1 ـ كلمة ( به ) : اضافة من ب ومن المصدر. 2 ـ كلمة ( به ) : اضافة من ب وط ومن المصدر. 3 ـ في ط والمصدر : عدم. بدل : كون. 4 ـ في أ وب وط : وهم. وفي المصدر : وهم إلى الآن. 5 ـ كذا في المصدر ، وفي الاصل وب : الفلان ، وفي أ وط : الفلاني. (311)
بالدليل لا يخفى صعوبته ، مع عدم الوجوب عليهم قبل البلوغ على الظاهر ، بل بعده أيضا ، لعدم العلم بالتكليف بها.
نعم يمكن فرض الحصول ، فحينئذ يصح التكليف ، ولكن قد لا يكون ، المراد أعم. والحاصل : أنه لا دليل يصلح ، إلا أن يكون إجماعا ، وهو أيضا غير معلوم لي ، بل ظني : أنه يكفي في الاصول الوصول إلى المطلوب كيف كان ، بدليل ضعيف باطل ، وتقليد كذلك ، كما مر إليه الاشارة ، وعدم نقل الايجاب عن [ النبي صلى الله عليه وآله والائمة و] (1) السلف ، بل كانوا يكتفون بمجرد الاعتقاد وفعل صورة الواجبات (2) ، ومثل تعليم النبي صلى الله عليه وآله الاعراب ، مع أن الصلاة معلوم اشتمالها على ما لا يحصى كثرة من الواجبات وترك المحرمات والمندوبات ، وكذا سكوتهم عليهم السلام عن أصحابهم في ذلك. وبالجملة : لي ظن قوي على ذلك من الامور الكثيرة ، وإن لم يكن كل واحد منها دليلا ، فالمجموع مفيد له ، وإن لم يحضرني الآن كله ، وإن أمكن الوجوب على العام المتمكن من العلم على الوجه المشروط. على أن دليلهم لو تم ، لدل على وجوب القصد حين الفعل ، وإنه غير واجب إجماعا ، ولكن ظني لا يغني من الحق (3) شيئا ، فعليك طلب الحق والاحتياط ما استطعت » انتهى كلامه ، أعلى الله مقامه (4). وذكر أيضا في مسألة الشك بين الاثنين والثلاث والاربع : « أنه يكفي في الاصول مجرد الوصول إلى الحق ، وأنه يكفي ذلك لصحة العبادة المشترطة بالقربة ، من غير اشتراط البرهان والحجة على ثبوت الواجب ، وجميع الصفات الثبوتية والسلبية ، والنبوة ، والامامة ، وجميع أحوال القبر ، ويوم القيامة ، بل 1 ـ ما بين المعقوفين زيادة من المصدر. 2 ـ كذا في المصدر ، وفي النسخ : الايجاب 3 ـ كذا في ط ، وفي الاصل وأ وب والمصدر : العلم. 4 ـ مجمع الفائدة والبرهان : 2 / 182. (312)
يكفي في الايمان اليقين بثبوت الواجب والوحدانية والصفات في الجملة ، بإظهار الشهادة به ، وبالرسالة ، وبإمامة الائمة عليهم السلام ، وعدم إنكار ما علم من الدين بالضرورة ويلزمه إعتقاد سائر المذكورات في الجملة.
هذا ظني ، وقد استفدته أيضا من كلام منسوب إلى أفضل العلماء وصدر الحكماء ، نصير الحق والشريعة ، ومعين الفرقة الناجية بالبراهين العقلية والنقلية ، على حقية (1) مذهب الشيعة الاثنى عشرية ، نفعه الله بعلومه الدينية وحشره الله مع محمد خاتم الرسالة وآله الامناء الائمة عليهم السلام. ومما يؤيده : الشريعة السهل السمحة ، [ و] (2) أن البنت ـ التي ما رأت أحدا إلا والديها ، مع فرضهما متعبدين (3) بالدين الحق ، فكيف بالغير (4) ؟! ـ إذا بلغت تسعا يجب عليها جميع ما يجب على غيرها من المكلفين ، على ما هو المشهور عند الاصحاب ، مع أنها ما تعرف شيئا ، فكيف يمكنها تعلم كل الاصول بالدليل والفروع من أهلها ، على التفصيل المذكور ، قبل العبادة مثل الصلاة ؟! على : أن تحقيقها العدالة في غاية الاشكال كما مر ، وقد لا يمكن لها فهم الاصول بالتقليد ، فكيف بالدليل ؟! وعلى ما ترى ، أنه قد صعب على أكثر الناس من الرجال والنساء جدا ، فهم شيء من المسائل على ما هي إلا بعد المداومة. وبالجملة : هذا ظني ، ولكنه لا يغني من شيء ، ولعلي لا أعاقب به إن شاء الله تعالى ، وقد استبعدت ما ذكره بعض الاصحاب ، سيما ما في الرسالة الالفية ، مع قوله في الذكرى بصحة صلاة العامة ، وقد أشار الشراح إليه أيضا ، 1 ـ كذا في أ والمصدر ، وفي الاصل وب وط : حقيقة. 2 ـ ما بين المعقوفين ساقط من النسخ ، وقد اثبتناه من المصدر المنقول عنه النص. 3 ـ كذا في أ وب وط والمصدر ، ولكن في الاصل : متقيدين. 4 ـ كذا في أ وط ، وفي الاصل وب : الغير. (313)
واستشكل الشارح هنا في الصحة على تقدير الموافقة » انتهى كلامه (1).
وقال في بحث وجوب العلم بدخول وقت الصلاة : « وبالجملة : كل من فعل ما هو في نفس الامر ـ وإن لم يعرف كونه كذلك ، ما لم يكن عالما بنهيه وقت الفعل ، حتى لو أخذ المسائل عن غير أهله ، بل لو لم يأخذ من أحد (2) فظنها كذلك وفعل ـ فإنه يصح ما فعله ، وكذا في الاعتقادات ، وإن لم يأخذها عن أدلتها ، فإنه يكفي ما اعتقده دليلا وأوصله إلى المطلوب ، ولو كان تقليدا ، كذا يفهم من كلام منسوب إلى المحقق نصير الملة والدين قدس سره العزيز ، وفي كلام الشارع إشارات إليه ، مثل مدحه جماعة للطهارة بالحجر والماء مع عدم العلم بحسنها ، وصحة حج من مر بالموقف ، ومثل قوله صلى الله عليه وآله لعمار حين غلط في التيمم قال ـ : « ألا فعلت كذا » فإنه يدل على أنه لو فعل كذا لصح (3) ، مع أنه ما كان يعرف ، وفي تصحيح من نسي ركعة ففعلها ، واستحسنه عليه السلام مع عدم العلم ، والشريعة السمحة السهلة تقتضيه ، وما وقع في أوائل الاسلام من فعله صلى الله عليه وآله مع الكفار من الاكتفاء بمجرد قولهم بالشهادة ، وكذا فعل الائمة عليهم السلام مع من قال بهم مما يفيد اليقين ، فتأمل. وكذا جميع أحكام الصوم ، والقصر والاتمام (4) ، وجميع المسائل ، فلو أعطى زكاته للمؤمن مع عدم العلم ، لصح ، فتأمل واحتط » انتهى كلامه قدس سره (5). وقال ـ في شرح قوله : « ويجب غسل موضع البول بالماء خاصة » ـ : « واعلم : أن الرواية التي نقلت هنا في سبب نزول الآية الدالة على الازالة بالماء 1 ـ مجمع الفائدة والبرهان : 3 / 189 ـ 190 2 ـ كلمة ( أحد ) : ساقطة من الاصل ، وقد اثبتناها من سائر النسخ والمصدر. 3 ـ كذا في المصدر ، وفي النسخ : يصح. 4 ـ كذا في المصدر وفي النسخ : التمام. 5 ـ مجمع الفائدة والبرهان : 2 / 54 ـ 55. (314)
ـ أي : قوله تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (1) ـ دالة على أن إصابة الحق حسن وصواب ، وإن لم يكن عن علم ، فعدم صحة صلاة من لم يأخذ كما وصفوه ، مع صلاته كما وصفوها ، غير ظاهر ، بل يمكن صحتها.
وأمثالها كثيرة ، سيما في أخبار الحج ، فتفطن ، إلا أن يقال : إنه ـ في وقت الصلاة ـ كان مأمورا بالاخذ ، فتبطل ، ولكن المتأخرين لم يقولوا بمثله ، لعدم النهي عن الضد الخاص عندهم. نعم نقول به لو فرض الامر المضيق في ذلك الوقت مع الشعور ، فالجاهل والغافل خارجان عن النهي ، فافهم » انتهى (2). هذا ، ولكن روى الكليني في باب المسألة في القبر : عن « محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن بعض أصحابه ، عن أبي الحسن موسى عليه السلام ، قال : يقال للمؤمن في قبره : من ربك ؟ قال : فيقول : الله. فيقال له : ما دينك ؟ فيقول : الاسلام. فيقال له : من نبيك ؟ فيقول : محمد. فيقال : من إمامك ؟ فيقول : فلان. فيقال : كيف علمت بذلك ؟ فيقول : أمر هداني الله وثبتني عليه. فيقال له : نم نومة لا حلم فيها ، نومة العروس ، ثم يفتح له باب إلى الجنة ، فيدخل عليه من روحها وريحانها ، فيقول : يا رب عجل قيام الساعة ، لعلي أرجع إلى أهلي ومالي. ويقال للكافر : من ربك ؟ فيقول : الله. فيقال : من نبيك : فيقول : محمد. فيقال : ما دينك ؟ فيقول : الاسلام. فيقال : من أين علمت ذلك ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون فقلته. فيضربانه بمرزبة ، لو اجتمع عليها الثقلان : الانس ، والجن ، لم يطيقوها. قال : فيذوب كما يذوب الرصاص » الحديث (3). 1 ـ البقرة / 222. 2 ـ مجمع الفائدة والبرهان : 1 / 93. 3 ـ الكافي : 3 / 238 ح 11 من الباب المذكور. المرزبة : عصية من حديد. و: المطرقة الكبيرة تكسر بها الحجارة ، ج : مرازب ( لاروس ). وفي نسخة ب : بمضربة. (315)
وهذه الرواية دالة على أن هذه الاصول لا يكفي فيها تقليد الناس.
والحق : أن الأولى والاحوط للمكلف ، أن يكون جميع ما يعتقده من الاصول والفروع مما يكون معروضا على كلام أئمة الهدى ، وخزنة علم الله ، وأبواب مدينة العلم صلى الله عليه وآله وسلم ، ومستندا إليهم. روى الكليني رحمه الله في الكافي (1) في الصحيح : « عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : ترد علينا أشياء وليس نعرفها في كتاب ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما إنك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على الله عزوجل » (2). فإن الظاهر من كلامهم عليهم السلام : أن المخطئ حينئذ لا يكون معذورا ، والمصيب لا مع ذلك غير مؤجر ، بل الأولى : أن تكون مقدمات المعارف النظرية مأخوذة من كلامهم. وما سكتوا عنه ، أو لم يبلغنا فيه منهم شيء ، فالاحوط السكوت فيه. ومن تتبع الأخبار الواردة في ذلك ـ كالروايات الواردة في النهي عن الكلام ، مرة على الاطلاق ، ومرة على غير المأخوذ منهم عليهم السلام ـ حصل له الجزم بذلك. ويفهم من كثير من الروايات والخطب أن أصل التصديق بالله تعالى مما فطر عليه جميع العقول ، وأن قلب ذي الجحود مقر بما أنكر (3) بلسانه ، بل إن البهائم أيضا لم تبهم عن أربع ، أحدها معرفة الرب ـ وفي بعض الروايات : معرفة ألله ، بدل : معرفة الرب ـ قال الله تعالى : ( أفي الله شك فاطر السموات والارض ) الآية (4). وهذا مذهب النظام ، وكثير من المتكلمين (5) ، كما نقله في المواقف (6) ، 1 ـ الكافي : 1 / 56 ح 11. 2 ـ قوله : ( روى الكليني ) إلى هذا الموضع : ساقط من الاصل وب وط ، وقد اثبتناه من نسخة أ. 3 ـ في أ وط : انكره. 4 ـ ابراهيم / 10. 5 ـ شرح المواقف : 1 / 77 ، حاشية الچلبي على شرح المواقف : 51. 6 ـ المواقف : 28. إلا أنه لم ينص على رأي النظام. |
|||
|