|
|||
|
(121)
المحصورة ، إلا أنه في الرواية احتمال آخر ـ ذكره الشيخ قدس سره ـ يسقط الاستدلال بها لما نحن فيه.
وأما الوجه الخامس ، وهو ما ذكرناه آنفا : من أن كثرة الأطراف توجب أن يكون العلم كلا علم وعدم اعتناء العقلاء به في أمورهم الدنيوية ـ كما يشاهد أن العقلاء لا يتحرزون عن السم المردد بين ألف إناء لضعف احتمال الضرر في كل إناء ـ ففيه : أن قياس الأحكام الشرعية واحتمال الضرر الأخروي على الاحكام العرفية واحتمال الضرر الدنيوي ليس في محله ، كما لا يخفى على المتأمل. وأما الوجه السادس ، وهو كون الغالب خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء وذلك يقتضي عدم تأثير العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة فضلا عن الشبهة الغير المحصورة ، ففيه : أن محل الكلام في الشبهة الغير المحصورة إنما هو فيما إذا كان كل واحد من الأطراف مما يمكن الابتلاء به وإن لم يمكن الابتلاء بالجميع بوصف الاجتماع. فالانصاف : أن هذه الوجوه الستة لا تخلو عن المناقشة. والأولى هو ما ذكرناه : من أن تأثير العلم الاجمالي يدور مدار إمكان المخالفة القطعية ، وفي الشبهات الغير المحصورة لا يمكن المخالفة القطعية ، فلا أثر للعلم الاجمالي ، على التفصيل المتقدم بين الشبهات التحريمية والوجوبية ، فتأمل جيدا. هذا كله إذا علم أن الشبهة غير محصورة ، ولو شك في ذلك ففي وجوب الموافقة القطعية بترك التصرف في جميع الأطراف وعدمه وجهان : أقواهما وجوب الموافقة القطعية ، للعلم بتعلق التكليف بأحد الأطراف وإمكان الابتلاء به ، فيجب الجري على ما يقتضيه العلم إلى أن يثبت المانع : من كون الشبهة غير محصورة ، فتأمل. (122)
تذييل :
سقوط العلم الاجمالي عن التأثير في أطراف الشبهة الغير المحصورة هل يلازم سقوط حكم الشك عن كل واحد من الأطراف أيضا بحيث يكون كل واحد منها كعادم الشبهة ؟ أو لا يلازم ذلك ؟ بل غايته أن تكون الشبهة في كل واحد من الأطراف بدوية ويرجع إلى حكمها ، فقد يكون حكم الشبهة البدوية حكم المقرونة بالعلم الاجمالي ، كما إذا كان المعلوم بالاجمال المردد بين أطراف غير محصورة من الأموال والدماء والفروج ، فإنه لا يجوز الاقتحام في الشبهات البدوية في هذه الأبواب الثلاثة ، وعلى ذلك يبنى جواز الوضوء من الأواني الغير المحصورة عند العلم الاجمالي بإضافة أحدها ، فإنه لو قلنا : إن سقوط العلم يلازم سقوط حكم الشك أيضا ، فيجوز الوضوء من كل إناء ، لأنه يكون في حكم الماء المقطوع إطلاقه ، وإن قلنا : إنه لا يلازم ذلك ، فلا يجوز الوضوء من كل إناء ، لأنه يكون كل إناء مشكوك الاطلاق والإضافة ولا يجوز التوضي به ، لعدم إحراز الشرط في صحة الوضوء : من إطلاق الماء ، والمسألة بعد تحتاج إلى مزيد تأمل (1) وكان شيخنا الأستاذ ـ مد ظله ـ يميل إلى سقوط حكم الشبهة أيضا. 1 ـ أقول : إن بنينا على أن مدار جريان الاستصحاب في الطرفين عدم بانتقاض المعلوم بالاجمال ، ففي المقام لا يجري الاستصحاب في الطرفين في ظرف عدم الاتيان بالطرفين للعلم المزبور ، كما هو الشأن في الاستصحابين في الدوران بين المحذورين ، فلا يجري في المقام إلا أصالة الإباحة ، وهو لا يرفع الاشتغال بالصلاة عن طهور. نعم : لو بنينا على عدم قصور في جريان الاستصحاب في الطرفين عند عدم لزوم مخالفة قطعية وعدم إضرار العلم بانتقاضه ، فلا بأس حينئذ بجريان استصحاب إطلاق الماء ، حيث لا يلزم مخالفة قطعية عملية ، ولازمه جواز الوضوء بهذه المياه المشكوكة. وأوضح من ذلك بناء على مبنانا : من بلوغ الكثرة بحد يوجب الاطمينان بعدم الإضافة المعلومة إجمالا في كل طرف بشرط انفراده في عالم اللحاظ الملازم (123)
هذا تمام الكلام في الشبهة الموضوعية التحريمية.
المبحث الثاني
ومنشأ الشك فيه إما فقد النص ، وإما إجماله ، وإما تعارض النصين. والكلام فيه الكلام في الشبهة الموضوعية من حيث وجوب الموافقة القطعية ، بل الشبهة الحكمية أولى في ذلك من الشبهة الموضوعية ، فان الأخبار الدالة على أصالة الحل التي توهم شمولها للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي إنما تختص بالشبهة الموضوعية ، ولا تعم الشبهات الحكمية إلا بنحو من العناية والتكلف ، على ما تقدم بيانه في مبحث البراءة.
في الشك في المكلف به في الشبهة التحريمية الحكمية المبحث الثالث
والأقوى فيها أيضا : وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية ، لعين
في الشك في المكلف به في الشبهة الوجوبية لحصول الاطمينانات تدريجا بلا اجتماعها في زمان واحد ولذا لا بأس بحجية جميعها بلا مانعية العلم الاجمالي على خلافها لأن المفروض أن نتيجة حجية كل ظن ليس إلا جواز المخالفة الاحتمالية في ظرف وجوده بلا انتهاء النوبة إلى التعبد بظنون متعددة على خلاف العلم في زمان واحد ، فلا يقاس المقام حينئذ بالبينة على كل طرف في زمان واحد. (124)
ما تقدم في الشبهة التحريمية.
وما ينسب إلى المحقق الخونساري والقمي ـ رحمهما الله ـ من جواز المخالفة القطعية في غير ما قام الاجماع والضرورة على عدم الجواز ، بتوهم أن التكليف بالمجمل لا يصلح للانبعاث عنه ، فلا أثر للعلم بالتكليف المجمل المردد بين أمور. واضح الفساد ، فان الاجمال الطاري لا يمنع عن تأثير العلم الاجمالي ، لعدم أخذ العلم التفصيلي قيدا في الموضوع أو الحكم ، والتكليف بالمجمل الذي لا يصلح للداعوية غير الاجمالي الطاري على التكليف المعين في الواقع لأجل اشتباه الموضوع أو فقد النص أو إجماله. وبالجملة : لا فرق في نظر العقل بين العلم التفصيلي بالتكليف وبين العلم الاجمالي به في قبح المخالفة ووجوب الموافقة القطعية مقدمة للعلم بفراغ الذمة عما اشتغلت به. نعم : إذا كانت الشبهة لأجل تعارض النصين ، فحكمها التخيير في الاخذ بأحد النصين مطلقا في الشبهة الوجوبية والتحريمية ، لاطلاق ما دل على التخيير عند تعارض الاخبار ، وفيما عدا ذلك تجب الموافقة القطعية ، وسواء كانت الشبهة موضوعية ـ كبعض موارد القصر والاتمام ـ أو حكمية ، كما المنشأ فقد النص أو إجماله. وما ذكره الشيخ ـ قدس سره ـ من عدم تصوير إجمال النص بالنسبة إلى الغائبين عن وقت الخطاب ، لاختصاص الخطابات بالمشافهين أو الموجودين في ذلك الزمان ، فيرجع إجمال النص بالنسبة إلى الغائبين إلى فقد النص. فهو مبني على خلاف التحقيق في الخطابات الشرعية ، فان توهم اختصاص الخطاب بالحاضرين مبني على أن تكون القضايا الشرعية من (125)
القضايا الخارجية ، وأما إذا كانت من القضايا الحقيقية فهي تعم الغائبين والمعدومين على نسق الموجودين (1) ـ كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في محله ـ وحينئذ يمكن فرض إجمال النص بالنسبة إلى الغائبين كالموجودين.
وعلى كل حال : لا ينبغي التأمل في حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية في كل ما فرض إجمال المكلف به وتردده بين المتباينين. فما يظهر من المحقق القمي : من الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي بفعل أحد طرفي المعلوم بالاجمال ، ضعيف غايته ، لاستقلال العقل بأن الاشتعال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، إما وجدانا وإما تعبدا ، ليأمن من تبعة مخالفة التكليف المعلوم. دفع وهم : ربما يتوهم : أن وجوب الاتيان بالمحتمل الآخر عند الاتيان بأحد المحتملين مما يقتضيه استصحاب بقاء التكليف ، فلا حاجة في إثبات ذلك إلى قاعدة الاشتغال ، بل لا مجال لها لحكومة الاستصحاب عليها. هذا ، ولكن التحقيق : عدم جريان الاستصحاب في ذلك ، لأنه يلزم من جريانه : إما إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد ، وإما البناء على اعتبار الأصل المثبت. 1 ـ أقول : قد تقدم في بعض حواشينا في مباحث الألفاظ أن مبنى اختصاص الخطاب بالمشافهين ليس على جعل مفاد القضايا الشرعية برمتها خارجية ، بل إنما يبتنى على خصوصية ملازمة ظهور الخطاب بالمشافهين مع كون القضية خارجية ، إذ لازم كونها حقيقية رفع اليد عن ظهور الخطاب في الاختصاص ، فأصل هذا النزاع مبني على هذه الجهة ، لا أن المسألة المزبورة مبنية على كون القضايا الشرعية خارجية ، وكم فرق بين المعنيين ! فتدبر. (126)
وتوضيح ذلك يتوقف على بيان أمور :
الأول : يعتبر في الاستصحاب أن يكون الشك راجعا إلى بقاء الحادث ، لا إلى أن الباقي هو الحادث (1) لان قوام الاستصحاب إنما هو بالشك في البقاء بعد العلم بالحدوث ، فلا يجري الاستصحاب عند الشك في كون الباقي هو الحادث. نعم : قد يتولد الشك في البقاء من الشك في الحدوث ، كما إذا علم بنجاسة أحد مقطوعي الطهارة أو طهارة أحد مقطوعي النجاسة ، فان الشك في بقاء طهارة كل منهما أو نجاسته مسبب عن الشك في حدوث النجاسة فيه أو الطهارة ، لكن الشك في حدوث النجاسة أو الطهارة في كل منهما إنما يكون منشأ للشك في بقاء الحالة السابقة المتيقنة فيهما ، والاستصحاب يجري باعتبار الشك في بقاء تلك الحالة. وهذا غير الشك في كون الباقي هو الحادث ، لأن الشك فيه لا يرجع إلى البقاء بل إلى الحدوث ، كما لو علم بحدوث فرد مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع ، فإنه وإن كان يشك في بقاء الحادث ، إلا أن ارتفاع أحد فردي الترديد يوجب الشك في حدوث الفرد الباقي. فلا يجري استصحاب الفرد المردد ، لان استصحاب الفرد المردد معناه : 1 ـ أقول : الأولى أن يقال : إن الشك في حدوث الباقي بعدما كان ملازما للشك في بقاء ما حدث من الجامع بينهما ذاتيا أم عرضيا ، لا شبهة في أن الشك في بقاء هذا الجامع إنما يثمر في ظرف كونه بنفسه موضوع الأثر في الدليل ، وإلا فلا معنى للتعبد به ، ومن هذه الجهة لا مجال لاستصحاب الفرد المردد ولا لمفهوم المجمل المردد بين المتباينين أو الأقل والأكثر ، لان ما هو مشكوك البقاء لا أثر له وماله الأثر كان بين ما هو متيقن الارتفاع أو متيقن الحدوث. (127)
بقاء الفرد الحادث على ما هو عليه من الترديد (1) وهو يقتضي الحكم ببقاء الحادث على كل تقدير ، سواء كان هو الفرد الباقي أو الفرد الزائل ، وهذا ينافي العلم بارتفاع الحادث على تقدير أن يكون هو الفرد الزائل ، فاستصحاب الفرد المردد عند العلم بارتفاع أحد فردي الترديد مما لا مجال له.
نعم : لا مانع من استصحاب الكلي والقدر المشترك بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مقطوع البقاء ، للشك في بقائه بعد العلم بحدوثه ، ويثبت بذلك الآثار الشرعية المترتبة على نفس بقاء القدر المشترك ، ولا تثبت الآثار المختصة بأحد الفردين إلا على القول بالأصل المثبت ، ففي الحدث المردد بين الأصغر والأكبر يجري استصحاب بقاء الحدث عند الاتيان بأحد فردي الطهارة : من الوضوء أو الغسل ، ويترتب عليه حرمة مس كتابة المصحف ، لان حرمة المس من الاحكام المترتبة على نفس بقاء الحدث من دون أن يكون لخصوصية الأصغر والأكبر دخل في ذلك ، لقوله تعالى : « لا يمسه إلا المطهرون » (2) وسيأتي توضيح ذلك في مبحث الاستصحاب ( إن شاء الله تعالى ). والمقصود في المقام : مجرد بيان عدم جريان استصحاب الفرد المردد عند ارتفاع أحد فردي الترديد ، كما ربما يختلج في البال ، بل قيل به بتوهم : أن ارتفاع أحد الفردين يوجب الشك في بقاء الفرد الحادث ، فيجري فيه 1 ـ أقول : استصحاب الفرد المردد لا يقتضي إلا الحكم ببقاء ما هو المعلوم الغير الساري إلى العنوان التفصيلي ، لأنه متعلق لشكه ، والغرض أن التعبد الاستصحابي لا يتعدى عن مورد شكه ، ومورد شكه أيضا هو متعلق يقينه ، فكما أن اليقين الاجمالي يجتمع مع الشك بالطرفين تفصيلا كذلك الشك الاجمالي أيضا يجتمع مع العلمين التفصيليين ، وحينئذ لا يقتضي الاستصحاب المزبور التعبد ببقاء كل واحد من المعلومين تفصيليين ، فلا يتم هذا الوجه في منع جريان استصحاب الفرد المردد ، بل الأولى ما ذكرناه في الحاشية السابقة. 2 ـ الواقعة : الآية 79. (128)
الاستصحاب ، ولا حاجة إلى استصحاب الكلي والقدر المشترك بين الفردين.
ولا يخفى ضعفه ، فان استصحاب الفرد المردد مع العلم بارتفاع أحد فردي الترديد لا يمكن ، لأن الشك فيه يرجع إلى الشك فيما هو الحادث ، وأنه هو الفرد الباقي أو أنه هو الفرد الزائل ، والاستصحاب لا يثبت ذلك ، فان شأن الاستصحاب هو إثبات بقاء ما حدث لا حدوث الباقي. ودعوى : أن الشك فيما هو الحادث يستلزم الشك في بقاء الحادث ، والاستصحاب إنما يجري باعتبار الشك في بقاء الحادث لا باعتبار الشك فيما هو الحادث ، نظير الشك في بقاء النجاسة في كل من الانائين المقطوع نجاستهما عند العلم بحدوث الطهارة في أحدهما حيث تقدم أن الشك في بقاء النجاسة في كل منهما مسبب عن الشك في حدوث موجب الطهارة فيه ، والاستصحاب إنما يجري باعتبار الشك في البقاء وإن لم يثبت به محل الطهارة الحادثة. واضحة الفاسد ، فإنه في مثال الانائين كان هناك شكان : شك في بقاء النجاسة في كل منهما ، وشك في حدوث الطهارة في كل منهما ، ومتعلق الشك في أحدهما غير متعلق الشك في الآخر ، غايته أن أحد الشكين مسبب عن الشك الآخر. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فإنه ليس فيه إلا شك واحد ، وهو الشك فيما هو الحادث (1) وهذا الشك مستمر من زمان العلم بحدوث أحد الفردين إلى زمان ارتفاع أحدهما. وبالجملة : لا ينبغي التأمل في عدم جريان الاستصحاب الشخصي والفرد 1 ـ أقول : لو بنينا في التعبد بالبقاء على كفاية مرآتية المشكوك لما له الأثر لا قصور في استصحاب أحد الفردين المقطوع حدوثه ومشكوك بقائه ، فالعمدة حينئذ منع هذه الجهة ، وإلا فعدم حصر الشك في كون الباقي حادثا من البديهيات. (129)
المردد عند ارتفاع أحد فردي الترديد.
الامر الثاني : يعتبر في الاستصحاب أيضا أن يكون الأثر المقصود إثباته مترتبا على بقاء المستصحب ، لا على حدوثه ، ولا على الأعم من الحدوث والبقاء (1) لو فرض إمكان ذلك (2) فان الحدوث محرز بالوجدان ويلزمه إحراز الأثر المترتب عليه ، فلا مجال للاستصحاب ، لأنه يلزم إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد ، وهو أردأ أنحاء تحصيل الحاصل ، وذلك واضح. الامر الثالث : يعتبر في الاستصحاب أيضا أن يكون الأثر الذي يراد إثباته به مترتبا على نفس الواقع المشكوك فيه ، لا على الشك فيه بحيث يكون الشك تمام الموضوع للأثر من دون أن يكون للواقع المشكوك فيه دخل في ذلك ، فإنه لو كان الأثر مترتبا على نفس الشك ، فبمجرد حدوث صفة الشك يترتب الأثر ويكون محرزا بالوجدان ، فلا حاجة إلى إحراز الواقع بالاستصحاب ، بل لو فرض كون الأثر مترتبا على الأعم من الواقع والشك فيه ، فالاستصحاب أيضا لا يجري ، لاحراز الأثر بمجرد الشك ، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب ، لان الاستصحاب إنما شرع لبقاء الواقع وتنزيل المشكوك فيه منزلة المتيقن ، فإذا فرض أن الأثر رتب شرعا على نفس الشك فلا موقع للتعبد ببقاء الواقع ، لأنه يلزم التعبد بما هو محرز بالوجدان. الامر الرابع : لا إشكال في أن الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال والبراءة (3) سواء توافقا في المؤدى أو تخالفا. 1 ـ أقول : بل ويكفي في الاستصحاب كون الأثر مترتبا على ما هو محفوظ في ضمن الحدوث والبقاء الساري فيهما من دون دخل لحيث البقاء فيه أيضا ، كما هو الغالب في موارده. 2 ـ والظاهر أنه لا يمكن ، لسبق الحدوث على البقاء دائما فيلزم لغوية أخذ البقاء موضوعا آخر للأثر في عرض الحدوث ، لان الأثر دائما يستند إلى الحدوث ولا يستند إلى البقاء أبدا ، فتأمل ( منه ). 3 ـ أقول : ما أفيد في البراءة إنما يصح لو كان موضوع القبح لا بيان بالإضافة إلى الوجود والعدم ، (130)
أما وروده على البراءة : فواضح ، من جهة أن مبنى البراءة هو قبح العقاب بلا بيان ، والاستصحاب يكون بيانا ، فلا موضوع للبراءة مع الاستصحاب.
وأما وروده على قاعدة الاشتغال : فلان حكم العقل بوجوب الاحتياط بترك المشكوك فيه في الشبهات التحريمية وفعله في الشبهات الوجوبية إنما هو لأجل لزوم دفع الضرر المحتمل وحصول المؤمن عن تبعة مخالفة التكليف ، وهذا يرتفع موضوعه بقيام الاستصحاب على نفي التكليف أو ثبوته في المشكوك. أما في صورة قيامه على نفي التكليف فواضح ، لعدم احتمال الضرر وحصول المؤمن حينئذ. وأما في صورة قيامه على ثبوت التكليف ، فلان استصحاب التكليف كالعلم به يكون محرزا للتكليف ، ومعه لا يبقى موضوع لحكم العقل بالاحتياط ، لان حكمه بذلك إنما يكون في ظرف عدم إحراز التكليف في المشكوك. وبالجملة : لا إشكال في أن حكم العقل بالبراءة أو الاشتغال معلق على عدم ثبوت التكليف أو نفيه من الشارع ولو بالاستصحاب ، وإلا لزم طرح الأصول الشرعية بالمرة ، إذ ما من مورد إلا وينتهي الامر فيه بالآخرة إلى حكم العقل بالبراءة أو الاشتغال. ومن الغريب ! ما نسبه بعض من لا خبرة له إلى الشيخ ـ قدس سره ـ من القول بعدم جريان الاستصحاب في الموارد التي يستقل العقل فيها بالبراءة والاشتغال ، مع أنه ـ قدس سره ـ قد صرح بخلاف ذلك في مواضع من الكتاب. وإلا فلو كان الموضوع هو اللابيان بالإضافة إلى خصوص الوجود ، فلا مجال لجريان الاستصحاب في جهة رفع العقوبة ، لأنه مرفوع في الرتبة السابقة عن الحكم بالبرائة شرعا. نعم : ما أفيد تمام بالنسبة إلى استصحاب التكليف في مورد القاعدة في صورة إثبات الأصل وجوب موردها ، لان الأصل المزبور حينئذ معين للفراغ والقاعدة بالنسبة إلى الأصول المعينة للفراغ مورود ـ كما مر منا مرارا ـ لا مطلقا كما توهم ، ولقد تقدم تفصيل ذلك في الحواشي السابقة ، فراجع. (131)
منها : ما أفاده في المقام بقوله : « ومن هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين استصحاب عدم فعل الظهر وبقاء وجوبه على من شك في فعله ، فان الاستصحاب بنفسه مقتض هناك الوجوب والآتيان بالظهر الواجب في الشرع على الوجه الموظف : من قصد الوجوب والقربة وغيرهما ». انتهى.
فلو كان جريان الاستصحاب عنده مقصورا على صورة عدم استقلال العقل بالاشتغال لكان ينبغي أن لا يقول بجريان استصحاب عدم فعل الظهر عند الشك فيه ، لاستقلال العقل بالاشتغال فيه. ولا يكاد ينقضي تعجبي كيف ينسب ذلك إلى مثل الشيخ ـ قدس سره ـ مع أن فساده بمكان لا يخفى على أصاغر الطلبة ؟. إذا عرفت ما مهدناه من الأمور فاعلم : أنه لا موقع لاستصحاب بقاء التكليف عند العلم بوجوب أحد الشيئين في صورة الاتيان بأحد المحتملين ، كما لو علم إجمالا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة وقد فعل المكلف إحدى الصلاتين دون الأخرى ، فإنه لو أريد من الاستصحاب استصحاب شخص التكليف المعلوم بالاجمال ، ففد عرفت ـ في الامر الأول ـ أن الاستصحاب الشخصي لا يجري مع العلم بزوال أحد فردي المردد ، لأن الشك فيه يرجع إلى الشك في حدوث الفرد الباقي لا في بقاء الفرد الحادث ـ على ما تقدم بيانه ـ وإلا لزم ترتيب آثار بقاء الفرد المردد على ما هو عليه من الترديد ، ولازم ذلك هو وجوب الاتيان بكل من الظهر والجمعة ، لان هذا هو أثر بقاء الوجوب المردد ، مع أن المفروض تحقق فعل الجمعة أو الظهر ، فلا يبقى موقع لفعل المأتي به ثانيا ، فالاستصحاب الشخصي لا يجري. وإن أريد من الاستصحاب استصحاب الكلي والقدر المشترك بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مقطوع البقاء ، فالشك فيه وإن كان شكا في البقاء والاستصحاب يجري فيه ، إلا أنه : (132)
إن أريد من استصحاب بقاء القدر المشترك إثبات كون الحادث هو الفرد الباقي وأنه هو متعلق التكليف ، فهذا يكون من أردأ أنحاء الأصل المثبت ، ودعوى وضوح الملازمة وخفاء الواسطة مما لا ترفع غائلة المثبتية ، كما سيتضح وجهه في مبحث الاستصحاب ( إن شاء الله تعالى ).
وإن أريد من استصحاب بقاء القدر المشترك مجرد لزوم الاتيان بالمحتمل الآخر والفرد الباقي مقدمة للعلم بفراغ الذمة عما اشتغلت به ، فهذا مما يكفي فيه نفس حدوث التكليف والشك في الامتثال (1) ولا يتوقف على إحراز بقاء التكليف والعلم بعدم الامتثال ، لاستقلال العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وليس هذا من الاحكام التي تنالها يد الجعل الشرعي ، لان ذلك من شؤون الطاعة والمعصية التي يستقل العقل بها ، فوجوب الاتيان بالمحتمل الآخر عقلا مما هو محرز بالوجدان ، لأن الشك بالفراغ تمام الموضوع له ، ولا يعقل التعبد بما هو محرز بالوجدان ، فإنه أسوأ حالا من الامر بتحصيل الحاصل ، لان تحصيل الحاصل هو ما إذا كان المحصل للحاصل من سنخ الحاصل ، كإحراز المحرز بالوجدان بالوجدان أو المحرز بالتعبد بالتعبد ، وأما 1 ـ أقول : وقد يوهم هذا البيان أن هذا المقدار يكفي لجريان الاستصحاب لولا قاعدة الاشتغال ، كما في صورة حصول العمل بعد التلف ، ولا يخفى ما فيه : من أن استصحاب الجامع الاجمالي إنما يجري في صورة الجزم بكون المورد عمله ومورد امتثاله ، ومع الشك فيه ـ كما هو الشأن في علمه الوجداني ـ لم يحرز لهذا الجعل أثر عملي ، فلا يجري كي يقتضي لزوم الاتيان بالمحتمل ، وإن كان في البين قاعدة اشتغال. نعم : لو بنينا ـ كما هو المشهور ـ من أن نتيجة استصحاب التكليف جعل المماثل ، أمكن أن يقال : بأن جعل الجامع لا يعقل إلا في صمن فصل ، وهو لا يكون إلا لخصوصية وجوب الباقي ، فبالاستصحاب حينئذ يحرز هذه الخصوصية ، لأنه من لوازم الحكم الظاهري ، لا من لوازم الواقع محضا كي يكون مثبتا ، ولازمه حينئذ عدم جريان قاعدة الاشتغال ، لوجود البيان الرافع لموضوع القاعدة ، كاستصحاب تكليف شخص المورد ، كما لا يخفى ، فتدبر فيما ذكرنا ، كي لا يبقى لك مجال جعل القاعدة مانعا من جريان هذا الاستصحاب. (133)
إحراز المحرز بالوجدان بالتعبد فهو أردأ من ذلك.
وحاصل الكلام : أنه عند العلم بوجوب أحد الشيئين مع حصول امتثال أحدهما لا يجري استصحاب بقاء التكليف ، لا الشخصي ، ولا الكلي. أما الشخصي : فللشك في حدوث الفرد الباقي بالبيان المتقدم. وأما الكلي : فلانه لا يثبت به تعلق التكليف بالمحتمل الآخر ، وأثر وجوب تحصيل اليقين بالفراغ والعلم بالخروج عن عهدة التكليف مما يقتضيه نفس حدوث التكليف والشك في امتثاله ، وليس من الآثار المترتبة على بقاء التكليف واقعا ليجري فيه الاستصحاب. ولو فرض أنه من الآثار المترتبة على الأعم من الحدوث والبقاء ، فالاستصحاب أيضا لا يجري ، لسبق الحدوث على البقاء ، والشيء إنما يستند إلى أسبق علله. ولا يقاس ما نحن فيه على ما إذا علم بمتعلق التكليف تفصيلا وشك في امتثاله ، حيث إنه يجري استصحاب بقاء التكليف بلا كلام ، كما صرح به الشيخ ـ قدس سره ـ في كلامه المتقدم ، وذلك : لان المستصحب فيه هو التكليف الشخصي المتعلق بالفعل الخاص ، وبقائه ليس محرزا بالوجدان وبالاستصحاب يحرز بقائه ، فالذي يتأتى من الاستصحاب في مثل ذلك لا يتأتى من قاعدة الاشتغال ، لان قاعدة الاشتغال لا تثبت التكليف ولا تحرز بقائه. وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فان المفروض عدم جريان الاستصحاب الشخصي ، والأثر الذي يمكن إثباته من استصحاب الكلي ليس إلا لزوم الاتيان بالمحتمل الآخر مقدمة للعلم بالفراغ ، وهذا المعنى يتأتى من قاعدة الاشتغال ولا يحتاج إلى الاستصحاب ، لان موضوعه نفسه الشك في الامتثال. وبذلك يمتاز مورد قاعدة الاشتغال عن مورد الاستصحاب ، ولا يمكن أن (134)
يجتمعا في مورد واحد ، فان مورد قاعدة الاشتغال هو ما إذا كان الأثر الذي يراد إثباته مترتبا على نفس الشك بلا دخل للواقع المشكوك فيه ، ومورد الاستصحاب هو ما إذا كان الأثر مترتبا على نفس الواقع بلا دخل للشك فيه ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه ، فإنه قد وقع الخلط في جملة من الكلمات بين القاعدة والاستصحاب ، وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في مبحث الظن في تأسيس الأصل عند الشك في الحجية ، فراجع.
الأول : ربما يقال : بعد وجوب الاحتياط في موارد الشبهة الموضوعية في الشرائط والموانع ، كالقبلة واللباس ونحو ذلك ، بدعوى : سقوط الشرط عند عدم العلم به تفصيلا ، فيأتي بالمشروط فاقدا للشرط أو واجدا للمانع (1) ولعله لذلك ذهب الحلي ـ رحمه الله ـ إلى عدم وجوب الستر عند اشتباه اللباس. والمحكي عن المحقق القمي ـ رحمه الله ـ التفصيل بين الشرائط المستفادة من مثل قوله ـ عليه السلام ـ « لا تصل فيما لا يؤكل » (2) ونحو ذلك من الأوامر والنواهي الغيرية فذهب إلى سقوط الشرط في موارد اشتباهه ، وبين الشرائط 1 ـ أقول : إتمام هذا الكلام أمكن فيما لو كان آخر الوقت بحيث لا يبقى مجال إلا لصلاة واحدة ، فإنه حينئذ أمكن دعوى إلغاء الساتر عند اشتباهه بالنجس من جهة أهمية مانعية النجاسة عن شرطية الستر ، كما هو الشأن عند حصر الساتر بالنجس ، ووجهه حينئذ لزوم تركه فيها المستتبع لعدم القدرة على الساتر. نعم : مع سعة الوقت لا مجال لهذه المزاحمة ، إذ بتكرار الصلاة يحفظ بين شرطية الستر ومانعية النجاسة ، كما لا يخفى. 2 ـ لم أجد حديثا بهذه العبارة. ولعله ـ قدس سره ـ أراد النقل بالمعنى ، فراجع. ( المصحح ). (135)
المستفادة من مثل قوله ـ عليه السلام ـ « لا صلاة إلا بطهور » (1) ونحو ذلك ، فقال : بعدم سقوط الشرط عند الجهل به.
ولم يحضرني كتب المحقق ـ رحمه الله ـ حتى أراجع كلامه ، وكأنه قاس باب العلم والجهل بالموضوع بباب القدرة والعجز ، فقد حكي عن بعض الاعلام هذا التفصيل بعينه في موارد تعذر الشرط ، وسيأتي الكلام فيه في مبحث الأقل والأكثر. وعلى كل حال ، فالأقوى : أنه لا فرق بين الشرائط وغيرها في وجوب الاحتياط عند الجهل بالموضوع وتردده بين أمور محصورة ، فيجب تكرار الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ، أو في الثوبين المشتبهين عند اشتباه الطاهر بالنجس ، أو الحرير بغيره ، ولا وجه لسقوط الشرط ، إلا إذا استفيد من الدليل اختصاص الشرطية بصورة العلم التفصيلي بالموضوع ، كما ربما يستفاد من قوله ـ عليه السلام ـ « أذن وأقم لأولهن » (2) كون الترتيب بين الفوائت إنما يعتبر عند العلم بما فات أولا. وبالجملة : لا وجه لاطلاق القول بسقوط الشرط عند عدم العلم به تفصيلا ، بل لابد من ملاحظة ما يستفاد من دليل الشرط وأن شرطيته مقصورة بصورة العلم بموضوعه تفصيلا أولا ؟. وقياس باب العلم والجهل بباب القدرة والعجز ليس على ما ينبغي ، فان القدرة من الشرائط لثبوت التكليف والعلم بالموضوع أو الحكم من الشرايط لتنجز التكليف ، والمفروض أنه قد علم بحصول الشرط بين الأطراف فلا موجب لسقوطه ، وسيأتي لذلك مزيد توضيح في المباحث الآتية ( إن شاء الله تعالى ). 1 ـ الوسائل : الباب 1 من أبواب الوضوء الحديث 1. 2 ـ الوسائل : الباب 37 من أبواب الأذان والإقامة الحديث 1 ، لفظ الحديث : « إذا كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن فأذن وأقم الخ ». |
|||
|