فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: 541 ـ 555
(541)

من حيث الفرد تارة والزمان أو المكان أخرى ، فالعموم زمانا ملازم لوجود ما هو مهملة من هذه الجهة في الزمان الثاني والثالث ، فهذه الوجودات في الأزمنة المتعددة مستفادة من استمرار الطبيعة ، لا من نفسها.
    وحينئذ فالشك تارة ، يتعلق بأصل الطبيعة التي هي موضوع هذا الاستمرار وكانت مهملة محضة ، وأخرى : يتعلق بتوسعة وجود المهملة وسرايته بحسب الأزمنة المتمادية. ففي الصورة الأولى : دليل الاستمرار لا يتكفل لاثبات وجود ، لأنه وارد على الحكم في ظرف الفراغ عن وجوده ، فلابد حينئذ من إحرازه بدليل آخر متكفل لنفس الحكم. واما الصورة الثانية : فأصل الحكم بنحو الاهمال محرز بدليله حسب الفرض ، وإنما الشك في سعة الحكم من جهة الزمان ، ففي هذه الصورة لا يكون المتكفل لرفع هذا الشك إلا دليل الاستمرار بعد الفراغ عن وجود موضوعه ـ من الطبيعة المهملة ـ بدليل أو قرينة أخرى. وحينئذ فما أفيد : من أن الاستمرار من قبل المحمول بالنسبة إلى الحكم في غاية المتانة ، ولكن هذا الموضوع ليس إلا الحكم المهمل والطبيعة المهملة من تلك الجهة ، لا الطبيعة السارية في ضمن كل وجود في كل زمان ، بل مثل هذا السريان الحاكي عن انبساط وجود الحكم في كل زمان عين المحمول. وحينئذ يسئل عما أفيد : من أن الشك في التخصيص الزماني منشأ للشك في نفس الحكم ، بأنه ما المراد من هذا الحكم المشكوك ؟.
    فان أريد به وجوده المستفاد من سريان الطبيعة إلى الأزمان ، فرافع هذا الشك لا يكون إلا ما هو متكفل لاثبات العموم الزماني بلا احتياج إلى دليل آخر ، بل الدليل الآخر غير متكفل لاثباته ، كيف ! وإثباته مستتبع للغوية دليل الاستمرار.
    وإن أريد من الحكم المشكوك الحكم المهمل والطبيعة المهملة التي هو مركز هذا العموم ومعروضه ، فلا شبهة في أن الشك في استمراره غير ملازم للشك في وجوده ، إذ الدليل المتكفل لاثبات الطبيعة مفروض الثبوت بنحو لولا هذا العموم لا يكون متكفلا إلا لاثبات الحكم للمورد مهملة ، فهذا العموم الزماني تثبت تعميمه من حيث الزمان.
    ولئن شئت توضيح ما ذكرنا ، فنفرض الكلام في المثال المعروف : من « أوفوا بالعقود » إذ له جهتان : عموم أفرادي كان شأنه إثبات الحكم لكل فرد من العقد بنحو الاهمال من حيث الزمان ، وعموم زماني يقتضي تعميم حكم كل فرد من حيث الزمان ، ومن البديهي : أن عمومه الأزماني تبع عمومه الافرادي ، إذ ما لم تثبت الحكم لكل فرد يستحيل تحقق عموم زماني له ، لأنه وارد عليه ورود الحكم على موضوعه. ولكن نقول : إن الشك في حكم الفرد تارة : من جهة احتمال تخصيص العموم الفردي ، ففي مثل ذلك يستحيل على فرض هذا التخصيص ثبوت الحكم لهذا الفرد في زمان دون


(542)
بالعقود » لو كان مصب العموم الزماني نفس لزوم العقد ووجوب الوفاء به كان مفاده ـ بضميمة دليل الحكمة التي اقتضت العموم الزماني ـ قضيتين شرعيتين : الأولى وجوب الوفاء بكل عقد من أفراد العقود ، وهذا هو المدلول المطابقي لقوله تعالى : « أوفوا بالعقود ». الثانية استمرار وجوب الوفاء بكل عقد في جميع الأزمنة. وهذه القضية الثانية هي التي تكفل لبيانها دليل الحكمة ، وواضح : أن القضية الثانية متفرعة على القضية الأولى محمولا وموضوعا ، فهي مشروطة بوجودها.
    فلو شك في وجوب الوفاء بعقد من العقود في زمان فلا يمكن التمسك بعموم ما دل على استمرار وجوب الوفاء في كل زمان ، لأن المفروض : الشك في وجوب الوفاء بالعقد في الزمان الخاص ، فيشك في موضوع ما دل على العموم الزماني فلا يصح الرجوع إليه ، لأنه لا يمكن إثبات الموضوع بالحكم ، بل لا محيص من استصحاب بقاء وجوب الوفاء به الثابت قبل زمان الشك. هذا إذا شك في أصل التخصيص. ولو شك في مقداره ، كالمعاملة الغبنية
زمان ، بل مرجعه إلى فقدان الفرد المزبور للحكم إلى الأبد ، لان مرجع تخصيص الفرد إلى عدم ثبوت الطبيعة لهذا الفرد وخروج الفرد المزبور عن مصب الحكم للتالي ، فالتخصيص بحسب الأزمان على وجه يصلح للتفكيك بين الأزمان في حكم الفرد المزبور فرع دخول الفرد في العموم الافرادي ، فمثل هذا التخصيص كتعميمه أيضا تبع عمومه أفرادا ، وحينئذ إذا خرج فرد من الخطاب ويحتمل خروجه للتالي أو في زمان خاص ، فلا شبهة في عدم العموم الأزماني بدوا ، واما عمومه الافرادي بالنسبة إلى ثبوت الحكم في الجملة محكم ، فإذا ثبت هذا المقدار بالعموم الافرادي فيرجع إلى العموم الأزماني لاثبات بقية الأزمنة ، وحينئذ كيف ينتهي الامر فيه إلى الاستصحاب ؟ وإلى ذلك نظر من أنكر على الشيخ في مصيره في مثل « أوفوا بالعقود » إلى الاستصحاب عند الشك في خروج الفرد في زمان مع احتمال وجود الحكم فيه في زمان آخر. نعم لا يجري إلى العموم زمانا لو كانت القضية متكفلة لاثبات الحكم الشخصي المستمر مع فرض ظرفية الزمان ، وذلك أيضا في صورة تقطيع الحكم وسطا ، لا أولا ولا آخرا ، كما أفاده العلامة الأستاذ. وما أفيد في شرح كلام الشيخ ليس بيانا جديدا ، كما لا يخفى.

(543)
ـ حيث إنه علم بخروجها عن عموم وجوب الوفاء بالعقود ولكن تردد زمان الخروج بين الأقل والأكثر ـ فالمرجع فيما عدا القدر المتيقن من زمان الخروج هو استصحاب حكم الخاص ، وهو عدم وجوب الوفاء بها ، فيثبت كون الخيار على التراخي ، ولا يصح الرجوع إلى عموم ما دل على وجوب الوفاء بالعقد في كل زمان لاثبات كون الخيار على الفور.
    فظهر مما ذكرنا : أنه في كل مورد كان مصب العموم الزماني متعلق الحكم فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه عند الشك في التخصيص الزماني أو في مقداره ، بل لابد فيه من الرجوع إلى عموم العام لو كان ، وإلا فإلى البراءة والاشتغال ، وفي كل مورد كان مصب العموم الزماني نفس الحكم ، فلا مجال للتمسك فيه بالعام الزماني عند الشك في التخصيص أو في مقداره ، بل لابد فيه من الرجوع إلى الاستصحاب لو تمت أركانه ، وإلا فإلى البراءة والاشتغال.
    وإلى ذلك يرجع ما أفاده الشيخ ـ قدس سره ـ بقوله : « ثم إذا فرض خروج بعض الافراد في بعض الأزمنة عن هذا العموم فشك فيما بعد ذلك الزمان بالنسبة إلى ذلك الفرد ، هل هو ملحق به في الحكم أو ملحق بما قبله ؟ الحق التفصيل في المقام بأن يقال : إن اخذ فيه عموم الأزمان أفراديا بأن اخذ كل زمان موضوعا مستقلا بحكم مستقل لينحل العموم إلى أحكام متعددة بعدد الأزمان » إلى أن قال : « وإن اخذ لبيان الاستمرار كقوله : أكرم العلماء دائما ثم خرج فرد في زمان وشك في حكم ذلك الفرد » إلى آخر ما أفاده في المقام.
    فان ما ذكره من التفصيل يرجع إلى ما ذكرناه. والمراد من قوله في الوجه الأول : « إن اخذ فيه عموم الأزمان أفراديا » هو أخذ الزمان ظرفا لمتعلق الحكم ، بالبيان المتقدم : من كون مصب العموم الزماني فعل المكلف وما هو الصادر عنه ، ومن قوله في الوجه الثاني : « وإن اخذ لبيان الاستمرار كقوله :


(544)
أكرم العلماء » هو أخذ الزمان ظرفا للحكم ، بأن يكون مصب العموم الزماني نفس الحكم الشرعي ، ويتفرع على ذلك عدم جريان الاستصحاب في الوجه الأول وجريانه في الوجه الثاني.
    وقد خفي على بعض الاعلام مراد الشيخ ـ قدس سره ـ ومحل كلامه ، وتخيل أن ما ذكره من التفصيل بين الوجهين إنما هو في مورد كان المتعلق مصب العموم الزماني ، فحمل قوله في الوجه الثاني : « وإن اخذ لبيان الاستمرار » على كون الاستمرار في الأزمنة اخذ بنحو العام المجموعي ، وجعل مورد المنع عن الرجوع إلى العام ما إذا كان العموم الزماني ملحوظا في ناحية المتعلق على جهة الارتباطية بنحو العام المجموعي ، ومورد المنع عن الرجوع إلى الاستصحاب ما إذا كان العموم الزماني ملحوظا في ناحية المتعلق على جهة الاستقلالية بنحو العام الأصولي.
    ففتح على الشيخ ـ قدس سره ـ باب الايراد ، وأشكل عليه بإشكالات كلها مبنية على ما تخيله : من أن محل النفي والاثبات إنما هو فيما إذا كان المتعلق مصب العموم الزماني (1) ولو كان محل النفي والاثبات ذلك ، فالحق مع المستشكل ، ولكن قد عرفت : أن النفي والاثبات لا يردان على محل واحد ، بل مورد أحدهما ما إذا كان المتعلق مصب العموم الزماني ، ومورد الآخر ما إذا كان مصب العموم الزماني نفس الحكم الشرعي.
    وعبارة الشيخ ـ قدس سره ـ في « الفرائد » وإن كانت مجملة قابلة لان يتوهم منها اتحاد مورد النفي والاثبات ، ولكن عبارته في « المكاسب » ـ في باب خيار الغبن ـ تنادي بالتغاير ، وأن مورد النفي عن التمسك بالعام هو ما إذا كان الحكم الشرعي مصب العموم الزماني ومورد إثبات التمسك به هو ما إذا كان متعلق
1 ـ أقول : لا وجه لحمل كلمات الأساطين على معنى لا يتوهمه الأصاغر من الطلاب ! فصلا عن الأعاظم !.

(545)
الحكم مصب العموم الزماني ، وعلى كلا التقديرين : يكون العموم الزماني ملحوظا على وجه الاستقلالية بنحو العام الأصولي ، ومن غير فرق بين أن يكون بيان العموم الزماني بمثل قوله : « في كل زمان » أو « ويستمر » أو « دائما » ونحو ذلك من الألفاظ الموضوعة للعموم الزماني ، فسواء قال : « الحكم موجود في كل زمان » أو قال : « الحكم يستمر في جميع الأزمنة » يكون المعنى واحدا ، وليس قوله : « في كل زمان » قرينة على لحاظ العموم الزماني بنحو العام الأصولي ، وقوله : « ويستمر » وقرينة على لحاظه بنحو العام المجموعي ، وذلك واضح.
    فتحصل : أنه ليس مراد الشيخ من التفصيل بين الوجهين التفصيل بينهما في مورد يكون مصب العموم الزماني متعلق الحكم ، بل مصب العموم الزماني في أحد الوجهين هو متعلق الحكم ، وفي الآخر نفس الحكم ، فيستقيم حينئذ التفصيل في التمسك بالعام في أحدهما والتمسك بالاستصحاب في الآخر (1) ولا يرد عليه شيء من الاشكالات ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيدا.

    تكملة :
    بعدما تبين أن مورد التمسك بالعام هو ما إذا كان مصب العموم الزماني متعلق الحكم ومورد التمسك بالاستصحاب هو ما إذا كان مصب العموم الزماني نفس الحكم ، فيقع الكلام حينئذ في تشخيص المورد ، وقبل ذلك ينبغي
1 ـ أقول : ولقد عرفت بأنه مع تمام الزحمة لا يتم ما أفيد من التفصيل ، وان الأساطين بعد علم منهم بهذا التقريب أنكروا على الشيخ في مصيره إلى الاستصحاب دون عموم العام أو إطلاقه ، بل لنا أيضا مجال الانكار لعدم مرجعية الاستصحاب لولا العموم حتى في صورة اخذ عموم الأزمان في متعلق الحكم ، إذ من الممكن كون العموم بملاحظة سراية الطبيعة إلى قطعات المستمر الشخصي ، لا بلحاظ قيدية الزمان ومفرديته ، ولقد أشرنا أيضا : من إمكان جعل غالب موارد العموم الأزماني من هذا القبيل ، فتدبر.

(546)
تأسيس الأصل عند الشك في مصب العموم ، فنقول :
    إنه تارة : يشك في أصل العموم الزماني للحكم أو المتعلق وعدمه ، وفرض حصول الشك في العموم الزماني إنما هو فيما إذا لم يلزم لغوية تشريع الحكم مع عدم العموم الزماني بأحد الوجهين ، وإلا فلا يمكن حصول الشك فيه ، كما لا يخفى.
    وأخرى : يعلم بالعموم الزماني ويشك في مصبه.
    فان كان الشك في أصل العموم الزماني فلا إشكال في أن الأصل يقتضي عدمه (1) لان أخذ العموم الزماني قيدا للحكم أو للمتعلق يتوقف على لحاظه ثبوتا وبيانه إثباتا ، فلو قال : « أكرم العلماء » وشك في استمرار الوجوب في جميع الأيام أو شك في كون الاكرام في جميع الأيام واجبا ، ففي ما عدا اليوم الأول لا يجب الاكرام ، لأصالة البراءة عنه ، وذلك واضح.
    وان كان الشك في مصب العموم الزماني بعد العلم به فلا إشكال أيضا في أن الأصل اللفظي يقتضي عدم كون المتعلق مصب العموم الزماني ، فان الشك في ذلك يرجع إلى الشك في تقييد المتعلق بقيد زائد ، وأصالة الاطلاق تقتضي عدم التقييد ، وليس العموم الزماني من القيود التي لا يمكن أخذه في
1 ـ أقول : في فرض الشك المزبور ، تارة : يقطع وجوب الاكرام في خصوص اليوم الأول وكان الشك في تعميم الخطاب حكما أم موضوعا في الزائد ، وأخرى : لا يعلم وجوب اليوم أيضا بخصوصه ، وحينئذ ، فتارة : يتم البيان ولو بمقدمات الحكمة لاثبات الوجوب لصرف الطبيعة الجامعة بين أفراد الأيام وإنما الشك في وجوب كل فرد بحسب الأزمنة ، وأخرى : لا يتم البيان بالنسبة إلى صرف الطبيعة أيضا ، وحينئذ فما أفيد : من ثبوت الوجوب في اليوم الأول ، إنما يتم على الفرض الأول ، وهو أيضا يحتاج إلى دليل بالخصوص ، وإلا فصرف الخطاب باكرام العلماء لا يقتضي إلا وجوب كل فرد في الجملة. واما بقية الفروض لا يقتضي الخطاب وجوب خصوص اليوم الأول ، بل على الفرض الثاني لا يجب إلا صرف الجامع بين الافراد التدريجية ، وفي الثالث ينتهي الامر إلى العلم الاجمالي في الأيام التدريجية فيجب عقلا إكرامه في جميع الأيام ما لم ينته على غير المحصور ، كما لا يخفى.

(547)
المتعلق حتى لا يصح التمسك بالاطلاق ، لأنه قد تقدم أن اعتبار العموم الزماني في ناحية المتعلق مما يمكن أن يتكفل بيانه نفس دليل الحكم ، فيقول : « أكرم العلماء في كل يوم » أو « مستمرا » فعند الشك في اعتبار العموم الزماني في ناحية المتعلق يرجع إلى أصالة الاطلاق ، ويتعين حينئذ أن يكون مصبه نفس الحكم الشرعي ، للعلم باعتبار العموم الزماني ، فإذا كان الأصل عدم اعتباره في المتعلق يتعين اعتباره في الحكم ، لان دليل الحكمة تقتضي ذلك.
    ولا يتوهم : أن إطلاق الحكم يقتضي عدم أخذ العموم الزماني قيدا له ، لما عرفت : من أن دليل الحكم لا يمكن أن يتكفل لبيان أزمنة وجوده ، بل لابد من أن يكون بيانه بدليل منفصل آخر (1) فإذا لم يقم دليل لفظي على اعتباره في المتعلق ، فدليل الحكمة يقتضي اعتباره في ناحية الحكم ، لان دليل الحكمة إنما يجري لبيان الاحكام وتشخيص مرادات الآمر ، ومن جملة مقدمات الحكمة في المقام إطلاق المتعلق وعدم تقييده بالعموم الزماني ، فإنه مع تقييد المتعلق بذلك لا تصل النوبة إلى التمسك بمقدمات الحكمة ، لان أخذه في ناحية المتعلق يغني عن أخذه في ناحية الحكم ، كما أن أخذه في ناحية الحكم يغني عن أخذه في
1 ـ أقول : إذا علم بالعموم الزماني وشك في رجوعه إلى الحكم أو المتعلق ، فلا شبهة في أن المتعلق إن كان له إطلاق بنحو يثبت الحكم لصرف الطبيعة ، فهذا الاطلاق كاف لاثبات استمرار الحكم لصرف الجامع بين الافراد التدريجية إلى آخر الافراد ، ولا يحتاج إلى إثبات استمراره كذلك إلى دليل آخر. نعم : يحتاج في إثبات استمراره بنحو ثبوته للطبيعة السارية إلى جميع الافراد في الأزمنة المتمادية إلى قيام دليل عليه ، وحينئذ فعند الشك فيه لا مجال للتمسك بالاطلاق في المتعلق ، بل هذا المعنى من العموم مشكوك في كل واحد من الحكم والمتعلق ، وإنما يعلم إجمالا بثبوته في أحدهما ، فعلى مختاره : يكفي احتمال رجوعه إلى المتعلق في نفي جريان الاستصحاب ، للشك في بقاء الموضوع ، وفي مثله أي دليل يثبت العموم في الحكم دون الموضوع ؟ وما معنى لأصالة الاطلاق في الموضوع دون الحكم ؟ وحينئذ فما أفيد من قوله : « فتحصل الخ » لا محصل له. ولنا مجال أن نقول : إنه ما فرحنا [ فرضنا ] من المبنى ، فكيف بهذه النتيجة ! وعليك بالتأمل والانصاف فيما ذكرنا !!.

(548)
ناحية المتعلق ، لما تقدم في بعض الأمور السابقة : من اتحاد نتيجة أخذ العموم الزماني في ناحية الحكم أو المتعلق. وإنما تظهر الثمرة بين الوجهين في جواز التمسك بالعام أو الرجوع إلى الاستصحاب ـ بالبيان المتقدم ـ وإلا فبحسب النتيجة العملية لا فرق بين أخذ الزمان قيدا للحكم أو للمتعلق ، فإذا لم يقيد المتعلق بالعموم الزماني كان قيدا للحكم لا محالة ، لجريان أصالة الاطلاق في ناحية المتعلق وعدم جريانها في ناحية الحكم ، فتأمل جيدا.
    فتحصل : أن في كل مورد شك في مصب العموم الزماني بعد العلم به فالأصل يقتضي أن يكون مصبه نفس الحكم الشرعي لا المتعلق ، ويترتب عليه ما تقدم : من عدم جواز الرجوع إلى العموم عند الشك في التخصيص أو في مقداره ، بل لابد من الرجوع إلى الاستصحاب.
    إذا عرفت ذلك ، فاعلم : أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى تكليفية ووضعية ، والتكليفية تنقسم إلى الأوامر والنواهي (1).
    أما الأحكام الوضعية : فمصب العموم الزماني فيها ينحصر أن يكون نفس الحكم الوضعي بناء على المختار من أن الأحكام الوضعية بنفسها مجعولة ما عدا السببية والجزئية والشرطية والمانعية ، فإنه على هذا ليس في البين متعلق حتى يمكن أخذه مصبا للعموم الزماني ، لان المتعلق عبارة عن الفعل الذي تعلق به التكليف أمرا أو نهيا ، وأما الأحكام الوضعية : فليس لها متعلقات لكي
1 ـ أقول : الأولى أن يقال : إن الأحكام الوضعية المتعلقة بالأعيان الخارجية بملاحظة عدم قابلية الأعيان للتقطيع في الزمان عرفا لا محيص من كون مصب العموم فيها نفس الحكم ، لا الموضوع. وأما بالنسبة إلى المنافع : فلا قصور في عموم المنفعة زمانا وعدمه ، وحينئذ ففي مثلها لا قصور في جريان ما فرض من الشك في مصب العموم فيه مع تأسيس أصله. ثم بعد فرض كون مصب العموم هو الحكم عند الشك في بقاء الحكم في بقية الأزمنة بعد الجزم بخروج زمان أي مانع عن التمسك بما دل على استمرار هذا الحكم الثابت بدليل آخر لموضوعه في الجملة ، فتدبر.

(549)
يبحث فيها عن مصب العموم الزماني ، فينحصر أن يكون مصب العموم فيها نفس الحكم الوضعي : من الطهارة والنجاسة والملكية والزوجية والرقية وغير ذلك من الاعتبارات العرفية والأحكام الوضعية ، فيكون المرجع عند الشك في التخصيص الزماني فيها هو الاستصحاب.
    ومنه يظهر : عدم جواز التمسك بعموم قوله تعالى : « أوفوا بالعقود » لاثبات فورية الخيار في المعاملات الغبنية ، بل لابد من استصحاب بقاء الخيار في كل زمان شك فيه بعد العلم بثبوته عند ظهور الغبن ، لان مفاد قوله تعالى : « أوفوا بالعقود » ليس وجوب الوفاء به تكليفا وحرمة التصرف فيما انتقل عن المتعاقدين ، بل مفاده لزوم العقد وعدم انفساخه بالفسخ ، فيكون مدلوله حكما وضعيا ، ومصب العموم الزماني فيه نفس لزوم العقد ، وفي مثله لا مجال للتمسك بالعموم.
    فظهر : أنه في الأحكام الوضعية يكون العموم الزماني فيها قيدا لنفس الحكم بناء على كونها متأصلة بالجعل ، بل ولو قلنا : بكونها منتزعة عن التكليف ، كما هو مختار الشيخ ـ قدس سره ـ فان أقصى ما يلزم منه هو إمكان أن يكون مصب العموم الزماني فيها متعلق التكليف ، ولكن مجرد إمكان ذلك لا يقتضي كونه مصب العموم الزماني ما لم يقم دليل على أخذه في ناحية المتعلق ، لما عرفت : من أن الأصل فيما لم يقم دليل على ذلك هو أن يكون مصب العموم نفس الحكم الشرعي ، ومن المعلوم : أنه لم يقم دليل على أخذ العموم الزماني قيدا في ناحية المتعلق في باب الأحكام الوضعية ، فدليل الحكمة تقتضي أن يكون مصبه نفس الحكم الوضعي على المختار أو الحكم التكليفي على مختار الشيخ ـ قدس سره ـ ففي باب الوضعيات لو شك في تخصيص العموم الزماني أو في مقداره لا مجال للرجوع إلى العموم ، بل لابد من الرجوع إلى استصحاب حكم العام في الأول واستصحاب حكم الخاص في الثاني.


(550)
    وأما في باب التكاليف : ففي التكاليف التحريمية يمكن أن يكون مصب العموم الزماني فيها متعلق الحكم ، كما يمكن أن يكون نفس الحكم بعدما كانت التكاليف التحريمية مستمرة في الأزمنة ولها عموم زماني ، فيمكن أن يكون مصب العموم الزماني في مثل قوله : « لا تشرب الخمر » متعلق النهي فيكون الشرب في كل زمان حراما ، ويمكن أن يكون مصب العموم نفس الحكم فتكون حرمة الشرب مستمرة في جميع الأزمنة.
    فعلى الأول : يكون المرجع عند الشك في التخصيص أو في مقداره هو العموم ، فلو شك في حرمة شرب الخمر في زمان المرض أو شك في حرمته في زمان تخفيف المرض بعد العلم بعدم الحرمة في زمان اشتداد المرض يرجع إلى عموم قوله : « لا تشرب الخمر » ولا يجري استصحاب الحرمة في الأول واستصحاب الترخيص في الثاني.
    وعلى الثاني : لا يكون المرجع عند الشك في التخصيص أو في مقداره عموم قوله : « لا تشرب الخمر » بل لابد من استصحاب الحرمة في الأول واستصحاب الترخيص في الثاني.
    وهذا كله مما لا إشكال فيه ، إنما الاشكال فيما هو الصحيح من الوجهين ، فقد يقال : إن مصب العموم الزماني في باب النواهي إنما يكون متعلق النهي بتقريب أن تعلق النهي أو النفي بالطبيعة المرسلة بنفسه يقتضي ترك جميع الافراد العرضية والطولية المتدرجة في الأزمنة ، لا ترك خصوص الافراد العرضية ، فيكون النهي بمدلوله اللفظي يقتضي العموم الزماني ، وقد تقدم : أن دليل الحكم إنما يمكن أن يتكفل لبيان العموم الزماني المأخوذ في ناحية المتعلق ولا يمكن أن يتكفل لبيان العموم الزماني المأخوذ في ناحية الحكم ، فإذا كان قوله : « لا تشرب الخمر » بنفسه يدل على العموم الزماني ، فلابد وأن يكون مصب العموم الزماني شرب الخمر ، لا الحرمة.


(551)
    هذا ، ولكن يمكن أن يقال : إن النهي أو النفي بنفسه لا يدل على أزيد من ترك الافراد العرضية ، وأما ترك الافراد الطولية : فهو إنما يستفاد من دليل الحكمة وإطلاق النهي (1) وقد تقدم : أنه إذا استفيد العموم الزماني من دليل الحكمة فلابد وأن يكون مصبه نفس الحكم الشرعي ، لا متعلقه.
    وقد اختلفت كلمات شيخنا الأستاذ ـ مد ظله ـ في ذلك ، ففي الفقه ـ عند البحث عن خيار الغبن ـ رجح عدم دلالة النهي والنفي على ترك الافراد الطولية وإنما يستفاد العموم الزماني بالنسبة إلى الافراد الطولية من دليل الحكمة ، وفي الأصول توقف في ابتداء الامر ولم يرجح أحد الوجهين ، ولكن أخيرا مال إلى أن النهي إنما يتعلق بالقدر المشترك بين الافراد العرضية والطولية المتدرجة في الزمان ، سواء كان للنهي تعلق بالموضوع الخارجي كالنهي عن شرب الخمر ، أو لم يكن له تعلق بالموضوع الخارجي كالنهي عن الغناء ، غايته أنه في الأول يدوم النهي بدوام وجود الموضوع خارجا ، وفي الثاني يكون دوامه ببقاء المكلف على شرائط التكليف ، فليس النهي بمدلوله اللفظي يدل على العموم الزماني.
    وقد حكي عن الأصحاب : أن بنائهم على التمسك بالاستصحاب في موارد الشك في التخصيص الزماني أو في مقداره ، وكأنهم جعلوا مصب العموم الزماني نفس الحكم لا متعلقه ، فتأمل في المقام فإنه بعد يحتاج إلى زيادة بيان.
    ثم لا يخفى عليك : أنه لو بنينا على أن النهي بمدلوله اللفظي يدل على العموم الزماني وأن مصب العموم هو المتعلق ، فالتمسك به في موارد الشك في التخصيص أو في مقداره إنما يصح إذا كان لدليل الحكم إطلاق بالنسبة إلى الحالات والطواري اللاحقة للمكلف : من المرض والصحة والاختيار
1 ـ أقول : لا يخفى بأنه ليس في هذه الكلمات إلا مصادرات محضة ، ولعلها من اجتهادات المقرر.

(552)
والاضطرار ونحو ذلك ، فلو لم يكن لدليل الحكم إطلاق بالنسبة إلى الطواري لا يصح التمسك بالعموم الزماني إذا شك في حرمة المتعلق عند عروض بعض الطوري ، بل لابد من الرجوع إلى الاستصحاب ، فان العموم الزماني إنما يكون في طول العموم الافرادي والأحوالي ، فالعموم الزماني إنما ينفع إذا كان الشك متمحضا من حيث الزمان ، فإذا كان لدليل الحكم إطلاق بالنسبة إلى الافراد والأحوال كان المرجع عند الشك في التخصيص الزماني هو العموم. ولا يتوهم : أن العموم الزماني يغني عن الاطلاق الأحوالي ، بل نحتاج في رفع الشك إلى كل منهما ، وذلك واضح. وهذا كله في التكاليف التحريمية.
    وأما التكاليف الوجوبية : فما كان منها من الأصول الاعتقادية كقوله تعالى : « آمنوا بالله ورسوله » (1) فيمكن أيضا أن يكون مصب العموم الزماني فيها نفس الوجوب ، ويمكن أيضا أن يكون مصب العموم متعلق الحكم ، ولا يترتب على الوجهين ثمرة عملية ، لأنه لا يحصل الشك في التخصيص الزماني فيها ، وعلى فرض حصوله فلا يجري فيها الاستصحاب ، لأنه يعتبر فيها عقد القلب والاعتقاد ، والاستصحاب لا يوجب ذلك.
    وما كان منها من الفروع الدينية : كقوله تعالى : « يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة » (2) وكقوله تعالى : « كتب عليكم الصيام » (3) وغير ذلك من الاحكام الوجودية ، فان كان للزمان دخل في ملاك الحكم والمصلحة التي اقتضت تشريع الوجوب ـ كالصوم ـ فلا إشكال أيضا في صحة كون العموم الزماني قيدا للحكم ، فيكون وجوب الصوم مثلا مستمرا من الطلوع إلى الغروب ، ويمكن كونه قيدا للمتعلق ، فيكون الامساك من الطلوع إلى الغروب
1 ـ النساء : 136.
2 ـ لم نعثر عليه
3 ـ البقرة : 183.


(553)
واجبا ، فان كان في البين قرينة على كونه قيدا للمتعلق فهو ، وإلا فلابد وأن يكون قيدا للحكم ، كما تقدم.
    وتظهر الثمرة بين الوجهين : في وجوب الامساك في بعض النهار مع العلم بعدم تعقبه بالامساك في بقية النهار لاختلال بعض شرائط التكليف ، كما لو علمت المرأة أنها تحيض في آخر النهار ، أو علم المكلف أنه يسافر قبل الزوال
    فإنه لو كان الاستمرار قيدا للطلب : فمقتضى القاعدة وجوب الامساك في جزء من النهار ولو مع العلم بعدم تعقبه بسائر الاجزاء (1) ومع المخالفة تجب الكفارة ، لان الطلب محفوظ ما دامت الشرائط موجودة ، ولا عبرة بفقدانها في آخر النهار بعدما كان المكلف واجدا لها في أول النهار ، فان وجوب الامساك في كل جزء من أجزاء النهار تابع لدليل الحكم ، فإذا دل الدليل على استمرار الحكم في جميع أجزاء النهار ، فمعناه « أنه يجب الامساك في كل جزء من النهار إذا كان المكلف واجدا للشرائط » فلا يتوقف وجوب الامساك في أول النهار على وجوبه في آخر النهار ، فإنه لا معنى لاشتراط الحكم في أول النهار بتعقبه بالحكم في آخر النهار ، هذا إذا كان الاستمرار قيدا للطلب.
1 ـ أقول : لو قلنا في الصوم : إن العموم الزماني مأخوذ فيه قيدا بنحو ما أفاد سابقا : من العموم المجموعي لا الافرادي ، فلا مجال له من اخذ هذه الثمرة ، لان الحكم في كل زمان ملازم مع الحكم في الزمان الآخر ، فمع العلم بانتفائه في زمان ينتفي الحكم في البقية. نعم : لو كان العموم مأخوذا فيه بنحو الاستغراق صح ما أفيد ، ولازمه ـ مضافا إلى عدم الفرق من هذه الجهة بين كون الزمان قيدا للطلب أو المطلوب ـ استحقاق المكلف بترك صومه عقوبات متعددة وكون تكليفه بالصوم انحلاليا ، بل ولازمه عدم قصد القربة في الصوم بأمر وحداني متعلق به ، ولا أظن التزامه من أحد. ثم في التزامه شرطية التعقب في جميع الاجزاء الارتباطية التدريجية من الغرائب ! كيف ! ولازم الارتباطية كون الاحكام الضمنية المتعلقة بالاجزاء متلازمات الوجود ثبوتا وسقوطا بلا احتياج فيها إلى الالتزام بالشرط المتأخر كي نعالج الفاسد باعتقاده بالأفسد. وأعجب منه !! التزامه في المقام بوجوب تمام الامساك إلى الغروب ، مع أنه ينافي مع إنكاره الواجب التعليقي ، فتدبر.

(554)
    وإن كان الاستمرار قيدا للمطلوب ـ وهو الامساك ـ فلازمه أن يكون وجوب الامساك إلى الغروب فعليا من أول الطلوع ، لأنه مع عدم فعليته لا يجب الامساك من أول الطلوع ، فوجوب الامساك في أول الطلوع لا يمكن إلا إذا كان التكليف بالامساك إلى الغروب فعليا من أول الطلوع ، ولازم فعليته ـ مع كون المطلوب أمرا مستمرا إلى الغروب ـ هو أن يكون الشرط في صحة الامساك في أول الطلوع تعقبه بالامساك في بقية النهار جامعا لشرائط التكليف ، وهذا المعنى من الشرط المتأخر لا محيص عنه في جميع أجزاء المركبات الارتباطية ، كما تقدم الكلام فيه في الجزء الأول من الكتاب. فلو علم المكلف بعدم تعقب الامساك في أول النهار بالامساك في بقية النهار لاختلال شرائط التكليف في أثناء النهار ، فمقتضى القاعدة عدم وجوب الامساك في أول النهار وعدم وجوب الكفارة عليه مع عدم الامساك قبل اختلال الشرائط ، فلابد من قيام دليل على وجوب الامساك والكفارة عند تركه مع العلم بعدم تعقب الامساك في أول النهار بالامساك في بقية النهار لاختلال شرائط التكليف ، فتأمل جيدا.
    هذا إذا كان للزمان دخل في المصلحة والملاك. وإن لم يكن للزمان دخل في ذلك ، كالصلاة بالنسبة إلى الأزمنة التي تكون ظرفا لايقاعها ، فقد يتوهم : أن العموم الزماني لا يمكن أن يكون قيدا للحكم ، فان استمرار الحكم في جميع الأزمنة يقتضي اشتغال المكلف بالصلاة مثلا في كل زمان.
    ولا يخفى ضعفه ، فان استمرار الحكم إنما يعتبر في الأزمنة التي تكون ظرفا لايجاد المتعلق فيها ، فإذا فرض أن ظرف إيجاد الصلاة بحسب الجعل الشرعي كان في أول زوال الشمس وفي العصر والمغرب والصبح كذلك ، فمعنى استمرار الحكم هو بقاء وجوب الصلاة في جميع الأيام في تلك الأوقات ، وعدم اتصال أزمنة امتثال الصلوات لا يضر باتصال الحكم واستمراره في أزمنة إيجاد المتعلق ،


(555)
ففي باب الصلاة أيضا يمكن أن يكون مصب العموم الزمني نفس الحكم ، ويمكن أن يكون المتعلق.
    وتظهر الثمرة بين الوجهين : فيما إذا خرج المقيم عن بلد الإقامة من دون أن يعزم على إنشاء سفر جديد وقلنا : بأن الإقامة قاطعة للسفر حكما لا موضوعا ، فإنه لو كان العموم الزماني ظرفا للحكم وكان وجوب القصر على المسافر مستمرا إلى أن ينقطع سفره ، فعند الشك في وجوب القصر أو التمام في مدة خروجه عن بلد الإقامة قبل إنشاء سفر جديد يرجع إلى استصحاب وجوب التمام الذي كان ثابتا في حال الإقامة قبل الخروج عن بلدها. ولو كان العموم الزماني ظرفا للمتعلق وكان القصر في كل صلاة رباعية في جميع أزمنة السفر واجبا ، ففي المثال يرجع إلى العموم ويجب عليه القصر ، فان المقدار المتيقن في تخصيص العموم هو ما دام كونه في بلد الإقامة ، فإذا خرج عن بلد الإقامة يجب عليه القصر (1).
    نعم : لو قلنا : بأن الإقامة قاطعة للسفر موضوعا ـ كما هو أقوى الوجهين فيها ـ فالواجب هو التمام ما لم ينشأ سفرا جديدا ، سواء كان الزمان ظرفا للحكم أو للمتعلق ، وذلك واضح.
    وكذا الكلام فيمن رجع عن قصد المعصية في أثناء السفر ولم يكن الباقي قدر المسافة ، ففي وجوب القصر أو التمام عليه وجهان : مبنيان على أن أزمنة السفر اخذت ظرفا للحكم أو للمتعلق ، فعلى الأول ، يجب عليه التمام ، لاستصحاب حكم الزمان الذي كان قاصدا فيه المعصية. وعلى الثاني : يجب عليه القصر ، لعموم ما دل على وجوب القصر في كل صلاة ما دام في السفر ، والقدر المتيقن خروجه عن العموم هو ما دام كونه قاصدا للمعصية. والمسألة
1 ـ أقول : بعدما عرفت من بطلان المبنى ، لا مجال للتكلم في أمثال هذه الفروع. وربما نوفق لتوضيح الكلام في باب الإقامة والرجوع عن المعصية بأحسن من ذلك.
فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: فهرس