كما اختلف المؤرخون في ولادته ومحلها، فقد اختلفوا في سنة وفاته ، ويومها
دون محلها .
**
اذ من الثابت أنها كانت في أصفهان ، في الثاني عشر او الثامن عشر من
شهر شوال .
**
أما السنة فهناك أقوال خمسة هي :
1 ـ أنها كانت سنة 1029، ومستنده التاريخ الذي صنعه الشيخ صالح
البحراني ، المعاصر للسيد الجزائري وهو:
ويدفعه وجود نسخة من الإثني عشريات الخمس بخط تلميذه محمد
هاشم الاتكاني فرغ منها في شوال 1029، وعليها إجازة للشيخ البهائي في العشر
الأوسط من أول ربيعي1030، وفى اخر الصلاتية بلاغ مؤرخ في العشر الأول من
شهررجب من عام 1030(2).
2 ـ كونها سنة 1030، وهو المنقول عن جمع ، منهم تلميذه ومصاحبه السيد
حسين بن السيد حيدر بن الحسيني الكركي حيث يقول على ما حكي عنه :
«وتوفى قدس الله روحه - الشيخ البهائي - في أصفهان في شهر شوال سنة ألف
وثلاثين وقعت رجوعنا من زيارة بيت الله الحرام » (3) .
وقد تساءل المحقق الحجة السيد المهدي من ال الخرسان في مقدمته عن
هذه الزيارة وماهيتها قائلاً:
«أهي عمرة رمضانية؟ أم هي حج ؟ ولا يكون الرجوع منه في شوال .
أم أنها كانت في سنة 1029 ولم يصرح به أحد»؟(1) .
والذي يبعد احتمال سفر الشيخ أساساً هو ما عثرعليه من كتب كان
أوقفها على الروضة المقدسة الرضوية، وإجازات أجازها لتلامذته وغيرهم في هذه
الفترة وهي اواخرسنة 1029 وأوائل 1030 .
نعم عود الضمير في قول السيد الكركي «رجوعنا» كان سبباً في عدم
وضوح الكلام إذ اخذ متكلماً مع الغير.
ولكن أخذه للمتكلم لوحده بقصد التعظيم - ولا مانع منه إذا عرف مقام
المتكلم - يصير الزيارة زيارته هو، ولا بد أنها كانت سنة 1029 فيصح ما نقل
عنه .
ويؤيده ما ذكره الخواساري في روضاته : من أنه راى في بعض التعليقات
القديمة على كتاب توضيح المقاصد للشيخ البهائي أنه توفي ثاني عشر شوال سنة
1030 وتاريخه بالفارسية :
وممن ذهب إلى أنها في سنة 1030 تلميذه المولى المجلسي الأول حيث
يقول : ومات سنة 1030 في اصفهان ونقل جثمانه إلى مشهد الامام الرضا(3) .
والشيخ القمي في هديته وضبطه بقوله : «تلخ » (4).
والنصر ابادي في تذكرته (5) .
اترك من كلمة «شرع » الرأس إشارة الى حرف الشين ، والرجل إشارة الى حرف العين ، وأفسر أي
اترك الفاء من كلمة فضل فالباقي من الأول الراء وهي (200) والضاد واللام وهما (830)
فالمجموع 1030 . أمل الآمل 25 | 1 ت .
وبه جزم جمع منهم محمد قاسم بن مظفر المنجم المعاصرللشيخ البهائي في
كتابه التنبيهات (1) .
والمنشىء في كتابه تاريخ عالم آرا، حيث ضبط الوفاة في حوادث عام
1030 وقال ماترجمته : (توفى يوم الثلاثاء 12 شوال سنة 1030) ، ولكنه بعيد
ذلك ينقل تاريخين :
أحدهما ، بعد حسابه يكون 1030 ، وهو التاريخ الذي صنعه محمد صالح
ابن اخ المنشىء وهو: (أفسوس زمقتداي دوران )- والثاني : 1031(2) وهوإما
غفلة أو ليظهر الترديد، ومنه بعيد.
والتفرشي في نقده (3).
3 ـ أنها كانت سنة1031. واليه مال جمع منهم المحبي في خلاصته (4)
والسيد المدني في سلافته وحدائقه (5) واقدم منهما معاصر الشيخ وتلميذه
نظام الدين الساوجي متمم الجامع العباسي (6) . ومن هنا يتصف هذا القول بنحو
من القوة والشيخ يوسف البحراني في لؤلؤته (7) وآخرون .
ويؤيده التاريخ الذي وضعه اعتماد الدولة ميرزا ابوطالب حيث يقول :
فيه : (شيخ بهاء الدين واي ) (1) ، وبحسابه الأبجدي يكون 1031 . وهو الظاهر من
زبدة المقال وشرحها حيث جاء فيها:
واليه مال القمي في كناه (3) والشيخ الطهراني في مصفى المقال (4).
4 ـ أنها كانت سنة 1032 واليه ذهب صاحب رياض العارفين (5) .
5 ـ كونها سنة1035 وقد نسبه في الأمل الى مشايخه (6) ، وهو بعيد.
وقد نقل في الروضات عن الأمل أنه سمع من المشايخ أنها كانت سنة ثلاثين بعد
الألف (7) ، ولعله في الأمل من تصحيفات النسخة ومنه سرت الى الباقين (8) .
وعلى أية حال فان المعتمد المشهور هو القول الثاني ، أي أن وفاة الشيخ
قدس سره كانت سنة 1030 ، لقوة القرائن والمصادر الذاهبة إليه المعاصرة له .
عمره الشريف :
وأما سني عمره الشريف فهي بعد ذلك معلومة، اذ هي على المختار 77
سنة .
بناء على أن ولادته كانت سنة 953 كما هو الحق المشهور.
وأما بناء على أنها سنة 951 فيكون عمره الشريف : 79 سنة .
**
ومهما يكن من أمر- كما عرفت - فإن الشيخ لبى نداء ربه الكربم في
مدينة أصفهان . . يصف الشيخ المولى المجلسي الأول الصلاة عليه قائلاً: «تشرفت
بالصلاة عليه في جميع الطلبة والفضلاء وكثير من الناس ، يقربون من خمسين ألف »(1).
**
ونقل جثمانه الشريف الطاهرإلى مرقده الأخير في مشهد الإمام الرضا عليه
الاف التحية والثناء، ليدفن في داره المجاورة للحرم الشريف وتصبح فيما بعد جزءاً منه
كماهوالمشاهد اليوم ، حيث يمرمن عنده آلاف الزائرين مترحمين على ذلك الذي
كان امة لوحده . . امة في كل شيء .
فسلام عليه يوم ولد، ويوم مات ، ويوم يبعث حياً
وليكن هذا آخرما نورده في هذه المقدمة، والحمد لله رب العالمين أولاً
وآخراً و باطناً وظاهراً، وصلى الله على سيدنا محمد النبي واله الطيبين الطاهرين .
*
*
اعتمدت في عملي على نسخة الأصل ، التي هي بخط المصنف قدس سره ،
والتي أرشدني إليها سماحة العلامة المتتبع السيد عبدالعزيز الطباطبائي دام مجده
مشكوراً، بعد أن كدت أتيه في بحر اختلافات أربع نسخ - محفوظة في خزانة المكتبة
الرضوية العامرة- لما في الرسالة من بحوث في الهيئة، وغيرها، مما تحتاج إلى
مقدمات لاتعزب عن القارئ المطلع ، ولما فيها من أخطاء.
والنسخة المعتمدة محفوظة في خزانة المكتبة المركزية لجامعة طهران العامرة
برقم (1) ،فاعتمدتها أصلأ للعمل ،كما هوالمتبع مع نسخة المصنف لدى
العثور عليها عادة .
والنسخة هي بطول 31 سنتمتر، وعرض 5 | 20 سنتمتر، وتحوي كل
صفحة 21 سطرا، و15 كلمة في كل سطرتقريبا. ومجموعها 33 ورقة .
وخطها نسخ وتاريخها سنة 1003 .
وهي السنة الي تشرف فيها لزيارة العتبات المقدسة في العراق وكان في
هذا التأريخ في مدينة الكاظمية المقدسه لزيارة مرقد الامامين الكاظمين
عليها السلام .
وكان عملي فيها كالآتي :
1 ـ توزيع النص و ضبطه بصورة صحيحة كما يراه القارئ العزيز.
2 ـ توزيع الأعلام الواردة في الرسالة .
3 ـ شرح ما لعله بحاجة إلى شرح .
4 ـ إثبات جميع ما على النسخة من هوامش في محلها.
5 ـ إرجاع الأقوال إلى المصادر المنقولة عنها.
6 ـ إرجاع الأحاديث إلى المصادرالحديثة الام .
7 ـ الاشارة إلى موارد الآيات الكريمة.
8 ـ عمل الفهارس الفنية اللازمة للرسالة .
وأنا أختم مقدمتي هذه أرى لزاماً علي أن أشكر الذوات الذين ساعدوني
في عملي هذا، ومنهم :
سماحة اية الله الشيخ حسن حسن زاده الاملي ، على مراجعته الكتاب
ونقده له .
فضيلة الأخ الكبير الاستاذ أسد مولوي ، لما لمست لديه من طيبة ومحبة،
حيث كان لي خيرمعين ومرشد في مراحل العمل .
ولما تبذله مؤسسة ال البيت -عليهم السلام - لاحياء التراث من جهود
مشكورة في مجال عملها الذي لايعلم بما تتحمله في سبيل أداء رسالتها إلآ الله العلي
القدير.
ولما بذلته لكي ترى هذه الرسالة النور.
فلها مني ومن كل المعنيين بتراث أهل البيت عليهم السلام جميل الشكر
والتقدير.علي بن ابراهيم الخراساني
نحمدك يا من أطلع في فلك الهداية شمس النبوة ، وقمر الولاية ، ونصلي
على قطب مداره واله ، أهلة سماء الإهتداء ، ونسلم تسليماً كثيراً. وبعد :
فيقول أقل الخلائق محمد المشتهر بهاء الدين العاملي عامله الله بإحسانه :
هذه الحديقة الثالثة والأربعون من كتابنا الموسوم بحدائق الصالحين في شرح
صحيفة مولانا وإمامنا قبلة أهل الحق واليقين علي بن الحسين زين العابدين سلام
الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ، تتضمن شرح الدعاء الثالث والأربعين ، وهو
دعاؤه عليه السلام عند الاستهلال أمليتها مع وفور الملال ، لتوزع البال ،
واختلال الحال ، راجياً من الله تعالى أن يوفقني لإكمال بقية الحدائق ، إنه مفيض
الخير وملهم الحقائق .
**
سمي هلالاً لجريان عادتهم برفع الأصوات عند رؤيته ، مأخوذ من
الإهلال ، وهو رفع الصوت ، ومنه قولهم : أهل المعتمر ، إذا رفع صوته
بالتلبية ، واستهل الصبي إذا صاح عند الولادة .
**
وقد اضطربوا في تحديد الوقت الذي يسمى فيه بهذا الاسم ، فقال في
**
وزاد صاحب القاموس فقال [4 | أ] : الهلال غرة القمر ، أو إلى ليلتين ، أو
إلى ثلاث ، أو إلى سبع ، ولليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع
وعشرين ، وفي غيرذلك قمر(2) . إنتهى .
**
قال الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي (3) نور الله مرقده - في تفسيره الموسوم
بمجمع البيان عند قوله تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت
للناس والحج) (4)- : اختلفوا في أنه إلى كم يسمى هلالاً ، وإلى كم يسمى
قمراً؟.
فقال بعضهم : يسمى هلالاً لليلتين من الشهر ، ثم لا يسمى هلالاً إلى
أن يعود في الشهر الثاني .
وقال آخرون : يسمى هلالاً ثلاث ليال ، ثم يسمى قمراً.
وقال اخرون : يسمى هلالاً حتى يحجر ، وتحجيره أن يستدير بخيط
دقيق ؛ وهذا قول الأصمعي (5) .
=
وقال بعضهم : يسمى هلالاً حتى يبهر ضوؤه سواد الليل ، ثم يقال
قمراً ، وهذا يكون في الليلة السابعة(1) . إنتهى كلامه زيد إكرامه.
ولا يخفى أن قوله - وهذا يكون إلى آخره - يخالف بظاهره (2) قول صاحب
القاموس « أو إلى سبع » ، ووجه التوفيق بينهما غيرخفي (3) .
**
قالوا : وإنما يسمى بعد الهلال قمراً لبياضه ، فإن الأقمر هو الأبيض (4) .
وقيل : لأنه يقمر الكواكب ، أي يغلبها بزيادة النور.
ويسمى في الليلة الرابعة عشرة بدراً ، قال في الصحاح : سمي بذلك
لمبادرته الشمس في الطلوع كأنه يعجلها المغيب (5).
وقال بعضهم : سمي بدراً لكماله ، تشبيها له بالبدرة الكاملة وهي عشرة
آلاف درهم (6) .
**
لا ريب في استحباب الدعاء عند رؤية الهلال ، تأسياً بالنبي صلى الله عليه
واله ، وقد فعله أمير المؤمنين عليه السلام ، والأئمة من ولده سلام الله
عليهم(1) [4 | ب]
**
وذهب ابن أبي عقيل (2) رحمه الله إلى وجوب الدعاء عند رؤية هلال شهر
رمضان (3) .
وهو قول نادر لا نعلم له فيه موافقاً ، وربما حمل قوله بالوجوب على إرادة
تأكيد الاستحباب صوناً له عن مخالفة الجمهور.
**
والدعاء الذي أوجبه هو هذا :
« الحمد لله الذي خلقتي وخلقك ، وقدر منازلك ، وجعلك
مواقيت للناس ؛ اللهم أهله علينا إهلالاً مباركاً ؛ اللهم أدخله علينا
بالسلامة والإسلام ، واليقين والإيمان ، والبر والتقوى ، والتوفيق لما
**
وكانه - قدس الله روحه - وجد الأمر بهذا الدعاء في بعض الروايات فحمله
على الوجوب ، كما هو مقرر في الاصول ، ولم يلتفت إلى تفرده بين الأصحاب
رضوان الله عليهم بهذا الحكم .
وهذا كحكمه - رحمه الله - بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة ما لم
يتغير(1) ، ولا يعرف به قائل ، من أصحابنا رضي الله عنهم ، سواه .
وحسن الظن به -أعلى الله قدره - يعطي أنه لم ينعقد في عصره إجماع على
ما يخالف مذهبه في المسألتين ، أو أنه انعقد ولم يصل إليه ، والله أعلم بحقيقة
الحال .
يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالاً ، والأولى عدم تاخيره عن
الأولى ، عملاً بالمتيقن المتفق عليه لغة وعرفاً . فإن لم يتيسر فعن الثانية ؟ لقول
أكثرأهل اللغة بالامتداد إليها ؛ فإن فاتت فعن الثالثة ؛ لقول كثير منهم بانها آخر
لياليه .
**
وأما ما ذكره صاحب القاموس ، وشيخنا الشيخ أبو علي رحمه الله - من
اطلاق الهلال عليه إلى السابعة -(2) فهو خلاف المشهور لغة وعرفاً ، وكأنه مجاز ،
من قبيل إطلاقه عليه في الليلتين الأخيرتين ، والله أعلم .
حكم العلامة(1) - أعلى الله مقامه - باستحباب الترائي للهلال ليلتي
الثلاثين من شعبان وشهررمضان على الأعيان ، وبوجوبه فيهما على الكفاية .
**
واستدل - طاب ثراه على الوجوب - بان الصوم [5 | ] واجب في أول شهر
رمضان ، وكذا الإفطار في العيد ، فيجب التوصل إلى معرفة وقتهما ، لأن ما لا
يتم الواجب إلا به فهو واجب (2) . هذا كلامه زيد اكرامه .
**
وأقول : للبحث فيه مجال ، لأنه إنما يجب صوم ما يعلم أو يظن أنه من
شهر رمضان ، لا ما يشك في كونه منه ، وهكذا إنما يجب إفطار ما يعلم أو يظن
أنه العيد ، لا ما يشك في أنه هو(3) ، كيف والأغلب في الشهر أن يكون
تاماً(4) ، كما يشهد به التتبع ؟! .
الأدعية المأثورة عند النظر إلى الهلال كثيرة ، فبعضها يعم كل الشهور ،
وبعضها يختص بشهر رمضان .
فمن القسم الأول :
**
ما رواه الشيخ الصدوق ، عماد الإسلام ، محمد بن علي بن بابويه (1) رحمه
الله في كتاب من لا يحضره الفقيه ؛ ورواه أيضا شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد بن
الحسن الطوسي(2) عطر الله تربته ، في كتاب تهذيب الأخبار ، ومصباح المتهجد ،
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : « إذا رأيت الهلال فلا تبرح ، وقل :
( اللهم إني أسألك خير هذا الشهر ، وفتحه ونوره ، ونصره ،
وبركته ، وطهوره ورزقه ؛ وأسألك خير ما فيه وخير ما بعده ، وأعوذ
=
**
ومنه ما رواه الشيخ الصدوق أيضاً ، في كتاب عيون أخبار الرضا
عليه السلام ، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « كان رسول الله صلى الله
عليه وآله إذا رأى الهلال قال : « أيها الخلق المطيع ، الدائب السريع ،
المتصرف في ملكوت الجبروت بالتقدير ، ربي وربك الله . أللهم أهله
علينا بالأمن والإيمان ، والسلامة والإسلام والإحسان ، وكما بلغتنا
أوله فبلغنا آخره ، واجعله شهرا مباركا ، تمحو فيه السيئات ، وتثبت
لنا فيه الحسنات ، وترفع لنا فيه الدرجات ، يا عظيم الخيرات )
»(2) .
**
ومنه ما أورده السيد الجليل الطاهر ، ذو المناقب والمفاخر ، رضي الدين
علي بن طاووس (3) قدس الله نفسه ، ونور رمسه ، في كتاب الزوائد
=
**
ومنه ما أورده أيضا في الكتاب المذكور وهو أن يقول عند رؤيته :
« الله أكبر - ثلاثا - ربي وربك الله لا إله إلا هو رب العالمين ،
ثم إن ما نسبه صاحب الروضات الى الشيخ البهائي من نسبته الكتاب الى الابن في الحديقة الهلالية
فهو كما ترى . ولا أعلم كيف استفاد ذلك من هذه العبارة الصريحة .
ومن القسم الثاني :
**
ما رواه ركن الملة ، ثقة الإسلام ، محمد بن يعقوب الكليني (2) -سقى الله
ضريحه صوب الرضوان - في كتاب الكافي ؛ ورواه آية الله العلآمة طاب ثراه في
التذكرة ، ومنتهى المطلب ؛ عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر
عليهم السلام قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أهل شهررمضان
استقبل القبلة ورفع يديه فقال : ( اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان ،
والسلامة والإسلام والعافية المجللة ، والرزق الواسع ، ودفع
الأسقام ؛ اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه ، وسلمه لنا ،
**
ومنه ما أورده الشيخ الصدوق طاب ثراه في كتاب من لا يحضره الفقيه
أيضا ، نقلا عن أبيه رضي الله عنه في الرسالة - وذكر السيد الجليل الطاهر
المشار إليه [7 | ] أنه مروي عن الصادق عليه السلام - قال : إذا رأيت هلال
شهر رمضان فلا تشر إليه ، ولكن استقبل القبلة وارفع يديك إلى الله عز وجل
وخاطب الهلال ، وقل : « ربي وربك الله رب العالمين ؛ اللهم أهله علينا
بالأمن والإيمان ، والسلامة والإسلام ، والمسارعة إلى ما تحب وترضى ؛
اللهم بارك لنا في شهرنا هذا ، وارزقنا عونه وخيره ، واصرف عنا
ضره وشره ، وبلاءه وفتنته » (2) .
يستفاد من هذه الروايات بعض الآداب التي ينبغي مراعاتها حال قراءة
الدعاء عند رؤية الهلال :
فمنها : أن تكون قراءة الدعاء قبل الانتقال من المكان الذي رأى فيه
الهلال ، كما تضمنته الرواية الأول ، فإن قوله عليه السلام « لا تبرح » أي لا تزل
عن مكانك الذي رأيته فيه (3).
ومنها : استقبال القبلة حال الدعاء ، كما تضمنه الحديث المروي عن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان يفعل ذلك (4) .
ومنها : رفع اليدين إلى الله عز وجل وقت قراءة الدعاء ، كما تضمنه
الحديثان الأخيران (5).
ولا خصوصية لهذين الأمرين بهلال شهر رمضان ، وإن تضمن الخبران أن
فعل النبي صلى الله عليه واله ذلك كان في هلاله ، وكذلك أمر الصادق
عليه السلام بذلك ، بل لا خصوصية لهما بدعاء الهلال ، فانهما يعمان كل
دعاء [ 8| ] .
ومنها : أن لا يشير إلى الهلال بيده ولا برأسه ، ولا بشيء من جوارحه ،
كما تضمنته الرواية الأخيرة(1) ، ولعل هذا أيضا غيرمختص بهلال شهر رمضان .
ومنها : أن يخاطب الهلال بالدعاء ، ولعل المراد خطابه بما يتعلق به من
الألفاظ ، نحو « ربي وربك الله رب العالمين » وكأول الدعاء الذي أوجبه ابن أبي
عقيل رحمه الله (2) ، وكاكثرألفاظ هذا الدعاء الذي نحن بصدد شرحه .
**
وقد يظن التنافي بين مخاطبة الهلال واستقبال القبلة في البلاد التي قبلتها على
سمت المشرق .
وليس بشيء ، لأن الخطاب ليس إلا توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ،
وهو لا يستلزم مواجهة المخاطب واستقباله ، إذ قد يخاطب الإنسان من هو
وراءه .
ويمكن أن يقال : استقبال الداعي الهلال وقت قراءة ما يتعلق بمخاطبته من
فصول الدعاء ، واستقبال القبلة في الفصول الأخر .
وأما رفع اليدين فالظاهر أنه في جميع الفصول ، وإن كان تخصيصه بما عدا
الفصول المخاطب بها الهلال غير بعيد ، والله أعلم .
قد عرفت أنه يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا ، ولو قيل
بامتداد ذلك إلى ثلاث ليال لم يكن بعيدا ، فلو نذر قراءة دعاء الهلال عند
ولو رآه يوم الثلاثين فلا وجوب على الظاهر لعدم تسميته حينئذ هلالا .
وما في حسنة حماد بن عثمان (1) -عن الصادق عليه السلام من إطلاق إس
الهلال عليه قبل الغروب (2) - لعله مجاز ، إذ الأصل عدم النقل .
**
ولو لم يره حتى مضت الثلاث فاتفق وصوله إلى بقعة شرقية هو فيها هلال
فرآه هناك لم يبعد القود بوجوبه عليه حينئذ ، كما لا يبعد القول بوجوب الصوم
على من رأى هلال شهر رمضان فصام ثلاثين ثم سافر إلى بلد مضى فيه من شهر
رمضان تسعة وعشرون ولم ير فيه الهلال ليلة الثلاثين ، وهو مختار العلامة طاب
ثراه في القواعد(3) .
وقد استدل عليه - ولده فخر المحققين (4) رحمه الله في الإيضاح بأن
=
وأقول : فيه بحث ، فإن من اعتبر موضعاً كان يسكنه لم يعتبره من حيث
سبق سكناه فيه ، بل من حيث رؤيته الهلال فيه سابقأ ، فكلفه العمل بمقتضى
تلك الرؤية ، فمن أين يلزمه وجوب الصوم على الغائب عن بلده برؤية غيره
الهلال فيه ؟! فتأمل .
تحقق أمثال هذه المسائل المبنية على تخالف الآفاق في تقدم طلوع الأهلة
وتأخرها ظاهر ، بناء على ما ثبت من كروية الأرض ، والذين أنكروا كرويتها فقد
أنكروا تحققها ، ولم نطلع لهم على شبهة في ذلك فضلا عن دليل.
**
والدلائل الآتية المذكورة في المجسطي (2) - وغيره - شاهدة بكرويتها ، وان
كانت شهادة الدليل اللمي المذكور في الطبيعي مجروحة [9 | ب].
**
وقد يتوهم أن القول بكرويتها خلاف ما عليه أهل الشرع ، وربما استند
ببعض الآيات الكريمة كقوله تعالى : (الذي جعل لكم الأرض