|
|||
|
كفاية الأصول
تأليف
الاستاذ الاعظم المحقق الكبير الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني ( قدس سره ) تحقيق
مؤسسة آل البيت عليهم السلم لاحياء التراث (2)
(3)
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم يا من أضاء على مطالع العقول والالباب وأنار عليها بسواطع السنة والكتاب ، فأحكم الفروع بأصولها في كل باب ، ونصلي على أفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب ، وعلى آله الطاهرين الاطياب ، سيما المخصوص بالاخوة سيد أولي الالباب.
ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول وآل الرسول فاغفر لنا ذنوبنا ، وقنا سوء الحساب ، واللعنة على أعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب. وبعد : فالعلم على تشعب شؤونه ، وتفنن غصونه ، مفتقر إلى علم الاصول افتقار الرعية إلى السلطان ، ونافذ حكمه عليها بالوجدان ، ولا سيما العلوم الدينية ، وخصوصا الاحكام الشرعية ، فلولا الاصول لم تقع في علم الفقه على محصول. فيه استقرت قواعد الدين ، وبه صار الفقه كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين ، فلذا بادر علماء الامصار ، وفضلاء الاعصار ـ في كل دور من الادوار ـ إلى تمهيد قواعده ، وتقييد شوارده ، وتبيين ضوابطه ، وتوضيح روابطه ، وتهذيب أصوله ، وإحكام قوانينه ، وترتيب فصوله. لكنه لما فيه من محاسن النكت والفقر ، ولطائف معان تدق دونها الفكر ، جل عن أن يكون شرعة لكل وارد ، أو أن يطلع على حقائقه إلا واحد (4)
بعد واحد ، فنهض به من أولي البصائر كابر بعد كابر ، فلله درهم من عصابة تلقوا وأذعنوا ، وبرعوا فأتقنوا ، وأجادوا فجادوا ، وصنفوا وأفادوا ، أثابهم الله برضوانه وبوأهم بحبوحات جنانه.
حتى انتهى الامر إلى أوحد علماء العصر ، قطب فلك الفقاهة والاجتهاد ، ومركز دائرة البحث والانتقاد ، الطود الشامخ ، والعلم الراسخ ، محيي الشريعة وحامي الشيعة ، النحرير الاواه ، والمجاهد في سبيل الله ، خاتم الفقهاء والمجتهدين ، وحجة الاسلام والمسلمين ، الوفي الصفي ، مولانا الآخوند ( ملا محمد كاظم الهروي الطوسي النجفي ) مد الله أطناب ظلاله على رؤوس الانام ، وعمر بوجوده دوارس شرع الاسلام ، فقد فاز ـ دام ظله ـ منه بالقدح المعلى وجل عن قول أين وأنى ، وجرى بفكر صائب تقف دونه الافكار ، ونظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، فلذا أذعن بفضله الفحول ، وتلقوه بأنعم القبول. وأظهر صحفا هي المنتهى في التبيان ، ذوات نكت لم يطمثهن قبله إنس ولا جان ، ويغنيك العيان عن البيان ، والوجدان عن البرهان. فما قدمته لك إحدى مقالاته الشافية ، ورسائله الكافية ، فقد أخذت بجزأيها على شطري الاصول الاصلية ، من مباحث الالفاظ والادلة العقلية ، وأغنت بالاشارة عن المطولات ، فهي النهاية والمحصول ، فحري بأن يسمى ب ( كفاية الاصول ) ، فأين من يعرف قدرها ، ولا يرخص مهرها ، وعلى الله قصد السبيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل. قال أدام الله ظله [ بعد التسمية والتحميد والتصلية ] (1) : 1 ـ نقلنا هذه المقدمة من « ب ». (5)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
وبعد فقد رتبته على مقدمة ، ومقاصد وخاتمة. أما المقدمة
ففي بيان أمور : (6)
(7)
إن موضوع كل علم ، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ـ أي بلا واسطة في العروض ـ هو نفس موضوعات مسائله عينا ، وما يتحد معها خارجا ، وإن كان يغايرها مفهوما ، تغاير الكلي ومصاديقه ، والطبيعي وأفراده.
والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة ، جمعها اشتراكها في الداخل في الغرض الذي لاجله دون هذا العلم ، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل ، مما كان له دخل في مهمين ، لاجل كل منهما دون علم على حدة ، فيصير من مسائل العلمين. لا يقال : على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما ، فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا ، لا يكاد انفكاكهما. فإنه يقال : مضافا إلى بعد ذلك ، بل امتناعه عادة ، لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين ، بل تدوين علم واحد ، يبحث فيه تارة لكلا المهمين ، واخرى لاحدهما ، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل ، فان حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة ، أو أزيد ـ في جملة مسائلهما المختلفة ، لاجل مهمين ، مما لا يخفى. (8)
وقد انقدح بما ذكرنا ، أن تمايز العلوم إنما هو باختلاف الاغراض الداعية إلى التدوين ، لا الموضوعات ولا المحمولات ، وإلا كان كل باب ، بل كل مسألة من كل علم ، علما على حدة ، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل ، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد ، كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد.
ثم إنه ربما لا يكون لموضوع العلم ـ وهو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل ـ عنوان خاص واسم مخصوص ، فيصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه ، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا. وقد انقدح بذلك أن موضوع علم الاصول ، هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة ، لا خصوص الادلة الاربعة بما هي أدلة (1) ، بل ولا بما هي هي (2) ، ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها ، وهو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، كما هو المصطلح فيها ، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة ، كعمدة مباحث التعادل والترجيح ، بل ومسألة حجية خبر الواحد ، لا عنها ولا عن سائر الادلة ، ورجوع البحث فيهما ـ في الحقيقة ـ إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد ، في مسألة حجية الخبر ـ كما افيد ـ (3) وبأي الخبرين في باب التعارض ، فإنه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال غير مفيد فان البحث عن ثبوت الموضوع ، وما هو مفاد كان التامة ، ليس بحثا عن عوارضه ، فإنها مفاد كان الناقصة. لا يقال : هذا في الثبوت الواقعي ، وأما الثبوت التعبدي ـ كما هو 1 ـ كما هو المشهور بين الاصوليين. 2 ـ صرح به صاحب الفصول ، الفصول / 4. 3 ـ افاده الشيخ ( قده ) في فرائد الاصول / 67 ، في بداية مبحث حجية الخبر الواحد. المهم في هذه المباحث ـ فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة. فإنه يقال : نعم ، لكنه مما لا يعرض السنة ، بل الخبر الحاكي لها ، فإن الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به ، وهذا من عوارضه لا عوارضها ، كما لا يخفى. وبالجملة : الثبوت الواقعي ليس من العوارض ، والتعبدي وإن كان منها ، إلا أنه ليس للسنة ، بل للخبر ، فتأمل جيدا. وأما إذا كان المراد (1) من السنة ما يعم حكايتها ، فلان البحث في تلك المباحث وإن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى ، إلا أن البحث في غير واحد من مسائلها ، كمباحث الالفاظ ، وجملة من غيرها ، لا يخص الادلة ، بل يعم غيرها ، وإن كان المهم معرفة أحوال خصوصها ، كما لا يخفى. ويؤيد ذلك تعريف الاصول ، بأنه ( العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية ) ، وإن كان الاولى تعريفه بأنه ( صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الاحكام ، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل ) ، بناء على أن مسألة حجية الظن على الحكومة ، ومسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية من الاصول ، كما هو كذلك ، ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات. الوضع هو نحو اختصاص للفظ بالمعنى ، وارتباط خاص بينهما ، ناش من تخصيصه به تارة ، ومن كثرة استعماله فيه أخرى ، وبهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني والتعيني ، كما لا يخفى. 1 ـ هذا مراد صاحب الفصول ، الفصول / 12. (10)
ثم إن الملحوظ حال الوضع : إما يكون معنى عاما ، فيوضع اللفظ له تارة ، ولافراده ومصاديقه أخرى ، وإما يكون معنى خاصا ، لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له دون العام ، فتكون الاقسام ثلاثة ، وذلك لان العام يصلح لان يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك ، فإنه من وجوهها ، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه ، بخلاف الخاص ، فإنه بما هو خاص ، لا يكون وجها للعام ، ولا لسائر الافراد ، فلا يكون معرفته وتصوره معرفة له ، ولا لها ـ أصلا ـ ولو بوجه.
نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه ، فيوضع له اللفظ ، فيكون الوضع عاما ، كما كان الموضوع له عاما ، وهذا بخلاف ما في الوضع العام والموضوع له الخاص ، فإن الموضوع له ـ وهي الافراد ـ لا يكون متصورا إلا بوجهه وعنوانه ، وهو العام ، وفرق واضح بين تصور الشيء بوجهه ، وتصوره بنفسه ، ولو كان بسبب تصور أمر آخر. ولعل خفاء ذلك على بعض الاعلام (1) ، وعدم تميزه بينهما ، كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع ، وهو أن يكون الوضع خاصا ، مع كون الموضوع له عاما ، مع أنه واضح لمن كان له أدنى تأمل. ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع (2) الخاص والموضوع له الخاص كوضع الاعلام ، وكذا الوضع (3) العام والموضوع له العام ، كوضع أسماء الاجناس وأما الوضع العام والموضوع له الخاص ، فقد توهم (4) أنه وضع الحروف ، وما ألحق بها من الاسماء ، كما توهم (5) أيضا ان المستعمل فيه فيها (6) 1 ـ الظاهر أنه صاحب البدائع ، البدائع / 39 ، في تقسيم الوضع إلى العام والخاص. 2 و 3 ـ في « أ و ب » : وضع. 4 ـ صاحب الفصول ، الفصول / 16 ، في الوضع. 5 ـ الفصول / 16 ، في الوضع. 6 ـ في « أ » : أن المستعمل فيها. خاص (1) مع كون الموضوع له كالوضع عاما. والتحقيق ـ حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق ـ أن حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الاسماء ، وذلك لان الخصوصية المتوهمة ، إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا ، فمن الواضح أن كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كليا ، ولذا التجأ بعض الفحول (2) إلى جعله جزئيا إضافيا ، وهو كما ترى. وإن كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا ، حيث أنه لا يكاد يكون المعنى حرفيا ، إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ، ومن خصوصياته القائمة به ، ويكون حاله كحال العرض ، فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع ، كذلك هو لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر ، ولذا قيل في تعريفه : بأنه ما دل على معنى في غيره ، فالمعنى ، وإن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ ، بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا ، كما لوحظ أولا ، ولو كان اللاحظ واحدا ، إلا أن هذا اللحاظ لا يكاد مأخوذا في المستعمل فيه ، وإلا فلابد من لحاظ آخر ، متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ ، بداهة أن تصور المستعمل فيه مما لابد منه في استعمال الالفاظ ، وهو كما ترى. مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات ، لامتناع صدق الكلي العقلي عليها ، حيث لا موطن له إلا الذهن ، فامتنع امتثال مثل ( سر من البصرة ) إلا بالتجريد وإلغاء (3) الخصوصية ، هذا. مع أنه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلا كلحاظه في نفسه في الاسماء ، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها ، كذلك ذاك اللحاظ في الحروف ، كما لا يخفى. 1 ـ في « أ و ب » : خاصا. 2 ـ المراد من بعض الفحول ، إما صاحب الفصول ، الفصول / 16 ، وإما المحقق التقي ، هداية المسترشدين / 30. 3 ـ في « ب » : إلقاء. (12)
وبالجملة : ليس المعنى في كلمة ( من ) ولفظ الابتداء ـ مثلا ـ إلا الابتداء ، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلا ، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها وآلة ، وكما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته ، فليكن كذلك فيها.
إن قلت : على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة ( من ) ولفظ الابتداء مترادفين ، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها ، وهو باطل بالضرورة ، كما هو واضح. قلت : الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع ، حيث [ أنه ] (1) وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك ، بل بما هو حالة لغيره ، كما مرت الاشارة إليه غير مرة ، فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع ، يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر ، وإن اتفقا فيما له الوضع ، وقد عرفت ـ بما لا مزيد عليه ـ أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته ومقوماته. ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والانشاء أيضا كذلك ، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه ، والانشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته ، وإن اتفقا فيما استعملا فيه ، فتأمل. ثم إنه قد انقدح مما حققناه ، أنه يمكن أن يقال : إن المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة والضمائر أيضا عام ، وأن تشخصه إنما نشأ من قبل طور استعمالها ، حيث أن أسماء الاشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها ، وكذا 1 ـ أثبتناها من « ب ». (13)
بعض الضمائر ، وبعضها ليخاطب به (1) المعنى ، والاشارة والتخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى ، فدعوى أن المستعمل فيه في مثل ( هذا ) أو ( هو ) أو ( إياك ) إنما هو المفرد المذكر ، وتشخصه إنما جاء من قبل الاشارة ، أو التخاطب بهذه الالفاظ إليه ، فإن الاشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلا إلى الشخص أو معه ، غير مجازفة.
فتلخص مما حققناه : ان التشخص الناشئ من قبل الاستعمالات ، لا يوجب تشخص المستعمل فيه ، سواء كان تشخصا خارجيا ـ كما في مثل أسماء الاشارة ـ أو ذهنيا ـ كما في أسماء الاجناس والحروف ونحوهما ـ من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف وأسماء الاجناس ، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا في الحرف عين ولا أثر ، وإنما ذهب إليه بعض من تأخر ، (2) ولعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره ، من خصوصيات الموضوع له ، أو المستعمل فيه ، والغفلة من أن قصد المعنى من لفظه على أنحائه ، لا يكاد يكون من شؤونه وأطواره ، وإلا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك ، فتأمل في المقام فإنه دقيق ، وقد زل فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق. صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له ، هل هو بالوضع ، أو بالطبع ؟ وجهان ، بل قولان ، أظهرهما أنه بالطبع بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه ، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه ، ولا معنى لصحته إلا حسنه ، والظاهر أن صحة الاستعمال 1 ـ في « ب » : بها. 2 ـ صاحب الفصول ، الفصول / 16. (14)
اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله ، كما يأتي الاشارة إلى تفصيله (1).
لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ ، وإرادة نوعه به ، كما إذا قيل : ضرب ـ مثلا ـ فعل ماض ، أو صنفه كما إذا قيل : ( زيد ) في ( ضرب زيد ) فاعل ، إذا لم يقصد به شخص القول أو مثله ك ( ضرب ) في المثال فيما إذا قصد. وقد أشرنا (2) إلى أن صحة الاطلاق كذلك وحسنه ، إنما كان بالطبع لا بالوضع ، وإلا كانت المهملات موضوعة لذلك ، لصحة الاطلاق كذلك فيها ، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى. وأما إطلاقه وإرادة شخصه ، كما إذا قيل : ( زيد لفظ ) وأريد منه شخص نفسه ، ففي صحته بدون تأويل نظر ، لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول ، أو تركب القضية من جزءين كما في الفصول (3). بيان ذلك : أنه إن اعتبر دلالته على نفسه ـ حينئذ ـ لزم الاتحاد ، وإلا لزم تركبها من جزءين ، لان القضية اللفظية ـ على هذا ـ إنما تكون حاكية عن المحمول والنسبة ، لا الموضوع ، فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين ، مع امتناع التركب إلا من الثلاثة ، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين. قلت : يمكن أن يقال : إنه يكفي تعدد الدال والمدلول اعتبارا ، وإن اتحدا ذاتا ، فمن حيث أنه لفظ صادر عن لافظه كان دالا ، ومن حيث أن 1 ـ في الامر الرابع. 2 ـ أشار إليه في الامر الثالث. 3 ـ الفصول / 22 ، عند قوله : فصل قد يطلق اللفظ .. الخ. (15)
نفسه وشخصه مراده كان مدلولا.
مع أن حديث تركب القضية من جزءين ـ لو لا اعتبار الدلالة في البين ـ إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه ، وإلا كان أجزاؤها الثلاثة تامة ، وكان المحمول فيها منتسبا إلى شخص اللفظ ونفسه ، غاية الامر أنه نفس الموضوع ، لا الحاكي عنه ، فافهم ، فانه لا يخلو عن دقة. وعلى هذا ، ليس من باب استعمال اللفظ بشئ. بل يمكن أن يقال : إنه ليس أيضا من هذا الباب ، ما إذا أطلق اللفظ وأريد به نوعه أو صنفه ، فإنه فرده ومصداقه حقيقة ، لا لفظه وذاك معناه ، كي يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى ، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا ، قد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك (1) ، وقد حكم عليه ابتداء ، بدون واسطة أصلا ، لا لفظه ، كما لا يخفى ، فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى ، بل فرد قد حكم في القضية عليه ـ بما هو مصداق لكلي (2) اللفظ ، لا بما هو خصوص جزئية. نعم فيما إذا أريد به فرد آخر مثله ، كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى ، اللهم إلا أن يقال : إن لفظ ( ضرب ) وإن كان فردا له ، إلا أنه إذا قصد به حكايته ، وجعل عنوانا له ومرآته ، كان لفظه المستعمل فيه ، وكان ـ حينئذ ـ كما إذا قصد به فرد مثله. وبالجملة : فإذا أطلق وأريد به نوعه ، كما إذا أريد به فرد مثله ، كان من باب استعمال اللفظ في المعنى ، وإن كان فردا منه ، وقد حكم في القضية بما يعمه ، وإن أطلق ليحكم عليه بما هو فرد كلية ومصداقه ، لا بما هو لفظه وبه حكايته ، فليس من هذا الباب ، لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا 1 ـ في « أ و ب » : حاكي. 2 ـ في « أ » : لكليه. |
|||
|