حدث السقيفة

حدث السقيفة

إنّ أصعب مرحلة في تأريخ الاُمة الإسلامية اشتعلت شرارتها و دوى انفجارها هي التي أعقبت وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله).

لقد كانت تحكم الظروف المعقدة- آنذاك- عناصر موضوعية و اُخرى ذاتية، فالرسول الأكرم (صلى اللَّه عليه و آله) أتم تبليغ الرسالة الإسلامية كاملة عن اللَّه عز و جل، و كان وجوده (صلى اللَّه عليه و آله) عنصر الإشعاع الإيماني و مدعاةً للإستقرار والبناء، ولكن عمق الخلل الكبير في المجتمع الإنسانى و الذي يمتد إلى بُعد غير منظور ربما كان متجسداً في عقول و سلوك أفراد عديدين كانوا قريبين من مصادر قوة و حركه مجتمع الجزيرة- الحديث العهد بالإسلام- جعل التفاعل بين طرفي الحق و الباطل يظهر بشده بعد وفاة الرسول (صلى اللَّه عليه و آله).

لقد كان الصراع الذي برز على ساحة المجتمع الإسلامى دليلاً على عدم استيعاب العدد الأكبر للعقيده الاسلاميه بكل أبعادها وحدودها، و كان من نتائج هذا الصراع ان بدات عمليه انحراف التجربه الاسلاميه و ما يترتب عليها من آثار سيئه على المسلمين إلى يومنا هذا.

إن الفترة التي تلت وفاة الرسول الأكرم (صلى اللَّه عليه و آله) ازدحمت بالأحداث

المتناقضة و الارتجالية، ولكي ندرس حياة الزهراء (عليهاالسلام) في هذه الفترة لابد أن نستعرض الوضع العام و ما جرى من أحداث، كى يمكن من خلالها أن نتصور حالة المجتمع أنذاك و القوى المؤثرة و المتفاعلة فيه و ما تتركه من آثار على أهل بيت النبوة عامة و الزهراء (عليهاالسلام) خاصة من تعدى و ظلامات، و أول ما يصادفنا هو إجتماع السقيفة و دوره الأساسى لكل المواقف التي تلته و تأسست عليه.

لقد انشغل الإمام على (عليه السلام) و أهل بيت النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و بنو هاشم و الموالون لهم في تجهيز النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الاستعداد لمراسم دفنه، و استغلت هذا الانشغال العناصر التي كانت لها مطامع و رغبات في الوصول إلى الزعامة غير عابئة بالأوامر و النواهي الإلهيه التي وردت على لسان النبي الكريم.

لقد كان هناك موقفان: الأول: وقوف عمر بن الخطاب و هو يصرح وسط جموع المسلمين المحتفين حول بيت النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الحزن ظاهر عليهم: أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لم يمت، و أخذ يهدد و يتوعد من يدعى ذلك و إصراره على موقف المريب حتى مجى ء أبي بكر من خارج المدينة.

و الموقف الآخر: اجتماع الأنصار في سقيفه بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة الخزرجى.

و قد اتفق المؤرخون و المحدثون بأن موقف عمر بن الخطاب انتهي بحضور أبي بكر و قراءته للآية (و ما محمد الا رسول...) على الناس، إذ هدأت ثورة عمر بن الخطاب و خرجا معاً من بيت النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و تركاه بين أهله المفجوعين بوفاته.

والذي تؤكده القرائن و سير الأحداث أنهما انصرافا إلى مكان ما كانوا قد أعدوه لا تخاذ التدابير اللازمة، و ربما أن اكثر الأنصار بما فيهم سعد بن عبادة

لم يضعوا في حسابهم غير على (عليه السلام) للخلافة بعد النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كما كان الاعتقاد السائد بين عامة المسلمين أنها لن تعدوه، ولكن بعد أن تبين للأنصار أن شيوخ المهاجرين قد تكتلوا لصرفها عنه و الاستيلاء عليها و تجاهلوا نصوص الرسول عليه و أنهم في هذا التحالف القرشي الجديد يرجعون إلى إحياء الروح الجاهلية و النزعات القبلية، في حين أنّهم قد قدّموا للدعوة و صاحبها و بذلوا له من أنفسهم و أموالهم ما لم يقدمه و يبذله أحد من المهاجرين الذين يخططون للاستيلاء على السلطة من بعده، بعد أن تبين لهم ذلك اجتمع فريق منهم بزعامة سعد بن عبادة في السقيفه للتداول بشأن الخلافة، و هتف جماعة منهم باسم سعد بن عبادة، و لما اتصل الخبر بالمهاجرين عن طريق بعض الأنصار الذين كانوا يناوئون سعداً و يعملون لغير صالحه، تركوا مكانهم و أقبلوا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، فوقف خطيب الأنصار وأشاد بالأنصار و مواقفهم و تضحياتهم في سبيل الإسلام و تمنى على المهاجرين أن لا يتجاهلوهم و يجعلوا لهم شيئاً من الأمر، و تحدث بعده أبوبكر فنوه بفضل قريش و أمجادها و أعاد إلى الأذهان مواقف العرب قبل الإسلام و تفاخرهم بالأحساب و الأنساب.

و جاء في رواية العقد الفريد أنّه قال: نحن المهاجرين أول الناس إسلاماً و أكرامهم أحساباً و أوسطهم داراً و أحسنهم وجوها و أمسهم برسول اللَّه رحماً، و مضى يقول: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحى من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم اللَّه به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، و أشار إلى عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجراح.

و انتهز أبوبكر- و هو يتحدث عن قريش و أمجادها و عن المهاجرين بالذات- صوت بشير بن سعد الخزرجى و قد ارتفع في ناحية من نواحى البيت،

و أخذه الحسد لابن عمه و هو يقول: أيها الناس ألا إن محمداً من قريش و إن قومه أحق به و أولى، و أيم اللَّه لا يراني اللَّه اُنازعهم في هذا الأمر أبداً.

و أبي عليه الحباب بن المنذر الخزرجى أن يبرز بين الناس بهذا الاُسلوب الذي يتسم بطابع الدجل و النفاق و الحسد لابن عمه، فقال: لقد عز على بشير بن سعد ان يتولى ابن عمه السلطه بعد النبي حسداً و بغضاً، فظهر بمظهر من لا يريد أن ينازع أحداً حقاً هو أولى به، ثم قال: ما أحوجك إلى ما صنعت يا بشير! لقد نفست الإماره على ابن عمك سعد بن عباده.

و لم ينته الجدل عند هذا الحد، بل قام اسيد بن حضيرا أحد زعماء الأوس يثير في النفوس أحقاد الجاهلية و يذكر بما بين الحيين الأوس و الخزرج من خلافات و أحقاد و عصبيات قد أطفأتها سماحه الإسلام، و مضى يخاطب الأوس و يقول: يا بنى الأوس، و اللَّه لأن و ليتموها سعداً عليكم مرة لا يزال للخزوج بذلك عليكم الفضل و لا جعلوا لكم فيها نصيباً ابداً.

ابستغل أبوبكر صوت بشير بن سعد الذي جر هذا الانقسام، فأخذ عمر بن الخطاب بيد و أباعبيده بالاخرى و نادى: أيها الناس، هذا عمر و هذا أبوعبيده فبايعوا أيهما شئنتم، و قام الحباب بن المنذر بعد هذا التدبير المدروس بين الثلاثه و قال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، و استولى الغضب على ابن الخطاب فانبرى يقول: من ذا ينازعنا سلطان محمد و إمارته و نحن أولياؤه و عشيرته إلا مدلٍ بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟

و لما سمع الحباب بن المنذر تحدى عمر بن الخطاب و اسلوبه المتغطرس توجه إلى الأنصار و قال: أما إذا أبوا عليكم ما سألتموها فاجلوها عن هذه البلاد، فأنتم و اللَّه أحقّ بهذا الأمر منهم، بأسيافكم دان بهذا الدين من

دان، ثم انتضى سيفه يلوح به و يقول: أنا جذيلها المحكم و غذيقها المرجب، أما و اللَّه إن شئتم لنعيدنها جذعة، و هنا عصف الغضب بجوانح عمر بن الخطاب و كاد أن يقع الشر بين الطرفين، فوقف أبوعبيدة بن الجراح ليحول دون وقوع الفتنة، فقال بصوت هادئ: يا معشر الأنصار كنتم أول من نصر و آزر فلا تكونوا أول من غير و بدل، و مضى يتحدث بلهجة فيها توسل و رجاء فلم يلبثوا حتى هدأت نفوسهم و انقسم الأنصار على أنفسهم، و أسرع عمر بن الخطاب بعد هذا الحورا إلى أبي بكر و قال: أبسط يدك يا أبابكر، ما كان لأحد أن يؤخرك عن أقامك اللَّه فيه، و قام بعده أبوعبيدة بن الجراح و قال له: إنك لأفضل المهاجرين و ثاني اثنين إذ هما في الغار و خليفة رسول اللَّه على الصلاة، فبسط أبوبكر لكليهما كفّه فبايعاه، و أسرع بعدهما بشير بن سعد و جماعة من الخزرج فبايعوه و تبعهم اُسيد بن حضير بمن معه من الأوس، و خرجوا من سقيفة بني ساعدة يهتفون لأبي بكر و لا يمرون على أحد إلا و أخذوا بيده و أمروها على يد أبي بكر و من أبي ضربه عمر بن الخطاب بدُرّته و تكاثر عليه أتباعه حتى يرغموه على البيعة، و تمت بيعه أبي بكر بهذا النحو الذي كان مفاجأة لأكثر الناس.

و من مجموع ذلك يتبين أن التخطيط لإقصاء على عن السلطة و الاستيلاء عليها لم يكن وليد ساعته كما تؤكده الشواهد، و أن موقف الأنصار بقيادة سعد بن عبادة كان ارتجالياً لم يحضر له من قبل كما يبدو ذلك من اختلافهم و تضارب آرائهم، كما تبين أن القادة الثلاثة أبابكر و عمر بن الخطاب و ابن الجراح هم قادة الحزب القرشي المتآمر على الاستيلاء على السلطه و إقصاء على بن أبي طالب عنها، و أن أقوى مالديهم من الأدلة في مقابل الأنصار لا يعدو الأمرين: أولهما: أن المهاجرين أول الناس إسلاماً،

والثاني: أنهم أقرب الناس إلى رسول اللَّه و أمسهم به رحماً، و قد أدان هؤلاء القادة أنفسهم بهذه الحجة، ذلك لأن الخلافه إذا كانت بالسيف إلى الإسلام و القرابة القريبة من رسول اللَّه كما يدعون فهي لعلى (عليه السلام) وحده، لأنه أول الناس إسلاماً و إيماناً و تصديقاً برسالة محمد بن عبداللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) باتفاق جميع المسلمين، وأخوه بمقتضى المؤاخاة التي عقدها النبي معه يوم آخى بين المهاجرين و الأنصار في المدينة، و هو ابن عمه نسباً، و أقرب الناس إلى نفسه و قلبه بلا شك في ذلك عند أحد من الناس.

لقد ناقض نفسه أبوبكر حينما احتج على الأنصار بالقرابة و السبق إلى الإسلام و رشح لها عمر بن الخطاب و أباعبيدة بن الجراح لأنهما أسبق إلى الإسلام من الأنصار و أمسهم بالنبي رحماً: و تجاهل على بن أبي طالب الذي بايعه مائة ألف أو يزيدون في غدير خم قبل مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، و قد سبق جميع الناس إلى الإسلام، و كان ابن عم النبي نسباً و أخاه وحده في اللَّه بإجماع المؤرخين و المحدثين، و بمواقفه و تضحياته و جهاده استقام الإسلام و انتصر على الشرك و الوثنية و على قريش التي عادت سيرتها الاُولى تحارب محمداً المتمثل في خط على و شخصه (عليه السلام).

و ما كان الأمر مخفياً على أبي بكر الذي يعتقد سلامة هذا الاُسلوب و كفايته حين رشح لها أحد الرجلين، ولكنه هو و أنصاره كانوا قد خططوا لذلك، و اتّفقوا مع بعض الأنصار و المهاجرين على إقصاء على عن الخلافة و الاستيلاء عليها بكل الأساليب، و كان يتكلم مع الفريق الثاني من الأنصار الذين استفزهم موقف أبي بكر و أنصاره، و اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يتداولون في مصير الخلافة، كان يتكلم معهم هو و رفيقاه القوى الذي يريد أن يفرض على الغير وجوده ولو بهذا النحو من التمويه و التضليل.

و مما يدل على ذلك جواب عمر بن الخطاب له حينما أشار على الحضور أن يبايعوا أحد الرجلين عمر بن الخطاب او أباعبيدة، فأجابه على الفور: أيكون هذا و انت حى؟ ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللَّه

[راجع تفصيل أخبار السقيفة: ابن هشام: 4/ 334- 335، تأريخ الطبرى حوادث سنة 11: 2/ 443، و أنساب الأشراف: 1/ 563- 567، طبقات ابن سعد 2 ق 2/ 53- 54، و تاريخ أبي الفداء: 1/ 164، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/ 21- 57، حياة الإمام الحسن بن على: 1/ 150.]

هذا الجواب يشير إلى تخطيط و اتفاق بينهما على الاُسلوب الذي تتم فيه بيعة أبي بكر، و في الوقت ذاته يحاول ابن الخطاب من خلاله تضليل الرأى العام و طيهامه بأن رسول اللَّه قد اختاره للخلافة كما يشير طليه قوله: ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللَّه، هذا مع العلم بأن المؤرخين لحياة الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) من القدامى و المحدثين و الثقات الذين حفظوا حديثه و رووه للأجيال لم يدعوا بأنّ النبي قد لوح له- و لو من بعيد- بذلك المقام الذي يعمل من أجله ابن الخطاب و أنصاره، بل إن مواقف النبي معه كانت على العكس من ذلك فلم يعهد إليه بأمر و لا وضعه في مكان يحقق له امتيازاً عن غيره، و كان إذا أرسله على رأس سرية من السرايا- كما حدث له في غزوة السلاسل- أو أعطاه الراية- كما صادف ذلك في خيبر- يرجع فاشلاً مخذولاً، و في الأيام الأخيرة من حياته بعد أن علم بقرب أجله أراد أن يخرجه من المدينة كجندى من جنود المسلمين هو و عمر بن الخطاب بقيادة اُسامة بن زيد و هو شاب لا يتجاوز العشرين من عمره على أبعد التقادير.

أمّا حديث صلاته بالناس في بعض الأيام خلال مرض النبي الذي أشار

اليه أبوعبيدة في حديثه مع الأنصار فمع أن إمامة المصلين كانت و لا تزال مألوفة يتعاطاها الكبير و الصغير و الفاضل و المفضول فهي على تقديرها لا توجب له فضلاً على أحد من الناس، و ليست من مختصات الأنبياء و الأولياء و القديسين، ولقد دعته إليها ابنته عائشة حيث كان النبي في وضع لا يسمح له بترك فراشه، و لما علم بالأمر خرج يتوكا على علي و العباس و نحاه عن محرابه، و صلى بالناس و هو يعاني من وطأة المرض و آلامه.

والشي ء الغريب الذي لا يقره العقل و المنطق أن يعتبرها جماعة من علماء السنة و محدثيهم فضيلة لأبي بكر تؤهله للخلافة، في حين أنهم يعترفون بمواقف النبي (صلى اللَّه عليه و آله) من علي يوم الدار و في اُحد و الأحزاب و الحديبية و خيبر و حنين و تبوك و في غدير خم، و مؤاخاته له في مكة و المدينة، و لا يرون في جميع ذلك دليلاً على اختياره لمنصب الخلافة من بعده، بل ولا تلميحاً على اختياره، و يرون في صلاة أبي بكر ركعتين بالمسلمين دليلاً واضحاً على إعداده لقيادة الاُمة من بعده و إعطائه الصلاحيات التي كانت له.

و مما يدل على أن حركة الأنصار و اجتماعهم في السقيفة كانت رداً على التخطيط الذي وضعه المهاجرون للاستيلاء على السلطة ما جاء في رواية الزبير بن بكار حيث قال:

لما بايع الجماعة أبابكر؛ أقبلوا به على المسجد يزفونه زفّا، فلما كان آخر النهار اجتمع قوم من الأنصار و قوم من المهاجرين و تعاقبوا فيما بينهم على الكلام، فقال عبدالرحمن بن عوف، يا معشر الأنصار إنكم و إن كنتم اُولى فضل و نصر و سابقة ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر و لا عمر و لا على و لا أبي عبيدة.

فقال زيد بن أرقم: إنّا لاننكر فضل من ذكرت يا عبدالرحمن، و إن منّا لسيد الأنصار سعد بن عبادة، و من أمر اللَّه رسوله أن يقرئه السلام و أن يأخذ عنه القرآن أبي بن كعب و من يجي ء يوم القيامة أمام العلماء معاذ بن جبل، و من أمضى رسول اللَّه شهادته بشهادة رجلين و هو خزيمة بن ثابت، و إنا لنعلم أن بين من ذكرت من قريش من لو طلب الخلافة لم ينازعه فيها أحد و هو على ابن أبي طالب.

و جاء في تاريخ الطبرى أن أبابكر لما اقترح أحد الرجلين أباعبيدة أو عمر بن الخطاب و انسحبا هما لأبي بكر قال الأنصار: لا نبايع إلا على بن أبي طالب

[انظر الجزء الرابع من تاريخ الطبرى: 21 طبع دار الفكر- بيروت.]

هاتان الروايتان صريحتان في أنّ الأنصار لم يعارضوا في على بن أبي طالب لو أنّه كان مرشح المهاجرين لها، و هذا يعنى أنّ موقفهم المعارض لأبي بكر في السقيفة كان رداً على الخطيط، الذي وضعته قريش للاستيلاء على السلطة و انتزاعها من أصحابها الشرعيين.

و قال الاُستاذ توفيق أبوعلم في كتابه «أهل البيت»: و لا يبعد أن يكون سعد بن عبادة لما رأى تصميم المهاجرين على عدم إعطاء الحق لأهله طلبه لنفسه.

و مهما كان الحال، فلقد كانت مواقف النبي من على (عليه السلام) و تصريحاته المتتالية فيه في مختلف المناسبات تجعله بحكم المتعين لها بنظر الجمهور الأعظم من المسلمين، حتى أن علياً نفسه كان واثقاً بأنّ الأمر لا يعدوه.

و جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد أن علياً (عليه السلام) كان لا يشك في أن

الأمر له، و أنه لا ينازعه فيه أحد من الناس و مضى يقول:

و قد قال له عمه العباس: امدد يدك اُبايعك فيقال عم رسول اللَّه بايع ابن عم رسول اللَّه فلا يختلف عليك إثنان، فقال يا عم: وهل يطمع فيها طامع غيري، قال: ستعلم، فقال: إنّي لا اُحب هذا الأمر من وراء رتاج.

و بالطبع لقد دهش هو و من معه لهذا الحدث العظيم حينما سمع به و رأى الناس يزفون أبابكر إلى المسجد كما تزف العروس و النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لا يزال مسجىً بين أهله و زوجاته ينتظرون أن يتم تجهيزه لمقره الأخير، و حينما بلغه أن أبابكر قد احتج على معارضيه من الأنصار بقرابته من رسول اللَّه و سبقه إلى الإسلام كان لزاماً عليه أن يلزمهم بما ألزموا به غيرهم و لو كان لا يؤمن بصحة هذه الحجة و لا بجدواها، و باستطاعته أن يقدم لهم عشرات الأدلة التي لا تقبل الجدل والمراجعة لو كانوا يصغون إلى المنطق و تردعهم الحجة عما هم جادّون فيه، و مع ذلك فقد احتج عليهم بالحجة التي تغلبوا فيها على الأنصار و بأقوال الرسول و نصوصه عليه و بماضيه و جهاده و اُخوته لرسول اللَّه، و ظل متمسكاً بحقه و إلى جانبه زوجته سيدة النساء تطالب بنحلتها و حق زوجها في الخلافة.

و ذهب أكثر الرواة إلى أن أباسفيان وقف موقف المتحمس لعلي، و أخذ يهدد و يتوعد و يقول: و اللَّه لأملأنها عليهم خيلاً و رجالاً، و لم يكن ليخفي على على (عليه السلام) أن ذلك منه كان بقصد الوقيعة بين المسلمين وإشعال الفتنة ليتاح له و لأمثاله ممن أسروا الشرك و النفاق أن يصلوا لأهدافهم المعادية للإسلام وحماته الذين حاربهم أبوسفيان عشرين عاماً، و بالتالي كان إسلامه و إسلام زوجته هند آكلة الأكباد عام الفتح أعسر إسلام عرف بين المسلمين، لأنه كان إسلام مغلوب أعيته جميع الوسائل، فاضطر أخيراً إلى الدخول مع

المسلمين و في نفسيهما آلام و أحقاد كانت تظهر بين الحين و الآخر.

و جاء في رواية الطبرى و ابن الأثير في الكامل أن أميرالمؤمنين زجر أباسفيان بن حرب و قال له: «و اللَّه ما أردت إلا الفتنة، و إنك و اللَّه طالما بغيت للإسلام شراً لا حاجة لنا في نصرتك»

[راجع سيره الأئمة الاثني عشر 1: 260- 267.]


أضف تعليق

كود امني
تحديث

توصية سماحة آية الله الإصفهاني بقراءة هذا الدعاء كل يوم أماناً من مرض كرونا
loading...

مؤسسة السبطين عليهما السلام

loading...
telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page