ركب الخالدين

 

ركب الخالدين

 

﴿أَلاَ مَنْ كانَ باذِلاً فِينا مُهْجَتَهُ وَمُوَطِّناً عَلى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا،فَإِنَّني راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللهُ تَعالى

ولم يكد الصبح يتلجلج حتّى ينبلج عن غرر بيض تشعّ إلى الزمان، وتُضيء مسالك قمم الخلود .

                ويرحل حسين(عليه السلام) بما في وسع ذلك الزمان أن يحظى برجالات يبذلون مهجهم، ويوطّنون على لقاء الله أنفسهم .

                أجل، يا أبا عبدالله، فإنّ قافلتك ـ قافلة الخلود ـ لا  تحتمل إلاّ من وصفتهم، بعد أن اختارهم الله في مكنون غيبه، وأبيتَ إلاّ أن يرافقك مثل هؤلاء . . فإنّ رحلتك القصيرة الطويلة لا  يحتملها إلاّ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه . .

 

1

                ولم يترك اُولئك المشفقون عليه، والحاسدون حسيناً إلاّ أن يبذلوا له مشورتهم . . محاولين حبسه عن الانصراف حتّى حين . . ولم يخفِ محمّد بن الحنفيّة خوفه عليه، وتوجّسه من رحلته هذه، فقال مخاطباً أخاه الحسين (عليه السلام)  :

                « عرفت غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك، وإنّي أخاف أن يكون حالك حال مَن مضى، فأقم هنا، فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه » .

                فقال الحسين (عليه السلام) : « أخاف أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت » . فأشار عليه ابن الحنفيّة بالذهاب إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ، فوعده أبو عبدالله في النظر في هذا الرأي . .

                ولم يسع الحسين إلاّ أن يوعد هؤلاء خيراً . . ويردّهم بما يحمدَ لهم شفقتهم عليه . . ولم يجد الحسين بدّاً من عدم الإفضاء بكلّ ما يتحسّسه في دواخله من وجوب الخروج من مكّة، فإنّ اُولئك المشفقين لا  يمتلكون ما يمتلكه الحسين من ضرورة التحرّك وحتميّة الخروج وتنجيز التكليف . . وهؤلاء الحاسدون لا  يشعرون إلاّ بالانقباض عمّا سينجزه إصرار الحسين من حتميّة « النصر » بعد حتميّة الخروج، ومن رفض « النصح » بعد رفض البيعة . . ولا  معنى أن ينشغل أبو عبدالله (عليه السلام) بالردّ على هؤلاء أو محاولة إقناعهم، فإنّ الذي هو فيه من هموم الاستعداد للسفر غداً كاف لئن ينشغل بمناقشة نصائح القوم .

* * *

                ويصله كتاب عبدالله بن جعفر الطيّار صهره وابن عمّه، الذي لا  يفتأ من النصح له والحرص عليه، بما توقّعه عبدالله من عاقبة الخروج، وما سيؤول له مصير الحسين وآل الحسين بسبب احتمال نكوص القوم وخذلانهم له، وما سيفقده الهاشميّون بفقد شيخهم وسيّدهم ونورهم وهداهم، فكتب إليه :

                « أمّا بعد، فإنّي أسألك الله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مشفقٌ عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم اطفئ نور الأرض، فإنّك عَلَمُ المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا  تعجل بالسير . . فإنّي في أثر كتابي، والسلام » .

                ولم يكتفِ عبدالله بالنصح، حتّى استدلّ على مخاوفه من الوجهة التي سيسلكها أبو عبدالله (عليه السلام)، والمصير الذي يختاره، حتّى شفعَ ذلك بكتاب أمان للحسين جاء به من عامل يزيد على مكّة، عمرو بن سعيد بن العاص .

                وما الذي دهى عبدالله بن جعفر أن يلجأ إلى عامل يزيد سوى حرصه على الحسين وآله، وليت لعبدالله بصيرة الحسين ليقرأ ما يقرأه الحسين من مصير الدين وعاقبة الاُمّة بعد بيعة يزيد، وما الذي وراء أمان عمرو بن سعيد غير البيعة ليزيد، وما الذي أخرج الحسين من مدينته غير رفض البيعة ليزيد، وكأنّ الذي أرّقَ عبدالله بن جعفر وعبدالله بن عبّاس وأمثالهما إقناع الحسين بالعدول عن مصيره حصولهم الأمان له، وفاتَ اُولئك أنّ بني اُميّة أحرى بهم أن يأخذوا الأمان ممَنْ بخروجه يزلزل آل أبي سفيان من عروشهم، ويهدّ كيانهم، ويؤول بهم إلى لعنة التاريخ وسبةِ الدهر . وهم الذين بالأمس استجدوا الأمان يوم الفتح من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعاشوا بفضل منّته عليهم حينما أطلقهم وآمنهم .

* * *

                ولم يكد ابن الحنفيّة يصدّق ما رفضه الحسين من عرض الأمان عليه حتّى يعترضه قبل خروجه بما يفرغُ عمّا يختزنه قلبه المرتجف الوجِل من المصير المحتوم، فإنّ ابن عبّاس يتقهقر بنظرته الفاحصة لتاريخ مضى من غدر وخذلان، ودعة ونكوص، انطوت عليها أسارير قوم أبيه وجيش أخيه، وهم اليوم يكتبون له ليعيدوا سوْءتهم التي لم يسترها زمانٌ قصيرٌ مضى على حروب ثلاث : صفّين، والجمل، والنهروان، وما ألجأ أخاه الحسن (عليه السلام) ليقبل الصلح على مضض ممّا فعله جيشه وأهل رعيّته ليسلموه عند الوثبة، ويدعوه إلى مهازلِ الدهرِ فيتصالح مع ابن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين بسبب غدر الغادرين، ولوم العاذلين .

                قال ابن عبّاس : « يابن العمّ، إنّي أتصبّر وما أصبر، وأتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إنّ أهل العراق قوم غدر، فلا  تقربنّهم، أقم في هذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز، وأهل العراق إن كانوا يريدونك ـ كما زعموا ـ فلينفوا عاملهم وعدوّهم، ثمّ اقدِم عليهم، فإن أبيت إلاّ أن تخرج فسر إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشِعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك فيها شيعة، وأنت عن النّاس في عزلة، فتكتب إلى النّاس، وترسل، وتبثّ دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ فيه عافية » .

                فقال الحسين (عليه السلام) : « يابن العمّ، إنّي والله لأعلم أنـّك ناصح مشفق، وقد أزمعت على المسير » .

                فقال ابن عبّاس : « إن كنت سائراً فلا  تسر بنسائك وصبيتك، فإنّي لخائف أن تُقتل وهم ينظرون إليك » .

                فقال الحسين (عليه السلام) : « والله لا  يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط عليهم من يذلّهم حتّى يكون أذلّ من فرام المرآة » .

                وما الذي يأمله ابن عبّاس من الحسين أن يجيبه غير هذا وأمثاله، فإنـّه ليقرأ ماضياً، والحسين يقرأ مستقبلاً . . وإنـّه يُعيد تاريخاً، وهو يصنع مصيراً . . وشتّان بين من يقدّر الظروف، وبين من يترقّب يومه الموعود، ومصيره المحتوم . أمّا ابن عبّاس فلا  تزال مشاهد الغدر والنكوص تعلق في ذاكرته العريضة بما تحمله من خواطر ألم، ومواقف خذلان، وهو أمرٌ يوجب خشيته ووجله من المصير القادم المضرّج بدماء حسين (عليه السلام) وآل حسين (عليهم السلام) .

* * *

                ولم يقتصر القلق على الهاشميّين وحدهم، بل شاطرتهم بذلك نساء البيت النبويّ، وكان لاُمّ المؤمنين السيّدة اُمّ سلمة جهد حثيث في إثناء الحسين عن سفره هذا . . عواطف اُمّ، وهواجس مشفق، يرنّ في ذاكرتها قولٌ مؤلم، ومشهدٌ حزين، لا  يفارقها يوم أن سمعته (صلى الله عليه وآله) في مجلسه وهو ينظر إلى ولده الحسين، مختنقاً بعبرته، باكياً حزيناً، ثمّ هو يُنبئها عن المأساة التي أثارت شجونه، وأبكت فؤاده العطوف . . ولم تكد اُمّ سلمة أن تنتظر نبوءة السماء تخبرها بقتل الحسين 7، ولم تصطبر أن يأتيها عزمه على السفر الطويل الذي لا  لقاء بعده، حتّى أجهشت بالبكاء، وتوسّلت إليه بالعدول قائلةً :

                « لا  تحزنني بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك رسول الله يقول : يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء، وعندي تربتك في قارورة دفعها إليَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) » .

                فقال الحسين (عليه السلام) : « يا اُمّاه، وأنا أعلم أنّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً، وقد شاء عزّ وجلّ أن يرى حرمي ورهطي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا  يجدون ناصراً » .

                قالت اُمّ سلمة : « واعجباً، فأنّى تذهب وأنت مقتول ؟ ! » .

                قال (عليه السلام) : « يا اُمّاه، إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً، وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد، وما من الموت ـ والله ـ بدّ، وإنّي لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، والساعة التي اُقتل فيها، والحفرة التي اُدفن فيها، كما أعرفك،وأنظر إليها كماأنظرإليك، وإن أحببت يا اُمّاه أن اُريك مضجعي ومكان أصحابي » . فطلبت منه ذلك، فأراها تربة أصحابه، ثمّ أعطاها من تلك التربة، وأمرها أن تحتفظ بها في قارورة، فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله ! وفي اليوم العاشر بعد الظهر نظرت إلى القارورة فإذا هي تفور دماً ([1]) .

* * *

                ولم يزل عمر الأطرف ابن أمير المؤمنين تتدافع إليه أخبار القافلة العازمة على المسير، وتتوارد إليه أنباء الخروج، والحسين لا  محالة عازم على فراق مدينة جدّه وأبيه غداً، أو بعد غد، ولا  يُثنيه إشفاق المحبّين، ولا  يوقفه تساؤل الحاسدين عن عزمة قلب كبير أيقن بحتميّة الخروج والمسير إلى حيث أرادت له السماء من خلود، ولم يُدلِ عمرالأطرف برأيه حتّى وجد عزماً لا يثنيه رجاء، وإرادةً لا تمنعها اعتراض المعترضين من ناصحين، أو مشفقين، أو عاذلين، أو حاسدين، تدفعهم سذاجة الفهم للأحداث، أو سطحيّة المعرفةِ في التكليف، وهم يختلفون اليوم مع الحسين ـ في أحسن الأحوال ـ على توقيت المسير، أو إرجائه إلى حين . . ولم يجد الحسين بدّاً من سماع آراء الناصحين، أو تهويل المرجفين، وليس الاستماع إلى ما يدلونه من آراء تجتهدُ بها قراؤهم، وتُدلي بها أهواءهم بغير علم ولا  هدىً مبين . .

                فالسماع غير الاستماع . . والمداراة لسماع الآخرين لا  يعني بالضرورة الانصياع لما ذهبت بها حساباتهم في واقعة، وآراءهم في قضيّة، ونظراتهم لأمر يقرؤه هذا غير ما يقرؤه ذاك، ويظنّه بعضٌ دونما يتيقّنه آخرون، وتتراوح الآراء بين موافق لقضيّة وبين مخالف، أو معترض أو معتدل، والحسين (عليه السلام) الذي عزم على أمر لا  يعني قبوله لغيره بقدر ما أتاح للآخرين التعبير عن رؤيتهم بما ينطوي عليه قلبه الرحيم، وروحه النبويّة من مداراة النّاس حسب عقولهم .

                قال عمر الأطرف : « حدّثني أبو محمّد الحسن، عن أبيه أمير المؤمنين، أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك » .

                فقال الحسين (عليه السلام) : « حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربته تكون بالقرب من تربتي . أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه ؟ وإنّي لا  اُعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذرّيّتها من اُمّته، ولا  يدخل الجنّة من آذاها في ذرّيّتها » .

                وعمرٌ هذا التحقَ بالمختار حينما نهض بالكوفة، فقال له المختار : هل معك محمّد بن الحنفيّة، فقال : لا  ، فطرده عنه، فسار إلى مصعب حتّى حضر الوقعة وقُتل فيمن قُتل مع النّاس([2]) .

                وإذا  كان عذر المتوجّسين على مصير الحسين يتّسمُ بدواعِ الحرص عليه . .

فإنّ للحاسدين شأنهم من دواع تتّسمُ بالحرص على إقامته في مكّة، وخروجه منها كذلك .

                فإقامته (عليه السلام) في مكّة مسلوب الرأي، مقهور المصير، مفوّتٌ عليه فرص النصر وأسباب الخلود، هو أحبّ لابن عمر وغيره من أن تأتيه أنباء الثورة وملاحم التضحية دون مواقف الخنوع، وأعذار العافية التي تدع لعبد الله بن عمر وأمثاله أن يمتطيها لتوصله إلى أبواب السلطان ذليلاً مقهوراً يستجدي جاهه ومقامه وشرفه .

                روي أنّ عبدالله بن عمر بن الخطّاب طلب من الحسين البقاء في المدينة، فأبى وقال : « يا عبدالله، إنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا يُهدى إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، وأنّ رأسي يُهدى إلى بغي من بغايا بني اُميّة .

أما علمت أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبيّاً، ثمّ يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجّل الله عليهم، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام »([3]) .

* * *

                ولا  يحبّ ابن الزبير للحسين إقامته في مكّة، فإنّ ابن الزبير لا  يكادُ أن يرتفع على أرض حطّ فيها رحال الحسين، فإنّ النّاس لا  يعدلون بالحسين أحداً، فبقاء الحسين إذن يُفسدُ على ابن الزبير أحلامه وأمانيه .

                ولمّا سأله ابن الزبير عن سبب خروجه، قال (عليه السلام) :

                « إنّ أبي حدّثني أنّ بمكّة كبشاً به تستحلُّ حرمتها، فما اُحبّ أن أكون ذلك الكبش، ولئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبُّ إليَّ من أن اُقتل فيها . وأيم الله ! لو كنت في ثقب هامة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم، والله ليعتدن علَيَّ كما اعتدت اليهود في السبت » .

                ولمّا خرج من عنده ابن الزبير قال الحسين لمن حضر عنده :

                « إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أنّ النّاس لا  يعدلونه بي، فودّ أنّي خرجت حتّى يخلو له » .

                وكأنّ الحسين (عليه السلام) قرأ لابن الزبير مستقبله، وأراه صورة ذلك اليوم الذي يُقتل فيه كبشاً مهدور الدم، يَستحِلُّ آل أبي سفيان حرمة البيت الحرام به . وليت ابن الزبير قرأ كما قرأ الحسين (عليه السلام) مستقبل ما يؤول إليه حرصه على المُلك، وتضحيته لحبّ السلطان فيلجأ إلى البيت الحرام دون أن يرعى حرمته، فيقتله آل أبي سفيان، وينتهكون حرمة البيت ظلماً وعدواناً دون اكتراث أو تحرّج .

* * *

                هذه هي دواعي الناهين عن سفر الحسين (عليه السلام)، فبين متوجّس على مصيره، خائف من عواقب الغدر والخذلان، وبين حريص على مغادرةِ الحسين ليخلو له الحجاز وأطراف الحجاز .

                ولم يسع الحسين أن ينتظر من هؤلاء واُولئك تنظير الظروف، ولا  بواعث التربّص لتنكشف الاُمور، فإنّ هؤلاء نصيبهم من التوجّس، وللحسين نصيبه من قول الثناء لأهل العذر منهم، والعذل لأهل العافية كذلك .

 

2

                وتنسابُ القافلة بين ثنايا الجبال، وانحدار الوِهاد، مودّعين الحرم الآمن بغير أمان ممّا يستقبلونه من مصير، وما يدعونه إلاّ حرصاً على حرمة البيت الحرام من أن تُنتهكُ بنزوة طائش ورغبة سلطان . .

                وأيمُ الله ! ليزيدُ بن معاوية ابن هند خليقٌ أن ينتهك كلّ حرمة . .

                والحسين سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) خليقٌ أن يحرص على كلّ ما من شأنه أن تُحفظ به حرمات الله . . وليت اُولئك المتساءلون من الحسين عن إصراره على الخروج أن تكون لهم بصيرةُ الحسين وبصائر أصحابه النجباء . .

                وإذا كان النصح أحرى بهؤلاء أن يثنوا الحسين عن عزمه على الخروج فإنّهم أحرى ; أن يوافقوه تابعين على ما عزم عليه من الخروج . . والدين على جرف هار يتقاذفه آل أبي سفيان بين إمارة مكر إلى إمارة طيش . . ومن شريعةِ بطش إلى عُرفِ سطوة تنتهك معها كلّ حرمة، وتُعطّل فيها كلّ فضيلة . هذا ما ينتظر المسلمين من مصير، وليس لأحد أن يقرأ هذا المصير ثمّ ينتظر من الحسين أن يتربّص حتّى حين .

                وما الذي دعا أكثر هؤلاء عن النصرةِ غير خذلان انطوت عليه صدورهم مع ما يعلمون من مصير . .

                وما الذي دعا اُولئك ـ الذين أحاطوا به ـ النجباء من الاستجابة غير ما اشرأبّت إليه نفوسهم من نصرة الحقّ . . وسمت له خلائقهم من حفظ حرمة الرسول، وقد مثّله سبطه الشهيد .

                وشتّان بين القاعدين والقائمين . . وبين الخاذلين والناصرين  . . وبين المتوجّسين المخذولين، وبين المتفائلين الفاتحين .

                فهؤلاء يطمعون في ذُبالة عيش قصير . . واُولئك يطمحون إلى خُلد مديد . . وهؤلاء يؤثرون العافية بالخنوع . . واُولئك يؤثرون العافية في مقارعة الأقران ومجابهة الشجعان . .

                وبالجملة فهؤلاء يؤثرون دنيا غيرهم على دينهم .واُولئك يفدون دينهم بدنياهم.

* * *

                ولم يكن لهؤلاء الرجال مندوحة العذرِ في التخلّف والقعود . . ولا  لاُولئك المتخلّفين حظٌّ من الخلود . . فكأنّ هؤلاء مفطورون على الفتح والشهادة . . واُولئك منكفؤن على حظّهم الأدنى من الذلّ والتعاسة . .

                وكيف لا  ، وقد أعلن الإمام أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) عن مصير الفريقين . . الشهادة وإدراك الفتح لمنْ التحق معه، والحرمان لمنْ تخلّف عنه .. وجاء ذلك في رسالته التي بعثها إلى أهله الهاشميّين حيث قال فيها :

« مَن لحق منكم استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح » .

                وأيّ فتح ثمنه الشهادة غير فتح الحسين وآله النجباء . . وأيّ شهادة تبلغ بأصحابها شأو الفتح غير نصرة الحسين إحياءً لدين جدّه الذي لا  يسعه الحياة إلاّ بدماء الحسين وآله الشهداء ؟ !

                ولم يكن أبلغ ممّا عبّر به سيّد الشهداء في صفة أصحابه الفاتحين بعد أن دعاهم إلى الحياة بشرط التضحية، وإلى الخلود بشرط الفداء . . وكم هو الحسين عظيماً حيث تتصاغر عنده عظائم الاُمور . . وكم أمره عجيباً حين تتزاحم عنده النفوس مبذولةً غير حريصة، وسخيّة غير شحيحة . . والحسين لا  يسعه بعد ذلك إلاّ أن يؤبّن الأبطال قبيل انصرافهم لحياض الموت، فيوسمهم بوسام الحياة الأبديّة، واصفاً لهم بأنّهم الأخيار والأبرار، فقال :

                « فإنّي لا  أعلم أصحاباً أوفى ولا  خيراً من أصحابي، ولا  أهل بيت أبرّ ولا  أوصل من أهل بيتي » .

                وكم تمعّنتُ في لغزِ هذا التقريظ، فلم أجد ما يقابلهُ من وصف إلاّ القول بأنّهم « أنصار الحسين » .

 

3

                وإذا كان الحسين(عليه السلام) قدأغدق على أنصاره صفات الأخيارالأبرار. .فإنّ لأعدائهم شأناً آخر في التأبين . . وبُعداً عظيماً في التقريظ . . وإذا كان القائد أوْلى بوصف أصحابه، فما بال أعدائه يشهدون لهم بكلّ فضيلة . . ويجمعون لهم كلّ مكرمة . .

                وإذا  كان القائد أوْلى بتقريظ أصحابه، فإنّ ذلك أمرٌ يرجع فضله إليه . . ومديحٌ ينطبق عليه . . فإنّهم كنانته وأهل حوزته . . وخاصّته وذوو مودّته، والحسين أجلُّ من أن يصف هؤلاء بما سمعناه من الثناء ما لم يكونوا لذلك أهلاً، وللحمدِ محلاًّ، وليس هو حال القائد الذي يريد أن يشحذ همم فتيانه ليوردهم حياض الموت . . ولا  بالمستبسل عزائم أصحابه ليغريهم سنن الفناء، دفاعاً عن هدف قنع في صوابه، دون بصيرة أتباعه. .فالحسين أوْلى بمعرفة أصحابه،وحسبك بالحسين شاهداًوبصيراً .

                هذا حال سيّدهم وقائدهم يشهدُ بما يعلم . . فما بال أعدائهم يشهدون لهم بأحسن شهادة، ويثنون عليهم بأروع مقالة . . بأنّهم فرسان المِصر، بل هم أهل البصائر . . لم يأتوا على عمى دون هدى . . ولم يؤثروا هوى على حقّ .

                في ساعة من ساعات الموت، تتطاعن الفرسان . . وتزدحم أشلاء القتلى تحت سنابك الخيول، وتتطاير الرؤوس، وتتقاذف الأيدي، وتعلو الفريقين مُزنَ الدماء، وسحائب غبار الهيجاء، وترتعد الأجواء بقعقعة الرماح، وتختلط معها أصوات التكبير والتهليل من آل الحسين وأنصاره وهم يرمقون بأبصارهم سيّدَهُم اطمئناناً على سلامته، واستبشاراً بما يرمقهم من نظرة الرضا والقبول . . ولمّا أكثروا القتل والطعن في أهل الكوفة، صاح عمرو بن الحجّاج بأصحابه :

                « أتدرون مَن تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين، لا  يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه على قِلَّتهم، والله ! لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم » .

                فقال عمر بن سعد : « صدقت، الرأي ما رأيت، أرسل في النّاس من يعزم عليهم أن لا  يبارزهم رجل منهم، ولو خرجتم إليهم وحداناً لأتوا عليكم » .

                هذه هي الهزيمة، وهذا هو الانكسار والسقوط . . فأهل الكوفة يتمرّدون على سنن القتال كما تمرّدوا على سنن الطاعة للحقّ وأهله . . وفرقٌ بين الهزيمة والثبات، وبين النصر والانكسار، وبين الرفعةِ والسقوط .. فالهزيمة تفرض على أصحابها كلّ خسيسة، والثبات يشرئبُّ بأصحابه إلى كلّ مكرمة . . والانكسار يودي بأهله إلى الحضيض، والنصر يوجب على أهله الرفعة . . والسقوط يخمدُ شأن كلّ ذي شأن تستحلّ معه كلّ حرمة،ويستحسن من خلالها كلّ شائنة يحسبها نصراً لأهدافه، وتحقيقاً لأمانيه .

                فالنزال له اُصوله، والمبارزة لها سُنَنَها، والقتال له قيمهُ وقواعده . . وإذا استفحش المرء هتك حرمات الله، فلا  حرمة لما دون ذلك، وإذا أهدر شرفه في طاعة الأشرار، فلا  رفعة فيما عدا ما لا  يترفّع عنه، وإذا تمرّد على قيمه ومبادئه، فلا  حرج أن يرتكب كلَّ ما من شأنه أن يوهن خصمه ويضعفه عن هدفه . . واُولئك الأحرار من أنصار دين يواجهون قوماً لم يحسنوا الاختيار، فخسروا الصفقة، وهم أحرى أن يرتكبوا كلّ رذيلة وشائنة وخسيسة .

                ولم تقف شهادة الأعداء عند حدّ الثناء إبّان النِّزال، فإنّ للاستشهاد من أجل المبدأ حقّه من حُسن المقال، وللرجولة حظّها من جميل التقريظ، وللشهامة نصيباً من الاستذواق لدى بني البشر مهما بلغت الخسّةُ في نفوس قوم لم يرعوا لله حرمة، ولا  للرسول ذِماماً، أن يشهدوا بما شهدت لهم عزائم الصرعى من التدافع على المنية، أو تَرخص النفوس من أجل المبدأ . . وإذا كانت الملامةُ تنفعُ في حبس النفوس عن الدنيّة لكانت أبلغُ إنذاراً في تهالك آل أبي سفيان وأشياعهم من الإقدام على أبشع ما يرتكبه بنو الإنسان من خسّةِ التمرّد على الحقّ، وعلى كلّ ذوق يأبى صنيع القبيح ومقارفة الدُّنى، والابتذال في حجب النفس عمّا ترتكبه من السقوط . . وإذا اُعذل أحدهم على سبب حربه لأنصار دين، وقتله لآل الرسول، يقول : « عضضتَ بالجندل، أنّك لو شهدتَ ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها، كالاُسود الضارية، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، تُلقي نفسها على الموت، لا  تقبل الأمان، ولا  ترغب بالمال، ولا  يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنّا فاعلين، لا  اُمّ لك » .

                ويُلامُ كعب بن جابربن عمروالأزدي من قِبل اُخته النوار بنت جابر([4]) فتقول :

                « أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيّد القرّاء، لقد أتيت عظيماً من الأمر، والله ! لا  اُكلّمك من رأسي كلمةً أبداً »، فيجيبها كعب شاهداً لرجولة ليوث اللقاء وأبطال النزال، قائلاً :

سلي تخبري عنّي وأنت ذميمة***غداة حسين والرماح شوارع

ألم آتِ اقصى ما كرهت ولم يخل***علَيَّ غداة الروع ما أنا صانع

معي يزني لم تخنه كعوبه***وأبيض مخشوب الغرارين قاطع

فجرّدته في عصبة ليس دينهم***بديني وإنّي يابن حرب لقانع

ولم ترَ عيني مثلهم في زمانهم***ولا  قبلهم في النّاس إذ أنا يافع

أشد نزاعاً بالسيوف لدى الوغا***ألا  كلّ من يحمي الذمار مقارع

وقد صبروا للطعن والضرب حسّراً***وقد نازلوا لو أنّ ذلك نافع

فأبلغ عبيد الله أما لقيته***بأنّي مطيع للخليفة سامع

قتلت بريراً ثمّ حمّلت نعمةً***أبا منقذ لمّا دعا من يمانع

                فلمّا بلغت أبياته رضي بن منقذ، قال مجيباً :

فلو شاء ربّي ما شهدت قتالهم***ولا  جعل النعماء عند ابن جابر

لقد كان ذاك اليوم عاراً وسُبةً***تعيّره الأبناء بعد المعاشرِ

فياليت أنّي كنت من قبل قتله***ويوم حسين كنت في رمسي قابر([5])***      وهل أبلغ من شهادة هؤلاء الذين آلوا أن يبذلوا كلّ طاعة من أجل مطامع عيش خسيس، وذُبالة حياة رخيصة، يبتذلها ذوو السلطان لأتباعهم الأدنياء، ومن ثمّ يشحّ عليهم هؤلاء بالمكافاة والعطاء  ؟  !

 

4

                وفي ليلة مقمرة من ليالي كربلاء، يشعُّ وجه الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، كما يشعُّ قـمر تلك الليلة على هضاب الطفّ، وربايا الجموع المحدقة بمعسكره المعدود من سبعين رجلاً . . وأخبية النساء تختبئ في ظلام الليل وجلةً من مصير الغدِ المجهول . . ودويّ كدوي النحل يكسرْ صمت الحزن والذهول . . تهجّداً وعبادةً وتلاوة قرآن . . وخيام الأصحاب تشرئبُّ إلى ما ينتظرها من موعود . .

                حركة خارج الخيام، وصوت يجلجل الفضاء الحزين، دعوة للخروج، فثمّة كلام يحتبسُ في صدر القائد وقد رمق معسكر ابن زياد بنظرة يحصي فيها أكثر من ثلاثين ألف، شاكّين بأسلحة الغدر والخذلان . . وكتبهم لم يجفّ مِدادها تستصرخه بالمجيء . . وتعزم عليه بالتعجيل . . اثنا عشر ألف كتاب يُحصيها ديوان الحسين، وآخرها من شبث بن ربعي، حجّار بن أبجر، يزيد بن الحارث، عزرة بن قيس، عمرو بن الحجّاج، محمّد بن عمير بن عطارد . . قادة جيش ابن زياد هذه الليلة . . والبارحة يستغيثون حسيناً بالقدوم :

                أَمّا بَعْدُ، فَإِنَّ النّاسَ يَنْتَظِرُونَكَ، لاَ رَأْيَ لَهُمْ غَيْرُكَ، فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ يَابْنَ رَسُولِ اللهِ، فَقَدْ أَخْضَرَ الْجَنابُ، وَأَيْنَعَتِ الـثِّمارُ، وَأَعْشَبَتِ الاَْرْضُ، وَأَوْرَقَتِ الاَْشْجارُ، فَاقْدُمْ عَلَيْنا إِذا شِئْتَ، فَإِنَّما تَقْدُمُ عَلى جُنْد مُجَنَّدة لَكَ » .

                غدرٌ، سقوط، هزيمة، خِسّة، رذيلة يرتكبها هؤلاء الأقزام مع مَن بايعوه وأعطوه مواثيق الفداء . . تُعساً لحظّ هؤلاء أن تمسخهم دنياهم إلى فجرة خاسئين، ينقضون الميثاق، ويفجرون العهود . .

                يستدير الحسين بوجهه الحزين إلى أصحابه الأبرار بعد تأمّل لم يدم طويلاً استعرض به تاريخ الأمس مع مَن دعوه ليخذلوه . . وقدتتام حضورأصحابه يصطفّون متأهّبين لأوامر قائدهموسيّدهم، وقد أصلتوا سيوفهم تحسبّاً لمايأمرهم من القتال . .

                كان « حبيب » شيخ الأنصار يتعجّل الحسين بأمر القتال . . فإنّ جنده متحفزون لأيّ نزال . .

                يأمرهم « حبيب » بالجلوس بعد ما سمع من الحسين ذلك . . يجلسون متأهّبين لما سيلقيه عليهم قائدهم من خطاب :

                « إنّي لا  أعلم أصحاباً أوفى ولا  خيراً من أصحابي، ولا  أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً . ألا  وأنّي أظنّ يومنا من هؤلاء غداً، وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعـاً خيراً، وتفرّقـوا في سوادكم ومدائنكم، فـإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري » .

                كان الحسين حريصاً على أصحابه بعد أن أجابوه، فإنّ القوم لا  يطلبون غيره، فلو قتلوه انصرفوا عن غيره، فلعلّ مَنْ في أصحابه يكتمُ خوفه من الغد الدامي الذي تطير معه الرؤوس، وتزهق به الأرواح، ولعلّ حاجز الحياء يمنع أصحابه من الانصراف دون إذن سيّدهم . . والحسين أسمى من أن يضنّ على أصحابه معرفة مصيرهم الدامي الذي ينتظرهم لتزهق أرواحهم دون علم بما سيجري صبيحة غدهم . . والحسين أكرم من أن يخفي ما يعلمه هو من مصير هذه الحرب غير المتكافئة في العِدّة والعدد، . . وأن لا  يترك للعابثين تساؤلهم :

                لِمَ لم يخبر الحسين أصحابه بما ينتظرهم من القتل والتنكيل ؟

                ولِمَ غرّر بهم دون أن يوقفهم على حقيقة الأمر ؟

                ولم ينتظر الأصحاب بعد سماعهم مقالة سيّدهم إلاّ أن تتطاول أعناقهم لتدوّي أصواتهم أرجاء الكون، وتجلجل هتافاتهم زوايا التاريخ، فيسبقهم شيخ القرّاء، وسيّد فقهاء الكوفيّين مسلم بن عوسجة مخاطباً الحسين (عليه السلام) : « أنحن نُخلّي عنك ولما نعذر إلى الله تعالى في أداء حقّك، أما والله ! لا  اُفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت معك »، ولم يُتمّ كلامه حتّى ينبري سعيد بن عبدالله الحنفي فيهتف :

                « لا  نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيك، والله ! لو علمت أنّي اُقتل، ثمّ أحيا، ثمّ اُحرق، ثمّ اُذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا  أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ الكرامة التي لا  انقضاء لها أبداً » .

                ويجيبه زهير بن القين بمثل ذلك قائلاً :

                « والله ! لوددت أنّي قُتلت، ثمّ نُشرت، ثمّ قُتلت حتّى اُقتل على هذه ألف مرّة، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك » .

                ولم يكن أهل بيته بأقلّ ثباتاً، ولا  رسوخاً من أنصاره غير الهاشميّين، فقد تقدّموه بتجديد البيعة وهم يجدون أنفسهم أوْلى بغيرهم في هذا الأمر، فلا  يسبقهم سابق، ولا  يلحقهم لاحق في الدفاع عن حرم سيّدهم وشيخهم الحسين (عليه السلام)، قال العبّاس ممثّلاً آل عليّ من إخوته وبني أخيه :

                « لِمَ نفعل ذلك ؟

                لنبقى بعدك ؟! لا  أرانا الله ذلك أبداً » .

                ويلتفت الحسين (عليه السلام) إلى بني عقيل قائلاً :

                « حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذِنتُ لكم » .

                فقالوا : « فَماذا يَقُولُ النّاسُ لَنا، وَماذا نَقُولُ لَهُمْ ؟ .

                إِنّا تَرَكْنا شَيْخَنا وَكَبِيرنا وَسَيِّدَنا وِإِمامَنا وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّنا، لَمْ نَرْمِ مَعَهُ بِسَهْم، وَلَمْ نَطْعَنْ مَعَهُ بِرُمْح، وَلَمْ نَضْرِبْ مَعَهُ بِسَيْف، لاَ وَاللهِ يَابْنَ رَسُولِ اللهِ لاَ نُفارِقُكَ أَبَداً، وَلـكِنّا نَقِيكَ بِأَنْفُسِنا حَتّى نُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَنَرِدَ مَوْرِدَكَ، فَقَبَّحَ اللهُ الْعيشَ بَعْدَكَ » .

                هذه هي بصائر القوم، وهذا هو دينهم الذي دانوا به الله ورسوله وأهل بيته . . قد وطّنوا على الموت أنفسهم، وعلى الفداء أرواحهم، فلم يرهبهم ما عاينوه من تكاثر أهل حربهم، ولم يزلزلهم ما ينظرون إليه من ازدلاف ثلاثين ألفاً أو أكثر لفنائهم عن آخرهم .

                ولم ينسَ التاريخ ما سمعه مسلم بن عقيل سفير الحسين من بعضهم، وهو يلقي دعوة الحسين عليهم لنصرته، والإجابة لداعيته، فيقف عابس بن أبي شبيب الشاكري مبايعاً بقوله :

                « إنّي لا  اُخبرك عن النّاس، ولا  أعلم ما في نفوسهم، وما أغرّك منهم، ووالله ! إنّي اُحدّثك عمّا أنا موطّنٌ نفسي عليه، والله ! لاُجيبنّكم إذا دعوتم، ولاُقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله، لا  اُريد بذلك إلاّ ما عند الله » .

                ولم يفت نافع بن هلال أن يعبّر عمّا انطوت عليه سريرته فينادي مسلماً :

                « والله ! ما أشفقنا من قدر الله، ولا  كرهنا لقاء ربّنا، إنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَن والاك، ونعادي مَن عاداك » .

                ويتكلّم أصحابه بهذا وأشباهه . .

                لله درّكم من رجال، ولله درّكم من ميامين أبطال، وفيتم بما عاهدتم الله عليه، وصبرتم فنعم عقبى الدار .

 

5

                ويحطُّ رحل المنية في أرض لم يوافها من قبل، ويترجّل من جواده يأمرهم بالنزول، فقد استقرّت به رحلة الخلود إلى حيث كربلاء . . ويتطلّع مليّاً بعد أن جمع ولده وإخوته وأهل بيته . . وينظر إليهم مشفقاً ممّا سيحلّ بساحتهم من القتل على أيدي هؤلاء الذين ازدلفوا لحربهم فيقول :

                « اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّد، فقد اُخرجنا وطُردنا واُزعجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا .

                اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الظالمين » .

                وأقبل على أصحابه فقال :

                « النّاس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون » .

                ثمّ حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله وقال :

                « إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنا مِنَ الاَْمْرِ ما قَدْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَنَكَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُها، وَلَمْ تَبْقَ مِنْها إِلاَّ صَبابَةٌ كَصَبابَةِ الاِْناءِ، وَخَسيسُ عَيْش كَالْمَرعْى الْوَبِيلِ، أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ، وَإِلَى الْباطِلِ لاَ يُتَناهى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ في لِقاءِالله، فَإِنّي لاَ أَرى الْمَوْتَ إِلاَّ سَعادَةً وَالْحَياةَ مَعَ الظّالِمِينَ إِلاَّ بَرَماً» .

                ولم يفت الأنصار أن يعبّروا عمّا تكنّه ضمائرهم من التسليم لمصيرهم المحتوم، وما وطّنوا أنفسهم عليه من المنازلة شجعاناً شرفاء، ولأمر سيّدهم أوفياء، مستجيبين لدعوته، فرحين بما آتاهم الله من العزّة والكرامة .

                قام زهير يسمعه جميع أصحابه، ومَن حضر من أهل بيت الحسين (عليه السلام) فقال :

                « لَقَدْ سَمِعْنا يَابْنَ رَسُولِ اللهِ مَقالَتَكَ ، وَلَوْ كانَتِ الدُّنْيا باقِيَةً وَكُنّا فِيها مُخَلَّدِينَ لاَثَرْنَا النُّهُوضَ مَعَكَ عَلَى الاِْقامَةِ فِيها » .

                وشيخ قرّاء الكوفة وفقيهها ينبري هاتفاً على بصيرة من أمره وأمر أصحابه :

                « يَابْنَ رَسُولِ اللهِ، لَقَدْ مَنَّ اللهُ بِكَ عَلَيْنا أَنْ نُقاتِلَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَتُقَطَّعَ فِيكَ أَعْضاؤُنا ، ثُمَّ يَكُونُ جَدُّكَ شَفِيعُنا يَوْمَ الْقِيامَةِ » .

                أجل ـ والله ـ إنّها منّة الربّ وكرامته عليكم أيّها النبلاء، ترفلون بعزّةِ الجهاد بين يدي سيّدكم، وتدافعون عن حمى دين جدّه، فليس على وجه الأرض مَن يستشعر مصيره المحتوم مثلكم، وينتظر ما سيحلّ به فرحاً مستبشراً . .

                لم يكن نافع بن هلال قد اكتفى بما سمعه من بيعة الأبطال لسيّدهم، ففي صدره شيء يعتلجُ يخفيه، وقد حلّ وقت البوح به والحديث عنه :

                « أنت تعلم أنّ جدّك رسول الله لم يقدر أن يشرب النّاس محبّته، ولا  أن يرجعوا إلى أمره ما أحبّ، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل حتّى قبضه الله إليه، وأنّ أباك عليّاً كان في مثل ذلك، فقومٌ أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتّى أتاه أجله، فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضرّ إلاّ نفسه، والله مغن عنه، فسر بنا راشداً معافى، مشرّقاً إن شئت أو مغرّباً، فوالله ! ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي مَن والاك، ونُعادي مَن عاداك » .

                تاريخٌ مليءٌ بالغدر، وملاحم حافلةٌ بالخذلان، ونافع بن هلال وأمثاله على عهدهم أوفياء، ولبيعتهم صائنون . . وإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم تحفل ساحتهم بأشاوس أقاعس، فإنّ الحسين بن عليّ يقدّم إلى تاريخ الجهاد والإثرة والوفاء أصحاباً له أشاوس أوفياء، وأقاعس نبلاء . .

 

6

                ولم تنته هذه المشاهد من تجديد البيعة حتّى يستعدّ الأنصار خوض غمار الموت، ويبدأ القائد في ترسيم خطط المنازلة، فإنّ الميدان بحاجة إلى خطّة حرب تحفظ القلّة لسويعات من القتال، وقد عزم القوم على التضحية والفداء، دون سيّدهم وحرمه الكرام . . فأمرهم أن يقاربوا البيوت بعضها من بعض ليستقبلوا القوم من وجه واحد، وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه الحطب، لتضرم فيه النّار ساعة الحرب حتّى لا  يجوز إليهم العدوّ إلاّ من وجه واحد . .

                ويشتغل الأنصار في التهجّد والعبادة دون أن تأخذهم رقدة الراحة في هزيعِ ليل مظلم دامس، يخرج فيه قائدهم يتفقّد التلاع والعقبات . . فيتبعه نافع بن هلال البجلي وجِلاً على سيّده الحسين ألاّ يصيبه مكروه من مكامن الجيش الذي غفت أعينهم كما غفت قلوبهم، ويرقدون كما رقدت حظوظهم العاثرة عن كرامة الأحرار، ونُبلِ الأخيار، يضاجعون سوءة اختيارهم في أتعس مهمّة يندبهم إليها دهرهم الخؤون . . ويتحسّس الحسين (عليه السلام) وقعة أقدام حذرة، وأنفاس متصاعدة تُتابع الحسين من خلفه، فيلتفت الحسين ! « نافعٌ هذا ؟ ! .

                ما الذي أخرجك يا نافع ؟ ! » .

                قال : يابن رسول الله، أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي .

                فقال الحسين : « إنّي خرجت أتفقّد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون »، ثمّ رجع (عليه السلام) وهو قابض على يد نافع، ويقول :

                « هي هي والله وعدٌ لا  خلف فيه » .

                ثمّ قال له : « ألا  تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك ؟ » .

                فوقع نافع على قدميه يقبّلهما ويقول :

                « ثكلتني اُمّي، إنّ سيفي بألف، وفرسي مثله، فوالله ! الذي مَنَّ بك علَيَّ لا  اُفارقك حتّى يكلاّ عن فري وجري » .

                ينصرف الحسين (عليه السلام) ليدخل خيمة اُخته العقيلة متفقّداً اُمور العيال، مستخبراً حال اُخته التي ستحدق بها مهامٌ جسامٌ، بُعيد مصرعه الشريف .

                لم ينصرف نافع عن خيمة العقيلة متباطئاً حتّى سمع محاورتها للحسين (عليه السلام)، ولم يكد نافع ينصرف عن أمر خارت قواه عندما عَلِمَ ما ساورَ نفس زينب والهاشميّات من المخاوف وعدم الاطمئنان لمصير الحرب الدامية، ولموقف الأصحاب الذين قدِموا معهم، فقد ساورتها الشكوك من أنّهم قومٌ لا  يوثق بنواياهم إذا اشتدّ طِعان الفريقين، فطفقت تُحدّث أخاها عمّا يعتلجُ في مكنون نفسها المتوجّسة من مواقف القوم، قالت :

                « هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم، فإنّي أخشى أن يُسلموك عند الوثبة ؟ » .

                فقال لها : « والله ! لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني، استيناس الطفل إلى محالب اُمّه » .

                ولم يكد يصدّق نافع ما سمعه من قلق الهاشميّات على مصير سيّدهنّ الحسين، حتّى يعدو باكياً لينقل ما سمعه إلى شيخهم حبيب بن مظاهر . . فيضطرب الأصحاب ممّا سمعوه من قلق الهاشميّات، وينتفض حبيب قائلاً :

                « والله ! لولا  انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة » .

                قال نافع : « إنّي خلّفته عند اُخته، وأظنّ النساء أفقن وشاركنها في الحسرة، فهل لك أن تجمع أصحابك، وتواجهوهنّ بكلام يطيّب قلوبهنّ ؟ » .

                فقام حبيب ونادى :

                « يا أصحاب الحميّة، وليوث الكريهة » .

                يفزع الهاشميّون من أخبيتهم ليقطعوا صمتهم المهيب بالتوجّه في عبادة دائمة . . فلعلّ ما حدث يوجب عليهم النفور إلى نداء حبيب، فإنّهم يترقّبون المنازلة بين ساعة واُخرى، فيرجعهم حبيب :

                « ارجعوا إلى مقرّكم، لا  سهرت عيونكم » .

                فإنّ لحبيب شأناً مع أصحابه غير الهاشميّين، والمهمّة الطارئة تخصّ غير آل هاشم من الأصحاب . . فيسرد ما سمعه من نافع، وما دعاه أن يعبّئهم في هذه الساعة الطارئة . . فتعالت أصوات أصحابه بالهتاف قائلين :

                « والله الذي مَنَّ علينا بهذا الموقف لولا  انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة ! فطب نفساً، وقرّ عيناً »، فجزّاهم خيراً، وقال :

                « هلمّوا معي لنواجه النسوة، ونطيّب خاطرهنّ » .

                تقدّم حبيب أمام أخبية العيال شاهراً سيفه، منادياً بصوت يسمعه الجميع :

                « يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم، آلوا ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب مَن يريد السوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم، أقسموا ألا  يركزوها إلاّ في صدور مَن يفرّق ناديكم » .

                ولم يتمالكن النساء حين سماعهنّ لهذه البيعة الطارئة، حتّى أعولن بالبكاء وقلن :

                « أيّها الطيّبون، حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين » .

                فتعالى بكاء القوم حتّى كأنّ الأرض تميد بهم .

                فإنّهم أشاوس الحرب، وأقاعس العزّة والمنعة، كما وصفهم الحسين (عليه السلام) في حديثه السابق مع زينب .

 

7

                ولم نُقِمْ على ما أجمع عليه تصميم الأنصار من توطين نفوسهم على التضحية والفداء من أجل دينهم، ومن أجل الذود عن إمامهم وحرائر الرسالة، بل دعنا نُعرّج على ملاحم هؤلاء الأشاوس السعداء، فإنّ للتضحية سُراتها، وللفداء رجالهُ، وللبطولة ملاحمها، وللمواقف صُنّاعها .

                والذي نريد تقريظه غير دواع الشرف لدى بني الإنسان عندما تجيش شهاماتٌ فتتفجّرُ مواقفَ يقف التأريخ إجلالاً لها على صعيد الامتحان العسير بين مبادئ الحقّ ومظاهر الباطل، وبين جبلاّت الخير ونوازع الشرّ، وبين تسامي النفس التائقة للخلود ودواعي الخُلق الحابطة للسقوط، وبين ملاحم الخير كلّ الخير وملاحم الشرّ كلّ الشرّ . . فنقرأ مواقف رجال لم يحدّثنا التاريخ بمثل ما سمت إليه خلائقهم، وانطوت عليه نفوسهم، فأصبحوا مثلاً وقدوةً تصلح لكلّ خيّر حيّ يتحرّك في مسير صناعة تاريخ شريف، وبناء حضارة سامية . . وأي تاريخ هو أشرف من تاريخ عصابةِ حقٍّ قدّمت قراءةً للإنسانيّة بكلّ قيمها ومثلها . . وأي حضارة هي أسمى من حضارة التضحية والفداء . . وسنقرأ ملاحم ما تسامى إليه القوم من المجد والخلود، فبقدر ما نقرأ مواقفهم، نستلهم عبرهم، وبقدر ما تهزّنا مشاهد الوفاء لسيّدهم، تشدّنا عزائم الفداء لمبادئهم . . وستكون المواقف بقدر دلالات العظماء، فلكلّ عظيم عِظةٌ وعِبْرةٌ ودِلالة . . وهل هناك أعظم من دلالات ثورة الحسين . . وعِظة مواقفها الفريدة . . وعِبرة رجالها الأوفياء ؟ !

 

8

                وإذا كنّا في صدد التأبين، فإنّنا نؤبّن فتوةً، وننعى وفاءً، ونقرّظ شهامة . . فقد جمع العبّاس بن عليّ (عليهما السلام)، فتوّة أبيه، ووفاء اُمّه، وشهامة جدّه أبي طالب، وفي موقف يضاهي في عظمته تجليّات فتوة أبيه من صرامة تشوبها رأفة . . وشجاعة تخالطها رحمه.. وثبات يمازجه بصيرة.. وسطوة تسدّدها تقوى.. حاز عليٌّ مكرمات الشرفِ، ودواعي الفخار . . وقد وَرِثَ أشباله ذلك منه، فحازوا على سؤدده وسمته وهداه . .

                وإذا كان للوفاء ملاحمه تقرأها سيرةُ امرأة حزاميّة تسمّى فاطمة، وتلقّب باُمّ البنين، فقد ورث العبّاس من اُمّه تلك التركة الكريمةُ في أروع مواقف الوفاء والشرف مع أخيه الحسين (عليه السلام)، وإذا كانت للشهامة إثرتها في شخص أبي طالب، وقد عرفته قريش فتاها وسيّدها وشريفها، قد حاز من فخائر المجد ما يجعله جديراً بالدفاع عن ابن أخيه إبّان دعوته حتّى تصاغرت له تحدّيات جبابرة قريش وذؤبانها، فلم يسلمه عند مساومتها إيّاه على أن تبادله بكلّ شيء، جاهاً عريضاً، وسعة عيش خفيض، ليبادلها بكلّ شيء عنده وهو « محمّد » ابن أخيه، وقد ترعرع في عنفوان سؤدد عمّه أبي طالب وشهامته المنقطعة النظير .

                والعبّاس بن عليّ (عليهما السلام) يُعيدُ في ساعة واحدة تاريخ الفتوة العلويّة، والشهامة الطالبيّة، والوفاء الفاطمي ـ الحزامي .

                روي أنّ العبّاس بن عليّ (عليهما السلام) لمّا رأى ما حلّ بالحسين 7 من الغربة والوحدة، وقد قُتل أصحابه وأهل بيته، استأذن الإمام (عليه السلام) بالقتال، فقال (عليه السلام) :

                « يا أخي، أنت صاحب لوائي »([6]) .

                قال العبّاس: « قدضاق صدري من هؤلاءالمنافقين، واُريد أن آخذ ثأري منهم» .

                فأمره الحسين (عليه السلام) أن يطلب الماء للأطفال، فذهب العبّاس إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّار، فلم ينفع، فنادى بصوت عال :

                « يا عمربن سعد، هذاالحسين ابن بنت رسول اللّه قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول : دعوني أذهب إلى الروم أو الهند، واُخلّي لكم الحجاز والعراق »،
فأثّر كلامه في نفوس القوم، حتّى بكى بعضهم، ولكن الشمر صاح بأعلى صوته :

                « يابن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد » .

                فرجع إلى أخيه يخبره، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش، فلم تتطامن نفسه على هذا الحال . . ثمّ إنـّه ركب جواده وأخذ القربة، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال فلم ترعه كثرتهم، وأخذ يطرد اُولئك الجماهير وحده، ولواء الحمد يرف على رأسه، ولم يشعر القوم أهو العبّاس يجدّل الأبطال أم أنّ الوصيّ يزأر في الميدان، فلم تثبت له الرجال، ونزل إلى الفرات مطمئنّاً غير مبال بذلك الجمع .

                ولمّا اغترف من الماء ليشرب تذكّر عطش الحسين ومَن معه، فرمى الماء وقال :

يا نفس من بعد الحسين هوني***وبعده لا  كنت أو تكوني

هذا الحسين وارد المنون***وتشربين بارد المعين

تا الله ما هذا فعال ديني***      ثمّ ملأ القربة وركِبَ جواده وتوجّه نحو المخيّم فقُطع عليه الطريق، وجعل يضرب حتّى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق، وهو يقول :

لا  أرهب الموت إذا الموت زقا***حتّى اُوارى في المصاليت لقى

نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا***إنّي أنا العبّاس أغدو بالسقا

ولا  أخاف الشرّ يوم الملتقى***            فكمن له زيد بن الرقّاد الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي، فضربه على يمينه فبراها، فقال 7 :

والله إن قطعتمُ يميني***إنّي اُحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين***نجل النبيّ الطاهر الأمينِ

                فلم يعبأ بيمينه بعد أن كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله، ولكن حكيم بن الطفيل كمن له من وراء نخلة، فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها، وتكاثروا عليه، وأتته السهام كالمطر، فأصاب القربة سهم واُريق ماؤها، وسهم أصاب صدره، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته، وسقط على الأرض ينادي : « عليك منّي السلام أبا عبدالله »، فأتاه الحسين (عليه السلام)([7]) .

                وكانت له المنزلة السامية عند أئمّة آل البيت (عليهم السلام)، فلا  يذكرونه إلاّ بالإجلال والإعظام، فقد روى الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني مسنداً عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال : « رحم الله العبّاس ـ يعني بن عليّ ـ فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كـمـا جعل لجعفر بن أبي طالب، وأنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة »([8]) .

                وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) : « كان عمّنا العبّاس بن عليّ (عليه السلام) نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين (عليه السلام)، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً » .

                وعدّه العلاّمة المامقاني من فقهاء الهاشميّين قائلاً : « وقد كان من فقهاء أولاد الأئمّة (عليهم السلام)، وكان عدلاً ثقةً تقيّاً نقيّاً »([9]) .

 

9

                لم يكد مسلم ينتصرُ دونما تنتصر معه مبادئ الشرف والرجولة . . ولم يبحث مسلم عن نصر مزيّف دون أن يوطّدَ لنصر مبادئ دينه موطئاً يتّخذه من بعده ذوو الشرف ملحمة جهاد طويل ينتصرون بها على كلّ غيلة، وينتصرون فيها لكلّ فضيلة ومكرمة وفتوّة .

                ولو دار الأمرُ في مهمّة مسلم بن عقيل (عليه السلام) بين نصره العاجل دون مراعاة قيمه ومبادئ قضيّته، وبين أن تُزهق نفسه في عباب وغى الأسنّة المشرعة على أن يحيا شرف المبدأ وعفّة القضيّة، لآثر الموت على الحياة، والهلكةَ على النجاة، وأنّى لمسلم أن يلتمس مواضع النصرِ بالغدرِ، والحياة بالغيلة، والنجاة بالفتكِ، وقد جاء ليعلن مبادئ ثورة الحسين (عليه السلام) التي أعلن فيها أنـّه جاء لطلب الإصلاح في اُمّة جدّه، وأيّ إصلاح في طلب العافية، وهو يتربّص لعدوّه موارد الأمان حين أسلم ابن زياد إلى مقتضيات الضيافة، ودواعي النبل التي اتّسم بها شيخ مذحج وسيّدها، وشريف همدان وأميرها . . وما الذي يقوله المتربّصون غداً في محاولة كهذه، غير أنّ مسلم جاء راجياً للغلبة بكلّ طريقة حتّى لو استوجبت غدراً، وبكلّ وسيلة حتّى لو استلزمت سفكاً لأعراف الضيافة كما هي تسفك دماء خصومه دون حرمة، هكذا سيقولها السفهاء من أهل الأهواء، دون حريجة في دين، أو مسكة من تقوى يتورّع فيها ذوو الإنصاف وهم يقرؤون تاريخ مسلم ودواعي مجيئه، وقد بعثه الحسين (عليه السلام)استجابة لنداء المستصرخين الذين دعوه للبيعة ثمّ أسلموه عند الوثبة .

                إذن لم تكن دواعي النهضة الحسينيّة النصرالعاجل بقدرماكانت تصبولترسيخ مبادئ دين، وأعراف اُمّة، سحقتها أعراف سياسة، ومبادئ سطوة، وطيش سلطان .

                عند وصوله الكوفة ينزل شريك بن عبدالله الأعور الحارثي مع مسلم بن عقيل في بيت هاني بن عروة، فمرض شريك مرضاً شديداً عاده فيه ابن زياد، وقبل مجيئه قال شريك لمسلم (عليه السلام) :

                « إنّ غايتك وغاية شيعتك هلاكه، فأقم في الخزانة حتّى إذا اطمأن عندي اخرج إليه واقتله، وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية » .

                وبينما هم على هذا إذ قيل : الأمير على الباب، فدخل مسلم الخزانة، ودخل عبيدالله على شريك، ولمّا استبطأ شريك خروج مسلم جعل يأخذ عمامته من على رأسه ويضعها على الأرض، ثمّ يضعها على رأسه، فعل ذلك مراراً، ونادى بصوت عال يُسمع مسلماً :

ما تنظرون بسلمى لا  تحيوها***حيّوا سليمى وحيّوا مَن يحيها

هل شربة عذبة أسقى على ظمأ***ولو تلفت وكانت منيتي فيها

وإن تخشيت من سلمى مراقبةً***فلست تأمن يوماً من دواهيها

                ولم يزل يكرّره وعينه رامقة إلى الخزانة، ثمّ صاح بصوت رفيع يُسمع مسلماً :

                « اسقونيها ولو كان فيها حتفي » .

                فالتفت عبيدالله إلى هاني وقال : « ابن عمّك يخلط في علّته »، فقال هاني : « إنّ شريكاً يهجرمنذ وقع في علّته، وأنـّه ليتكلّم بما لا  يعلم » .

                فقال شريك لمسلم ـ بعد خروج ابن زياد ـ : « ما منعك منه ؟ »، قال : « خلّتان :

                الاُولى: حديث عليّ(عليه السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) :أنّ الإيمان قيدالفتك،ولا يفتك مؤمن .

                والثانية : امرأة هاني، فإنّها تعلّقت بي وأقسمت علَيَّ بالله أن لا  أفعل هذا في دارها، وبكت في وجهي » .

                فقال هاني : « يا ويلها، قتلتني وقتلت نفسها، والذي فرّت منه وقعت فيه »([10]) .

 

10

                ولم تكن رسالة عبدالله بن يقطر تختصّ بالكوفيّين، بقدر ما هي رسالةٌ يبلغها ابن يقطر إلى جميع الأحرار وأهل البصائر من كلّ جيل، يبلّغهم أنّ الثبات على المبدأ ومناصرة الحقّ يهون عنده كلّ عظيم، وتصغر في شأنه كلّ كلمة،وتضمحلّ من أجله
كلّ نازلة نزلت في ساحة اُولئك الأبطال من أهل البصائر . . وماالذي ينتظره عبدالله غيرالشهادة، وقد وطّن نفسه على أن ينالها صابراً محتسباً يُجالدُ أهل الكفر، ويفضحُ ذوي النفاق الذين سمعوا رسالته، وأداروا بطرفهم عمّادعاهم إليه،وندبهم له . . وهل بقيت بعدواقعة ابن يقطر مندوحةً لهؤلاءالمنافقين من التخاذلوالتخلّف والنكوص ؟

                وإذا    كان عبدالملك بن عمير قاضي الكوفة قد قضى على جريح أنهكته رميةَ شاهق ليذبحه بمدية الفقهاء، الذين تفقّهوا من أجل دنياهم، وزهدوا عن كلّ مكرمة وفضيلة ليفتي ـ مثل هذا ـ أنّ من حقّ فقهاء السلطان وقضاة القصر أن يرتكبوا كلّ شائنة وخسيسة من شأنها رضا السلطان والتزلّف إلى بابه، وما الذي ترجوه من فقهاء البلاط أن يقدّموه سوى شهر سلاح الدين ليقتلوا به كلّ مبدأ، ويذبحوا كلّ فضيلة، تخوّلهم بذلك أعراف المناصب .

                قال أهل السير : إنّ عبدالله بن يقطر سرّحه الحسين (عليه السلام) إلى مسلم بن عقيل بعد خروجه من مكّة في جواب كتاب مسلم إلى الحسين (عليه السلام) يسأله القدوم، ويُخبره باجتماع النّاس، فقبض عليه الحصين بن نمير بالقادسيّة، وأرسله إلى عبيدالله بن زياد، فسأله عن حاله، فلم يخبره، فقال له : اصعد القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب، ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيي .

                فصعد القصر، فلمّا أشرف على النّاس، قال : « أيّها النّاس، أنا رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدعي ابن الدعي » .

                فأمر به عبيدالله فاُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فتكسّرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه عبدالملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة وفقيهها، فذبحه بمدية، فلمّا عيب عليه، قال : « إنّي أردتُ أن اُريحه »([11]) .

 

11

                وإذا كان التفاني من أجل المبدأ وقائده غاية التضحية والفداء، فإن أسلم وواضح يقدّمان أغلى ما يملكانه وهو النفس ; ترخص من أجل سيّدها الحسين (عليه السلام)، وإذا كان القائد ـ أي قائد ـ يُدين لجنوده ومضحّيه حينما يبذلون عطاء التضحية ـ وهي النفس ـ من أجله، ويجعلون ذلك مِنّةً يمتنّون بها عليه، فإنّ في عُرفِ أنصار الحسين خلاف ذلك، فمعادلات العطاء تتغيّر مفاهيمها عندئذ، ففي عُرفِ أنصار الحسين 7 أن تكون لقائدهم المنّةُ عليهم، والفضل له، بأن نسبهم إلى نفسه، وأوسمهم سمة الخلود بأنّهم « أنصار الحسين »، وأدخلهم في حوزة الناصرين له، والمدافعين عنه، وهل أرقى من أن تصل النفس إلى أن تنكر ذاتها لتحيي نفس الحسين (عليه السلام) ؟

                وهل أبلغ من موقف المحتضر وقد سقط من أجل الدفاع عن الحسين وحرمه الطاهر ليفتخر أنـّه من أنصار الحسين ؟ وإذا كان المضحّي بنفسه يتحرّى مواضع الخلود بتأبين يصدرُ من قائده، فإنّ أنصار الحسين على خلاف ما عهدناه، فإنّهم يؤبنون قائدهم، ويقرّظون سيّدهم، وهم في الرمق الأخير من جراحات ينذهلُ من وقعها القلب، وتطير معها الألباب، ليُسمعوا الأجيال قولتهم الخالدة :

                « مَن مثلي وابن رسول الله واضعٌ خدّه على خدّي » .

                كان أسلم من موالي الحسين (عليه السلام)، وكان أبوه تركيّاً، وكان ولده أسلم كاتباً . قال بعض أهل السير والمقاتل أنـّه خرج إلى القتال وهو يقول :

« أميري حسين ونِعم الأمير***سرور فؤاد البشير النذير »

                فقاتل حتّى قُتل، فلمّا صُرع مشى إليه الحسين (عليه السلام)، فرآه وبه رمق يومي إلى الحسين (عليه السلام)، فاعتنقه الحسين ووضع خدّه على خدّه، فتبسّم وقال :

                « مَن مثلي وابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضع خدّه على خدّي »، ثمّ فاضت نفسه رضوان الله عليه([12]) .

                وروى السيّد المقرّم (رحمه الله) في مقتله أنّ الذي افتخر بذلك هو واضح التركي مولى الحسين (عليه السلام)([13]) .

 

12

                لم تنقطع المسافة بين بدر القتال([14]) وكربلاء الدامية، ألفُ فرسخ من الخُطى، وستّة عقود من الزمن، يُعيدها شيخٌ أنهكته صراعات الأحداث، وخَبِرته تجارب أيّام مريرة . . سقيفة . . صفّين . . جمل . . نهروان . . صلحٌ مشروط  . . وإمارة كسرويّة غير مشروطة . . تخاذل . . نكوص . . غدر . . نقضٌ ثمّ بيعة . . وبيعة ثمّ نقض . . مسلسل من تجارب الصراع بين الحقّ والباطل . . الخير والشرّ . . الثبات والخديعة . . والفتوّة والحيلة . . الفضيلة والرذيلة، احدودب ظهره مع تعرّجات الربى المترامية في سهول خارطة الأحداث التي خاضها ذلك الشيخ الكاهلي، ثمّ الأسدي . . أنس بن الحارث أو الحرث، يُعيدُ بدر في أرض كربلاء . . ويربط حضورهُ بين قائد بدر وسيّد كربلاء . . صورة جديدة من الصراع يعيدها حضور ذلك الشيخ البدري . . فالذي خرج مع محمّد النبيّ (صلى الله عليه وآله)الداعي إلى دين الله، يخرج اليوم مع سبطه الداعي إلى إحياء دين الله . . صورة قبل ستّة عقود يعيدها أنس، وبدر مكّة يعيدها في بدر كربلاء . . أكثر من ثمانين غزوة وسرية بقيادة النبيّ (صلى الله عليه وآله)وتوجيهه الشريف يعيدها أنس إلى ذاكرة التاريخ في ساعة واحدة . . أجل واحدة فقط ذلك ظهر عاشوراء . . حيث سبط النبيّ يقف بين صفوف القتال معتّماً بعمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، محتبياً ببردته، ناشراً مصحفه، شاهراً سيفه، وروح رسول الله (صلى الله عليه وآله)بين جنبيه . . فما الفرق بين البدرين ؟  . . بدر مكّة وبدر كربلاء . . وأنس البدري بالأمس يشهد كربلاء اليوم، ويقاتل عِير قريش كما قاتلها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واليوم مع سبطه الحسين (عليه السلام) . . بالأمس أبو سفيان قائد تحالف الكافرين، واليوم حفيده قائد عُصبُ المنافقين . . ومشاهد اليوم تعيد مشاهد الأمس، فذلك تحالف كفر ونفاق، واليوم تحالف غدر ونفاق . .

                أليس هو من أهل بدر وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم : « لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنّة، أو قد غفرت لكم »([15]) .

                فمتى كان أهل بدر على غير هدى، وهل من وجبت له الجنّة ينحاز إلى ضلال ؟ !

                ألا  يعني موقف أهل بدر يوم كربلاء إعادة لتاريخ بدر، موقفٌ بموقف، وقائدٌ بقائد، وأصحابٌ بأصحاب ؟ !

                إنّها سنّةٌ تاريخ، وسنّة حقّ، وسنّة باطل . . وتاريخٌ يعيد نفسه، تقرأه في بدر محمّد (صلى الله عليه وآله)، كما نقرؤه اليوم في بدر سبطه الشهيد، فما الفرق بين البدرين ؟ ! كان أنس بن الحارث الكاهلي شيخاً كبيراً صحابيّاً، رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسمع حديثه، وشهد معه بدراً وحنيناً، فاستأذن الحسين، وبرز شادّاً وسطه بالعمامة، رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولمّا نظر إليه الحسين بهذه الهيئة بكى، وقال :

                « شكر الله لك يا شيخ »، فقَتل على كبره ثمانية عشر رجلاً، وقُتل([16]) .

                وعنونه الشيخ السماوي بأنس بن الحرث الأسدي الكاهلي، وقال :

                « وكان فيما سمع منه وحدّث به ما رواه جمٌّ غفير من العامّة والخاصّة عنه أنـّه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ـ والحسين بن عليّ في حجره ـ : إنّ ابني هذا يُقتل بأرض من أرض العراق، ألا  فمن شهده فلينصره، ذكر ذلك الجزري في اُسد الغابة، وابن حجر في الإصابة، وغيرهما، ولمّا رآه في العراق شهد نصره وقتل معه » .

                روى أهل السير أنـّه لمّا جاءت نوبته استأذن الحسين (عليه السلام) في القتال، فأذن له، وكان شيخاً كبيراً، فبرز وهو يقول :

قد علمت كاهلها ودودان***والخندفيّون وقيس عيلان

بأنّ قومي آنة للأقران([17])*** وكاهل ودودان بطنان من أسد بن خزيمة .

                وقال ابن حجر العسقلاني في الإصابة : « قال ابن مندة : عداده في أهل الكوفة »، وقال البخاري : « أنس بن الحرث، قتل مع الحسين بن عليّ، سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) »([18]) .

                وقال ابن عبدالبرّ : « أنس بن الحارث، روى عنه سليم والد الأشعث بن سليم، عن النبيّ 9 في قتل الحسين، وقتل مع الحسين (رضي الله عنه) »([19]) .

 

 

13

                لم يجد ابن عوسجة ما يستحقّ أن يوصي به غير ما أهمّه وأقلقه . . وإذا كان المحتضر ينظر إلى ما حوله من متاع الدنيا حسرةً على ما فاته منه، فإنّ مسلماً لا  يرى غير هدفه الذي ضحّى من أجله . . وما شأن العيال والأولاد والأموال في نظر ابن عوسجة غير ما تساوي لحظةً من لحظات النصرة والفداء بين يدي الحسين (عليه السلام) . .

                عجباً للقوم فقد طلّقوا دنياهم، وتعلّقوا بعالم لا  يرون فيه غير الحسين (عليه السلام) . . شعورٌ عجيب، وإحساسٌ أعجب . . تُلغى الذوات في عالم « أنصار الحسين » فلا  تجد ذات « الأنا » تُزاحم ذات الفداء، وأي شيء يستشعره مسلم وغير مسلم من هؤلاء الصفوة بعد أن فارقت أرواحهم أجسادهم، وهم يلجون عالم الفداء . . أجل انتهى كلّ شيء في نظر هؤلاء الأبرار، وكأنّ الدنيا لم تُخلق ولم يكن لأحد منهم فيها شغل . . تجرّدٌ بديع، وخلوة رائعة يعيشها كلٌّ منهم . . إنّهم ولدوا من جديد، ودخلوا عالماً لم يتذوّقوا حلاوة طعمه من قبل، فأشغلهم عن لذيذ الدنيا وحلاوتها . . وما بال مسلم وأمثاله تشغلهم دنياهم عمّا هم فيه، وما الذي يوصي به مسلم من متاع الدنيا، وهل هو إلاّ شغلٌ شغله عن الدنيا وما فيها غير وَلَهِ الحسين وحبّه . . إنّ مسلماً لا  يرى أمامه غير الحسين (عليه السلام) في هذه الدنيا، ولم يشغله غير نصرة الحسين (عليه السلام)، فهل أروع من هذا الشعور . . وهل أحلى من تلك الوصيّة المرتسمة على شفة المحتضر الجريح . . « يا حبيب ! اُوصيك بهذا، أن تموت دونه . . » .

                روى أرباب المقاتل : لمّا صُرع مسلم بن عوسجة مشى إليه الحسين ومعه حبيب ابن مظاهر، فقال له الحسين :

                « رحمك الله يا مسلم، منهم مَن قضى نحبه، ومنهم مَن ينتظر وما بدّلوا تبديلاً » .

                ودنا منه حبيب وقال : « عزّ علَيَّ مصرعك يا مسلم، ابشر بالجنّة »، فقال بصوت ضعيف : « بشّرك الله بخير »، قال حبيب : « لو لم أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليّ ما أهمّك »، فقال مسلم « اُوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين ـ أن تموت دونه » . قال : « أفعل وربّ الكعبة » .

                وفاضت روحه بينهما، وصاحت جارية له : « وا مسلماه، يا سيّداه، يابن عوسجتاه »، فتنادى أصحاب ابن الحجّاج : قتلنا مسلماً ([20]) .

                فقال شبث بن ربعي : « ثكلتكم اُمّهاتكم ! إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة، أمَ والذي أسلمت له، لربّ موقف له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستّة من المشركين قبل أن تتام خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون ؟ »([21]) .

                قال ابن سعد في طبقاته : « وكان صحابيّاً، ممّن رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وروى عنه الشعبي، وكان فارساً شجاعاً، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلاميّة » .([22])

 

14

                الصلاةُ تعني الخضوع، وتُلازم الاطمئنان، وتساوق التوجّه، وهي الدعاء والتضرّع والانقطاع إلى الله تعالى . .

                والحرب تعني الصرامة، وتلازم المثابرة، وتساوق التوجّس، وهي القتال والجِلادُ ومقارعة الأبطال . .

                وفرقٌ بين الخضوع والصرامة، وبين الاطمئنان والمثابرة، وبين التوجّه والتوجّس . . متعاكسان حقّاً في السلوك، ومتناقضات أن يجمع المرءُ بينها في وقت واحد وزمان واحد . .

                وإذا خلى الإنسان من حال أمكنه التحلّي بنقيضها، أو اشتغل بحال صَعُبَ عليه التفرّغُ لخلافها . . أمّا أن يجمع الإنسان بين شيء ونقيضه، فإنّ ذلك ضربٌ من المفارقةِ، وظرفٌ من المصادفةِ تطرأُ لبعض دون بعض، ولأفراد دون آخرين . . وهكذا فقد يعزُّ على الإنسان أن ينشغل بأمرين أحدهما يخالف الآخر هيئةً وعملاً وشأناً، وإذا وجدنا مثل هذه الحالات النادرة، والمفارقات العجيبة، فإنّنا نطلق على هذا الأمر خصوصيّةِ الندرةِ، وعلى صاحبها صفة العظمةِ . . وقد يعزُّ في بني الإنسان مثل هذا النوع من العظمة، فإنّ للعظمة حظّها أن يمتاز العظيم بصفة أو ببعض الصفات تجعلهُ قميناً إلى حيازة مثل هذا الثناء والتبجيل، أمّا أن يحظى بجميع صفات العظمة فهذا ما يجعلنا أن نبحث عن وصف يكون جديراً ليُسبغَ على مثل هؤلاء . . ولا  نجد أعظم من أن نصفهم بأنّهم « أنصار الحسين » . . فإنّ ذلك أحرى بأن تكون شارة خلود، ووسام تبجيل . .

                ولا تعني الصلاة في عرف« أنصار دين الله » غير شارة النصرِتُزيّنُ صدر الأبطال، والنشوة التي يأنس بها العارفون، وهو سرّ قول الإمام (عليه السلام) في دعائه لأبي ثمامة الصائدي : « جعلك الله من المصلّين الذاكرين »، وليس بين الصلاة والجهادِ حدودٌ متفاصلة، ولا  خطوط متقاطعة، ولا  جهات متباعدة تومئُ إلى الفرق بين المعنيين سوى ملحمتي العبادة والتقرّب إلى الله، وليس الصلاة إلاّ قربان الروح تُقدّم بين يدي الله تعالى، والجهادُ قربان الجسد يرتفع إلى مراتب الخلود، ويسمو في مدارج العظمة، ويشمخُ إلى رضوان الله . . هذه هي صلاة الأبطال، تسمعُ فيها تراتيل التضحية، كما تسمعُ فيها تهجّد الخشوع ; لأنّها اُنشودة خلود، وملحمة فِداء ..

                روى أبو مخنف : أنّ أبا ثمامة لمّا رأى الشمس يوم عاشوراء زالت، وأنّ الحرب قائمة، قال للحسين (عليه السلام) : « يا أبا عبدالله، نفسي لنفسك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا  والله لا  تُقتل حتّى اُقتل دونك إن شاء الله، واُحِبُّ أن ألقى الله ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها » .

                فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه ثمّ قال : « ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين . نعم، هذا أوّل وقتها »، ثمّ قال : « سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي »، فسألوهم، فقال الحصين بن نمير : « إنّها لا  تُقبل منكم » .

                فقال له حبيب : « زعمت إنّها لا تقبل من آل رسول الله وتقبل منك يا حمار ؟ ! » .

                فحمل الحصين وحمل حبيب . . إلى آخر القصّة([23]) .

 

15

                كان القوم تساقُ قلوبهم قبل أجسادهم إلى حيث أيقنوا أنـّه الخلود . . وتُزفُّ أرواحهم إلى حيث يتعانقون مع الحور العين، كما يتعانقون مع الموت الذي هو اُنسهم ووسيلتهم . . وما أحلى الموت إذا أيقن الإنسان بالخلود، وما أروع التضحية حينما تعزُّ النفوس، وروائع الأنصار في ملاحم الموت تكمن في تلهّفهم باللحوق في ركب الفداء . . وتعجّلهم في استيفاء قدر المهمّة، وتنجيز واجب الدفاع . . وسرمديّة البقاء تتشوّفُ إليها طلائع الأبرار ليؤدّوا مهمّتهم ومن ثمّ اللحوق لمعانقة الحور . .

                جعل برير بن خضير يهازل عبدالرحمن بن عبد ربّه ويضاحكه، فقال عبدالرحمن : « دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل » .

                فقال برير : « والله ! لقد عَلِمَ قومي أنّي ما أحببت الباطل شاباً ولا  كهلاً، ولكنّي والله لمستبشر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن نحمل على هؤلاء، فيميلون علينا بأسيافهم، ولوددت أن مالوا بها الساعة([24]) .

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]. مقتل الحسين (عليه السلام) / السيّد عبدالرزّاق المقرّم : 136 .

[2]. مقتل الحسين (عليه السلام) / السيّد عبدالرزّاق المقرّم : 134 .

[3]. مقتل الحسين (عليه السلام) / السيّد عبدالرزّاق المقرّم : 138 .

[4]. الشائع أنّها امرأته، كما في بعض المقاتل، كالسيّدالمقرّم وغيره، والظاهر أنّها أُختُهُ، كما عن إبصار العين للشيخ محمّد السماوي، وهو الأقرب بعد أن أثبت العلاّمة السماوي أنّهاالنوار بنت جابر .

[5] . إبصار العين / السماوي : 97 .

                                ولا  تذهبنّ بك المذاهب أنّ هؤلاء القتلة كانوا غير عارفين للحسين(عليه السلام) ومنزلته عند الله، بل هم يعرفون بطلان الوجهة التي يتوجّهون إليها، وسوء العاقبة لما يقدمون عليه، فهذا أبو حريث السبيعي لعنه الله ممّن خرج إلى حرب الحسين يعترف ببطلان أمره وخسارة صفقته، وكونه الهلاك والعار، ثمّ النّار .

                                روى الضحّاك بن قيس المشرقي ـ وكان بايع الحسين (عليه السلام) على أن يحامي عنه ما ظنّ أنّ المحاماة تدفع عن الحسين (عليه السلام)، فإن لم يجد بدّاً فهو في حلّ ـ قال : بتنا ليلة العاشر، فقام الحسين (عليه السلام)وأصحابه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون، فمرّت بنا خيل تحرسنا وأنّ الحسين (عليه السلام) ليقرأ : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *  مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) ] آل عمران : الآيتان 178 و 179 [، فسمعها رجلٌ من تلك الخيل فقال : نحن وربّ الكعبة الطيّبون، ميّزنا منكم . قال : فعرفته، فقلت لبرير : أتعرف مَن هذا؟

                                قال : لا   .

                                قلت : أبو حريث عبدالله بن نهر السبيعي، وكان مضحاكاً بطّالاً، وكان ربّما حبسه سعيد بن قيس الهمداني في جناية، فعرفه برير، فقال له : أمّا أنت فلن يجعلك الله في الطيّبين .

                                فقال له : مَن أنت؟

                                قال : برير .

                                فقال : أنا لله أعزز علَيَّ، هَلكتُ والله، هلكتُ والله يا برير .

                                فقال له برير: هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام، فوالله! إنّا لنحن الطيّبونوأنتم الخبيثون.

                                قال : وأنا والله على ذلك من الشاهدين .

                                فقال : ويحك أفلا  تنفعك معرفتك؟

                                قال : جعلت فداك، فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي، هاهو ذا معي .

                                قال : قبّح الله رأيك، أنت سفيه على كلّ حال .

                                قال : ثمّ انصرف عنّا .

[6] . يشير الامام الحسين (عليه السلام) إلى خطورة مهمّة العبّاس (عليه السلام)، وما يصيب العبّاس (عليه السلام)من سوء، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تخلخل وضع الحسين (عليه السلام)العسكري رغم أنّ الجيش قد مُني جميعاً ولم يبق سوى العبّاس (عليه السلام)، ممّا يدلّل على أهمّية العبّاس (عليه السلام) في هذه المعركة، وكون الجيش الأموي يرى أنّ العبّاس يمثّل جيشاً كاملاً، وقوّةً يجب حسابها، والإمام الحسين (عليه السلام)يعلم ما يحسبه القوم من موقف العبّاس ومكانته القتاليّة، لذا فهو وحده اُمّة من المقاتلين، وجيش من المحاربين، وقتل العبّاس (عليه السلام) يعني التسريع في حسم المعركة عسكريّاً لصالح الأعداء، والإمام الحسين (عليه السلام)حريصٌ على بقائه، فضلاً عن مكانته ومنزلته في توازن الحرب التي جاءت عن آخر جيشه ولم يبق سوى العبّاس (عليه السلام) الذي ستكون شهادته المسألة الحاسمة في نهاية المعركة عسكريّاً لصالح الجيش الشامي .

[7]. مقتل الحسين (عليه السلام) / المقرّم : 269 .

[8]. الخصال / الصدوق : 68 .

[9]. تنقيح المقال : 2/128 .

[10]. مقتل الحسين (عليه السلام) : 151 .

[11]. إبصار العين في أنصار الحسين (عليه السلام) : 69 .

[12]. إبصار العين : 71 .

[13] . مقتل الحسين (عليه السلام) / السيّد المقرّم : 249 .

[14]. كما عرّفها مؤرّخو المغازي، وممّن أطلق ذلك الواقدي في مغازيه، وبدر القتال تعني أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد أذن للمسلمين مقاتلة المشركين بعد ما تحيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انصراف العِير من الشام، وكانت هناك سرايا وغزوات قُبيل بدر القتال، مهّدت الظروف للمواجهة بين المسلمين والمشركين، وكانت سرية حمزة بن عبدالمطّلب، وسرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، وسرية سعد بن أبي وقّاص إلى الخرار وغزوة الأبواء وغزوة بواط وغزوة بدر الاُولى وغزوة ذي العشيرة، وكانت هذه الغزوات بقيادة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وسرية نخلة وأميرها عبدالله بن جحش، فكانت هذه الغزوات والسرايا ممهّدات لبدر القتال ولم تكن بدر مجرّد غزوة معترضة في حياة المسلمين، بل هي نتيجة صراع عسكري ـ قتالي بادروا إلى إحداثه المسلمين وجرّوا المشركين للقتال . فليلاحظ ذلك من كتب المغازي والتاريخ .

[15]. صحيح البخاري ـ فضائل الصحابة ـ باب فضل أهل بدر .

[16]. مقتل الحسين (عليه السلام) / السيّد المقرّم : 252 .

[17]. إبصار العين : 74 .

[18]. الإصابة في تمييز الصحابة : 1/68 .

[19]. الاستيعاب في معرفة الأصحاب : 6/74 .

[20]. مقتل الحسين (عليه السلام) / المقرّم : 240 .

[21] و 3. إبصار العين : 84 .

 

[23]. إبصار العين : 79 .

[24]. إبصار العين : 94 .

أضف تعليق

كود امني
تحديث

توصية سماحة آية الله الإصفهاني بقراءة هذا الدعاء كل يوم أماناً من مرض كرونا
loading...
telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ ذي الحجة

تبليغ سورة براءة «التوبة»

المزید...

٥ ذي الحجة

1) غزوة سويق. 2) شهادة الامام الجواد(ع).

المزید...

٦ ذي الحجة

1) زواج علي و فاطمة (عليهما السلام). 2) هلاك المنصور الدوانيقي

المزید...

٧ ذي الحجة

1) شهادت الامام الباقر(ع). 2) الامام الكاظم(ع)‌في سجن البصرة.

المزید...

٨ ذي الحجة

1) خروج الحسين(ع) من مكّة إلى العراق. 2) خروج مسلم بن عقيل نحو العراق. ...

المزید...

٩ ذي الحجة

1) يوم عرفة. 2) في مقتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة. 3) سدّ الابواب. ...

المزید...

١٠ ذي الحجة

1) عيد الاضحى المبارك. 2) استشهاد عبدالله المحض بن الحسن المثنى مع ثلّة من أبناء الحسن المجتبى. ...

المزید...

١١ ذي الحجة

افشاء سرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل عائشة وحفصة

المزید...

١٣ ذي الحجة

1) معجزة انشقاق القمر. 2) بيعة العقبة الثانية.

المزید...

١٤ ذي الحجة

في اليوم (14) من ذي الحجّة وقعت « قصة فدك » فدك بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والزهراء (عليها السلام) ...

المزید...

١٥ ذي الحجة

ولادة الامام عليّ بن محمد الهادي

المزید...

١٨ ذي الحجة

1) غدير خم. 2) يوم الدار وقتل عثمان. 3) بيعة المسلمين للامام على(عليه السلام). ...

المزید...

٢٠ ذي الحجة

قتال ابراهيم بن مالك الاشتر وعبيد الله بن زياد

المزید...

٢٢ ذي الحجة

شهادة الصحابي الجليل لأميرالمؤمنين ميثم التمّار

المزید...

٢٤ ذي الحجة

1ـ مباهلة نصارى نجران. 2ـ تصدّق أميرالمؤمنين(عليه السلام) بخاتمه وهو في الصلاة. 3ـ موت الواثق بالله العباسي....

المزید...

٢٥ ذي الحجة

1ـ نزول سورة (هل أتى) ـ‌ (الانسان) ـ (الدهر) بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) 2ـ بيعة اميرال...

المزید...

٢٦ ذي الحجة

مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب

المزید...

٢٧ ذي الحجة

1) مقتل مروان الحمار وانقراض الحكم الاموي. 2) وفاة السيد الجليل عليّ بن جعفر(عليهما السلام). ...

المزید...

٢٨ ذي الحجة

واقعة الحرَّة  

المزید...
012345678910111213141516171819
سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page