بعد سفر آية الله الشيرازي إلى سامراء سنة 1291 ه .ق انصبّ جلّ اهتمام السيّد في تدريسه لعلمي الفقه والاُصول والعلوم الدينيّة الاُخرى في النجف الأشرف. وبعد وفاة المرحوم الشيرازي اُوكِلَ إليه تعليم وتدريس الطلبة بشكل كامل . وبعد مدّة قصيرة بسبب قدراته العلميّة الكبيرة وزهده وتقواه أصبح اُستاذاً مقتدراً في العلوم الدينيّة ، وذاع صيت حوزته الدراسيّة في النجف في جميع أرجاء العالم . وكان يحضر درسه جمع غفير من الطلبة الواردين من جميع أنحاء العالم، وبالخصوص من إيران وتركيا واليمن والحجاز والهند وأفغانستان. (وقال مؤلّف أعيان الشيعة: بلغ عدد تلامذته المائتين)[1] .
وفي هذا المجال قال مؤلّف كتاب أحسن الوديعة: إنّ الحوزة الدراسيّة للسيّد في هذه الفترة الأخيرة كانت أجمع وأوسع وأتقن وأنفع من حوزات سائر العلماء الأفاضل في ذلک الزمان[2].
وفي مجال تبحّره بالمسائل الفقهيّة جاء في كتاب أحد المؤرخين لسيرته؛ ما يأتي: «لقد كان السيّد ذا مهارة قصوى وتمكّن عجيب إلى درجة لم يكن يفكّر فيه كثيراً وكان يستدلّ على مسألة واحدة بأدلّة فقهيّة كثيرة»[3] .
ونقل أنّه عندما كان للسيّد كتاب «التبصرة» للعلّامة الحلّي وعدد كبير من أجوبة الاستفتاءات قال له شخص ما: إنّكم تفتون في كلّ مسألة بسرعة؟! أجابه السيّد قائلاً: لدىّ فتوى فاُفتي.
وفيما يخصّ اشتياق السيّد للتعلّم جاء ما يلي: لقد تعلّم السيّد علم النجوم والرياضيات في النجف عند السيّد يحيى الموسوي اليزدي والّذي درس عنده الفقه[4] .
وقيل أيضاً: إنّه طالع وتمعّن كتاب «الجواهر» للشيخ محمّد حسن النجفي سبع مرّات من البداية إلى النهاية.
وذُكر: أنّ السيّد واجه مصاعب كثيرة خلال فترة دراسته العلوم، ولكنّه تجاوزها كلّها بمعنوياته العالية وصبره الجميل. وفي هذا الخصوص شاعت قصص وخواطر بشأنه بين أهل العلم[5] .
وقال مؤلّف كتاب «النجوم المسرّدة» بشأن تخصّصه: «كان السيّد متمكّناً من الفروع الفقهية إلى درجة يحلّ من خلالها معضلات الفقه والاُصول...». وأضاف في هذا الخصوص نقلاً عن آية الله السيّد علي اليثربي الكاشاني «أنّ آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي النجفي ـ المدرّس المعروف في حوزة النجف العلميّة ـ حضر عند السيّد مرّة فسأله : سماحتكم ماذا تُدرِّسون؟ أجاب قائلاً: الاُصول، فقال السيّد: أي مبحث؟ فأجاب قائلاً: الإجماع، فقال السيّد: وما هي نتيجة البحث؟ قال الشيخ ضياء: لم نستطع إثبات حجّية الإجماع.
فقال: يا شيخ ضياء أمعک سبحة؟ قال: بلى، قال: إذن فاحسب. فعدّا خمساً وعشرين مسألة ثبتت كلّها بدليل الإجماع. وأضاف 1 قائلاً: ياشيخ ضياء، إذا لم يكن الإجماع في الفقه حجّة فما هو دليل هذه المسائل؟ ظلّ الشيخ ضياء ساكتاً. وعندها تذكّر على الفور مسألة من أبواب الفقه فأبداها وطلب من السيّد رأيه فيها، فشرح السيّد من فوره أقوال المسألة وأدلّتها، ومن ثمّ بيّن رأيه بالدليل. وأردف نقلاً عن السيّد علي اليثربي قوله: كنت أنا والشيخ ضياء ساكتين نصغي إليه ولم يتكلّم الشيخ ضياء بكلمة واحدة، واستأذنّا من السيّد وخرجنا وكلانا متعجّبان من قوّة حفظه وذكائه. وقال الشيخ ضياء: لقد بيّن السيّد مواضيع حول هذه المسألة لم تخطر على بالي»[6] .
ومنذ ذلک الحين أخذ السيّد بكتابة وطبع كتبه، ووفِّق لطبع أكمل وأشمل كتبه في مجال الفروع الفقهيّة، والّذي أصبح فيما بعد رسالة عمليّة وعلميّة للشيعة المسمّى بـ«العروة الوثقى». وبعد وفاة الشيخ محمّد طه نجف سنة 1323 ه .ق صار السيّد زعيماً لغالبية العالم الشيعي، وبعد وفاة زعيم الشيعة في العالم المعروف الآخوند بالملّا محمّد كاظم الخراساني مؤلِّف «كفاية الاُصول» سنة 1329هـ . ق تصدى زعامة الشيعة في العالم، وبسبب تتبّعه ومعرفته وقدرته صار من أكبر فقهاء عصره، كما أسموه بـ «الفقيه المطلق». وهذا فيما يتصل بسيرته العلمية، أمّا ما يتصل بسيرته الاخلاقية وهي في الواقع ثمرة العلم، لأنّ الأخلاق هي التطبيق العملي للنظريات العلمية في الحوزات وسواها، وإليک الآن الحديث عن :
***************************
(1) أعيان الشيعة: 10/43 .
(2) تُرجم إلى العربية، نقلاً عن نجوم اُمّت: 78.
(3) أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة.
(4) النجوم المسرّدة: 185.
(5) نقلاً عن مقالة فقيه بزرگ.
(6) النجوم المسرّدة: 11 ـ 12.










