ما الذي استفاده الحسين (علیه السلام) من الخروج لكربلاء والموت هناك؟

نص الشبهة:
ما الذي استفاده الحسين رضي الله عنه من الخروج لكربلاء والموت هناك؟
إن قلت خرج ليثور على الظلم فسأقول لك: ولماذا لم يخرج أبوه علي بن أبي طالب على من ظلموه؟ إما أن الحسين أعلم من أبيه أو أن أبيه (كذا) لم يتعرض للظلم أو أن علي (كذا) لم يكن شجاعاً ليثور على الظلم؟ ولماذا لم يخرج أخوه الحسن على معاوية بل صالحه وسلمه البلاد والعباد فأي الثلاثة كان مصيباً؟

الجواب:
أن الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج إلى كربلاء لكي يستفيد أمراً دنيويا، وإنما خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير.
وكم أتعجب من هذا المخالف الذي ينكر خروج الإمام الحسين عليه السلام على يزيد الفاسق الفاجر المعلن بالفسق والفجور، ولا ينكر على عائشة خروجها ضد خليفة المسلمين الحق، مع أن الله تعالى قال في كتابه العزيز مخاطباً لنساء النبي صلى الله عليه وآله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ 1، ومع ذلك فإن عائشة خرجت على الخليفة الحق شاقة للطاعة ومفارقة للجماعة، مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وآله.
وأما الإمام الحسين عليه السلام فإن الله ورسوله لم ينهياه عن الخروج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما أمراه بذلك، ويكفي من فوائد نهضته المباركة عليه السلام ما أعقب مصرعه الشريف من النتائج العظيمة، التي منها سقوط المكانة الدينية عند المسلمين ليزيد ولكل سلاطين الجور الذين جاؤوا بعده، وصار المسلمون منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا ينظرون إلى الحكام والخلفاء على أنهم حكام سياسيون فقط، لا تؤخذ منهم معالم الحلال والحرام كما كانوا يصنع الناس من قبل مع الخلفاء السابقين الذين كانت لهم سلطة دينية وسياسية، ولهذا لم يتحرف ما تبقى من أحكام الشريعة، ولولا ذلك لقام باقي الخلفاء بتحريف كل أحكام الدين، وتبديلها، حتى لا يبقى من أحكام الشريعة شيء يذكر.
وأما سبب عدم قيام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والإمام الحسن بن علي عليهما السلام ضد حكام عصرهم فلأن المصلحة كانت تقتضي ذلك، وكانا عليهما السلام أعرف بما تقتضيه المصلحة منا نحن، ولهذا عملا بما يمليه عليهما الواجب الشرعي، فموقفهما صحيح باتفاق الشيعة وأهل السنة، ولا سيما أن أهل السنة فتحوا باب الاجتهاد للصحابة على مصراعيه، فلنا أن نقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام وابنه الإمام الحسن عليه السلام قد اجتهدا في مواقفهما، فإن أصابا كما هو الحق فلهما أجران، وإن أخطأا ـ وحاشاهما من الخطأ ـ فلهما أجر واحد، فهما مأجوران على كل حال.
وكم أتعجب من هؤلاء المخالفين الذين لم يخطئوا طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو أحد الخلفاء الراشدين عندهم، بل برروا ما صدر منهم بأنهم اجتهدوا فأخطؤوا، فلهم أجر واحد، ولكن في نفس الوقت نراهم لا يترددون في تخطئة الإمام الحسين عليه السلام في عدم بيعته ليزيد بن معاوية الفاسق الفاجر، ولم يروا أنه اجتهد فله أجر أو أجران، فلا أدري لم يكيلون بمكيالين؟
وأما قول المخالف: (ولماذا لم يخرج أبوه علي بن أبي طالب على من ظلموه؟... ولماذا لم يخرج أخوه الحسن على معاوية، بل صالحه) فجوابه أن زمان الإمام الحسين عليه السلام مختلف عن زمان أمير المؤمنين عليه السلام وزمان أخيه الإمام الحسن بن علي عليه السلام، وكل زمان له ما يناسبه، واختلاف المواقف لا يدل على خطأ أي منها؛ لأن اختلاف المواقف كان تبعا لاختلاف الأحوال والملابسات.
ومما يدل على أن الإمام الحسين عليه السلام كان مصيباً في نهضته أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر الناس قبل قتل الإمام الحسين عليه السلام بستين سنة بأنه عليه السلام مقتول في كربلاء لا محالة، وروايات أهل السنة في هذا المضمون كثيرة.
منها: ما أخرجه الإمام أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لقد دخل عليَّ البيت ملَك لم يدخل عليَّ قبلها، قال: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/187: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ومنها: ما أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وغيرهم عن نجي الحضرمي أنه سار مع علي رضي الله عنه، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، نادى علي: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلت: وما ذاك؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل عليه السلام قبل، فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم. قال: فمد يده، فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/187: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا.
وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق أن النبي صلى الله عليه وآله خطب الناس ذات يوم فقال: ألا وإن جبريل قد أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله إلى آخر الدهر. ثم نزل عن المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا واستيقن أن الحسين مقتول.
إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة المستفيضة، التي رواها أهل السنة والشيعة، وصحَّحها حفاظ الحديث من أهل السنة، والتي تدل بوضوح على أن النبي صلى الله عليه وآله يصحح موقف الإمام الحسين عليه السلام في نهضته، وذلك لأنه إذا كان خروج الإمام الحسين عليه السلام مفسدة أو خطأ أو لا فائدة فيه كما يزعم بعضهم، فإن النبي صلى الله عليه وآله الذي أخبر صحابته بأن الحسين عليه السلام يُقتل بأرض تسمَّى كربلاء، لا بد أن ينهى الإمام الحسين عن الخروج، أو يأمر أصحابه بالحيلولة دون خروجه عليه السلام إلى كربلاء، إلا أنه لم يرد في أي حديث من تلك الأحاديث نهي منه عن ذلك، ولم يقل صلى الله عليه وآله أي كلمة تشعر بكراهته صلى الله عليه وآله لقيام الإمام الحسين عليه السلام.
وبعض الأحاديث التي تضمنت أنه صلى الله عليه وآله بكى على الإمام الحسين عليه السلام وأبكى الناس عليه، تدل على أن خروجه عليه السلام كان صحيحاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله، بل فيه منفعة عظيمة للدين ومصلحة جليلة لعامة المسلمين، ولولا ذلك لما بكاه النبي صلى الله عليه وآله مراراً قبل وقوع هذه الحادثة بسنين كثيرة.
وحديث نجي الحضرمي المتقدم ذكره آنفاً، ورد فيه قول أمير المؤمنين عليه السلام: (اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات)، وهذا دليل واضح على أن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً كان لا يرى أي خطأ أو مفسدة في خروج الإمام الحسين عليه السلام، بل كان عليه السلام يحث ابنه الإمام الحسين عليه السلام على ذلك، ويأمره بالصبر على ما يصيبه من البلاء والقتل.
وإني أتعجب كثيراً ممن يخطئ الإمام الحسين عليه السلام في نهضته مع اعترافه بأنه أحد سيدي شباب أهل الجنة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، التي نص جملة من حفاظ الحديث من أهل السنة على تواترها.
فإذا كان الإمام الحسين عليه السلام أحد سيدي أهل الجنة فكيف يمكن اتهامه بأنه فرَّق المسلمين، أو شقَّ عصا الطاعة، أو أنه خرج على إمام زمانه، أو طلب ما ليس له بحق، أو ما شاكل ذلك من الأباطيل التي لا يرتكبها آحاد المؤمنين، فهل يرتكبها سيد شباب أهل الجنة؟!
ثم إن من يشق عصا الطاعة أو يفسد في بلاد المسلمين يجب قتله، فلو كان الإمام الحسين عليه السلام شاقاً لعصا الطاعة الواجبة، أو مفسداً في بلاد المسلمين لوجب قتله، فكيف يمكن أن يكون عليه السلام سيد شباب أهل الجنة وواجب القتل في نفس الوقت؟!
وهذا كله يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت نهضة صحيحة مباركة، وأن كل ما يقال في تخطئته دوافعه أموية بحتة2.

المصادر:
1. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 33، الصفحة: 422.
2. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي ال محسن حفظه الله.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

توصية سماحة آية الله الإصفهاني بقراءة هذا الدعاء كل يوم أماناً من مرض كرونا
loading...
telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ محرم الحرام

 ١ محرم الحرام ١ ـ بدء أيام حزن آل محمد عليهم السلام.٢ ـ واقعة شعب أبي طالب.٣ ـ أول مبادرة في جمع الزكاة٤ ـ م...

المزید...

٢ محرم الحرام

٢ محرم الحراموصول سيد الشهداء عليه السلام مع أهل بيته عليهم السلام وأصحابه إلى كربلاء المعلى. في اليوم الثاني...

المزید...

٣ محرم الحرام

٣ محرم الحرام ١ ـ الدعوة العالمية للإسلام بواسطة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم٢- رسالة الإمام الحسين ...

المزید...

٤ محرم الحرام

 ٤ محرم الحرام عبيدالله بن زياد يخطب في مسجد الكوفةوبغيه منع أهالي الكوفه من مساعدة الامام الحسين عليه السلام...

المزید...

٦ محرم الحرام

 ٦ محرم الحرام ١ ـ حبيب بن مظاهر يطلب العون من بني أسد٢ ـ المحاولة الاُولى في قطع ماء الفرات1 ـ حبيب بن مظاهر...

المزید...

٧ محرم الحرام

٧ محرم الحرام منع ماء الفرات عن قافلة الامام الحسين عليه السلامبعد أن وجه عبيدالله بن زياد جيشاً كبيراً لمقات...

المزید...

٨ محرم الحرام

 ٨ محرم الحرام لقاء الامام الحسين عليه السلام مع عمر بن سعد في كربلاءلم يكن الامام الحسين راضياً بوقوع الحرب ...

المزید...

٩ محرم الحرام

 ٩ محرم الحرام ١ ـ محاصرة مخيم الامام الحسين عليه السلام في كربلاء٢ ـ حضرة أبي الفضل العباس يرفض سند الأمان م...

المزید...

١٠ محرم الحرام

 ١٠ محرم الحرام عاشوراء الحسين عليه السلاممناجاة الامام الحسين عليه السلام وفي اليوم العاشر من محرم لمّا أصب...

المزید...

١١ محرم الحرام

١١ محرم الحرام أهل البيت يؤخذوا اُسارىبعد ان بعث عمر بن سعد لعنه الله براس الحسين عليه السلام يوم عاشوراء إلى...

المزید...

١٢ محرم الحرام

١٢ محرم الحرام ١- دفن الشهداء٢- في الكوفة٣-شهادة الامام علي بن الحسين زين العابدين 1 ـ دفن الشهداء:ومثل هذا ...

المزید...

١٩ محرم الحرام

١٩ محرم الحرام السبايا إلى الشامفي اليوم التاسع عشر من المحرّم سنة 61 هـ بعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره ب...

المزید...

٢٠ محرم الحرام

٢٠ محرم الحرام زفاف الزهراء سلام الله عليها من اميرالمؤمنين عليه السلام في اقبال ابن طاووس عن الشيخ المفيد ل...

المزید...

٢٥ محرم الحرام

٢٥ محرم الحرام شهادة الامام السجاد عليه السلامقتل الامين على يد أخيه المأمون شهادة الامام السجاد عليه السلام...

المزید...

٢٦ محرم الحرام

٢٦ محرم الحرام شهادةعلي بن الحسن المثلثاحراق الكعبةاليوم السادس والعشرون من المحرّمشهادة علي بن الحسن المثلثو...

المزید...

٢٨ محرم الحرام

 ٢٨ محرم الحرام وفاة حذيفة بن اليمانورود قافلة اهل البيت مدينة بعلبكابعاد الامام الجواد من المدينة إلى بغدادا...

المزید...
0123456789101112131415
سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page