التعايش السلمي

اذا كان على "ع" قد وضع لنا هذه القاعده النبيله في قياس الفضيله و الخير، و هى الا نعمل في السر ما نخجل من عمله في العلن حيث قال: 'و احذر كل عمل يعمل به في السر و يستحى منه في العلانيه' (1) فانه قد حبانا ايضا بمقياس نبيل لاعمالنا تجاه الاخرين في قوله الخالد: 'يا بنى اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها، و لا تظلم كما لا تحب ان تظلم' (2).
و لو اتبع البشر هاتين النصيحتين لا متنع الظلم و الشر جميعا، غير انه يمكن ان نلاحظ ملاحظه متواضعه على النصيحه الاولى: تلك ان نظره المجتمع قد تتغير نحو بعض الفضائل او الرذائل، فاذا كان ما يستحى من عمله يعمل على رووس الاشهاد فهل الفضائل خالده، ام هى يجرى عليها ناموس التطور، و هل يطيع نصيحه الامام ام لا يطيعها رجل يحتسى الخمر على قارعه الطريق غير خجل لكثره من يحتسونها؟ اما انا فاميل الى القول بان الفضائل خالده، و ان الكذب لن يكون فضيله لان الناس يكذبون بل الفضيله فضيله و الرذيله رذيله و لن يزال راكبها يشعر في نفسه بالتضاول و بنوع من الحياء لاحين يلقى امثاله ولكن حين يلقى الاخيار و ما لى اذهب بعيدا؟ ان الامام يفسر لنا ذلك في موضع آخر حيث يقول في بيانشاف: 'ان الممن يستحل العام ما استحل عاما اول و يحرم العام ما حرم عاما اول و ان ما احدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرمالله عليكم، ولكن الحلال ما احل الله و الحرام ما حرمالله' (3)
ب- و اذا ذكرنا تطور الفضائل و خلودها فالنستعرض راى الامام القائل: 'اقدموا على الله مظلومين و لا تقدموا على الله ظالمين' (4)

ان من الناس من لا يريد                          ان يسلم بان الانظلام فضيله
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه            يهدم و من لم يظلم الناس يظلم

و ربما مال ايضا الى ان يقول مع هيغل(5): 'ان ظفر شعب هو البرهان القوى على حقوقه' غير ان عباره الامام انما يراد بها مبالغه في التنفير من الظلم.
ج- و لقد دعا الامام الى التعاون دعوه صريحه في عباره نبيله حيث قال يودع جنودا ذاهبين للقتال: 'و اى امرى ء منكم احس من نفسه رباطه جاش عند اللقاء و راى احدا من اخوانه فشلا، فليذب عن اخيه بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه فلو شاء الله لجعله مثله'(6).
و ما اوصى به الامام جنود جيشه يصح ان يستوصى به جنود الحياه. ان الغنى لوذب عن الفقير بفضل ماله الذي فضل به عليه و العالم لوذب عن الجاهل بفضل علمه و الحكيم لو ارشد السفيه بفضل حكمته، لو كان هذا سبيل الناس في الحياه، لا نتصر جيشهم على آلام الحياه القابله للانهزام. ان الامام لا يزال يلح في دعوته الى التعاون، و انه ليسوقها هنا في منطق واضح و حجه لازمه: 'ايها الناس لا يستغنى الرجل و ان كان ذا مال عن عشيرته و دفاعهم عنه بايديهم و السنتهم' (7) 'الا لا يعدلن احدكم عن القرابه يرى بها الخصاصه ان يسدها بالذى لا يزيده ان امسكه و لا ينقصه ان اهلكه، و من يقبض يده عن عشيرته فانما تقبض منه عنهم يد واحده. و نقبض منهم عنه ايد كثيره'. (8)
ان الانسان مدنى بالطبع او هو كما وصفه فيلسوف اليونان "حيوان اجتماعى" و لهذا دعا الامام دعوته.
د- و قد تكررت دعوه الامام هذه في صوره اخرى في حثه على الصدقه بقوله البليغ: 'و اذا وجدت من اهل الفاقه من يحمل زادك الى يوم القيامه
فيوافيك به غدا حين تحتاج اليه فاغسمه و حمله اياه'. (9)
و بوصيته: 'ان اللسان الصالح- اى الذكرى الطيبه- يجعله الله للمرء في الناس خيرا له من المال يورثه من لا يحمده. و في تذكيره بفريضه الزكاه في قوله: 'ان الله سبحانه فرض في اموال الاغنياء اقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما متع به غنى والله تعالى سائلهم عن ذلك'. (10)
و قد بلغ من تقريره للتعاون و لاثر الزكاه و الاحسان في اسعاد افراد المجتمع جميعا انه استن تشريعا طريفا بقوله: 'ان الرجل اذا كان له الدين الظنون يجب عليه ان يزكيه لما مضى اذا قبضه'(11) اى ان من كان له دين و لم يكن واثقا ان مدينه سيرده اليه سالما، ثم رده اليه بعد عامين مثلا، وجب عليه اى على صاحب المال الدائن ان يدفع للفقراء زكاه هذا المال للسنتين الماضيتين. و لست اعرض لكم حكم الشريعه الاسلاميه في هذا ولكنى الاحظ ان راى الامام وجيه اذا اعتبرنا ان المال صار بالنسبه للدائن مفقودا بوجوده عند من لا يثق به. فاذا عاد اليه فكانما عثر على كنز غير منتظر. و اذا فليس كثيرا ان يدفع منه شيئا للفقراء ان لم يكن زكاه عنه فشكرا لله عليه. 'و من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس اليه' (12)
كما قال الامام، و كما قال شكسبير: 'ان التشاريف العظيمه احمال عظيمه'.
ه لقد زهد الامام بهذه الدنيا و اهاب بها ان تغر غيره. بل لقد زمجر منها في صرخته: 'والله لو كمت شخصا مرئيا و قالبا حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بامانى و القيتهم في المهاوى (13) هكذا كانت نظرته الصادقه الى الحياه فلا عجب ان يمتلى ء قلبه بالعطف على الناس و ان يدعو الى انقاذ الضعفاء و عدم خزن المال بكلمته الرهيبه: 'يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فانت فيه خازن لغيرك'.

**********
(1) ج 134:2.
(2) ج 47:2.
(3) ج 350:1.
(4) ج 292:1.
(5) هيغل فيلسوف امانى مات سنه 1831 م.
(6) ج 69:1.
(7) ج1 : 69.
(8) ج 69:1.
(9) ج 48:2.
(10) ج 251:1.
(11) ج 59:4.
(12) ج 233:2.
(13) ج 76:2.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

توصية سماحة آية الله الإصفهاني بقراءة هذا الدعاء كل يوم أماناً من مرض كرونا
loading...
telegram ersali ar insta ar  تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها

١ رجب

. ولادة (الامام محمد الباقر) (عليه السلام) المباركة

المزید...

٢ رجب

. ولادة (الامام عليّ بن محمد الهادي) (عليه السلام) المباركة

المزید...

٣ رجب

شهادة الإمام علي بن محمد الهادي(عليه السلام)

المزید...

١٠ رجب

1 ـ ولادة باب الحوائج علي الاصغر(عليه السلام) ابن الامام الحسين(عليه السلام) 2 ـ ولادة الامام الجواد...

المزید...

١٢ رجب

. 1 ـ وفاة العباس بن عبد المطلب . 2 ـ الكوفة عاصمة الخلافة

المزید...

١٣ رجب

١٣ رجب . 1ـ ولادة أميرالمؤمنين علي بن . ابي طالب(عليه السلام) . 2ـ بدء أيام البيض (ايّام الاعتكاف) ...

المزید...

١٤ رجب

موت المعتمد العباسي

المزید...

١٥ رجب

. 1: الهجرة الى الحبشة. . 2: الحصار الظالم و موقف بني هاشم. . 3: تحويل القبلة. . 4: هلاك معاوية بن أبي سفيا...

المزید...

١٦ رجب

موت الخليفة العباسي المهتدي بالله

المزید...

١٧ رجب

موت الخليفة العباسي المأمون ابن هارون الرشيد

المزید...

١٨ رجب

وفاة ابراهيم ابن رسول الله محمد(ص)

المزید...

١٩ رجب

غزوة تبوك

المزید...

٢٤ رجب

1- غزوة خيبر 2: وفاة عمر بن عبدالعزيز

المزید...

٢٥ رجب

شهادة الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع)

المزید...

٢٦ رجب

وفاة أبوطالب الموحّد عمّ النبي (ص)

المزید...

٢٧ رجب

. البعثة النبوية المباركة

المزید...

٢٨ رجب

1 – أول صلاة جماعة في الكعبة2 – خروج الحسين علیه السلام من المدينة إلى مكة ...

المزید...

٢٩ رجب

1- وفاة أبوحنيفة2- وفاة الشافعي

المزید...
01234567891011121314151617
سيرة العلماء

ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to [email protected]

الإتصال بنا
Close and go back to page