بدء الوحي
لقد امر اللّه ملكاً من ملائكته بأن ينزل على امين قريش وهو في غار حراء ويتلو على مسمعه بضع آيات كبداية لكتاب الهداية والسعادة، معلناً بذلك تتويجه بالنبوة، ونصبه لمقام الرسالة .
كان ذلك المَلَك «جبرئيل»، وكان ذلك اليوم هو يوم المبعث النبوي الشريف الّذي سنتحدث عن تاريخه في المستقبل .
ولا ريب أن ملاقاة المَلك ومواجهته أمرٌ كان يحتاج إلى تهيّوء خاصّ، وما لم يكن محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يمتلك روحاً عظيمة، ونفسية قوية لم يكن قادراً قط على تحمّل ثقل النبوة، وملاقاة ذلك الملك العظيم .
أجل لقد كان «أمين قريش» يمتلك تلك الروح الكبرى، وتلك النفس العظيمة وقد اكتسبها عن طريق العبادات الطويلة، والتأمّل العميق الدائم، إلى جانب العناية الالهية .
ولقد روى أصحاب السير والتاريخ انه راى رؤىًّ عديدة قبل البعثة كانت تكشف عن واقع بَيّن واضح وضوح النهار(1) .
ولقد كانت الذّ الساعات وأحبها عنده بعد كل فترة، تلك الساعات الّتي يخلو فيها بنفسه، ويتعبَّد فيها بعيداً عن الناس .
ولقد قضى على هذا الحال مدة طويلة حتّى أتاه ـ في يوم معين ـ ملك عظيم بلوح نصبَهُ أمامه وقال له: «إقرأ»، وحيث أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان اُمياً لم يدرس أجاب المَلَك بقوله: «ما أنا بقارىء» .
________________________________________
1 - صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم ص 22، بحارالأنوار: ج 18، ص 194 .
فاحتضنه ذلك المَلك، وعصره عَصرة شديدة، ثم طلب منه أن يقرأ فأجابه بالجواب الأول .
فعصره المَلك ثانية عصرة شديدة وتكرّر هذا العمل مرات ثلاث احس بعدها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في نفسه أنه قادر على قراءة ما في ذلك اللوح، فقرأ ساعتها تلك الآيات الّتي تشكل - في الحقيقة ـ ديباجة كتاب السعادة البشرية، واساس رقيها .
لقد قرأ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قوله تعالى :
(إقرَأ باْسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلقَ. خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق * إقْرَأْ وَ رَبُّكَ الأَكرمُ. الَّذي عَلَّمَ بِالْقَلَم. عَلَّمَ الإنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(1) .
وبعد أَنْ انتهى جبرئيل من أداء مُهِمتِه الّتي كُلِّفَ بها من جانب اللّه تعالى، وبلّغ إلى النبي تلكم الآيات الخمس، انحدر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من جبل حراء، وتوجه نحو منزل خديجة(2) .
ولقد أوضحت الآيات المذكورة برنامج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اجمالا، وبيّنت وبشكل واضح ان اساس الدين يقوم على
القراءة والكتابة، والعلم والمعرفة، واستخدام القلم .
استنارت نفس رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وروحه الكبرى بنور «الوحي» المبارك، وتعلّم كل ما ألقى عليه ملَك الوحي في ذلك اللقاء العظيم، وانتقشت تلك الآيات الشريفة في صدره حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة .
وقد خاطبه نفس ذلك الملك بعد تلاوه تلكم الآيات بقوله:
يا محمَّد... أنت رسولُ اللّه... وأنا جبرئيل .
وقيل: انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سمع هذا النداء عند نزوله من غار حراء وقد اضطرب رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهذين الحدَثين، اضطرب لعظمة المسؤولية الكبرى الّتي اُلقيت على كاهله .
وكان هذا الاضطراب طبيعياً بعض الشيء، وهو لا ينافي بالمرة يقينه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإيمانهُ بصدق ما اُنزلَ عليه لأن الروح مهما بلغت من العظمة والسمّو والقوة والصلابة، ومهما كانت قوة ارتباطها بعالم الغيب، وبالعوالم الرُّوحانية العُليا فانَّها عندما تواجه لأول مرّة ملَكاً لم تره من قبل، وذلك في مثل المكان الّذي التقى النبيُ (فوق الجبل) لابُدَّ أنْ يحصل لها مثل هذا الاضطراب، ولهذا زال ذلك الاضطراب عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ما بعد .
ثم إنَ الاضطراب والتعب الشديد قد تسبّبا في أن يتوجه النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى بيت «خديجة» ـ عليها السلام ـ ، وعندما دخل بيتها ووجدت على ملامحه آثار الاضطراب والتفكير سألته عن ما جرى له، فحدَّثها بكل ما سمع وراى وقصَّ عليها ما كان من أمر جبرئيل معها، فعظّمت «خديجةُ» ـ عليها السلام ـ أمره، ودعت له، وقالت: إبشر فواللّه لا يخزيك اللّه أبداً .
ثم إن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي كان يشعر بالجهد والتعب قال لزوجته الوفيّة «خديجة»: دثّريْني... دَثِّريني .
فدثّرته، فَنام بعض الشيء .










