• +98 25 3770 33 30
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من هدي السيرة النبوية

الوحي نافذة على الحياة

الوحي نافذة على الحياة


كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخلو بغار حراء فيمكث فيه.

فجاءه الملك وقال له: اقرأ.

قال محمد: ما أنا بقارئ.

قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني.

فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق...


• الوحي والرسالة:

نحن لا نفهم الرسول حتى نفهم الرسالة أولاً...

فالرسول فرقه عن سائر الناس انه حامل الرسالة...

فما هي الرسالة إذن؟

أو الوحي الذي جعله القرآن مميزاً للرسول عن سائر البشر...

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ).

إن الله تعالى ـ لحكمة يعلمها ـ يرسل رسائله بوسائل خفية إلى الإنسان المختار للرسالة، بعد أن يودع فيه صلاحية التقاطها وفهمها.

فليس هناك من تصادم بالحقيقة بين مشاهداتنا وتجاربنا العلمية فهو واقع من الوقائع الكثيرة التي نشاهدها ونجربها في أمكنة وطرق مختلفة فلو كان إمكان وجدناه في شكل الواقع بعد التجربة...


• الوحي: علاقة الخالق بمخلوقاته:

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ).

الوحي: هي العلاقة التي تكون بين الخالق ومخلوقاته.

همس السماء للأرض... قانون الكمال والحياة الذي يودعه الله في الكائنات الطبيعية... نظام الحياة الذي ألهمه الله للأحياء...

(لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا).

أي قانون كمالها...

فكل مخلوق يختلف وضعه ومنهج حياته وقانون تطوره وتكامله فالحيوان مفطور على مجموعة غرائز هي قانون كماله وسيرته الطبيعية...

النحل مفطور على بناء خلية بشكل سداسي...

وعن طريق الغريزة والقانون المودع في النحل تعلم هذا الشكل في هندسة بيته وخليته...

وإلا متى وكيف تعلم النحل وفي أية كلية هندسة درس.

وهناك حقائق لا مرئية مبثوثة في كل أجزاء الكون...

وإذا كنا قد عجزنا سابقاً عن رؤية خط اتصال ساخن بين الله سبحانه وبين الرسول، فإننا اليوم نستطيع أن نفهم هذه المسألة بسهولة تامة بفضل كثير من الحقائق العلمية والتجارب...


• أعطى كل شيء خلقه ثم هدى:

إن هناك وقائع كثيرة جداً تجري من حولنا في كل لحظة ونحن نعجز عن إدراكها أو سماعها أو الإحساس بها بواسطة أجهزتنا العصبية وقد استطاع العلم الحديث أن ييسر لنا إدراكها بفضل الأجهزة العلمية التي اخترعناها... هذه الأجهزة تستطيع أن تدل على صوب دباب طائر على بعد بضعة أميال وكأنه يطير عند أذنك.

ومن الأجهزة العلمية ما وصل التقدم فيه إلى حد أنها تسجل صدام الأشعة الكونية في الفضاء...

وإذا كان الإنسان يحتاج إلى استخدام الوسائل واختراع الآلات في إدراك بعض الأمور التي لا يمكن له سماعها بالطرق السمعية التقليدية...

كان هناك بعض الحيوانات مزودة بطاقة غير عادية وبأجهزة التقاط خارقة تختلف عن أجهزة الإنسان.

إن جهاز سماع الإنسان محدود جداً، ولكن أجهزة بعض الحيوانات تختلف كل الاختلاف...

فالكلب مثلاً: يستطيع أن يشم ريح الحيوان الذي مرّ في الطريق ويميز رائحة إنسان معين من بين مجموعة من الناس.

فالكلب البوليسي ـ المدرب ـ يشم القفل الذي كسره اللص ثم ينطلق مقتفياً أثر الرائحة التي وجدها عند القفل المكسور، وفجأة نراه يمسك باللص من بين الألوف...

وأما الطيور المهاجرة التي تهاجر في الخريف وتقطع الآلاف من الأميال وتعود إلى عشها كل ربيع، وهكذا النحلة التي تغادر بيتها وتذهب مسافات شاسعة بحثاً عن الأزهار ومصادر العسل، فإنها لا تضل طريقها إلى خليتها مهما طمست الريح في هبوبها من الأعشاب والأشجار...

وتوجد أنواع من الحيوانات والصقور وحتى الحشرات الدقيقة مزودة بعيون ميكروسكوبية (مكبرة).

والصقور لها عيون تلسكوبية (مكبرة ومقربة).

بينما الإنسان يمتاز ـ في هذه الناحية ـ بأدواته الميكانيكية ويسد هذه الحاجة بعقله فيرى الوسيم بالتلسكوب بقوة مضاعفة إلى مليون مرة ويرى بالميكروسكوب البكتريا غير المرئية...

... وهناك حيوانات كثيرة تسمع أصواتاً تخرج عن نطاق أسماعنا... فحشرة (العثة) وهي حشرة مجنحة عندما تضعها على نافذة مفتوحة، فستحدث صوتاً يسمعه زوجها على مسافة بعيدة جداً، ولسوف يجيبها هذا الزوج أيضاً بطريقته.

وحشرة (الجندب) يحك رجليه وجناحيه ويصوت بطريقة غير عادية ويسمع على بعد نصف ميل، وهو يحرك في هذه العملية ستمائة طن من الهواء ليدعو زوجته وهذه الزوجة ترسل أيضاً وهي ساكنة بلا حركة الجواب بنفس الطريقة وتخبره عن موقعها، فيحلق بها الذكر ويذهب إليها على العنوان الذي أعطته له...

فمادام في هذا الكون حركات وأصوات لسمعتها آذان الإنسان ولكن تلتقطها الآلات، وما دامت هناك رسائل محاورات تدركها الحيوانات دون أخرى.

بل أن تجارب الإشراق والانكشاف ومعرفة الغيب، توجد في الإنسان بالقوة ـ ولا تختص ببعض الحيوانات فقط ـ فلا نتصور هذا الإنسان مجرد جسد تحده عوامل الزمان والمكان كما يقول (الكسيس كاريل): (إن حدود الفرد في إطار الزمان، والمكان هي بمجرد افتراض).

فيستطيع عامل الإشراق أن يجعلك تنام وتضحك أو تبكي، كما يستطيع أن ينقل إليك كلمات أو خواطر لست على علم بها...

إنها عملية لا تستعمل فيها أية وسائل ولا يشعر بها غير عامل الإشراق وصاحبه.

لقد عرض العلماء نظريات عديدة لشرح هذه الصور من عملية الإشراق، ومنها أن أمواجاً تصدر من المخ وتنتشر في العالم أجمع بسرعة فائقة، ولذلك سموها بنظرية الموجة المخية.


• قصتان:

1ـ حدث سنة 1950 أن المسؤولين في (بافاريا) رفعوا قضية ضد رجل نمساوي اسمه (فرنترستروبيل) بتهمة التدخل في برامج الإذاعة عن طريق الإشراق.

وكان (فرنترستوبيل) يستعرض أعماله الخارقة في فندق (ريخنا) بميونخ عندما ناول أوراق (لعب الكوتشينة) إلى أحد المتفرجين وطلب إليه اختيار ورقة ما، وأدعى انه سوف ينقل اسم تلك الورقة واسم الفندق مع ترتيبها ـ كما في ذهن المتفرج ـ إلى المذيع الذي كان يقرا الأخبار من إذاعة ميونخ المحلية ذلك دون أن يعرف المذيع من نفسه شيئاً من هذا...

بعد ثوان سمع الناس صوت المذيع يرتعش وهو يقول: (فندق ريجنا ـ بنت البستوني) وكان الترتيب واسم الورق صحيحاً كما أراد المتفرج.وكان الارتعاش والوهبة واضحين في صوت المذيع، ولكنه واصل قراءة الأخبار ولكن استغرب الكثيرون من سكان ميونخ واتصل مئات منهم تلفونياً بالإذاعة يستفسرون عن السر الغامض، فكان من الصعب عليهم أن يدركوا علاقة الأخبار (بفندق ريجنا ـ بنت البستوني). وحضر طبيب الإذاعة للكشف على المذيع فوجده في حالة اضطراب خطير وأدلى المذيع ببيانه قائلاً: (إني شعرت بصداع شديد في رأسي ولا أعرف ماذا بعد ذلك).

2ـ كما أن تقابل الكون في صورة معينة قد طوع (لماركوني) أن يسلط تياراً كهربائياً خاصاً من سفينته التي كانت راسية البندقية وأن يضيء بقوة موجات الأثير مدينة (سدني) في استراليا.

... فلما كان الإنسان يستطيع تحويل الأفكار بكاملها إلى إنسان آخر ومن مكان بعيد جغرافياً وبدون استعمال واسطة مادية ظاهرية...

فلماذا تستحيل هذه العملية بين الإله وعباده؟!

إننا بعد الإيمان بالله والاطلاع على هذه التجارب الكثيرة بما في ذلك (الإشراق) لا نجد أساساً لإنكار الوحي والإلهام...

إن الإشراق كمظهر من مظاهر قابلية الإنسان وقواه الخارقة، ليس إلا قرينة تجريبية تجعلنا نفهم علاقة الألفاظ والمعاني التي تربط العبد بالله تعالى، عندما يرسل رسله وينزل رسالاته عليهم...


• ما هي الضرورة للوحي والرسالة

إن اكبر دليل على هذه الضرورة هو أن الأمر الذي يخبر عنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أهم الأمور التي تتعلق بحياة الإنسان ومصيره والإنسان لا يستطيع أن يصل إلى تلك الحقائق الخاصة، انه يبحث منذ آلاف السنين عن حقيقة الكون كي يفهم أسرار بدء الحياة ونهايتها، حقائق تنظيم أجهزة الحياة حتى تستطيع الإنسانية أن تسير قدماً في طريق الخير والعدل والصلاح، ولم تكلل هذه الجهود بالنجاح إلى يوم الناس هذا...

فقد كشف الإنسان عن أسرار الحديد والبترول وتعرف على حقائق الطبيعة بعد جهد يسير، ولكنه عجز عن كشف (علم الإنسان) وسر وجوده، رغم أن جهود أعظم العقول البشرية تواصل البحث عن هذا العلم ولم تستطع حتى الآن تحديد مبادئه وأسسه، وأن هذا هو اكبر دليل على أن الإنسان يحتاج إلى هدى الله من أجل أن يعرف نفسه...

إن الإنسان المعاصر لم يفلح بعد في كشف سر الحياة.

ولا ريب أن عجز مجتمع العلم والصناعة عن إشباع الحاجات النفسية للإنسان يؤكد الفكرة التي تقول:

(إننا أعطينا أهمية غير عادية للعلوم المادية حين تركنا الإنسانية في مراحلها البدائية)...

ولا شك أن العلوم الحديثة قد فتحت مجالات أمام الإنسان ولكنها في نفس الوقت جعلت المسألة أكثر تعقيداً، ولم تساعد في حل الأزمة في أية مرحلة...

(إن الكون الذي كشفه العلم الحديث هو اكثر غموضاً وإبهاماً من التاريخ الفكري بأكمله، ولا شك في أن علمنا عن الطبيعة اكثر غزارة من أي عصر مضى، ولكن هذه المعلومات كلها غير مقنعة فنحن نواجه اليوم الإبهام والمتناقضات في كل ناحية).

ويقول (الكسيس كاريل):

(إن مبادئ الثورة الفرنسية وأفكار ماركس ولينين لا تنطبق إلا على الإنسان العقلي المثالي، ومن الواجب أن نشعر بصراحة تامة بأن قوانين العلاقات الإنسانية لم تكشف بعد، أما الاجتماع والاقتصاد وما أشبهها في علوم افتراضية محضة، بدون أدلة يمكن إثباتها بها).


• الوحي نافذتنا على أسرار الحياة:

فهذه الكارثة التي يقف أمامها الإنسان بعد بحث طويل في العلوم المادية عن أسرار الحياة تدلنا على أن إدراك سر الحياة ليتاح للإنسان...

إن أحوالنا تحتم علينا أن نعرف سر الحياة، إذ أننا لا نستطيع مواصلة الحياة في اكمل صورها دون معرفة هذا السر، ولذلك كان خير ما نتمنى بقلوبنا أن ندرك ذلك، ولا يرضى أسمى جزء في شخصيتنا أن يطمئن بدونه فحياتنا متبعثرة لفقداننا هذه الحقيقة...

سر الحياة هو من ضرورتنا الكبرى، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نظفر به بجهودنا وحدها.

هذه الحالة وحدها تكفي لتبين حاجتنا الشديدة إلى الوحي فأهمية سر الحياة ثم خروج هذا السر من دائرة قوى الإنسان يدل على انه لابد أن تأتي المعرفة من الخارج أيضاً كالضوء والحرارة اللذين تتوقف عليهما حياة الإنسان، ولكنها هنا من الخارج...

يقول ابن سينا تحت عنوان: (حالة النفس الطاهرة لدى الأنبياء)...

(النفس الطاهرة هي النفس العاقلة لدى كبار الأنبياء وهي تدرك المعقولات دونما معلم أو كتاب، وهي برؤيتها ويقظتها ترتفع إلى عالم الغيب وتتلقى الوحي منه...

هذا الوحي هو الصلة ما بين الملائكة والنفس البشرية وهو الفاعل والمؤثر في مادة العالم والدافع إلى تحقيق المعجزات... وهي تلك المرتبة العليا من مراتب الإنسانية.

وهكذا فالكائن (النبي) الذي يملك مثل تلك النفس هو خليفة الله على الأرض...

والوحي لا ينقض العقل، بل ضروري ولا غناء عنه لديمومة الجنس البشري).

بالمناسبة...

يقال أن أحد تلاميذ ابن سينا قال لأستاذه يوماً:

لماذا لا تدعي النبوة، وأنت إنسان عبقري وفيلسوف وإذا ادعيت ذلك يصدقك الناس ويتبعك منهم كثيرون...

فقال ابن سينا سأعطيك الجواب بعدئذ.

وفي الليل كان الأستاذ وتلميذه نائمين في غرفة واحدة، وكانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة، فانتبه ابن سينا من نومه لحظات قبل الفجر، وأيقظ تلميذه وطلب منه أن يجلب له كأساً من الماء لأنه عطشان، فتكاسل التلميذ أن يقطع نومه اللذيذ ويغادر فراشه الدافئ ويأتي بالماء، أخذ يتعذر لأستاذه بأن الماء مضر بالصحة في مثل هذا الوقت.

وفجأة ارتفع صوت المؤذن ـ في الخارج ـ يؤذن لصلاة الفجر.

فقال ابن سينا لتلميذه:

أنظر إلى هذا المؤذن الذي خرج في هذا الوقت البارد إلى المسجد امتثالاً لأمر ذلك الرجل الذي بعث للنبوة قبل ثلاث عشر قرناً وهذا المؤذن لم ير ذلك النبي ولم يشاهده.. بينما أنت تلميذي وأقرب الناس إليّ، فكيف تريد أن أدعي النبوة لسائر الناس؟!


 

الروح القيادية في الأمة

الروح القيادية في الأمة


• مجريات أحداث معركة أحد:

في واقعة أحد عندما أصيب المسلمون بالهزيمة في الجولة الثانية في المعركة، بعد ما ربحوا الجولة الأولى، وسيطروا على المشركين، واستولوا على الغنائم، وانشغلوا بجمع الغنائم من ساحة المعركة، وكان النبي قد أوكل إلى خمسين نفراً ليقفوا على الجبل ويحموا ظهر المسلمين، ولكن هؤلاء تخلفوا عن أمر رسول الله، عندما رأوا آثار الهزيمة في صفوف أعدائهم المشركين، تركوا مواقعهم ونزلوا من الجبل، وانحدروا إلى الوادي لينشغلوا بجمع الغنائم مع سائر المسلمين، وبقى أفراد قلائل، فلما نظر خالد بن الوليد إلى هذا الموقع الذي تخلى عنه المسلمون، وأصبح منفذاً للهجوم على المسلمين من الخلف استغل خالد هذه الثغرة وهجم مع جماعة من المشركين، وباغت المسلمين من الخلف وأوقع هزيمة منكرة، ففر المسلمون على وجوههم، وبقي النبي وحده مع جماعة قليلة، عددهم تسعة أنفار منهم: علي (عليه السلام) وأبو دجانة الأنصاري ثبتوا مع النبي.

وأشاع أحد المشركين إشاعة: بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد قتل، وسرت هذه الشائعة بين المسلمين المنهزمين، وأصابهم الخوف والتراجع، ولكن بعد هذه الجولة الخاسرة، وبفعل صمود النبي والأفراد القلائل الذين ثبتوا معه، تمكن المسلمون أن يستعيدوا النصر، وقتل حمزة سيد الشهداء، ومصعب بن عمير، وعدد من الصحابة.


• الروح القيادية ضمان مواصلة المسيرة:

القرآن يريد أن يلتقط صورة من هذه الواقعة، وينقلها إلينا، ويعطينا بذلك درساً عظيماً: (درس الروح القيادية) فعندما أصيب المسلمون بهزيمة نفسية على أثر خسارتهم للجولة الأولى في معركة أحد، وعندما سمعوا بأن النبي قتل، يعني عندما شعروا بافتقاد القائد في ساحة المعركة، فإن هذا يعني أن القضية انتهت، وكأن الناس ليست عليهم مسؤولية مواصلة المسيرة.

إن كل واحد من المسلمين يتحمل جزء من المسؤولية، فالمسؤولية لا تنحصر في شخص واحد هو القائد مثلاً، أو في طبقة معينة هم العلماء، أو في جماعة معينة، أو في حركة واحدة، بل الكل يشتركون في تحمل القضية، وفي تحمل المسؤولية.

أما إذا فقدت الأمة الروح القيادية، وبدأ كل واحد يلقي بالمسؤولية على الآخرين، هذا يلقي باللوم على ذلك، وذاك يلقي اللوم على هذا، هذه الحالة اللا مسؤولية في الأمة تصيب الأمة بنكسة.

ففي الظروف الطبيعية قد لا تكون مشكلة، لكن في ظروف المواجهة والأزمات، وعندما تتعرض الأمة لنكسة أو لأزمة، حينئذ يجب أن يتحلى كل إنسان بروح المسؤولية...

وليس في الهزيمة كالغزال، أي في الوقت الذي تحتاج الأمة إلى أن تتماسك، وتتكاتف، وتتكاتف حول قيادتها، نرى الأمة تتخاذل، وتتفرق، وتترك قيادتها وحيدة في الساحة، تعصف بها الأزمات والنكسات، حينئذ تقع المأساة، وتحرق بنارها الأخضر واليابس.

(اتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).


• افتقاد الروح القيادية جذر المأساة:

قد لا تكون المشكلة عدم وجود القائد في فترة من الفترات، بل المشكلة عدم وجود الروح القيادية في الأمة، فكل واحد لا يتحمل المسؤولية تجاه القيادة، أو اتجاه القضية، ويلقي المسؤولية على أكتاف الآخرين.

قد تكون عند الأمة قيادة كفوءة وقاد كعلي (عليه السلام) يتمكن أن يقود الأمة إلى شاطئ النصر والأمان، لكن لماذا نجد علياً (عليه السلام) قد انهزم جيشه إمام جيش معاوية، جيش الشام؟ أو نجد الإمام الحسن سلام الله عليه يضطر للمصالحة مع معاوية، وأن يسلم الحكم للحزب الأموي أو نجد الحسين (عليه السلام) يبقى وحيداً في الساحة ويقتل؟؟

هذه مأساة نتيجة عدم تحمل الأمة لمسؤوليتها، وعدم امتلاكها الوعي القيادي.

فالأنبياء والأئمة والمصلحون يعملون ضمن القانون الطبيعي للمجتمعات الإنسانية والقانون الطبيعي: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

الأنبياء والمرسلون قد يأتون إلى أمم وأقوام ليسوا بمستوى المسؤولية، فماذا يفعل النبي؟ هل يجبر الأمة على الطاعة والالتزام؟ أو يحدث من معجزة حتى يصبح الناس في مستوى لائق؟ فإذا كانت الأمة غير مؤهلة للتقدم، ولا تتحمل مسؤوليتها، فإن الأنبياء لا يجبرون الناس على شيء معين، وهم لا يتمكنوا أن يغيروا السنن الطبيعية، بل يسيرون حسب القانون الطبيعي، فحينما تتعرض الأمة لانتكاسة أو لازمة يجب أن نلتف حول القيادة في كل الظروف وحتى في ظروف الهزيمة، وليس فقط في ظروف الرخاء والانتصار، أو حينما تواجه الأمة غياب القائد عن الساحة فجأة، فإن هذا يجب أن يدفع الأمة إلى أن تتحمل المسؤولية، وتواصل المسيرة، وتلتف حول المبدأ، وتملأ الفراغ الذي أحدثه غياب القائد.

هذه الآية من القرآن الكريم: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).

تعالج هذه المسألة الحساسة والهامة جداً، يعني أن النبي رسول، ليس بدعاً من الرسل، والنبي بشر، وشخص يأتي ويذهب، وكل شخص يأتي ويتحمل قسطاً من المسؤولية، ولكن إذا ذهب لا يعني أن القضية انتهت وانتهى المبدأ، ولا تنتهي المسيرة لذهاب الأشخاص، المسيرة مرتبطة بالله، والله خالد دائم، فإذن تطلعوا إلى المبدأ الأعلى، وتعلقوا أنظاركم على شخص النبي، فإذا ذهب هل يعني ذهابه إنهاء مسؤوليتكم.

(وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).

وهنا ننقل صوراً من الروح القيادية التي كانت عند الأمة الإسلامية وعند المسلمين الأوائل.


• الصورة الأولى:

في (أحد) عندما فر المسلمون ولم يبق مع رسول الله إلا تسعة من الأصحاب فيهم علي (عليه السلام) وأبو دجانة، والتاريخ ذكر لنا موقف امرأة أنصارية بإجلال واحترام لموقفها البطولي والواعي من القيادة في وسط المعركة وهي نسيبة بنت كعب المازنية، وكانت تخرج مع رسول الله في غزواته لتداوي الجرحى. وكان ابنها معها فأراد أن ينهزم ويتراجع فحملت عليه وقالت:

يا بني إلي أين تفر عن الله وعن رسوله فردته فحمل عليه رجل فقلته، فأخذت سيف ابنها فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته.

فقال رسول الله: بارك الله فيك يا نسيبة.

وكانت تقي رسول الله بصررها وثدييها حتى أصابتها جراحات كثيرة وشهد لها رسول الله بقوله: ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا رأيتها تذب عني يوم أحد.


• الصورة الثانية:

إن أنس بن النضر انتهى إلى جماعة من المهاجرين والأنصار ـ وقد ألقوا بأيديهم ـ فقال:

ما يحبسكم؟

قالوا: قتل رسول الله.

قال: فماذا تصنعون بالحياة من بعده، قوموا فقاتلوا وموتوا على ما مات عليه رسول الله.

ثم استقبل القوم (الأعداء) فقاتل حتى قتل.


• الصورة الثالثة:

(أبو خيثمة) كان رجلاً قوياً وعنده زوجتان وعريشان.

وكانت زوجتاه قد رشتا عريشيه، وبردتا له الماء وهيأتا له طعاماً فأشرف على عريشته فلما نظر إليهما قال:

لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قد خرج في الفيح والريح (الحر والبرد) وقد حمل السلاح ليجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشته وامرأتين حسناوين لا والله ما هذا بإنصاف.

فأخذ ناقته وشد رحله والتحق برسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فنظر الناس إلى راكب في الطريق، فأخبروا رسول الله.

فقال الرسول: كن أبا خيثمة.

فأقبل وأخبر النبي بما كان، فجزاه النبي خيراً.

(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ).

وكمحاولة لتربية الأمة على الروح القيادية، نجد القرآن الكريم في آية أخرى، يدعو النبي إلى تطبيق مبدأ الشورى في سلوكه التربوي والتوجيهي للأمة:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). (سورة آل عمران: 158)

فنجد أن النبي مع كونه رسولاً مطاعاً ونبياً مسموع الكلمة لكنه يستشير أصحابه ويستعمل مبدأ الشورى، لماذا؟

ليربي الروح القيادية في الأمة ويمنح الثقة لأصحابه ويشعرهم بقيمة أنفسهم ويستثير عقولهم.

هذا أولاً.

وثانياً: يستهدف استخدام الحد الأعلى من فاعلية الأمة عن طريق إشعارها بالمشاركة في اتخاذ القرارات والتحامها بخطوات المسيرة القيادية.

فرغم تسليم الصحابة واعتقادهم بأن قرارات النبي إلهية إلا أنه اعتمد المشاورة، ليصبح مثلاً أمام كل الأمة ـ الخواص والعوام ـ وليشيع روح المسؤولية والوعي القيادي بين أبنائها.


1ـ غزوة بدر الكبرى:

إن النبي (صلّى الله عليه وآله) أتاه خبر مسير قريش إلى المسلمين فاستشار من معه من أصحابه، فتكلم المهاجرون كلاماً حسناً.. ولكن النبي ظل ينظر إلى القوم ويقول لهم:

أشيروا علي أيها الناس، فقال سعد بن معاذ:

والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل.

فقال سعد: لقد آمنا بك وصدقناك.. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.

فسر رسول الله بقول سعد.


2ـ غزوة أحد:

استشار النبي أصحابه في الخروج فطلبوا منه الخروج لقتال قريش حتى وافقهم على ما أرادوا، فدخل بيته ولبس درعه وأخذ سلاحه وظن الذين ألحوا على رسول الله بالخروج أنهم أخطأوا وأن النبي ليس من رأيه الخروج.

فقالوا: استكرهناك يا رسول الله، ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد.

فقال رسول الله: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته (درعه) أين يضعها حتى يقاتل.


3ـ غزوة الخندق:

لما وجد النبي (صلّى الله عليه وآله) أن البلاء اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما في أن يصالح بني غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين.

فقالا له: يا رسول الله أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك به الله، أم شيء تصنعه لنا؟

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله) بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم شوكتهم حينئذ قال له سعد بن معاذ:

والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا بالسيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

فتهلل وجه رسول الله وقال: فأنت وذلك.


نحن والنبي محمد (صلى الله عليه وآله)

نحن والنبي محمد (صلى الله عليه وآله)


• كيف نحن والنبي محمد (صلّى الله عليه وآله)؟

محمد (صلّى الله عليه وآله) يبدو لنا بعد مضي أربعة عشر قرناً وكأنه لا زال واقفاً منتصب الجبين، داعياً إلى الله، وسراجاً منيراً في دروب الحياة، وشاهداً علينا وعلى الأمة، ومبشراً ونذيراً، إذا كان محمد (صلّى الله عليه وآله) إمام الرحمة فهو يبحث عن اتباع.. إذ لابد لكل مأموم اماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ونحن أمامنا هو نبي الرحمة محمد (صلّى الله عليه وآله)..

فماذا يمكن أن نتوقع أن يقوله النبي وهو ينظر إلى واقعنا الزاخر بالضعف والخوف، والمليء بالذل والشهوات.

ألا نسمعه يقول وهو يعلق على واقعنا الحالي: (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كتداعي الأكلة على القصعة؟).

قالوا: يا رسول الله ونحن يومئذ قلة..

(قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكن كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور العدو. هم الذين يخطب العالم ودهم، ويتملق على باب دارهم الشرق والغرب.. وهم أذلاء في نفس الوقت يتسكعون على أبواب الأمم الأخرى ويطلبون فتات موائد الشرق والغرب فلم يحصلوا عليه ما هو السر؟ (أمن قلة نحن يومئذ)؟ (لا: بل أنتم كثرة ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن من صدور العدو المهابة منكم!)

ضعفنا في قوتنا، ومع كثرتنا نبدو قليلين لا نساوي شيئاً أمام العالم، ولا يزن العالم لنا أي وزن حين يتخذ القرارات المصيرية بشأننا، فيقسمنا ويبيعنا ويقرر استعمارنا ونحن نرضى ونقبل بذلك لماذا؟

لأننا أمة لا تستحق الحياة أبداً..

لماذا: يا رسول الله.. وهل فينا شيء.. وهل فينا نقص؟

نعم، ويقذفنّ الله في قلوبكم الوهن!

الوهن، ما هو الوهن؟

الوهن: هو القوة الخائرة.

قوى موجودة ولكنها خائرة معنوياً... ضعيفة من الداخل.. مثلما قال زكريا لربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً).

العظم موجود بالبدن ولكنه خائر من اثر الشيخوخة والسبب هو: هذا الضعف المعنوي الذي فسره النبي بشيئين: (حب الدنيا.. وكراهة الموت).

حب الدنيا بمعنى تحويلها إلى هدف معبود وشيء مقدس لا أن تكون الدنيا وسيلة، وجسراً، ومزرعة للآخر، وساحة سباق واختبار على الخير والتقرب إلى رضوان الله.

لهذا فالدنيا تأخذ بمجامح القلب، وتصرع الإنسان وتقوده إلى السقوط والانحطاط.. وتسد أبواب التفكير الإنساني فلا تدعه يفكر في تحرير نفسه أو تحقيق هدفه الإنساني.. وتراه يكره الموت الذي يكون طريقاً إلى الحياة.. ويخاف الشهادة في سبيل العقيدة والكرامة والوطن.. الشهادة التي هي طريق الخلود والكرامة والرفعة وشبيه هذا المضمون.

كلام آخر للنبي محمد (صلّى الله عليه وآله).. أيضاً يقول تعليقاً على واقع على الإسلام اليوم:

(بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء).

فهل الإسلام يعيش في غربة وحواليه اكثر من ثمانمائة مليون مسلم وتحيطه مئات الآلاف من المساجد والمآذن، والمنائر مزروعة في أرجاء الأرض.. في كل بلد من بلاد الدنيا يوجد مسجد ومسلمون.. وهذا على عكس ما بدأ به الإسلام حيث لم يتجاوز أتباعه ذلك اليوم العشرة والعشرين.

فماذا يقصد النبي (وسيعود الإسلام غريباً) مع هذه الشعبية المنقطعة النظير للإسلام اليوم؟ إلا اللّهم إذا كانوا هؤلاء الكثرة غير المسلمين حقيقة وغير المسلمين فعلاً بل اسماً فقط.

فالمقصود غربة مبادئ الإسلام وتعاليمه.. وأحكامه!!

وهذا هو الواقع فتعاليمه ومحتوياته تعيش غربة موحشة بين أبناء المسلمين.

التعاون عندهم غريب.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عاد عندهم غريباً.

التناصح والتآلف والتضامن والتحابب والتآخي وكل هذه الصفات التي أمر بها الإسلام عادت عندهم غريبة.

القرآن عاد غريباً.

لأنه.. لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.

أليس يأمر القرآن بالجهاد والبذل والتضحية.

والجهاد والبذل والتضحية أصبحت عند المسلمين معدومة..

إذا ماذا تفيد الكثرة حتى لو كانت محقة إذا انهزمت أمام شرذمة قليلة من المغتصبين والمحتلين. ماذا تفيد الملايين.. لو كانوا يقبلون الرضوخ لحاكم ظالم وطاغية مستبد، ألم يقل القرآن:

(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)؟! (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ)!

أما إذا سيطر الظلم والظالمون على الأمة الإسلامية.. ولم يبدر منها رفض أو معارضة للظلم.. فإن هذه الأمة لا تكون مسلمة حقاً.. ويعود الإسلام في هذه الأمة غريباً، لأنه لو كان الإسلام يحكم حياتها لكان وضعها ومصيرها غير هذا الذي تعيشه الآن حتماً.

فالإسلام لا يرضى بواقع الذل والعبودية والخضوع للظلم والأجنبي بينما بلاد المسلمين اليوم يتقاسمها الشرق والغرب ويتحكم فيها حفنة من الظالمين والأنظمة المستبدة والديكتاتورية الحزبية والفردية.

فهل يعيش الإسلام مع هذا الواقع المتردي.

هل يعيش الإسلام في قلب امرئ يقبل الخضوع لغير الله.. ويرضى بالسكوت على الظلم والديكتاتورية.

(إني معذب كل رعية دانت بإطاعة إمام جائر وإن كانت في نفسها تقية).

هكذا قال الله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). (سورة الأعراف: 157)

الحرية هي: الرسالة التي بعث بها الأنبياء جميعاً وهي البشارة التي بشرت بها رسالات السماء..

لأنها ـ أي الحرية ـ هي الجوهرة الثمينة وأغلى نعمة منحها الله للإنسان..

وجاء الأنبياء ليعلنوا حرية الإرادة البشرية ويعلنوا.. (قلب الإنسان منطقة حرة).

بل وجاء الأنبياء وهم مزودون بوسائل لتأمين حرية الإنسان والدفاع عنها ضد الطغاة والمستكبرين ـ من أقوامهم ـ الذين أرادوا سلب حرية المستضعفين. واستعباد الفقراء والضعفاء وقهرهم بالقوة.

حتى الأنبياء عندما يأتوا فانهم لا يكرهوا على الإيمان بالله، أو يجبروا الناس على اتباعهم، لأنه تعالى نفسه لم يشأ أن يجبر الخلق على الهداية والطاعة: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).

وإنما الأنبياء يأتوا ويقنعوا الناس بالحق ويرشدوهم إلى الصراط المستقيم.. ويرفعوا عنهم الخطر العقلي والتحجير الفكري الذين يفرضهما الطغاة على عقول الناس والسؤال المهم:

لماذا حارب الأنبياء وحوربوا، وخاضوا كفاحاً مريراً ضد أقوامهم، وتحملوا المشاق والآلام، وواجهوا النفي والتشريد والتعذيب والتنكيل من طغاة زمانهم ونماردة عصرهم وفراعنة قومهم؟

لماذا قاوم موسى فرعون؟

وواجه إبراهيم نمرود؟

وحارب محمد (صلّى الله عليه وآله) أبا سفيان وأبا جهل وعتاة المشركين من قريش؟

هل لأن هؤلاء الأنبياء أرادوا أن يجبروا هؤلاء على الإيمان والهداية..

أم انهم أرادوا أن يرفعوا هؤلاء أيديهم عن رقاب الفقراء ويخلوا سبيل المستضعفين ليقرروا مصيرهم بأنفسهم ويختاروا طريقهم بحرية..

اعتقد أن محمدا (صلّى الله عليه وآله) خاض اكثر من ثمانين حرباً وغزوة مع أعدائه وكافح وناضل وضحى.. من اجل تأمين الحرية للمجتمع.. ومن أجل إنارة الطريق للناس.. وتوضيح طريق الخير والهداية.. لمن شاء ويؤمن ويتبع الحق.. ومن أبى إلا النكوص.. فما عليه من الآخرين.. ولا يحق له أن يمنع غيره من الهداية أو يمنع الهداية من الناس.

النبي حارب طغاة قومه لأنهم أرادوا أن يبقوا على جهل الناس وجاهليتهم، ويكرسوا عبادة الأصنام والأوثان، وذلك للمحافظة على مصالحهم وامتيازاتهم التي كانوا يحصلون عليها عن هذا الطريق.

لذلك فإنّ النبي أوّل ما جاء.. لم يقم بتحطيم الأصنام وإزالتها. وإنما حارب الرموز الاجتماعية وعقلية التشبث بالأحجار والتقديس للأصنام.

حارب أبا سفيان.. لأنه كان يستعبد الفقراء والمساكين عن طريق هذه الأصنام.

حارب أبا جهل لأنه كان يعتقد بأن عقيدة التوحيد ونبذ الأصنام تضر بزعامته وتضر كبريائه.

حارب أمية بن خلف وعمه أبا لهب ورؤساء مكة لأنهم أبوا أن يخضعوا لدين يساوي بين العبد وسيده، ويآخي بين الفقير والغني. ولا يدع فرقاً بين بلال الحبشي وسيده القرشي وبين سلمان الفارسي وأبي بكر العربي.. وبين الصهيب الرومي وبين أبناء هاشم انه دين المساواة والأخوة والحرية بين بني الإنسان.

(لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود... كلكم لآدم وآدم من تراب).

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

لهذا فأول من التف حول النبي ودعوته كانوا هم الفقراء والعبيد والمستضعفون.

ولأنهم وجدوا في الإسلام ملجأ للخلاص من العبودية والظلم، ووجدوا في رسالة النبي طريقاً للحرية والشعور بالكرامة.. لقد شهدت رمضاء مكة في الهاجرة إنسان يتلوى من الألم لسانه يتدلى عطشاً، والسياط تنهال على جسده من كل جانب.. ومع هذا يظل ينادي (أحد.. أحد).

إنه بلال مؤذن الرسول.

إنه صورة مشرقة من صمود المستضعفين في وجه المستكبرين لقد كان سيده (أمية بن خلف) لا يطلب منه اكثر من أن يشتم محمداً (صلّى الله عليه وآله) ودينه، وكان يقنع منه لو فعل ذلك بلسانه دون قلبه.

ولكن بلالاً الحبشي كان يفضل أن يموت تحت التعذيب حتى على أن يستنكر باللفظ ديناً نفذ نوره إلى قلبه، أو ينسى تحت وطأة الألم ـ فضل رجل هداه إلى طريق الحق والحرية.

فأراد أن يسجل صورة جميلة لتحدي الطغاة والمستكبرين الذين مهما استطاعوا أن يسلبوا الطعام والماء عن الإنسان أو يسحقوا منه حريته.. أو يسلبوا منه قدرته على أن يقول كلمة الرفض: لا.. في وجه الطغاة.

إن الإسلام يقوم على كلمة واحدة: هي كلمة التوحيد.

وكلمة التوحيد قائمة على شعارين.

أحدهما: شعار الرفض.

لا إله..

أي لا للخضوع لأي شيء ولأية قوة.

لا للخضوع لأصنام البشر والحجر والحديد والورق.

لا للخضوع للمال والشهوة والغرائز والأهواء.

لا للخضوع للأهل والعشيرة والزوجة والولد والبيئة والمجتمع بالباطل.

والثانية:

شعار التسليم. للقوة المطلقة والكمال المطلق.

إلا الله: رمز الحرية والحق والفضيلة والكمال المطلق والجمال الدائم.

وشرط الإيمان ـ في الإسلام ـ أن تكفر بالطاغوت أولاً .. أن ترفض الخضوع للحاكميات الأرضية، وآلهة البشر، والأنظمة الطاغوتية والديكتاتورية.

(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى).

الآية بكاملها (المعروفة بآية الكرسي) هي آية الحرية.. وهذه الفقرات منها..تأكيد على حرية الإنسان المطلقة.

حرية الفكر والعقيدة.. حرية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي حرية ابداء الرأي والمعارضة في وجه الطغاة والظالمين.

الآية هكذا: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..)

أي ليس لأحد الحق على أن يكره الإنسان على عقيدة معينة أو يجبره على سلوك طريقة معينة. (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).

أي الطريقة الوحيدة لحرية الإنسان العقائدية وتحقيق حرية العقل والفكر هي: الاقتناع وأن لا يقبل الإنسان عقيدة ما إلا عن اقتناع ووعي، وإلا عن دليل ومنطق.

إذا كان أمام الإنسان طريقان.

طريق الغي وطريق الرشد.

فهو حر في أن يسلك أياً منهما، وهو يتحمل مسؤولية هذا الاختبار، ولا مسؤولية بدون حرية.. والمسؤولية هي ثمن الحرية طبعاً.

وهذا ما رسمته الشريعة الإسلامية في قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً، إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً).

أما لو لم يكن أمام الإنسان إلا طريق واحد.. وهو مجبر على سلوك هذا الطريق.. فإن الإنسان في هذه الحالة يفقد حريته وكرامته الإنسانية.

إن النبي نوح والنبي لوط.. لم يشاءا أن يجبرا زوجتيهما على أن يكونا مؤمنين يعني توفير الحرية الكافية للإنسان في ظل الإسلام.

حريتهم ومسؤوليتهم الإنسانية.. وتذكيرهم بهذه النعمة العظيمة والجوهرة الثمينة التي وهبها الله لهم.

هكذا شرح الإمام علي (عليه السلام) مهمة الأنبياء في كلماته..

(بعث أنبياءه ليذكروهم منسي نعمته ويثيروا لهم دفائن العقول).

وخاطب علي (عليه السلام) الإنسان بهذه الكلمة، وذكره بهذه النعمة.. نعمة الحرية في قوله: (لا تكن عبد غيرك، وقد خلقك الله حراً).

وقال: (من أصبح مهموماً لسوى فكاك رقبته، فقد هون عليه الجليل ورغب من ربه في الربح الحقير).

أي المقصود أن يكون طموحك الأساسي في الحياة تحقيق حريتك، ونيل سيادة النفس وكرامة الشخصية، وتحريرها من قيود الشهوات والأهواء والأغلال الاجتماعية والسياسية.

إن الإمام علي لا يوصي الإنسان بشيء آخر غير الحرية ولا يذكر هدفاً آخر لخلق الإنسان إلا الحرية.

ماذا يعني هذا؟

ألا يعني أننا بعيدون جداً عن دين الإسلام، ورسالة محمد (صلّى الله عليه وآله) ومنهج علي (عليه السلام) في الحياة.. نحن الذين نرضى بالعبودية للطغاة والشهوات النفسية.. ونخضع في حياتنا إمام طاغية مستبد أو نظام دكتاتوري.

نحن ـ بعد هذه الحالة ـ هل يصح أن نسمي أنفسنا مسلمين ومن أتباع محمد (صلّى الله عليه وآله) رسول الحرية..


الجمع بين السلطة والهداية

الجمع بين السلطة والهداية


كانت دعوة النبي الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله) حركة سياسية تقوم على أساس عقائدي رصين، لهذا انتصرت هذه الدعوة في أقل من ربع قرن وقامت لها دولة.. والحق كما يقرر الأستاذ توينبي: (لم يصبح للمسيحية تأثير سياسي ديني إلا بعد رسالة المسيح بثلاثمائة سنة وبفضل اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية، كذلك لم يعد للبوذية دور بارز في السياسية الدولية إلا بعد وفاة البوذا بمائتي سنة وبفضل اعتناق الإمبراطور (آسوكا) لها).

أما الإسلام فإنّه على العكس أخذ تأثيره على مجريات الأمور العالمية يعظم بقوة في غضون حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بل لقد تولى شخصياً صياغة تلك المبادئ التي أثرت في السياسة، ولا تزال تؤثر فيها حتى اليوم.

فبعدما استقر المقام بالنبي الكريم في يثرب دلل على انه عبقري سياسي إلى جانب كونه صاحب رسالة دينية عظمى.

نلاحظ في سيرة النبي درساً عظيماً، وهو يشكل الخط البياني لدعوته المباركة.

وهو انه جمع ـ منذ أول يوم ـ بين فكرة السلطة والهداية..

وصب فكرة إقامة الحكومة في بوتقة التربية وجمع الرسول دعوته إلى الإسلام بين الدنيا والآخرة، وفي كافة مراحل الدعة والتحرك لم يفتأ أن يؤكد الآخرة والنار والجنة، ويرسم لوحة متكاملة عن المصير الأخروي للإنسان في نفس الوقت الذي يحدد له منهج المسير في الدنيا..

وهذه الميزة في سيرة النبي أي الجمع بين السلطة والهداية جاءت منذ اللحظة الأولى لإعلان رسالته، وكان يؤكد عليها في سائر مراحل دعوته، فلم تختلف كلماته يوماً ما يحاول أن يتبع سياسة المرحلية في طرح الشعارات وإعلان المواقف.. أو يحاول التنازل عن مبدأ معين، أو موقف رسالي في مرحلة من المراحل أو تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية، فيؤجل إعلان هذا المبدأ أو ذاك إلى مرحلة أخرى أو ينتظر تهيؤ الظروف لذلك.

بل إن أول كلمة في دعوة النبي لا تختلف عن آخر كلمة له.

ومنذ اللحظة الأولى أعلن مجمل رسالته للعالم وبين المعالم الرئيسية في دعوته.

وإذا كانت المعالم الرئيسية لدعوة النبي، هي الدعوة إلى التوحيد، والتصديق بالرسالة، والإيمان بالمعاد.

فقد جعلها النبي محور كلماته الأولى ومواقفه الحاسمة والفاصلة.

وأعلن عنها منذ أول يوم.. ولم يقبل التنازل عن أي منها أمام الضغوطات والتهديدات والإغراءات التي عرضت عليه من قبل المشركين.

فلم يقبل المساومة والمهادنة على هذه المبادئ بأي ثمن ولم يتنازل عن إعلانها في أقسى الحالات وتحت أشد الظروف حراجة.

فلم يكن تحت الضغوط والتهديدات ليتنازل قيد أنملة عما أرسل به أو يحاول ارشاء قريش بالقبول على أنصاف الحلول، والاتفاق على حلول وسط..

فحينما جاءت إليه قريش لتساومه على أن يعبد إلهها شهراً وهي تعبد معه ربه شهراً آخر، وقالوا: (هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبده، ونشترك نحن وإيّاك في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً ممّا نعبد نكون قد أخذنا بحظنا منه وإن كان الذي نعبد خيراً ممّا تعبد تكون قد أخذت بحظك منه).

فأنزل الله تعالى عليه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

وفي مكة كان إعلانه الصريح عن رسالته العالمية، وانه مبعوث للناس كافة.

والآية التي جاءت تعبر عن هذا الموقف الرسالي الصريح هي: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا).

وهي مكية، وهي تكذب الذين قالوا: إن محمداً (صلّى الله عليه وآله) حين كان ضعيفاً قال: (أنا رسول لأهل مكة ومن حولها، وبعد أن صار قوياً قال: (أنا رسول الله للناس أجمعين).

وبلغ رسالته كاملة إلى الناس من دون أن ينقص منها شيئاً أو يدخل فيها، أو يفصل بين الدين والسياسة، وبين السلطة والهداية، والحكومة والتربية.

وفي الرواية التالية نجد معالم هذا المنهج الرسالي واضحاً، ونشاهد أسلوب الرسول في الكشف المسبق لرسالته الداعية إلى الدين والدنيا والمنسقة بين فكرة الجنة والنار والحكومة والسلطان في الدنيا.

على أن هذا منهج تربوي عظيم وشاهد على شمولية الدين الإسلامي واستيعابه لحاجات الإنسان الروحية والمادية، وتوجيهه إلى ضمان المستقبل الدنيوي والأخروي معاً.

في تفسير القمي:

لما أظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الدعوة بمكة قدمت إليه الأوس والخزرج ـ في موسم الحج ـ فقال لهم رسول الله:

موعدكم العقبة (في منى) في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فحجوا ورجعوا إلى منى ـ وكان فيهم ممن حج بشر كثير ـ فلما كان في اليوم الثاني من أيام التشريق قال لهم رسول الله:

(إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على القبة ولا تنبهوا نائماً، ولينسل واحد فواحد) فجاء سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار.

فقال لهم رسول الله: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة.

فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام:

نعم يا رسول الله اشترط لربك ونفسك ما شئت.

فقال: أما ما اشترط لربي بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وما اشترطه لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعوني أنفسكم وتمنعون أهلي ممّا تمنعون أهليكم وأولادكم.

فقالوا: (فما لنا على ذلك؟).

فقال: الجنة في الآخرة وتملكون العرب، ويدين لكم العجم في الدنيا، وتكونون ملوكاً في الجنة.

فقالوا: رضينا.

بل أول كلمة طفحت على لسان الرسول كانت كلمة إنذار، فهو البشير النذير معاً.

لما نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ..).

وقوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ).

جاء في الروايات أنه صعد الصفا ـ وجعل ينادي: يا صاحباه، يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني عبد المطلب، وذكر الأقرب فالأقرب حتى اجتمعوا، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر إليه ما يريد، فقال النبي:

أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟

فقالوا: بلى والله، ما جربنا عليك كذباً.

فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟

وأجمع المؤرخون على أن النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أمره الله أن ينذر الأقربين من عشيرته دعا علياً (عليه السلام) وقال له: أصنع طعاماً واجعل عليه شاة، واملأ لنا عساً من لبن، واجمع لي بني هاشم وعبد المطلب حتى أكلمهم وأدعوهم للإسلام وأبلغهم ما أمرت به، ففعل علي (عليه السلام) ما أمر به ودعاهم وكانوا أربعين رجلا يزيدون رجلاً أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب وبنو عمومته فأحضر لهم علي (عليه السلام) الطعام فأكلوا حتى شبعوا.

وجاء عن علي (عليه السلام) أنه قال عن هذه الحادثة: لقد كان الرجل الواحد منهم يأكل جميع ما شبعوا كلهم منه.

فلما فرغوا من الأكل وأراد النبي أن يكلمهم بادره أبو لهب عمه إلى الكلام وقال: ما أشد ما سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي..

وبعد أيام قال النبي لعلي: (يا علي قد رأيت كيف سبقني هذا الرجل الكلام فأصنع لنا في غد كما صنعت بالأمس، واجمعهم لعلي أكلمهم بما أمرني الله).

فصنع علي (عليه السلام) لهم الطعام. فلما أكلوا وشربوا، قال لهم النبي: (ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به، لقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم من بعدي؟)

فأحجم القوم غير علي (عليه السلام) فقام وهو أحدثهم سناً وأرفعهم عيناً أحمشهم ساقاً وقال:

أنا يا نبي الله.

فأمره النبي بالجلوس وكرر عليهم مقالته فلم يستجب له أحد غير علي (عليه السلام) أيضاً.

ولما رأى النبي إحجامهم وإصرار علي (عليه السلام) أخذ برقبته وقال: (إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا).

فقال القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: لقد أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيع.

ونرى في هذه الرواية بوضوح أن النبي جمع ـ ابتداء ـ بين مسألة الإنذار بالقيامة، والإشارة إلى مسألة الإمامة والحكومة.

ونجد صورة أجمل وأدق للجميع بين فكرة السلطة والهداية في كلمة واحدة قالها النبي في مناسبتين.


• المناسبة الأولى:

عندما جاء عبد الله بن مسعود إلى النبي في معركة بدر حاملاً رأس أبي جهل ووضعه بين يديه قائلاً: أبشر يا نبي الله بقتل عدو الله أبي جهل.

فقال النبي: لهو أحب إليّ من حمر النعم.


• المناسبة الثانية:

عندما بعث علياً (عليه السلام) إلى اليمن للحكومة بين الناس قال له: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحد خير لك من حمر النعم).

فالانتصار على الأعداء وتحكيم سلطة الإسلام تأتي في نفس الدرجة مع عملية الهداية، والتثقيف، والتربية.

وكلاهما: السلطة والهداية ـ خير من حمر النعم.

وكلاهما: الحكومة والتربية ـ من مسؤولية النبي وأتباعه المجاهدين.

أو ليس النبي هو البشير النذير وأرسله الله تعالى: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا).


توصيات إلى الجيل الرسالي

توصيات إلى الجيل الرسالي


• توصيات إلى الجيل الرسالي الجديد

الحديث عن النبي ـ محمد ـ (صلّى الله عليه وآله) هو الحديث عن الحياة.. (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).

والحياة بما فيها من حركة وهدف، ومسير ومصير، وارتفاع وانخفاض، لخصها رسول الحياة في كلماته وفي سيرته الإنسانية التي كانت القمة في الارتفاع وقاعدتها سلسلة مقاومات ونضالات حقيقية ضد الانحدار والسقوط..

حياة النبي تجربة أمة، وسيرة قيادية، ومنهج حضارة إنسانية..

والآن.. الحديث عن النبي ـ في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا ـ يختلف عما قبل؟!

في هذا القرن الهجري الجديد..

وضمن محاولة بناء جيل رسالي جديد لا يمكن أن نتحدث عن رسول الإنسانية محمد (صلّى الله عليه وآله) بنفس اللهجة والأسلوب (القديم) الذي كان يطرحه الجيل السابق، ولا يجوز التطلع إلى نبي الحياة بنفس النظرة التي ينظرها الفرد العادي، فيجلس ويلاحظ الجوانب القشرية والسطحية من شخصية النبي، فيصف لنا لون عمامته، أو شكل خاتمه، أو تفصيل هندامه وهيكله..

بل نحن نحتاج إلى الحديث عن الحياة في شخصية النبي.. الحياة التي تبعث الروح من جديد في جسد أمتنا الهامد، وتعطينا الرؤية والمنهج في بناء جيل محمدي، وإعداد طليعة رسالية..

فهل نستطيع؟

هل نستطيع أن نتجاوز ركام النظرات القشرية أو حواجز الروح السلبية في تحليل تاريخنا وتقييم شخصياتنا الرسالية والقيادية؟

هل نتمكن أن نعبر مسافة طويلة وشاقة من الزمن الذي كنا ولا زلنا نعاني فيه من الإحباط، والتخلف، وسيطرة الاستعمار، ونحن مثقلون برواسب ذلك العهد من روح مهزومة ونفس انهزامية، وواقع متشرذم ومتخلف.. والكبت وسيطرة حكام منافقين على بلادنا هم أشد كفراً من الاستعمار نفسه..

الطريق هو العودة إلى أصالتنا الرسالية..

وعلينا أن نذهب لاستقبال هذا القرن الهجري، ونجعله مدخلاً إلى تاريخ جديد، ومنعطفاً خلاقاً..

والعلاج أن نتخذ من سيرة النبي قوة ومناعة ضد واقعنا المتخلف ونشهر من نهجه سلاحاً بوجه الطغاة والأنظمة الطاغوتية التي تحكم بلادنا..

إن ذكرى الرسول وتذكر سيرته يجب أن يمنحنا حياة جديدة، ويهب أمتنا روحاً ثائرة، وينفخ في جسدها الهامد روح الحياة النضالية..

يعني علينا أن نغير منهجنا في فهم الرسالة، وطريقنا في دراسة التاريخ الإسلامي، وتقييم قادتنا وقدواتنا الرساليين..

قد تكون المسألة صعبة أو الحقيقة التي يجب أن نعترف بها مرة، ولكنها كمرارة الدواء لابد من تجرعها حتى ننال الشفاء، ونطرد المرض والترهل عن جسم أمتنا وواقعنا، وفي هذا القرن تلوح في الأفق بوادر إشراقة جديدة للإسلام وللحضارة القرآنية.

ومن هذه البوادر بروز جيل جديد في مجتمعاتنا الإسلامية.. يحاول هذا الجيل أن يتعرف على تاريخه وماضيه، وينفتح على تراثه الإسلامي الأصيل، ويستلهم منه مشاعلاً لطريقه ورؤية للمستقبل..

هذا الجيل ينظر إلى سيرة النبي نظرة جديدة تختلف عن نظرات الجيل السابق ـ ذلك نتيجة ظروف الثورة، والانبعاث الحضاري، ونتيجة إحساسه بالتحديات المصيرية والمؤامرات الاستعمارية، واستلهام السيرة النبوية، لأن فيها المنهج الكامل لبناء أمة قادرة على تحمل مسؤوليات التحدي الحضاري، وقيادة هذا العالم الضائع إلى شاطئ السلام والنجاة.

والآن لو أردنا أن نغير منهجنا في بناء الجيل الجديد فعلينا أن نعرف هذا الطريق ونسلكه ـ استلهاماً من السيرة النبوية المباركة..

هكذا نشاهد الرسول محمدا (صلّى الله عليه وآله)..

هكذا كان النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، نشاهد أن الله عندما أراد أن يختاره لأداء الرسالة العظيمة، وتغيير ذلك المجتمع الجاهلي، وبناء مجتمع العدل والإيمان، نشاهد بأن الله يختار لنبيه طريقة خاصة لتربية وبناء شخصيته وإعداده لأداء هذا الدور، هذه الطريقة عبر عنها النبي بقوله: (أدبني ربي فأحسن تأديبي).

إن الله يريد لنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله) أن يكون مصلحاً لا لزمانه وعصره فقط، ولا لمكة والجزيرة العربية وحدها. بل يريده أن يكون مصلحاً للإنسانية كلها، ولكل العصور والأجيال، لذلك يجب أن تصاغ شخصيته بعيداً عن مؤثرات المحيط والمجتمع والزمان والمكان الذي يعيش فيه، بل هو معد للخروج على هذا المحيط وإعلان الثورة على هذا المحيط، أو يتأثر بهذا المناخ الاجتماعي الفاسد، لذلك يريد أن يخرج نبيه من هذا المحيط ويبعده من هذا المجتمع.

بل نشاهد اكثر من هذا..

وهو أن محمداً (صلّى الله عليه وآله) يولد يتيماً بعيداً عن حجر أبيه، وبعد ولادته ينفصل عن حضن أمه.. ويخرج إلى البادية، لكي لا يبقى في مكة وفي ذلك المجتمع الموبوء.. ويتربى في مناخ البادية النقي، ولكي لا يتأثر بأي قالب من قوالب ذلك المحيط الفاسد المتخلف، لكي تصاغ شخصيته صياغة فريدة، ليس فيها حجم ذلك المكان الضيق، أو لوث ذلك المحيط، أو بصمات ذلك العصر الجاهلي.

بل المفروض أن يكون رسولاً مهيمناً على الزمان والمكان ونبياً خاتماً مرسلاً إلى الناس كافة.

وهذا منهج التغيير في حياة كل مصلح رسالي، وهذا هو الأدب الإلهي.. الرسالي.. وهو أن يخرج الإنسان المؤمن قدر المستطاع من حدود ذاته الضيقة، وقوالب محيطه الفاسد، وظروفه الاجتماعية المتخلفة، ويتمرد بقوة على توابيت الثقافة الجامدة التي جاءت من عهود التخلف والجمود، ويتحرر من ربقة التقاليد الميتة والعادات الاجتماعية السيئة، ويختط لنفسه منهجاً رسالياً ثورياً نابعاً من قيم الرسالة الحقة ومسيرة نبينا وتراث قادتنا العظام، حتى يمكن أن يثور على مجتمعه الفاسد، ويغير مفاهيمه المتخلفة، ويعيد لأمته حياة المجد والانتصار والانطلاق والتقدم.

 

• التوجيه إلى القضية الرسالية، والارتفاع فوق الآلام والصعوبات:

هذا هو رسول الله يعطينا درساً في الارتفاع على الآلام والعواطف الشخصية، ويوجه طاقاته كلها نحو الهدف والقضية الرسالية حتى الانتصار..

اسمعوا القضية كما يلي:

يتوجه النبي ـ كعادته ـ إلى المسجد الحرام ويجلس بفناء الكعبة، ويتلوا آيات الله، ويدعو الناس إلى الرسالة. فينهال عليه المشركون ضرباً وإيذاء.

ويحرك أبو سفيان وأبو جهل جماعة ليؤذوا النبي ويلقوا عليه روث الشاة.. ويرمونه بالأحجار.. ويطرحونه إلى الأرض ويكادوا يقتلونه..

هنا يقبل حمزة عم النبي بعد عودته من رحلة الصيد ليطوف بالبيت قبل عودته إلى بيته في المساء.. فتستقبله إحدى الجواري، وتخبره بما فعل القوم بابن أخيه من الإهانة والضرب والإيذاء، فيشتد حمزة غيظاً وغضباً، ويقبل على القوم فيجدهم قد احتشدوا على النبي واحتوشوه، وانهالوا عليه من كل جانب، فيزمجر فيهم حمزة زمجرة عالية بفرقهم فيها عن النبي، ويجعلهم يرتعدون من الخوف، لأنه هددهم ووجه لكمة قوية إلى أحدهم فطرحه إلى الأرض، وأعلن حمايته الكاملة عن النبي، فسأله أحدهم:

هل أنت على دينه؟

يعني: هل صرت مسلماً؟

فأجاب حمزة وهو في فورة الغضب:

نعم وأنا على دينه وأحامي عنه.

وهكذا استنقذ حمزة النبي من قبضة المشركين، وأنقذه من الموت على أيديهم، وجعل النبي ينهض ويعود إلى بيته مثخناً بالجراح تسيل الدماء على رجليه وبدنه، كما يعود حمزة آوياً إلى بيته بعد أن أفرغ غضبه على المشركين، وأنقذ ابن أخيه محمدا (صلّى الله عليه وآله) من كيدهم.

لكن لم تمر لحظات إلا ويسمع حمزة طرقات على باب بيته فلما فتح له دخل النبي إلى بيت حمزة..

سأله حمزة: ماذا جاء بك يا ابن أخي، وأنت متعب، وعليك أن تذهب وترتاح؟!

قال النبي: جئتك في أمر مهم؟

حمزة: ما هو يا بن أخي؟

محمد: هل صحيح أنك أسلمت؟

حمزة: لا ومن قال لك ذلك.

محمد: أنك قلت أمام القوم بأنك على ديني..

حمزة: لقد قلت ذلك وأنا في فورة الغضب، وإما أردت إنقاذك من كيدهم..

هنا استغل النبي الفرصة وطلب من عمه حمزة أن يسلم حقاً.. فتعجب حمزة كيف أن الرسول وهو مثخن بالجراح وينزف جسده ألماً من صنع المشركين به.. ولكنه ينسى كل آلامه وجروحه ويأتي ليقنع عمه بدخول الإسلام..

انه دليل صدقه، وإيمانه وبرسالته وانبعاثه من قبل السماء وهكذا أسلم حمزة وقبل دين النبي حينما رأى صدقه وإخلاصه لمبدئه إلى هذه الدرجة، بحيث يرتفع على آلامه وعواطفه، ولا يلتفت إلى التعب والمشقات التي يتحملها في سبيل القضية، ويصرف توجهه واهتمامه إلى نشر دعوته وانتصار دينه فقط، واهتمامه براحته وعواطفه الشخصية.

 

• العلاقة المبدئية بالقيادة

عندما أشيع في معركة أحد ـ على لسان أحد المشركين ـ بأن النبي محمداً (صلّى الله عليه وآله) قد قتل، اصطدم كثير من المسلمين بهذا النبأ وألقوا أسلحتهم، فمر أنس ابن النضر.. بجماعة من الأنصار والمهاجرين وقد ألقوا بأيديهم، وعلت وجوههم امارات الخيبة، فقال لهم أنس:

ما يجلسكم؟

قالوا: قتل محمد!!

قال: إن كان قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قتل عليه، وموتوا على ما مات عليه..

ثم قال: اللّهم إني أعتذر إليك ممّا قال هؤلاء، وأبرأ إليك ممّا جاءوا به، ثم شدّ على الأعداء بسيفه، وقاتلهم حتى قتل رضوان الله عليه..

وهنا نزل قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).

وهذه الآية الكريمة جاءت لتعلمنا أمر عظيماً، وهو التطلع إلى المبدأ الذي يجسده الرسول وليس النظر إلى شخصه..

الرسول باعتباره يجسد مبدأ، ويحمل رسالة الحياة إلى الإنسانية كلها، فإنّ هذه الرسالة خالدة بخلود الحياة، وأن هذا المبدأ لا يقف عند شخص الرسول بل يستمر..

يجب أن تكون قلوب الأمة متعلقة بالمبدأ والقيم الرسالية لا أن تكون عيونهم معلقة بشخص القائد، فإذا سقط أو ذهب يتخلوا عن المبدأ، أو يتراجعوا عن المسيرة..

ويجب أن تبلغ الأمة مرحلة متقدمة من النضوج الثوري والرشد الفكري.. بحيث لا تعتمد الأشخاص أو العوامل الخارجية، بل يكون اعتمادها الحقيقي على القوى المعنوية والمبادئ والقيم الخالدة،وأن تتطلع دائماً إلى المستقبل الأفضل، وتطوي المراحل العليا من الكفاح، وتحقق الهدف الأسمى من الانتصار والتقدم، ولا تتوقف، ولا تتراجع، ولا تتوانى، ولا تتردد، بل تصمد وتواصل الزحف والمسير حتى تبلغ أعلى درجات السمو والرقي الحضاري..

هكذا جاء القرآن ليعلّم المسلمين بأن المسيرة تتطلب التضحيات والصمود.. ولا تنتهي بانتهاء الأشخاص أو موتهم، بل المسيرة مستمرة، ويجب التطلع دائماً إلى المبدأ الأعلى، والرسول ليس إلا مبلغاً للرسالة وحاملاً لها إلى الناس، وهو حلقة في سلسلة الأنبياء الذين سبقوه، وخاتم الرسل العظام، وهو يؤدي دور التبليغ والإرشاد ويذهب، فعلى الأمة أن تحتضن الرسالة وتواصل الزحف والمسيرة، كما أن هذه المسيرة، بحاجة إلى الضحايا والقرابين وتعمدها دماء الشهداء وتضحيات المجاهدين على طول الخط، لذلك فإنّ النبي يقدم أول ما يقدم أهل بيته علياً (عليه السلام) وعبيدة وحمزة وجعفر في المعركة بين الحق والباطل.

هذا يعني قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً).

أما الذي تكون عينه مشدودة إلى شخص القائد فقط، ولكن قلبه فارغ من الإيمان، ولا يحتضن المبدأ، فهذا يسقط بسقوط القائد، ويتراجع بغيابه عن المسيرة، وييأس ويستلم لتغيير الظروف، ويتأثر لذهاب الأشخاص أو مجيئهم.

وهذا ليس هو المؤمن الحقيقي.. وهذا لن يضر الله أي لا يضر المسيرة.. بل المسيرة مستمرة رغم تراجع المتراجعين، وسقوط الشهداء، والنصر حليف الصامدين المجاهدين..

(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).

(الدين لا يعطي قدسية لأشخاص، ولا يدعي هذه القدسية الذاتية لأي أحد.. إنما يعتبر القدسية للمبدأ وللقيم، والأشخاص لهم من الاحترام والتقدير بمقدار قربهم من المبدأ وتجسيدهم للقيم.

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)..

وليس للإنسان امتياز على غيره بلون، ولغة، أو عنصر، أو نسب، أو حسب، أو شرف عائلي وعشائري، والجاه والمكانة الاجتماعية..

وحتى في الآخرة نجد أن الله لا يعير وزناً للنسب، والقرابة والامتيازات الشخصية، والمحسوبيات العائلية والعشائرية.. (فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ).

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)

(يا آل عبد المطلب لا تأتوني يوم القيامة بأنسابكم ويأتي الناس بأعمالهم).

(إن وليد محمداً من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمداً من عصى الله وإن قربت قرابته).

(خلق الله الجنة لمن أطاعه، وإن كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه وإن كان سيداً قرشياً).

فكيف في الدنيا؟ وفي الحياة الاجتماعية؟ يجب تجريد الأشخاص من صفاتهم الذاتية والشخصية والنظر إلى صفاتهم المبدئية ومؤهلاتهم الفكرية والعملية..

إن الله يقول لنبيه نوح: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).

ما دام ـ أي شخص ـ لم تربطك به رابطة العقيدة والمبدأ فلا اعتبار له ولا أهلية حتى لو كان الشخص هو ولدك ونازلاً من صلبك.

ليست الأهلية بالقرابة والنسب، ولا قيمة لروابط الدم والتراب، وإنما الأهلية بالمبدأ والعمل الصالح، والقيمة الحقيقية بل القيمة والميزة للإيمان والعمل الصالح.. حتى النبي ليس تقديسه لشخصه ولا تجب طاعته لذاته، بل يجب أن يطاع بإذن الله وطاعته اعتبارية لا ذاتية أي باعتباره رسول. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ). (وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ).

وقد تكررت (كلمة وأطيعوا) في الآية لبيان الفرق بين طاعة الله وهي طاعة ذاتية، وبين طاعة الرسول وهي طاعة اعتبارية باعتباره مجسداً لقيم الله ورسالته ومبلغاً لها.

المرحلة السابقة التي كانت تعيشها أمتنا كانت مرحلة طفولة فكرية ـ حسب الدورة الحضارية التي تمر بها الأمم عبر مراحل الطفولة، ثم الرشد الفكري والريعان ثم مرحلة الكهولة والشيخوخة..


مؤسسة السبطين عليهما السلام

loading...
أخبار المؤسسة
إصدارات
حول المؤسسة

telegram ersali arinsta ar

١ ذوالقعدة الحرام

١- ذوالقعدة الحرام ١ـ ولادة كريمة أهل البيت فاطمة بنت موسى بن جعفر(س). ٢ـ غزوة بدر الصغرى. ٣ـ وفاة الاشعث ب...

المزید...

١١ ذوالقعدة الحرام

١١- ذوالقعدة الحرام ولادة ثامن الحجج، الامام السلطان ابوالحسن علي بن موسى الرضا المرتضى(ع) ...

المزید...

١٥ ذوالقعدة الحرام

١٥- ذوالقعدة الحرام نهاية الحكم الاموي وبداية الحكم العباسي ...

المزید...

٢٣ ذوالقعدة الحرام

٢٣- ذوالقعدة الحرام غزوة بني قريظة وتصفية يهود المدينة

المزید...

٢٥ ذوالقعدة الحرام

٢٥- ذوالقعدة الحرام ١) يوم دحو الارض ٢) خروج الرسول (ص) لحجة الوداع ٣) احضار الامام الرضا(ع) من الحجاز إلى ...

المزید...

٣٠ ذوالقعدة الحرام

٣٠- ذوالقعدة الحرام شهادة الامام الجواد(ع)

المزید...
012345
سيرة العلماء
تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها
مكتبة أنيس
ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com
© 2026 Sibtayn International Foundation. All Rights Reserved.

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to sibtayn@sibtayn.com

الإتصال بنا
Close and go back to page