المقداد بن الأسود

المقداد في سطور| لماذا سمي بابن الأسود الكندي | صفاته وأخلاقه | إسلامه | بين الرسول الأعظم والمقداد | من مواقفه البطولية | تزويج المقداد بن الأسود | يوم السقيفة | سير عملية الشورى وما أفرزت من تناقضات | بين المقداد وعثمان | تشيع المقداد ودعوته الناس لعلي | المقداد على لسان النبي (ص) والأئمة (ع) | وفاته (رض)

بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي القارئ:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأعزهم عليه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
بين يديك صحائف تحمل شيئاً من سيرة الصحابي العظيم (المقداد بن عمرو) أحد الأركان الأربعة وأحد السابقين، كما تحمل في نفس الوقت شيئاً من تاريخ تلك الفترة المشرقة التي عاشها والتي أعطى فيها من فكره وعرقه ودمه ما يعطيه العظماء لأممهم وأمجادهم وتواريخهم، حيث كان له شرف المشاركة في تأسيس وتثبيت دعائم الإسلام وهو بعد في نأنأته وضعفه.
والتاريخ قد يظلم بعض العظماء، ويجحف في حقهم ـ على عادته ـ فقد فوجئت بسيرة هذا الصحابي البطل متناثرةً هنا وهناك في بطون الكتب ممّا يعني أن ثمّة إهمال قد امتدت يده إليها ـ لا أدري إن جاء عن قصد، أو هو من صنع السنين! فكان لي شرف لملمتها وصوغها بالشكل الذي أرجو أن يكون مناسباً، ولقد واجهت شيئاً من المصاعب والمتاعب في هذا السبيل، إلا أن غبطتي في إتمامها وإنجازها توازي في أثرها ما واجهت.
لقد امتاز هذا الصحابي العظيم بصفة تفرد بها دون من سواه من الصحابة، تلك هي صفة (الفروسية) وهي صفة غير عزيزة ولا نادرة لولا أنها كانت محكومةً لظروف صعبة حرجة، فهي مبتذلة إذا لوحظت مجردةً عنها، وعزيزة نادرة ذات بال وأهمية إذا لوحظت من خلال الظروف الصعبة التي عاناها المسلمون الأوائل؛ ومن هنا جاءت أهميتها فقد شاءت المقادير أن تقع أول حرب بين المسلمين ومناهضيهم من المشركين وليس في المسلمين فارس غير المقداد بن عمرو، وبذلك نال وسام (أول فارس في الإسلام) ناله بجدارة واستحقاق.
روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن عمرو)، وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: (أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد..) (1).
وظلت هذه الصفة المميزة ملازمة له طيلة حياته، فما دعي إلى جهاد قط إلا وأجاب، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما شهدها من بعده وهكذا، قضى عمره فارساً في ميادين الجهاد حتى وافاه أجله، وكانت العقيدة بالنسب له، خبزه اليومي الذي به ومن أجله يعيش.
من هنا، فإن تاريخ المقداد، يعني تاريخ تلك الحقبة وما جرى فيها من الوقائع والحروب) نظراً لموقعه منها ومواقفه البطولية فيها، وهذا ما دعاني إلى سرد بعضها سرداً كاملاً، فلكي نفهم هذا الرجل على حقيقته، علينا أن نتناول أهم جانب في حياته نحدد به شخصيته وطموحه وأهدافه، أما بدون ذلك فإن سيرته تصبح مبتورةً شوهاء لا رونق فيها ولا حياة، ويصبح مثلنا في ذلك مثل من ينقل حادثةً أو منقبةً لإنسان ما دون أن يعرف عن شخصيته وظروفه شيئاً.
وأنت حين تبدأ قراءة المقداد، فإنك ستقرأه أكثر كما ستقرأ غيره من معاصريه من خلال قراءتك لتلك (الغزوات والوقائع) وسوف تشعر وكأنك معه في رحلاته الجهادية الطويلة وهو يملي عليك حكاية أروع ملحمة حضارية في تاريخ الإنسان كان هو أحد روّادها ومسطّريها، وبذلك ـ أيضاً ـ سوف تدرك عظمة هذا الرجل ومدى بلائه في الإسلام.
وسوف لا ينقضي تعجبك من خصلة هي واحدة من مئات امتاز بها الإسلام دون غيره وكانت شاهداً من شواهد عظمته. تلك هي قلب العقليات والعادات التي أفرزتها الجاهلية المقيتة، وتسييسها من جديد على ضوء تعاليم الله سبحانه، وقولبتها بشكل يعيد للإنسانية شرفها ومجدها.
فمن كان يصدق أن حليفاً طريداً مشرداً عن أهله وقومه يصبح يوماً ما محط أنظارهم ومعقد آمالهم؟!
أجل، كان هذا أمراً مستبعداً لولا الإسلام، فقد استطاع بفترةٍ وجيزة أن يقضي على جل المظاهر الزائفة، واستطاع أن يعيد الحق إلى نصابه.
والمقداد كان واحداً من المشردين، نشأ حليفاً لكندة بادئ الأمر ـ تابعاً لأبيه ـ ثم حليفاً لبني مخزوم، حتى قيّض له الالتحاق بركب الإسلام وهو في عقده الرابع ليبدأ مسيرة الحياة الحرة الكريمة تاركاً وراءه كل قيود الجاهلية وأحكامها مسلماً وجهه لله وحده باذلاً نفسه لدين الله، وحين استقر الأمر بالمسلمين، ونصر الله نبيه، أقبلت الوفود تترى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مبايعةً له ومسلّمةً أمرها إلى الله ورسوله، وكان منها وفد (بهراء) قبيلة المقداد، فكان نزولهم عليه في داره (2).
رحم الله أبا معبد، فلقد كان واحداً من العظماء الذين يفخر التاريخ بهم وبمآثرهم.

 
المقداد في سطور  


- أبوه: عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهرائي.
- صفته: كان طويلاً، آدم، كثير الشعر، أعين، مقروناً، يعصفر لحيته.
- إسلامه: قديم الإسلام، وأحد السبعة الذين أظهروا الإسلام.
- ألقابه: حارس رسول الله (صلّى الله عليه وآله): فارس رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
- كنيته: أبو معبد.
- زوجته: ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب.
- من فرسان المسلمين وشجعانهم.
- كان الفارس الوحيد في الجيش الإسلامي يوم بدر.
- له موقف مشرّف يوم بدر.
- نزل فيه آي من القرن الكريم، وخلّده الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بمجموعة من الأحاديث.
- أحد الأربعة الذين بعثهم عمر بن الخطاب مدداً لعمرو بن العاص لفتح مصر.
- له موقف ملحوظ يوم الشورى في نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والدعوة إليه.
- أحد الأركان الأربعة.
- لازم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وتخرّج عليه.
- توفي بالجرف (3) سنة 33هـ وحمل على الرقاب إلى المدينة.
- عمره 70 سنة.

 
المقداد بن عمرو البهرائي لماذا سمي بابن الأسود الكندي  


هذا هو اسمه الحقيقي، واسم أبيه وقبيلته.
فهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود (4) البهرائي (5).
ولكن له اسم آخر اشتهر به، وهو: (المقداد بن الأسود الكندي). فما هي حكاية هذا الاسم وهذه الشهرة؟
كان عمرو بن ثعلبة من شجعان بني قومهن يتمتع بجرأة عالية ربما لم تتهيأ لأحد غيره منهم، دفعته لأن ينال فيهم دماً، فاضطر إلى الجلاء عنهم حفاظاً على نفسه، وحمايةً لها من طلب الثأر، فلحق بحضرموت (6) وحالف قبيلة كندة التي كانت تتمتع بهيبةٍ مميزة من بين القبائل.
وهناك تزوج امرأةً منهم، فولدت له المقداد (7).
نشأ الفتى في ظل أبيه ورعايته، وحنان أمه وعطفها، ضمن مجتمع ألف مقارعة السيف، ومطاعنة الرمح، فكانت الشجاعة إحدى سجاياه التي اتصف بها فيما بعد، حتى إذا بلغ سن الشباب أخذت نوازع الشوق إلى أرومته ومضارب قومه في بهراء تدب في نفسه فتدفعه إلى تخطي آداب (الحلف) غير مكترثٍ ولا مبالٍ.
فقد أحس أن اغترابه هذا، وبُعده عن الأهل والوطن إنما حدث نتيجة لذنب اقترفه أبوه حيال قومه، وأن الحلف لا يعني أكثر من قيدٍ (مهذّب) يضعه الحليف في عنقه، وأعناق بنيه! بالرغم من براءة ساحتهم.. كان هذا الشعور يراوده بين الفينة والفينة فتستيقظ في نفسه رغبة الانتقام من حلفائه والتمرد على تقاليدهم، لذا، لم يكن هو الآخر أسعد حظاً من أبيه، حيث اقترف ذنباً مع مضيفيه (وأخواله) فاضطر إلى الجلاء عنهم أيضاً.
فقد ذكروا أنه: حين كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي ـ أحد زعماء كندة ـ خلاف، فما كان من المقداد إلا أن تناوله بسيفه، فضرب رجله وهرب إلى مكة (8).
حين وصل إلى مكة، كان عليه أن يحالف بعض ساداتها كي يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم، لكن طموحه كان يدفعه إلى اختيار الرجل القوي المرهوب الجانب، فكان يتريث في ذلك، وكان يقول: لأحالفنّ أعزّ أهلها! ولم يخنع ولم يضعف فحالف الأسود (9) بن عبد يغوث الزهري (10) فتبنّاه، وكتب إلى أبيه بذلك، فقدم عليه مكة.
منذ ذلك اليوم صار اسمه المقداد بن الأسود، نسبة لحليفه، والكندي، نسبةً لحلفاء أبيه.
وقد غلب عليه هذا الاسم، واشتهر به، حتى إذا نزلت الآية الكريمة: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) قيل له: المقداد بن عمرو.
وكان يكنى أبا الأسود، وقيل: أبو عمرو، وأبو سعيد (11) وأبو معبد.
ومن أهم ألقابه: (حارس رسول الله) (12).

 
صفاته وأخلاقه  


كان فارع الطول، أبيض اللون، صبيح الوجه، يصفّر لحيته، كثير شعر الرأس، أبطن، ضخم الجثة، واسع العينين، مقرون الحاجبين، أقنى الأنف، جميل الهيئة، كما يستفاد ذلك من وصف ابنته له (13).
وكان فارساً شجاعاً (يقوم مقام ألف رجل) على حد تعبير عمرو بن العاص (14) وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (15) سريع الإجابة إذا دعي إلى الجهاد حتى حينما تقدمت به سنّه، وكان يقول في ذلك: أبتْ علينا سورة البحوث (16) انفروا خفافاً وثقالاً.
وكان إلى جانب ذلك رفيع الخلق، عالي الهمّة، طويل الأناة، طيّب القلب صبوراً على الشدائد، يحسن إلى ألدّ أعدائه طمعاً في استخلاصه نحو الخير، صلب الإرادة، ثابت اليقين، لا يزعزعه شيء، ويكفي في ذلك ما ورد في الأثر:
(ما بقي أحدٌ إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد) (17) وهو من الذين مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيّروا ولم يبدلوا (18).
عظيم القدر، شريف المنزلة، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، تجمعت فيه (رضي الله عنه) أنواع الفضائل، وأخذ بمجامع المناقب من السبق، والهجرة، والعلم، والنجدة، والثبات، والاستقامة، والشرف والنجابة (19).
إسلامه  

الذي يظهر من مجمل النصوص أن المقداد كان من المبادرين الأُول لاعتناق الإسلام، فقد ورد فيه: أنه أسلم قديماً (20). وذكر ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة، وعدّ المقداد واحداً منهم.
إلا أنه كان يكتم إسلامه عن سيده الأسود بن عبد يغوث خوفاً منه على دمه شأنه في ذلك شأن بقية المستضعفين من المسلمين الذين كانوا تحت قبضة قريش عامة، وحلفائهم وساداتهم خاصة، أمثال عمّار وأبيه وبلالٍ وغيرهم ممن كانوا يتجرعون غصص المحنة؛ فما الذي يمنع الأسود بن عبد يغوث من أن ينزل أشد العقوبة بحليفه إن هو أحس منه أنه قد صبأ إلى دين محمد؟ سيما وأن الأسود هذا كان أحد طواغيت قريش وجبّاريهم، وأحد المعاندين لمحمد (صلّى الله عليه وآله) والمستهزئين به وبما جاء، إنه ـ ولا شك ـ في هذا الحال لن يكون أقل عنفاً مع حليفه من مخزوم مع حلفائها.
لأجل هذا كان المقداد يتحيّن الفرص لانفلاته من ربقة (الحلف) الذي أصبح فيما بعد ضرباً من العبودية المقيتة، ولوناً من ألوان التسخير المطلق للمحالف يجرده عن كل قيمة، ويحرم معه من أبسط الحقوق.
وفي السنة الأولى للهجرة قُيّضت له الفرصة لأن يلتحق بركب النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) وأن يكون واحداً من كبار صحابته المخلصين.
فقد عقد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعمه حمزة لواءً أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعرضوا عِير قريش، وكان هو وصاحب له، يقال له: عمرو بن غزوان لا زالا في صفوف المشركين، فخرجا معهم يتوصلان بذلك، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم) (21) فكانت بداية الجهاد الطويل!

 
بين الرسول الأعظم والمقداد  


في خلال السنة الأولى للهجرة كان المقداد لا يزال ـ هو وبعض المستضعفين ـ في مكة، وليس من السهل أن يغادرها إلى المدينة سيما وأنه حليف للأسود بن عبد يغوث ـ كما قدمنا ـ فإنه لو فعل لكان مصيره إلى القتل بلا أدنى شك، لذلك كان يترقب فرصةً سانحةً يمكنه معها الفرار إلى يثرب واللقاء بالرسول والالتحاق بركبه، حتى كانت سرية حمزة بن عبد المطلب وكان معها الخلاص، فقد خرج مع المشركين يوهمهم أنه يريد القتال معهم، وهكذا انحاز إلى سرية حمزة ورجع معه إلى المدينة.
وكان نزوله في المدينة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ضيافته، ولم يكن وحده بل كانوا جماعة، ومن الواضح أن وضع المسلمين الاقتصادي ـ في تلك الفترة ـ كان متردّياً إلى درجة بعيدة، بل يظهر أنهم كانوا يعانون الفقر المدقع ـ لولا مساعدة الأنصار لهم ـ فقد تركوا كل ما لديهم من مال في مكة وخرجوا منها صفر اليدين، لا يملكون إلا أبدانهم وثيابهم، ورواحلهم، وليس من الوارد أن يكونوا في خلال ستة أشهر، أو تسعة، في وضع الاقتصادي مريح على الأقل، سيما وأن النفقة ـ الصادر ـ أكثر من الوارد، فبناء المسجد، وبناء الدور ـ وإن كانت من جريد النخل مغروساً بالطين ـ تتطلب بذل مالٍ كثير نسبةً لذلك الوقت وتلك الظروف.
وقوافل المسلمين الجدد الذين كانوا يأتون المدينة لم تقف عند حد الهجرة، هجرة النبي، بل توالت، فكان على الرسول (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين أن يستقبلوا ضيوفهم، وإن يهيئوا لهم ما يحتاجون من متطلبات الحياة الضرورية على الأقل.
فكان إذا هاجر بعض المسلمين، وزّعهم رسول الله، اثنان اثنان، أو ثلاثة ثلاثة.. أو.. حسب العدد على إخوانهم المهاجرين الذين استقرت بهم الدار في المدينة وأصبحوا قادرين على النهوض بأنفسهم وعوائلهم.
والذي يظهر، أن المقداد كان من جملة أولئك الوافدين المهاجرين الجدد، وكان في عدد لا يستهان به، كما يلحظ ذلك في مطاوي كلامه، فقد ذكر أحمد بن حنبل بسنده عن المقداد، قال:
لما نزلنا المدينة، عشرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشرةً عشرةً في كل بيت! قال: فكنت في العشرة الذين كانوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (22).
إلا أن هذه الإقامة في بيت الرسول لا تكون طويلةً بحسب العادة، إذ يتخللها بعوثٌ وسرايا وغزوات، قد يطول أمدها، وعند العودة يتبدّل المكان، سيّما إذا أخذنا بعين الاعتبار ما لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) من هيبةً في نفوس المسلمين تزرع في نفوسهم الخجل من أن يكلموه في النزول عليه وفي ضيافته.
يستفاد ذلك من حديث آخر مروي عن المقداد، حيث قال: أقبلتُ أنا وصاحبان لي وقد ذهبتْ أسماعنا وأبصارنا من الجَهد (23) فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فليس أحد منهم يقبلنا. لا لبخل فيهم، بل لأنهم كانوا مقلّين ليس عندهم شيء! فأتينا النبي (صلّى الله عليه وآله)، فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز!
فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): احتلبوا هذا اللبن بيننا.
قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي (صلّى الله عليه وآله) نصيبه. فيجيء (صلّى الله عليه وآله) ليلاً فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان، ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب (24).
وفي هذه الأثناء تحصل مواقف نادرة بينه (صلّى الله عليه وآله) من جهة وبين أصحابه من جهةٍ أخرى، وهي بالإضافة إلى ما تنطوي عليه من اقتباس الحكمة منه صلوات الله عليه والتوجيه الرفيع، فإنها لا تخلو من ظرف وخفة روح من جانب بعض أصحابه أحياناً ونجده في هذه الحالات يعاملهم معاملة الأب لأبنائه دون قسوةً أو غلظة وربما أنبههم إلى الخطأ أو الغلط بأسلوب هادئ مقنع لا يملك معه مستمعوه إلا الإذعان والانقياد ولوم النفس على التفريط إن كان هناك تفريط أو تسامح، كما حصل للمقداد حين كان في ضيافته (صلّى الله عليه وآله) على ما جاء في تتمة الرواية.
قال: فأتاني الشيطان ذات ليلةٍ، وقد شربتُ نصيبي ـ من اللبن ـ فقال: محمد يأتي الأنصارَ فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة.
فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت (25) في بطني، وعلمتُ أنه ليس إليها سبيل، ندّمني الشيطان، فقال: ويحك؟ ما صنعت؟ أشربت شراب محمد فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك!
وعليّ شملة، إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي. وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت.
قال: فجاء النبي (صلّى الله عليه وآله) فسلّم كما كان يُسلّم، ثم أتى المسجد، فصلى ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء.
فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال: (اللهم أطعم من أطعمني، واسقِ من سقاني) قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإذا هي حافلة (26) وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناءٍ لآل محمد (صلّى الله عليه وآله) ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال:
أشربتم شرابكم الليلة؟
قال: قلت: يا رسول الله؟ اشرب.
فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله، اشرب، فشرب، ثم ناولني.
فلما عرفت أن النبي قد روي، وأصبتُ دعوته، ضحكتُ حتى ألقيت إلى الأرض.
قال: فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): إحدى سوءاتك (27) يا مقداد.
فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا.
فقال (صلّى الله عليه وآله): ما هذه إلا رحمةٌ من الله (28) آفلا كنتَ آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منهما.
قال: فقلت: والذي بعثك بالحق؛ ما أبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك من أصابها من الناس (29).
هذا موقف لأبي معبد ينطوي على شيء من الظرف وخفة الروح، بالإضافة إلى استشعاره الخطيئة حين عمد إلى شراب محمد (صلّى الله عليه وآله) فشربه، ولاحظنا أن موقف النبي منه كان موقف الشفيق العطوف الرحيم الذي ينظر إلى أصحابه بميزان خاص يتلاءم مع عقولهم ونفوسهم، وربما تلاحظ معي أن الرسول الكريم ـ كما يظهر من الحديث ـ تمنى لو أن المقداد أيقض صاحبيه ليصيبا معهما الشراب، شراب ذلك اللبن المبارك.
وموقف آخر لأبي معبد مع الرسول، تتجلى فيه عظمة الإسلام، ونبي الإسلام، كان من جملة المواقف التي خلدت على الزمان، بما تحمل من نبل كلمة وسمو خلق، ورفيع مستوى في التوجيه والتهذيب، بل وغرس الروح الانضباطية لدى المسلم.
فقد سأله ذات مرة: يا رسول الله، أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله؛ أفأقتله ـ يا رسول الله ـ بعد أن قالها؟!
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تقتله.
قال: فقلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي! ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله! وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال..! (30)
ويلاحظ هنا مدى ارتقاء الإسلام بالنفس البشرية إلى أعالي قمم الكرامة والإنسانية، كلمة واحدة قط من لسانٍ صادق كفيلة بإنقاذ حياة صاحبها من موتٍ محتم.
أي عمق هذا في تعزيز الروح الإنسانية، وأي صيانةٍ لها؟؟ هكذا الإسلام دائماً يهتم بصيانة النوع وحمايته، فكلمة صادقة، كفيلة في أن تقلب الموازين وكلمة صادقة، هي مرآة للنفس تعكس آلامها وآمالها، وليس للحقد في دنيا الإسلام مكان.
إنه موقفٌ شواهد الحكمة فيه، ومعه.

 
من مواقفه البطولية  


1- في سرية (نخلة) ينقذ أسيراً، فيسلم!
بعد سبعة عشر شهراً من الهجرة، أراد النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يتتبع أخبار قريش، ويتحسس تنقلاتها، ويرصد تحركاتها في المنطقة، فدعا عبد الله بن جحش، وأمره أن يوافيه مع الصباح بكامل سلاحه.
قال: فوافيت الصبح وعلي سيفي، وقوسي، وجعبتي، ومعي درقتي، فصلى النبي (صلّى الله عليه وآله) الصبح بالناس، ثم انصرف فوجدني قد سبقته واقفاً عند باب داره ومعي نفر من قريش.
فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبي بن كعب، فدخل عليه، فأمره أن يكتب كتاباً.
ثم دعاني (صلّى الله عليه وآله) فأعطاني صحيفةً من أديم خولاني فقال: قد استعملتك على هؤلاء النفر، فامضي حتى إذا سرت ليلتين، فانشر كتابي، ثم امضي لما فيه.
قلت: يا رسول الله، أي ناحية أسير؟ فقال: اسلك النجدية، تؤم ركيّة (بئر).
فانطلق عبد الله، حتى إذا صار ببئر ضمرة نشر الكتاب فإذا فيه:
(سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته، ولا تكرهنّ أحداً من أصحابك على المسير معك، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي (بطن نخلة) فترصّدْ بها عير قريش).
فقرأ عبد الله الكتاب على أصحابه، ثم قال: لست مستكرهاً منكم أحداً، فمن كان يريد الشهادة، فليمضِ لأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن أراد الرجعة، فمن الآن!
فقالوا جميعاً: نحن سامعون ومطيعون لله ولرسوله ولك، فسر على بركة الله حيث شئت.
فسار حتى جاء نخلة، فوجد عيراً لقريش فيها عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفل بن عبد الله وهم من بني مخزوم.
وكان ذلك اليوم مشتبهاً في أنه آخر يوم من رجب، أو أول يوم من شعبان. ورجب من الأشهر الحرم، فقال قائل: لا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم، أم لا؟
وقائل يقول: إن أخرتم عنهم هذا اليوم، دخلوا في الحرم ـ حرم مكة ـ وإن أصبتموهم، ففي الشهر الحرام.
هذا، مع أن النبي صلوات الله عليه لم يأمرهم بالقتال، وإنما أمرهم بمراقبة تحركاتهم.
وكان رأي واقد بن عبد الله, وعكاشة بن محصن مقاتلتهم، وأخيراً غلب رأيهم على رأي من سواهم، فشجع القوم، فقاتلوهم.
فخرج واقد بن عبد الله يقدم القوم، قد أنبض قوسه وفوّق سهمه ـ وكان لا يخطئ رميته ـ فرمى عمرو بن الحضرمي بسهم، فقتله.
وأسر عثمان بن عبد الله، وحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله.
واستاق المسلمون العير ـ وكانت تحمل خمراً وزبيباً وجلوداً ـ إلى رسول الله فوقّفها ولم يأخذ منها شيئاً. وقال لهم: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام.
أما الأسيران، فحبسهما عنده، لأن اثنين من المسلمين كانا قد ضلا وتأخرا عن أصحابهم، فظن الناس أن قريشاً قد حبستهما أو قتلتهما.
وأرسلت قريش إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) في فداء أصحابهم، فقال (صلّى الله عليه وآله): لن نفديهما حتى يقدم صاحبانا.
وكان المقداد رضي الله عنه هو الذي قد أسر الحكم بن كيسان، وأنقذه من القتل، وذلك كما يحدثنا هو فيقول:
أراد أمير الجيش أن يضرب عنقه، فقلت: دعه نقدم به على رسول الله.
فقدمنا به على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدعوه إلى الإسلام، فأطال رسول الله كلامه.
فقال عمر بن الخطاب: تُكلّم هذا يا رسول الله؟ والله لا يسلم هذا آخر الأبد! دعني أضرب عنقه، ويقدم إلى أمه الهاوية! فجعل النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يقبل على عمر.
قال الحكم: وما الإسلام؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): تعبد الله وحده لا شريك له، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قل: قد أسلمت.
فالتفت النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أصحابه، فقال: لو أطعتكم فيه آنفاً فقتلته، دخل النار.
قال عمر: فما هو إلا أن رأيته قد أسلم، وأخذني ما تقدّم وتأخر وقلت:
كيف أرد على النبي (صلّى الله عليه وآله) أمراً هو أعلم به مني، ثم أقول: إنما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله.
قال عمر: فأسلم والله، فحسن إسلامه، وجاهد في الله حتى قتل شهيداً يوم بئر معونة، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) راضٍ عنه (31).
2- معركة بدر
وكان أبرز مظاهر هذه الحرب فقدان التوازن العسكري والمادي بين الفريقين، فقد كان عدد المسلمين ثلاثمائة أو يزيدون قليلاً، بينما كان عدد المشركين يتراوح بين التسعمائة والألف.
وقاد المشركون معهم مائة فرس وسبعمائة من الإبل.
بينما قاد المسلمون معهم فرساً واحدة يقال لها: سبحة، كانت للمقداد بن عمرو، وسبعون رأساً من الإبل يتعاقب على كل واحد منها الاثنان والثلاثة والأربعة، حتى أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان هو وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة يتعاقبون بعيراً واحداً.
وكانت قريش تنحر الجزر وتطعم الطعام لكل من وفد عليها، بينما كان المسلمون في غاية الفقر والحاجة، إلى ما هنالك من عوامل أبرزت هذا التمايز الواضح بين الفريقين، لكن إرادة الله سبحانه كانت فوق الظنون والاحتمالات واستباق النتائج.
قال الواقدي:
وسار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى بلغ الروحاء ليلة الأربعاء للنصف من شهر رمضان فقال لأصحابه:
هذا سجاسج ـ يعني وادي الروحاء ـ هذا أفضل أودية العرب، وصلّى هناك فلما فرغ من صلاته لعن الكفرة، ودعا عليهم وقال:
(اللهم لا تفلتني أبا جهل بن هشام فرعون هذه الأمة، اللهم لا تفلتني زمعة ابن الأسود، اللهم أسخن عين أبي زمعة، اللهم اعم بصر أبي دبيلة، اللهم لا تفلتني سهيل بن عمرو) (32).
ثم دعا لقوم من قريش كانوا قد أسرّوا الإسلام وكانوا من المستضعفين فخرجوا مع القوم مكرهين، كسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة.
ولما وصل قريباً من بدر، أخبر بمسير قريش، فأخبر أصحابه بذلك واستشارهم في الأمر ليكونوا على بصيرة من ذلك، وخشي أن لا يكون للأنصار رغبة في القتال لأنهم عاهدوه على أن يدافعوا عنه في بلدهم فيمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم.
فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنها قريش وغدرها، والله ما ذلت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزها أبداً، ولتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته (33).
ومن الواضح أن الوضع كان غايةً في الدقة والحرج نظراً لفقدان التوازن كما أسلفنا، لذا فإنه كان يتطلب مزيداً من الثبات والإصرار وبث الروح الجهادية بين الصفوف والتسليم المطلق بما يقوله النبي.
قام المقداد فقال: يا رسول الله، امض لأمر الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد (34) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه..
فقال له رسول الله خيراً ودعا له.
ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أشيروا علي أيها الناس.
فقام سعد بن معاذ، فقال: كأنك تريدنا يا رسول الله؟
فقال (صلّى الله عليه وآله): نعم.
قال سعد: قد آمنا بك ـ يا رسول الله ـ وصدقناك وأعطيناك عهودنا فامضي ـ يا رسول الله ـ لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تلقى العدو بنا غداً، وإنا لصبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله (35).
كانت هذه الكلمات من المقداد ـ المهاجري ـ وسعد ـ سيد الأوس ـ تبعث في نفوس المسلمين الأمل بالنصر على عدوهم، وتزرع في قلوبهم الصبر على مكاره الحرب، لكن يبدو أن كلمات المقداد كان لها وقع خاص في نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه حين سمعها انفرجت أسارير وجهه ابتهاجاً كما يظهر من حديث ابن مسعود حيث قال:
(لقد شهدت مع المقداد مشهداً لئن أكون صاحبه أحب إليّ ممّا طلعت عليه الشمس! ـ ثم ذكر كلمة المقداد ـ ثم قال: فرأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشرق وجهه بذلك وسرّه وأعجبه (36).
وكان المقداد قد أسر النضر بن الحارث، فلما خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) من بدر وكان بالأثيل (37) عرض عليه الأسرى، فنظر إلى النضر بن الحارث فأبدّه البصر، فقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي! لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت! فقال الذي إلى جنبه: والله ما هذا منك إلا رعب!
فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب، أنت أقرب من هاهنا بي رحماً. كلّم صاحبك أن يجعلني كرحل من أصحابي، هو والله قاتلي إن لم تفعل.
قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيّه كذا وكذا.
قال: يا مصعب؛ فليجعلني كأحد أصحابي إن قتلوا قتلت، وإن منّ عليهم منّ علي.
قال مصعب: إنك كنت تعذب أصحابه.
قال: أما والله لو أسرتك قريش ما قتلت أبداً وأنا حي.
قال مصعب: والله إني لأراك صادقاً، ولكن لست مثلك، قطع الإسلام العهود.
وأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً أن يضرب عنقه (38).
كان المقداد يستمع ـ في هذا الحال ـ إلى الحوار الذي جرى بين النضر بن الحارث ومصعب بن عمير وكأنه ينتظر فرصةً تسمح للصفح والعفو عنه عسى أن يجعل الله في ذلك خيراً، فلما أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً بضرب عنقه، صاح المقداد بأعلى صوته:
يا رسول الله، أسيري؟! (39)
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): اللهم اغن المقداد من فضلك. ثم ضرب علي عنقه (40).
وبدأ تقسيم الغنائم، فكان لكل مسلم سهم ما عدا المقداد، فكان له سهمان سهم له، وسهم لفرسه (سبحة) (41) وكان يتفاخر بذلك ويقول:
ضرب لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يومئذٍ بسهم، ولفرسي بسهم! وقائل يقول: ضرب رسول الله يومئذٍ للفرس بسهمين، ولصاحبه بسهم (42).
وله دور أيضاً في معركة أحد فعندما بدأت المعركة وقام الرماة بدورهم يرمون خيل المشركين بالنبل فولت هاربةً، ودنا القوم بعضهم من بعض، وأقبل خالد بن الوليد وعكرمة فلقيهما الزبير والمقداد فهزما المشركين (43).
لقد وقف أولئك الأبطال الأشاوس أعظم موقف في سبيل الدفاع عن الحق وعن العقيدة، فسطروا بدمائهم أروع ملحمةٍ تاريخية كان رائدهم فيها الصدق والإخلاص، صدق الإيمان وصدق العقيدة، والإخلاص فيما عاهدوا الله عليه، وقد بلغ عدد الذين استشهدوا من المسلمين نحواً من سبعين رجلاً.
أما الذين ثبتوا مع رسول الله في ساعة العسرة فإنهم لم يتجاوزوا السبعة نفر فإن جمهور المؤرخين يروي: إنه لم يبق مع النبي (صلّى الله عليه وآله) إلا علي (عليه السلام) وطلحة والزبير وأبو دجانة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: ولهم خامس وهو عبد الله بن مسعود، ومنهم من أثبت لهم سادساً وهو المقداد بن عمرو (44).

 
تزويج المقداد بن الأسود

ومن هنا، من هذا المنطلق الإيماني، زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المقداد بن الأسود.
وذلك: أن المقداد وعبد الرحمن بن عوف كانا جالسين، فقال عبد الرحمن للمقداد:
مالك لا تتزوج؟
قال: زوجني ابنتك.
فغضب عبد الرحمن وأغلظ له! (45)
قام المقداد من عنده منكسفاً، يتعثر بأذيال الفشل، فلم يكن يتوقع من صحابي كعبد الرحمن أن يرده هذا الرد القاسي ويغلظ له في القول، وشعر في قرارة نفسه أن طلبه هذا قد جرّ عليه مهانةً كان في غنى عنها، وإن عبد الرحمن الزهري نظر إليه نظرةً قبليةً؛ فبنو زهرة من صميم قريش، وأنى لحليف لهم من بهراء لاجئ أن يتطاول على هذا البيت العريق يريد مصاهرته! ومن يكون المقداد في جنب عبد الرحمن، وابنة عبد الرحمن!!
غضب عبد الرحمن وأغلظ له، فما كان من المقداد إلا أن يمم قاصداً رحاب الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) حيث يجد المؤمن فيض الرحمة والحنان والعطف، وحيث تجد الإنسانية المعذبة من يلم جراحها ويمسح آلامها، مشى نحو النبي فشكا ذلك إليه.
فقال (صلّى الله عليه وآله): أنا أزوجك! (46)
محمدٌ ومن مثل محمد!؟ وهبّت في تلك اللحظات نسمةٌ كأنها أتت من الجنة، هدأت لها نفس المقداد وارتاحت بعد عناء، وأطرق يفكر في جوٍّ مفعم بالنشوة، من يا ترى؟ من تكون هذه التي سيختارها له محمد؟
وربما خطر على باله أن سيختار له واحدةً من بنات المهاجرين والأنصار كما فعل مع جويبر وجلبيب رضي الله عنهما؛ ولا أظن أن تصوره ذهب إلى أبعد من ذلك؛ وفي ذلك الهناء والسعادة، ولكن كانت المفاجأة أعظم وأكبر من التصور!!
فقد اختار له النبي (صلّى الله عليه وآله) كريمة درجت في أعز بيت من قريش والعرب، وأعز بيت في الإسلام؛ اختار له ابنة عمه (ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب). وإنما فعل ذلك ـ كما ورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) ـ (لتتضع المناكح، وليتأسوا برسول الله وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم) (47) وليعلموا أن أشرف الشرف الإسلام (48) كما في حديث آخر.

 
يوم السقيفة  


ومن عجائب الدنيا موضوع السقيفة، فمن بعد سبعين يوماً من بيعة المسلمين لأمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإذا بهم يجتمعون عند وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) لانتخاب خليفة له، والخليفة الشرعي علي بن أبي طالب مشغول بتغسيل النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومعه نفر من بني هاشم وغيرهم من وجوه الصحابة من بينهم المقداد.
أجمع رأي الأنصار على استخلاف سعد بن عبادة الخزرجي، وحضر الاجتماع قبل البيعة لسعد أبو بكر، وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، واحتجّوا على الأنصار بأن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قريش فيلزم أن يكون خليفته منها.
قال أبو بكر: يا معشر الأنصار، إنكم لا تذكرون فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش، أوسط العرب داراً ونسباً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيد عمر ويد أبي عبيدة بن الجراح (49).
وحقد بشير الخزرجي على ابن عمه سعد فمال لجانب المهاجرين فثقلت جنبتهم، وكيف كان فقد بايعوا أبا بكر. دخل السقيفة وهو عتيق بن أبي قحافة، وخرج منها خليفة رسول الله.
استتب الأمر لأبي بكر ولكن المقداد وأحد عشر من وجوه المهاجرين والأنصار أجمعوا على الإنكار على أبي بكر في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمام جمهور المسلمين.
ورواية الشيخ الصدوق عليه الرحمة:
ثم قام المقداد بن الأسود رحمة الله عليه فقال: يا أبا بكر أربع على نفسك، وقس شبرك بفترك (50) وألزم بيتك، وابك على خطيئتك، فإن ذلك أسلم لك في حياتك ومماتك، وردّ هذا الأمر حيث جعله الله عزّ وجلّ ورسوله، ولا تركن إلى الدنيا، ولا يغرّنك من قد ترى من أوغادها (51) فعمّا قليل تضمحل عنك دنياك، ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك، وقد علمت أن هذا الأمر لعلي (عليه السلام)، وهو صاحبه بعد سول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد نصحتك إن قبلت نصحي (52).
وذكر له التابعي الكبير سليم بن قيس رضوان الله عليه موقفاً آخر، قال: يا علي بما تأمرني؟ والله لو أمرتني لأضربنّ بسيفي، وإن أمرتني كففت.
فقال علي (عليه السلام) كفّ يا مقداد، واذكر عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وما أوصاك به ثم قام وقال: والذي نفسي بيده لو أني أعلم أني أدفع ضيماً، وأعز لله ديناً، لوضعت سيفي على عاتقي، ثم أضرب به قدماً قدماً. أتثبون على أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه، وخليفته في أمّته، وأبي ولده؟!! فابشروا بالبلاء، واقنطوا من الرخاء (53).

 
سير عملية الشورى وما أفرزت من تناقضات  


جمع المقداد أعضاء الشورى الستة في بيت، بينما وقف أبو طلحة الأنصاري على الباب ومعه خمسون رجلاً متقلدي سيوفهم تنفيذاً لوصية عمر. أما عبد الرحمن بن عوف فقد أمضى أياماً ثلاثة يشاور الناس في أمر الخلافة.
وأقبل الناس نحو المسجد يتدافعون إلى جهة الباب، وهم لا يشكون في مبايعة علي بن أبي طالب.
وكان هوى قريش كافة ـ ما عدا بني هاشم ـ في عثمان، وهوى طائفة من الأنصار مع علي، وهوى طائفةٍ أخرى مع عثمان ـ وهي أقل الطائفتين ـ وطائفةٌ لا يبالون أيهما يبايع (54).
وقام كل واحد من الستة يدلي برأيه على مسمع الآخرين ـ كما ذكر الطبري ـ في خطبة سيستهلها بالحمد والثناء على الله، حتى قام علي (عليه السلام) فقال:
الحمد لله الذي اختار محمداً منا نبيّاً، وابتعثه إلينا رسولاً، فنحن أهلُ بيت النبوة، ومعدن الحكمة، أمانٌ لأهل الأرض، ونجاةٌ لمن طلب، إنّ لنا حقاً إن نعطيه نأخذه، وأن نمنعه نركب أعجاز الإبل (55) وإن طال السرى! لو عهد إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عهداً لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولاً لجالدنا عليه حتى نموت. لن يسرّع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (56).
اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروْا هذا الأمر بعد هذا الجمع تُنتظى فيه السيوف، وتُخان في العهود، حتى لا يكون لكم جماعة، وحتى يكون بعضهم أئمة لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة.
انتهى كل واحد من كلامه، وخيّم سكون مملٍ، بينما كان الصخب يملأ أرجاء المسجد، والهتاف يتعالى معلناً اسم علي تارةً واسم عثمان أخرى، ممّا دفع بالأربعة الباقين أن يتخذوا القرار المناسب في حق أنفسهم فيدلي كل واحد منهم بصوته إلى عثمان أو علي؛ لأنهم علموا أن الناس لا يعدلوهم بهما، ولأن عبد الرحمن فرض نفسه من أول الأمر كمنظم لهذه الشورى ومدير لها، سيما وأن عمر ألمح إليه بأن الخلافة لا تصلح له، حين قال له: (وما زهرة وهذا الأمر!).
إذن، كان الناس فريقان، فريق يريدها لعلي، وهو الفريق الممثل بالمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، وفريق يريدها لعثمان، وهو الفريق الممثل بابن أبي سرح وابن أبي المغيرة؛ وتعالت الأصوات في هذا الحال، كل فريق ينادي باسم صاحبه.
أقبل المقداد بن الأسود على الناس، فقال: أيها الناس، اسمعوا ما أقول، أنا المقداد بن عمرو، إنكم إن بايعتم عليّاً سمعنا وأطعنا. وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا!
فقام عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وقال: أيها الناس، إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا، وإن بايعتم عليّاً سمعنا وعصينا.
فانتفض المقداد ورد عليه فقال: (يا عدوّ الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ كتابه، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون!)؟
فقال له عبد الله: يا بن الحليفِ العسيف، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش!
وصاح عبد الله بن أبي سرح: أيها الملأ، إن أردتم أن لا تختلف قريش فيما بينها، فبايعوا عثمان.
فنهض عمار بن ياسر وقال: (إن أردتم أن لا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليّاً). ثم أقبل على ابن أبي سرح وقال له: يا فاسق ابن الفاسق، أأنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم؟!.
فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، فقام عمار فقال: أيها الناس، إن الله أكرمكم بنبيّه وأعزكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟! (57).
كانت أصوات الفريقين تعجل في حسم الأمر خوفاً من وقوع الفتنة، فتقدم طلحة فأشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان.
فقال الزبير: وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي.
فقال سعد بن أبي وقاص: وأنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن (58).
وسكت عليّ وظل عثمان ساكتاً، وأسفرت الجولة الأولى عن رجحان بيّن لعبد الرحمن، لقد ملك صوتين كعلي وعثمان، وزاد عليهما بأن صوته يعادل صوتين، فهو حتى الآن مركز الثقل حقاً.
ترى، أيضم صوته لنفسه فيخرج على خطة عمر القائلة: (وما زهرة وهذا الأمر؟) أم يمضي إلى أمر عمر وخدمة صهره؟ أم يعدل عن هذا كله ويتجه إلى علي صاحب الأمر في عقيدة الكل؟
كان الرجل ساكتاً أيضاً، وكان يدير في فكره لفتةً بارعةً، لا ندري أهي من بناته أم من محفوظاته؟ ولكنها بارعةٌ في كل حال (59). فقد التفت إليهما وقال:
أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقين؟ فلم يتكلم منهما أحد. فقال عبد الرحمن: أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما (60).
ومن براعة لفتته أنه لم يلتفت إلى عثمان، بل التفت إلى علي فقال له: أمدد يدك أبايعك على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة الشيخين.
فيقول علي: بل على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، واجتهاد رأيي.
فيلتفت آنذاك عبد الرحمن إلى عثمان فيذكر له شروطه الثلاثة، فيقرها عثمان.
ثم لا يعجل عبد الرحمن، فيسرع إلى بيعة أخي زوجه من أول مرة، فهو مطمئن إلى أن علياً يرفض الخلافة بغير شرطه هو، لأنه لا يناقض نفسه، ولا يسر حسواً في ارتغاء. ومن أجل هذا استأنى عبد الرحمن وكرّر عرضه على علي الذي أباه ثلاث مرات! ثم نهض وعبد الرحمن يَصْفِق على يد عثمان بالبيعة (61). ويقول له: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وهنا يلتفت علي إلى عبد الرحمن، فيقول له: (والله ما فعلتها إلا لأنك رجوتَ منه ما رجا صاحبكما من صاحبه. دقّ الله بينكما عطر مَنشِمْ) (62).
وقد عبر علي بن أبي طالب عن عدم رضاه عن هذه النتيجة، وتسليمه بالأمر الواقع، قائلاً:
(لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة) (63).
وفي رواية الطبري: أن علياً (عليه السلام) قال حين بويع عثمان: ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. والله ما وليته الأمر إلا ليرده إليك، والله كل يوم في شأن.
فقال عبد الرحمن: لا تجعل على نفسك سبيلاً يا علي ـ يعني أمر عمر أبا طلحة أن يضرب عنق المخالف ـ فقام علي (عليه السلام) فخرج، وقال: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال عمار: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته، وأنه من الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون.
وقال المقداد: تالله ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، واعجباً لقريش! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل، ولا أعلم، ولا أتقى منه! أما والله لو أجد أعواناً.
فقال عبد الرحمن: اتق الله يا مقداد، فإني خائف عليك الفتنة.
لكن علياً (عليه السلام) التفت نحو المقداد وعمّار وقال مسلياً ومهدئاً لهما:
(إني لأعلم ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول: إن ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش) (64).

 
بين المقداد وعثمان  


المصادر التاريخية لا تشير إلى أي لون من ألوان الخلاف بين عثمان والمقداد قبل حادثة الشورى، لا من قريب ولا من بعيد، حتى إذا بدأت الشورى بدأ معها الخلاف بينهما! وكان خلافاً يحسبه الغافل أنه ناجم عن عداء قديم مستشر بينهما، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار مواقف المقداد الصلبة من عثمان في تلك الفترة، غير أن نظرة تأمل منا في نوعية هذا الخلاف كافية في إيقافنا على حقيقة الأمر، من أن ما جرى بينهما لم يكن مرده لعداء شخصي، بل هو خلاف مبدئي تطور فيما بعد ليأخذ صفة العداء والجفوة بين الطرفين.
واضح أن الخلافة أمانة عظمى في عنق متقلدها، ومسؤولية كبرى في عاتقه عليه أن ينهض بأعبائها، وإلا فهي الخيانة! وبيعة عثمان؛ أخذ فيها عليه شرطان صريحان غير كتاب الله، هما: (سنة رسول الله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر) بهما تصح بيعته وبدونهما لا بيعة قائمة ولا خلافة.
ترى! أيطوي الصحابة كشحاً عن بعض التصرفات المخالفة ـ صراحةً ـ لسنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو لسيرة الشيخين. يرون الخليفة متلبساً بها؟! بالطبع، لا! إذا كانوا مخلصين لدينهم، صادقين في تدينهم، وهنا تكمن نقطة الخلاف بينه وبينهم بشكل عام. والمقداد واحد من الصحابة المخلصين لا يمكنه بحال السكوت إزاء حالات كهذه، لذا فإنّه كان لا يتوانى في توجيه النقد له وإيقافه على الأخطاء التي يرتكبها، أو التي ترتكب في حضرته.
من ذلك أن عثمان بينما كان جالساً ذات يوم وحوله بعض وجوه قريش، إذ أقبل رجلٌ أحسبه كان شاعراً يتكفف أعطيات الملوك، فجعل يمدح عثمان، وكان المقداد حاضراً، فجثا على ركبتيه وجعل يحثو الحصباء في وجه ذلك الرجل! وتعجب عثمان من تصرف المقداد هذا، والتفت إليه قائلاً: ما شأنك؟
فقال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب! (65)
إن حادثة بسيطة من هذا النوع ـ في نظري ونظرك ـ هي غاية في الخطورة إذا صدرت في مجلس كمجلس الخليفة، لأنها خرق واضح للسنة، لا يمكن لصحابي كالمقداد أن يسكت عليها. فما ظنك إذن بما هو أعظم من هذا وأفظع؟! كتعطيل الحدود، وإقرار الأيدي العادية، والإسراف في مال الله ووضعه في غير مستحقيه، كإعطاء مروان خمس خراج أمينية! وإقطاعه فدك وكانت فاطمة بنت الرسول قد طلبتها من أبي بكر بدعوى النحلة أو الميراث، فدُفعت عنها، وإعطاء ابن أبي سرح جميع ما أفاء الله على المسلمين من فتح أفريقية (66)، إلى غير ذلك ممّا يضيق به المقام والتي كان آخرها إرساله إلى ابن أبي سرح ـ واليه على مصر ـ كتاباً يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين (67)! ممّا لم يدع مجالاً للسكوت أو الإغضاء، فكان آخر ما قام به المقداد في هذا المضمار ـ هو وتسعة نفر من الصحابة ـ أن وجهوا إلى عثمان كتاباً يحتوي على سرد بعض الأمور التي خالف بها سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسنّة صاحبيه ـ كما يقول ابن قتيبة ـ وتعاهدوا ليدفعن الكتاب في يد عثمان! ومضى عمار بن ياسر بالكتاب، فكان الرد أن ضرب وفتقت بطنه (68).
إن هذه المواقف من المقداد حيال تصرفات الخليفة، تركت ولا شك أسوأ الأثر في نفسه وعرضته لغضبه وسخطه، وحقد بني أمية حتى مات وعثمان ساخط عليه، أو بالأحرى هو ساخط على عثمان كما روي ذلك عنه حيث قال للزبير:
(أتراني أحب أن يموت مثل هذا من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) وهو عليّ ساخط!) (69).

 
تشيع المقداد ودعوته الناس لعليّ  


في قبال هذه المواجهة الصريحة، كان للمقداد مع الخليفة مواجهة مبطنة ـ إذا صح التعبير ـ اعتمد فيها أسلوب الدعوة لعلي بكل صراحة ووضوح، وهو الأسلوب الأشد تأثيراً في تهييج مشاعر المسلمين وإثارة عواطفهم، فقد كان يرى أن الخلافة حق مشروع لعلي (عليه السلام) وثابت له دون غيره وعلى هذا الأساس انطلق في دعوته له، وكان جريئاً في ذلك غير متكتم ولا مبالٍ بالنتائج مهما كانت؛ وكان يتخذ من مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة مقراً لبث دعوته تلك مبتدأً بعرض ظلامة الإمام علي (عليه السلام) حول هذا الأمر ثم يطرح أمام الجمهور فضائله وكراماته وسابقته منتهياً ببيان أحقيته في الخلافة بأسلوب فريد وكأنه محام بارع أسند إليه القيام بهذا الدور.
روى بعضهم، فقال: دخلت مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فرأيت رجلاً جاثياً على ركبتيه يتلهّف تلهّف من كأن الدنيا كانت له فسُلبَها، وهو يقول:
واعجباً لقريش! ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم وفيهم أول المؤمنين وابن عم رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله وأعظمهم فناءً في الإسلام وأبصرهم بالطريق وأهداهم للصراط المستقيم!
والله لقد زوُوها عن الهادي المهتدي، الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحاً للأمة، ولا صواباً في المذهب، ولكن آثروا الدنيا على الآخرة فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين.
قال: فدنوت منه وقلت: من أنت يرحمك الله، ومن هذا الرجل؟
فقال: أنا المقداد بن عمرو، وهذا الرجل علي بن أبي طالب.
قال: فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر، فأعينك عليه؟
فقال: يابن أخي، إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل والرجلان!! (70)
وكان يشاركه في هذا الرأي جماعة، منهم: أبو ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وغيرهم.
قال: ثم خرجت فلقيتُ أبا ذر فذكرتُ له ذلك، فقال: صدق أخي المقداد! ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فذكرت ذلك له، فقال: لقد أخبرنا، فلم نألُ (71).
وكان هذا الموقف يتكرر منه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بلهجة تختلف ليناً وشدةً باختلاف الظروف.
روى أحمد بن عبد العزيز الجواهري.. عن المعروف بن سويد، قال:
كنت بالمدينة أيام بويع عثمان، فرأيت رجلاً في المسجد جالساً وهو يصفق بإحدى يديه على الأخرى والناس حوله، ويقول:
واعجباً من قريش واستئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت، معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد! والله إن فيهم لرجلاً ما رأيت رجلاً بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل ولا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر!
فسألت عنه، فقيل: هذا المقداد، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله، من الرجل الذي تذكر؟
فقال: ابن عم نبيك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب.
قال: فلبثت ما شاء الله، ثم لقيت أبا ذر رحمه الله فحدثته بما قال المقداد. فقال: صدق؛ قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم؟!
قال: أبى ذلك قومهم.
قلت: فما يمنعكم أن تعينوهم؟!
قال: مَهْ (72)؟ لا تقل هذا، إياكم والفرقة والاختلاف (73)!!
ومرةً ثالثةً نراه ينهج نهجاً أشد لا يخلو من القسوة؛ والصراحة الزائدة في التعبير عما يجول في نفسه، إزاء هذا الأمر، واضعاً خصمه أمام الأمر الواقع غير متحرج ولا مداهن كما حدث ذلك بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ـ على ما جاء في شرح النهج ـ.
قال جندب (74) بن عبد الله الأزدي: كنت جالساً بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت، فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول: والله ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت! ـ وكان عبد الرحمن بن عوف جالساً ـ فقال: وما أنت وذاك يا مقداد؟!
قال المقداد: والله إني أحبهم لحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإني لأعجب من قريش وتطاولهم على الناس بفضل رسول الله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله!
قال عبد الرحمن: أما والله، لقد أجهدتُ نفسي لكم.
قال المقداد: أما والله لقد تركت رجلاً من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون؛ أما والله لو أن لي على قريش أعواناً لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد!!
فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك! لا يسمعن هذا الكلام الناس؛ فإني أخاف أن تكون صاحب فتنةٍ وفرقة.
قال المقداد: إن من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنةٍ، ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق، فذلك صاحب الفتنة والفرقة! ـ يعرّض بعبد الرحمن ـ.
قال: فتربّد وجه عبد الرحمن، ثم قال: لو أعلم أنك إياي تعني، لكان لي ولك شأن!
قال المقداد: إياي تهدد، يابن أم عبد الرحمن؟ ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف.
قال جندب: فاتبعته، وقلت له: يا عبد الله، أنا من أعوانك!
فقال: رحمك الله؛ إن هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان ولا الثلاثة! (75)
هذه هي بعض مواقف المقداد، وتلك هي آراؤه!! إنها لا تدع مجالاً للشك في أنه كان أحد المبرزين الذين لم يكونوا شيعة فقط، بل نهضوا بالدعوة إلى التشيع أو بالدعوة لعلي (عليه السلام) ـ ما شئت فعبّر ـ على أوسع نطاق وبأصرح عبارة، ولم تكن مواقفه وآراؤه تلك مرهونةً بعهد معيّن كما ربما يتصور البعض، بل كان هذا رأيه في علي منذ وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يتغير ولم يتبدل قط. فقد ورد في ذلك قول الشيخ المفيد رحمه الله تعالى:
(فاختلفت الأمة في إمامته يوم وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فقالت شيعته وهم: بنو هاشم كافة.. وسلمان وعمار.. والمقداد.. (76)
وفي تاريخ اليعقوبي: في ذكر الذين مالوا مع علي بن أبي طالب، عدّ منهم: (المقداد بن عمرو..) (77) بل كان أحد الذين أطلق عليهم لفظ شيعة في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) كما يقول السجستاني وغيره ولا أرى موجباً للإطالة في هذا الموضوع لأنه أصبح معروفاً لا يخفى على من (كان له قلب)!

 
المقداد على لسان النبي (ص) والأئمة (ع)  


الأحاديث الواردة حول بيان فضل المقداد ـ على لسان الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ جاءت شاملة له ولبعض الصحابة رضي الله عنهم، وشذ أن تجد حديثاً مختصاً بالمقداد وحده، لذلك فإني اقتصر في هذا المورد عن ذكر الفقرات ـ من الحديث ـ التي تخص المقداد.
من ذلك، ما ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سألت رسول الله عن سلمان الفارسي.. إلى أن قال قلت: فما تقول في المقداد؟
قال (صلّى الله عليه وآله): وذاك منا، أبغض الله من أبغضه، وأحب الله من أحبه (78).
وعنه (صلّى الله عليه وآله) أنه قال:
حذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن.. إلى أن قال: والمقداد بن الأسود من المجتهدين.
وعن أنس: أن النبي (صلّى الله عليه وآله) سمع رجلاً يقرأ ويرفع صوته بالقرآن! فقال (صلّى الله عليه وآله): أوّاب (79). وسمع آخر يرفع صوته، فقال: مُرَاءٍ! فنظرنا، فإذا الأول المقداد بن عمرو (80).
وعنه (صلّى الله عليه وآله): الجنة تشتاق إليك يا علي وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد.
وعنه (صلّى الله عليه وآله): أمرني ربي بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان (81).
وقد ورد حول قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أن الإمام الصادق قال: فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر (82) وعد المقداد واحداً منهم.
وجاء في حديث آخر له (عليه السلام):
فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود، لم يزل قائماً قابضاً على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين (عليه السلام)، ينتظر متى يأمره فيمضي (83).

 
وفاته (رضي الله عنه)  


نيف وثلاثون سنة، قضاها أبو معبد فارساً في ميادين الجهاد، ابتداءً بغزوة بدر، وانتهاءً بفتح مصر! وقد كانت هذه السنين هي سني التأسيس، لذلك كانت صعبةً ومرّةً وقاسيةً كابد فيها المسلمون المصاعب والمتاعب، فكان نصيب أبي معبد منها الحظ الأوفر والكأس الأوفى حيث لم تخلو منه ساحة جهاد على ما نعهد، فقد ورد في ذلك أنه (شهد المشاهد كلها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبعده إلى أن أدركته الوفاة..) (84).
وكانت وفاته في سنة 33 للهجرة أو أقل ـ على اختلاف الروايات ـ بعد أن شهد فتح مصر، وقد بلغ من العمر سبعين سنة (85).
فقد كانت له أرض في مكان قريب من المدينة يقال لها الجرف (86) وكان يتعاهدها زراعةً وسقياً يقضي فيها أوقات فراغه ما لم يؤذن بجهاد! وفي ذات يوم تناول جرعةً من زيت (الخروع) فأضرت به، فمات منها (87). فنقل على أعناق الرجال حيث دفن بالبقيع (88) وكان قد أوصى إلى عمار بن ياسر، فصلى عليه ولم يؤذن عثمان به، فلما بلغ عثمان موته، جاء حتى أتى قبره، فقال: رحمك الله، إن كنت وإن كنت يثني عليه خيراً! فقال الزبير بن العوام:
لألفينك بعد الموت تندبني         وفي حياتي ما زودتني زادي (89)
معرضاً بالعداء الذي كان بينه وبين المقداد، فقال عثمان:
يا زبير، تقول هذا؟! أتراني أحب أن يموت مثل هذا من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) وهو عليّ ساخط!! (90)
وكان عمار قد صلى على ابن مسعود من قبل ولم يؤذن به عثمان، فساءه ذلك واشتد غضبه على عمار، وقال: (ويلي على ابن السوداء! أما لقد كنت به عليماً) (91).

__________________________________
1- الطبقات الكبرى، ج3، ص162.
2- راجع الكامل، ج2، ص290.
3- موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
4- الإصابة، ج3، ص454-455.
5- على الأشهر، نسبة إلى بهراء بن عمرو، بطن من قضاعة، كانت منازلهم شمالي بلي) من الينبع إلى عقبة أيله، ثم جاوروا بحر القلزم، واشتروا ما بين بلاد الحبشة وصعيد صر وكثروا هناك، وغلبوا على بلاد النوبة.. وقدم وفد من بهراء على الرسول (صلّى الله ليه وآله) سنة 9هـ. راجع معجم قبائل العرب، ج1، ص110.6- حضرموت: ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاب وبها قبر هود (عليه السلام). قال ابن الكلبي: اسم حضرموت في التوراة، حاضر ميت... وقيل: حضرموت، اسم لعامر بن قحطان، وإنما سمي كذلك لأنه كان إذا حضر حرباً أكثر فيها من القتل، فلقب بذلك.. وقال أبو عبيدة: حضرموت بن قحطان نزل هذا المكان فسمي به. معجم البلدان، ج2، ص270.
7- الإصابة، ج3، ص454-455.
8- نفس المصدر.
9- الأسود بن عبد يغوث الزهري كان من جبابرة قريش، وأحد كبار المستهزئين برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكانوا خمسة، وقد كفى الله نبيّه إياهم، فحين نزلت الآية (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أصيب الأسود هذا بالاستسقاء حتى هلك، أما الأربعة الباقية، فهم الأسود بن المطلب، أصيب بالعمى، والوليد بن المغيرة كان قد جرح بأسفل قدمه جرحاً قديماً فانتقض عليه ومات. والعاص بن وائل، أصيب بشوكة في رجله فقتلته، والحارث بن طلالة امتخض رأسه قيحاً فقتله. راجع السيرة لابن هشام، ج2، ص41.
10- المستدرك، ج3، ص348.
11- نفس المصدر،
12- نفس المصدر، كما يستفاد ذلك من مطاوي الحديث.
13- قالت ابنته كريمة: كان رجلاً طوالاً، آدم (أبيض) أبطن، كثير شعر الرأس يصفّر لحيته وهي حسنة، ليست بالعظيمة ولا بالخفيفة، أعين، مقرون الحاجبين أقنى. المستدرك، ج3، ص348.
14- اليعقوبي، ج1، ص148.
15- الاستيعاب، ج3، ص473.
16- هي سورة التوبة. ولها عشر أسماء، منها سورة البحوث، سميت بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين والبحث عن سرائرهم، ومن أسمائها: الفاضحة... الخ. راجع مجمع البيان، ج5، ص1.
17- معجم رجال الحديث، ج18، ص360 و363.
18- معجم رجال الحديث، ج18، ص360 و363.
19- رجال بحر العلوم، ج3، ص345.
20- الإصابة، ج3، ص454، وكذلك في أسد الغابة، ج3، ص410
21- الكامل، ج2، ص111، وقيل: التحقا بالمسلمين، في شوال حين بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) سريةً بقيادة عبيدة بن الحارث. راجع نور اليقين، ص108.
22- الاستيعاب، (على هامش الإصابة) ج3، ص476.
23- الجهد: الجوع والتعب والمشقة.
24- للرواية تتمة تأتي.
25- وغلت: أي استقرت وتمكنت في بطنه.
26- حافلة: أي أن ضرعها ملآن باللبن.
27- إحدى سوءاتك: أي أنك فعلت سَوءة من الفعلات، فما هي؟
28- أي أن إحداث هذا اللبن في غير وقته وخلاف عادته، رحمة من الله.
29- صحيح مسلم، ج3، ك36، ص1625-1626، ح174.
30- صحيح مسلم، ج1، ك1، ص96، ح155-156-157.
31- المغازي، ص15.
32- المصدر السابق، ص110.
33- سيرة المصطفى، ص339.
34- بركُ الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليالي ممّا يلي البحر، وقيل: بلد باليمن...
35- الكامل، ج2، ص120.
36- الاستيعاب، ج3، ص474.
37- الأثيل: تصغير الأثل، موضع قرب المدينة.
38- شرح النهج، ج14، ص171.
39- يستفاد هذا المعنى من موقف آخر للمقداد، كما تقدم في سرية (نخلة).
40- المصدر السابق.
41- سبحة: أول فرس لأول فارس في الإسلام، (فعن القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود. وعن علي (عليه السلام) ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن عمرو ـ الطبقات الكبرى، ج3، ص162، وكانت في فترة ما من التاريخ حديث المجالس في المدينة وفي مكة وفي جوارهما، وكان المقداد يتفاخر بذكرها وتعداد مآثرها ومن ذلك قوله: (شهدت بدراً على فرسٍ لي يقال لها سبحة) الإصابة، ج3، ص454-455، وكان يقول: (شهدت بدر الموعد على فرسي سبحة اركب ظهرها ذاهباً وراجعاً، فلم يلق كيداً) المغازي، ص387. ويحكى: أن عبدي بن ياسر كان (قد أهدى للنبي فرساً عتيقً يقال له: مراوح وقال: يا رسول الله سابق، ـ أي هذا سابق غيره ـ فأجرى رسول الله الخيل بتبوك، فسبق الفرس، فأخذه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منه، فسأله المقداد بن عمرو الفرس. فقال رسول الله: أين عليها، وقد خلفتها لبعد هذا السفر وشدة الحر عليها، فأردت أن أحمل هذا الفرس المعرق عليها فتأتي بمهر! فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): فذاك إذن. فقبضه المقداد، فخبر منه صدقاً ثم حمله على سبحة، فنتجت له مهراً كان سابقاً، يقال له: الذيّال. سبق في عهد عمر وعثمان، فابتاعه منه عثمان بثلاثين ألفاً. المغازي، ص1033.
42- المغازي، ص102-103.
43- راجع الكامل، ج2، ص152 والطبري
44- البحار، ج20، ص141.
45- الإصابة، ج3، ص454-455.
46- تتمة رواية الإصابة.
47- راجع الوسائل، ج14، ب26، ح1، ص45.
48- مكارم الأخلاق، ص27، قال رسول الله... الخ.
49- شرح نهج البلاغة، ج2، ص24. وورد في سياق ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، ص6، قول أبي بكر في ذلك المحفل: ونحن عشيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
50- أربع على نفسك: توقف واقتصر على حدك. والفتر: ما بين الإبهام والسبّابة، والشبر: ما بين الخنصر والإبهام، والمراد: لا تتجاوز حدّك.
51- الوغد: الضعيف العقل، الأحمق، الدنيء.
52- الخصال، 464.
53- كتاب سليم بن قيس، ص24.
54- شرح النهج، ج9، ص52.
55- قوله (عليه السلام): نركب أعجاز الإبل، كناية عن المعاناة والمشقة، فهو يحتمل أحد تفسيرين، الأول: إن نُمنعه نصبر على المشقة كما يصبر عليها راكب عجز البعير. والثاني: إن نمنعه نتأخر ونتبع غيرنا كما يتأخر راكب البعير عن مردفه.
56- شرح النهج، ج1، ص195.
57- شرح النهج، ج9، ص52.
58- شرح النهج، ج1، ص187-188.
59- حليف مخزوم، ص175.
60- شرح النهج، ج1، ص188.
61- حليف مخزوم، ص175.
62- شرح النهج، ج1، ص188.
63- ثورة الحسين، ص34.
64- شرح النهج، ج1، ص194.
65- كما جاء في صحيح مسلم، ج4، ك53، ح69 عن همام بن الحارث قال: إن رجلاً جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه ـ وكان رجلاً ضخماً ـ فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب.
66- للتفصيل راجع كتاب (أبو ذر الغفاري) ص107-114، وشرح النهج، ج1، ص198 وما بعدها.
67- مروج الذهب، ج2، ص344 وغيره من المصادر.
68- راجع الإمامة والسياسة، ج1، ص35.
69- سفينة البحار، مادة قدد.
70- اليعقوبي، ج2، ص163.
71- اليعقوبي، ج2، ص163.
72- مَهْ: اكفف.
73- شرح النهج، ج9، ص21.
74- جندب بن عبد الله بن الأرقم الأزدي الغامدي.. يقال له جندب الخير. (الإصابة، ص248). وكان جندب بعد لقائه هذا قد ذهب إلى العراق وأقام فيها وكان ينشر فضائل علي (عليه السلام)، يقول (فكنت أذكر فضل علي فلا أعدم رجلاً يقول لي ما أكره، وأحسن ما أسمعه قول من يقول: دع عنك هذا وخذ ما ينفعك؟ فأقول: إن هذا ممّا ينفعني وينفعك؟ فيقوم عني ويدعني الخ... راجع النهج، ج9، ص58.
75- شرح النهج، ج9، ص56 وما بعدها.
76- الإرشاد، ص10.
77- اليعقوبي، ج2، ص 124.
78- معجم رجال الحديث، ج18، ص368.
79- أوّاب: تائب.
80- الاستيعاب، (على الإصابة، ج3، ص475).
81- حديث متواتر. الاستيعاب، ج2، ص59.
82- معجم رجال الحديث. والبحار، ج22، ص322.
83- معجم رجال الحديث. والبحار، ج22، ص322.
84- راجع الإصابة، ج3، ص454، وتهذيب الأسماء، ج2، ص112، والغدير ج9، ص116.
85- نفس المصدر.
86- الجرف: كل ما جرفته السيول من الأرض يقال له جرف.
87- الطبقات الكبرى لابن سعد، ج3، ص163، وقيل: غير ذلك.
88- الإصابة وغيرها.
89- الطبقات، ج3، ص163، واليعقوبي، ج2، ص171.
90- سفينة البحار مادة: قدد.
91- اليعقوبي، ج2، ص171.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

فيديوهات عشوائية
موسسة السبطين(عليهماالسلام) العالمية