• +98 25 3770 33 30
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صور من جرائم العباسيين على العلويين

لقد كان بيت أبي طالب الوحيد من بيوت الهاشميين الذي احتضن محمداً و رسالته و وقف زعيم ذلك البيت أبو طالب في أشد الازمات التي اعترضت مسيرة الدعوة إلى جانب إبن أخيه و هو و أولاده و زوجته يحمونه من عدوان قريش و مخططاتها الهادفة إلى القضاء عليه و على رسالته و أبو طالب يردد و يقول لابن أخيه :
و الله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا و يلتفت إلى ولده جعفر عندما رأى محمداً يصلي و علي عن يمينه و يقول له : صل جناح إبن عمك يا بني و ذلك في الأيام الأولى لبعثته ثم يقول :
و لقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا الى كثير من مواقفه و تضحياته في سبيله التي تؤكد بأنه كان من أصدق المسلمين اسلاما و وفاء لرسالة الإسلام و عملا بكل ما جاء به محمد من عند الله و كانت مصلحة الإسلام تفرض عليه ان لا يتجاهر في بعض الاعمال و الواجبات ، و ما ورد حول اسلامه في مجاميع الحديث السنية كله من صنع الأمويين كما تؤكد ذلك عشرات الشواهد ، و لا ذنب له الا انه والد الامام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) كما ذكرنا ذلك أكثر من مرة .
و لم يحدث التاريخ عن موقف للعباس و لا لغيره من الهاشميين باستثناء الحمزة بن عبد المطلب في مطلع الدعوة يتسم بالحزم و الصلابة في مقابل قريش و تحدياتها لمحمد بن عبد الله ( صلى الله عليه و آله ) و ما انزلته به من الأذى و المطاردة و الاساءة ، و بعد ان استقامت الأمور للرسول الأعظم و انتشرت رسالته و خضعت لها الجزيرة العربية و انطلقت إلى ما ورائها لم يرد لغير عبد الله من العباس الذي لازم أمير المؤمنين و استفاد من علمه و أصبح بما اخذه عنه من أعلام المسلمين الاوائل و أحد المراجع الكبار فيما أشكل عليهم من المسائل ، لم يرد لغيره ذكر من تلك الأسرة يلفت الأنظار إليهم و كانوا يعتزون بقرابتهم لامير المؤمنين و أبنائه كاعتزازهم بالنبي ( صلى الله عليه و آله ) و لكنهم لم يكونوا بنظر الناس شيئاً بالقياس إلى العلويين ، و جاء عن المنصور انه كان إذا ركب محمد بن عبد الله بن الحسن يأخذ بركابه و يسوي له ثيابه على سرج فرسه و يمشي إلى جانبه جلالا و اكبارا له و حينما توالت الإنتفاضات على الأمويين بعد النقمة العارمة عليهم التي خلفتها مجزرة كربلاء و بعد الظلم الفادح الذي لحق بالمسلمين منهم و من ولاتهم في العراق و غيره من المقاطعات انضم العباسيون إلى العلويين بعد أن وجدا ان وقوفهم إلى جانب بني عمومتهم ربما يهيىء لهم الأجواء التي تفيدهم و لو بعد حين ، و اتفقوا على محمد بن عبد الله إبن الحسن المثنى و كان ممن بايعه إبراهيم و السفاح و المنصور الدوانيقي و كان المنصور أشدهم حماسا لبيعته و عقدوا اجتماعا دعوا إليه الامام الصادق ( عليه السَّلام ) لأخذ رأيه في هذه البيعة و لما حضر معهم طلبوا منه ان يبايع لمحمد الذي كان يُعرف يومذاك بذي النفس الزكية فقال لهم الامام ( عليه السَّلام ) : ان هذا الأمر لا يتم الا لهذا و ضرب بيده على كتف السفاح ثم لهذا و أشار إلى المنصور و التفت إلى عبد الله بن الحسن و قال له : ان ولديك إبراهيم و محمد سيقتلهما المنصور .
و جاء في رواية أبي الفرج الاصفهاني انه قال له : و الله ان الأمر ليس اليك و لا لولديك و انما هو لهذا و أشار إلى السفاح ثم لهذا و أشار إلى المنصور ثم لولده من بعده و لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان و يشاوروا النساء .
و مضى الاصفهاني يقول : ان عبد الله بن الحسن مثني قال للإمام : ان الله لم يطلعك على غيبه و لم تقل ذلك الا حسدا لإبنيَّ فرد عليه الإمام بقوله :
لا و الله ما حسدت ابنيك و أن هذا و أشار بيده إلى أبي جعفر المنصور يقتل ابنك على احجار الزيت ثم يقتل أخاه إبراهيم بعده بالطفوف و قوائم فرسه في الماء و قام مغضباً ، فتبعه المنصور و قال له : أتدري ما قلت يا أبا عبد الله ؟ قال : اي و الله و انه لكائن .
و كان المنصور يحث الطالبيين على النهوض بالأمر و يحرض العباسيين و العلويين على التماسك في بيعتهم و هو بذلك يحاول ان يجرهم إلى المعركة ضد الأمويين في الشطر الأخير من خلافتهم التي اوشك على الانهيار و كان هو و أسرته و على رأسهم السفاح و داود بن علي بن عبد الله و صالح بن علي و غيرهم من العباسيين يعملون في الخفاء لصالح العباسيين و يتظاهرون بالعمل لصالح العلويين لعلمهم بأن الناس لا ينقادون الا للعلويين و لا يعملون الا لحسابهم .
و يؤيد ذلك ما روا المؤرخون عن المدائني عن سحيم بن حفص ان نفرا من بني هاشم قد اجتمعوا بالأبواء في ضواحي مكة فيهم ابراهيم الملقب بالإمام بن علي بن عبد الله و السفاح و المنصور و صالح بن علي و عبد الله بن الحسن و أبناء إبراهيم و محمد و أخو عبد الله بن الحسن لأمه محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان ، فقال لهم صالح بن علي : انكم القوم الذين تمتد أعين الناس إليهم و قد جمعكم الله في هذا الموضع فاجتمعوا على بيعة أحدكم و تفرقوا في الآفاق و ادعوا الناس لعل الله ان يفتح عليكم و ينصركم ، ثم وقف المنصور و قال : لأي شيء تخدعون أنفسكم و الله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أميل اعناقا و لا أسرع اجابة منهم إلى هذا الفتى و أشار إلى محمد بن عبد الله بن الحسين ، فبايعه الجميع بما في ذلك السفاح و المنصور ، ثم تفرقوا و لم يجتمعوا إلى أن جاء دور مروان بن محمد آخر حكام الأمويين الملقب بالحمار  و في عهده اجتمعوا فبينما هم يتشاورون اذ جاء رجل إلى إبراهيم بن علي بن عبد الله فشاوره بشيء ثم قام و تبعه العباسيون فسألوا عن ذلك فاذا الرجل قد قال لإبراهيم : قد أخذت لك البيعة بخراسان ، فلما علم بذلك عبد الله بن الحسن احتشم إبراهيم و خافه و توقاه ، و كان الأمويون يعرفون نوايا العباسيين و يراقبون تصرفاتهم أكثر من العلويين في تلك الفترة ، و عندما قيل لمروان بن محمد : ان عبد الله بن الحسن يدعو لولديه محمد و إبراهيم ، قال : لست اخاف أهل هذا البيت لأنه لا حظَّ لهم في الملك انما الحظ لبني عمهم العباسيين  .
و مهما كان الحال فلقد استغل بنو العباس النقمة العامة على الأمويين و معارضة الشيعة لحكمهم و تعلق الناس بالعلويين و العمل لصالحهم فمضوا مع تلك التيارات المعادية لبني أمية ينددون بما ارتكبوه مع العلويين و يتباكون على الحسين و أسرته و يرددون ما جرى عليهم في كربلاء و الشام من يزيد و إبن زياد و أظهروا في خراسان و غيرها من المناطق التي دخلها دعاتهم انهم يعملون بدافع الثأر لابناء فاطمة و اختيار الصالح من ابنائها لقيادة الأمة .
بهذه الأقنعة و الاساليب كان أحفاد العباس بن عبد المطلب يتقنعون و من خلالها كانوا يعملون و يتحركون بعد أن ادركوا ان ليس باستطاعتهم ان يحققوا شيئاً من امانيهم و أحلامهم إلا على حساب العلويين من أبناء فاطمة ، و بالفعل فقد استجابت لهم الجماهير الإسلامية و بخاصة الشيعية منها و قاوموا و انتصروا في معاركهم مع أنصار الأمويين في خراسان التي كانت من أعظم معاقل الأمويين بقيادة نصر بن سيار .
لقد ارتفع شأن العباسيين على حساب العلويين و على اكتاف شيعتهم ثم تنكروا لهم و عاملوهم بكل أنواع العسف و الجور و القتل و التشريد حتى انسوهم جور الأمويين و جرائمهم و أصبحوا يتمنون ايامهم بكل مرارة و ألم أن تعود .
لقد كان أحفاد العباس بن عبد المطلب يتباكون على الحسين و أسرته و يرددون تلك المأساة في مجالسهم و مجتمعاتهم ليخدعوا بذلك شيعة الحسين و أبيه الذين ذاقوا الامريَّين من جور الأمويين ، كما كان يتباكى عليهم الزبيريون حيث وجدوا يومذاك ان لا سبيل إلى استقطاب المسلمين الا بذلك ، فلما أتيح لهم ان يحكموا كانوا أشد على العلويين من يزيد و أبيه .
لقد مرَّت ظروف و أحداث على العلويين بلغت اقصى حدود الشدة و القوة في عهد معاوية و ولده و غيرهما من الأمويين لم يشترك فيها أحد من أبناء العباس و أحفاده إلى جانب أبناء عمومتهم ، ففي معركة الإمام الحسن مع معاوية كان عبيد الله بن العباس الذي ولَّاه الإمام قيادة الجيش في طليعة الخونة الذين انحازوا إلى جانب معاوية لقاء مبلغ من المال كما فعل غيره من قادة العراق ، و لما جاء دور الحسين و أصبح مستهدفا ليزيد بن معاوية و فرضت عليه أحداث يزيد و أبيه من قبله معركة الطف التي ضحى فيها من أجل الإسلام و الإنسان بنفسه و أهله و أطفاله لم يشترك فيها أحد من العباسيين لا من شيوخهم و لا من شبابهم ، و قامت المعركة بسواعد الطالبيين كما لم يشتركوا في معركة زيد بن علي و لا في غيرها من معارك الموالين لأهل البيت مع أعدائهم التي كانت تحركها روح كربلاء و تمدها بالصبر و التضحية إلى ابعد الحدود .
و حينما وجدوا ان مصلحتهم تلتقي مع التباكي على الحسين و العلويين وقفوا إلى جانب العلويين و شيعتهم و تظاهروا بالدعوة إليهم و حينما وصلوا إلى الحكم لم يختلفوا عن الأمويين في شيء لا في الظلم والقسوة و لا في الفسق و الفجور و لا في شيء لا في الظلم والقسوة و لا في الفسق و الفجور و لا في الاستهتار و الزندقة ، و قديما قيل ان الغاية تبرر الواسطة فقطع الرؤوس و هدم الدور على الأحياء و زج البرياء و الصلحاء في السجون كل ذلك سهل و مألوف لدى أصحاب المطامع و الاهواء ما دام يوفر الحكم و التسلط على عباد الله ، لقد ارسل إبراهيم الملقب بالإمام إلى أبي مسلم الخراساني بأن يستعمل السيف و لا يرحم صغيراً أو كبيراً ، و كان فيما كتبه إليه كما جاء في رواية المقريزي من كتاب النزاع و التخاصم : و أن استطعت ان لا تدع في خراسان من يتكلم بالعربية فافعل و أيما غلام بلغ خمسة اشبار تتهمه فاقتله و اقتل جميع من شككت فيه ، كل ذلك لأن من كان في خراسان من العرب كانوا يميلون إلى الأمويين .
لقد اوصى إبراهيم العباسي دعاته في خراسان و نواحيها بقتل جميع من يشكون فيه و يتهمونه بموالاة الأمويين كما اوصى معاوية عماله في جميع المقاطعات الإسلامية بقتل الشيعة و كتب إليهم كتابا جاء فيه : انظروا من تتهموه بموالاة أهل البيت فنكلوا به و اهدموا داره ، ان معاوية الأموي و إبراهيم الهاشمي لم يأمرا بذلك إلا لأن مصلحتهما تقتضي ذلك و حينما تتحكم المصالح بالإنسان لم يعد يرى غيرها و يستحل كل شيء في سبيلها .
لقد حكم الفاطميون و البويهيون و غيرهم ممن كانوا ينتسبون إلى الشيعة و لم يختلفوا عن غيرهم من الحاكمين الا بطلاء خفيف من التشيع و أداء بعض الطقوس الشيعية و كانوا يمارسون كغيرهم جميع أنواع المنكرات و يستحلون كل شيء يتعارض مع مصالحهم ، و نظرا لأن الدين وحده هو الذي يسير الإنسان في الطريق الصحيح و يضع حدا لنزواته و شهواته كانت العصمة أو العدالة في الحاكم من الضرورات التي لا يجوز تجاهلها بحال من الأحوال .
و جاء في المجلد الرابع من إبن الاثير ان السفاح ارسل محمد بن حول واليا على الموصل فامتنع أهلها عن طاعته و سألوا السفاح ان يولي عليهم غيره فأرسل أخاه يحيى في اثني عشر ألف مقاتل فخافه أهل الموصل و التزموا منازلهم فنادى بالأمان ، و لما زال من نفوسهم ما يحاذرونه منه فتك بهم و قتلهم قتلا ذريعاً و اسرف في القتل حتى غاصت الأرجل في الدماء ، فلما كان الليل سمع صراخ النساء و الأطفال فأمر جلاديه بقتل النساء و الأطفال و ما بقي من الشيوخ و إستمرَّ القتل و التنكيل بالإبرياء و النساء و الأطفال ثلاثة أيام .
لقد بقي عبد الله الملقب بالسفاح اربع سنين في الحكم قضاها في تتبع فلول الأمويين و ما يشك في ولائه للبيت العباسي كأبي سلمة الخلال و أصحابه الذين كانوا يحاربون معه من الشيعة إلى جانب أبي مسلم الخراساني لصالح البيت العلوي و اشتهر بهذا اللقب لكثرة من قتله من الأمويين و غيرهم ، و لم يكن الحجاج بن يوسف مولعا بالقتل و التشفي من أخصامه أكثر من السفاح ، بل يمكن القول بأنه لم يصل إلى مستوى الخليفة الهاشمي من هذه الناحية فلقد نص المؤرخون انه استدرج من الأمويين ثمانين رجلا و أعطاهم الأمان و أمرهم بأن يحضروا لاخذ جوائزهم و عطائهم و يتناولوا معه الطعام ، فلما حضروا أمر بقتلهم ثم بسط عليهم فراشا و وضع الطعام عليه و جلس هو و أصحابه يأكلون فوقهم و هم يضطربون و يستغيثون إلى أن نزفت دماؤهم و ماتوا عن آخرهم و لما فرغ من تناول الطعام قال : ما اكلت اكلة قط أهنأ و لا اطيب من هذه الاكلة .
و مهما بالغ الأمويون في الجرائم و أسرفوا في قتل الإبرياء و الصلحاء كما هو واقعهم فالإسلام لا يقر الاقتصاص منهم بهذا النحو و لو انتهى الحكم بعد الأمويين إلى العلويين لم يبلغ بهم التشفي إلى هذه الحدود و لا أعتقد انهم كانوا يقتلون بريئاً بمجرم و لا ينسون كلمة جدهم أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) الذي عفا من عمرو بن العاص في صفين و عن مروان بن الحكم في البصرة و هما رأس الفتن يومذاك و سقى معاوية و جنده الماء بعد أن منعه معاوية عن أهل العراق و كادوا يموتون عطشا لا ينسون كلمته التي كان يرددها : إذا قدرت على خصمك فاجعل العفو شكرا على المقدرة و الذي كان يقول : إذا ظفرت بخصمك فليكن العفو احلى الظفرين ، و كانوا يسيرون على خطاه إذا كانوا من المعصومين حقا ، و إذا لم يكونوا منهم فلا أعتقد بأنهم سيسرفون في اراقة الدماء اسراف غيره .
و جاء في تاريخ إبن الاثير ان داود بن علي بن عبد الله لما اراد ان يقتل من كان في المدينة و مكة من الأمويين و أنصارهم جاءه عبد الله بن الحسن المثني بن الحسن السبط ( عليه السَّلام ) و قال له : يا بن العم إذا قتلت هؤلاء فيمن تباهي بالملك ؟ أما يكفيك ان يروك غاديا رائحا فيذلهم و يسوءهم فلم يقبل منه و قتلهم عن آخرهم .
لقد كانت السنوات الأربع التي حكم فيها السفاح مرحلة انتقالية بين عهدين عهد مضى و عهد أطل على العالم الإسلامي استقبله المسلمون بشوق و لهفة و بخاصة الشيعة الذي قام على أكتافهم و بني بسواعدهم راجين ان يحقق لهم عدالة الإسلام و رحمته و سماحته و لكن آمالهم قد تبددت و ظنونهم قد خابت فما ان استتبت لهم الأمور و قضوا على أخصامهم الاساسيين حتى عادوا إلى سيرتهم و سياستهم و لكن بشكل اسوأ و أفظع مما كانوا عليه .
صحيح لم يتعرض السفاح في عهده لأحد من العلويين و شيعتهم و لكن ذلك لم يكن منه شرفا و وفاءً لمن مهدوا له الأمور و أجلسوه على كرسي الحكم بل لأنه كان يتتبع فلول الأمويين و يطاردهم من مكان إلى مكان و خلال تلك المدة بالإضافة إلى الشطر الأخير من عهد الأمويين حيث كانت الدولة في طريقها إلى الانهيار وجد الإمامان الباقر و الصادق ( عليهما السَّلام ) فرصة مؤاتية لبث علوم أهل البيت و نشرها بين الناس و للوقوف في وجه تلك التيارات الغريبة التي غزت الفكر الإسلامي و مهد لها الحاكمون لإلهاء المسلمين بتلك الصراعات العقائدية عن واقعهم المرير .
لقد وقف الأئمة من أهل البيت في وجه تلك التيارات الغريبة التي غزت القلوب و الافكار بحزم و صلابة و تركوا للعالم صورا عن العقيدة الإسلامية خالية من كل ما كان يخططه لها الحاقدون من زيف و تحريف . بعد الرقابة الشديدة و التهديد بالقتل لمن كان يروي حديثا عن علي و بنيه أو ينسب لهم فضلا أو أثراً كريما ، و كان يروي حديثا عن علي و بنيه أو ينسب لهم فضلا أو أثراً كريما ، و كان علماء التابعين إذا رادوا ان يحدثوا عن علي يتحاشون التصريح باسمه فيقولون روي عن أبي زينب و جاء عن أبي حنيفة انه كان يقول : لقد كانت العلامة بيننا و بين المشايخ اذا اردنا ان ننقل عن علي ( عليه السَّلام ) ان نقول قال الشيخ حتى لا نتعرض للأذى و المطاردة و كان من آثار تلك الفترة الانتقالية التي امتدت من أواخر العهد الأموي إلى السنين الأولى من عهد المنصور شيوع الحديث و الآثار العلمية التي اغنت المكتبة العربية في مختلف العلوم و بخاصة ما كان منها في التشريع و الفلسفة و الأخلاق و التفسير و غير ذلك من أنواع المعرفة ، و قد انتشر التشيع في تلك الفترة و أحس الناس بالإنفراج و راحوا يتحدثون عن العلويين و آثارهم في كل بلد و مكان فدبَّ الخوف في نفس المنصور و أسرته فأخذوا يقربون فقهاء المذاهب و يعملون على انتشار آثارهم و اعتنقوا هم مذاهبهم للحد من انتشار التشيع و مذهب أهل البيت و اشتدت الحملات المسعورة على العلويين و بدأت الفجوة تتسع بين البيتين حتى بلغت اقصى حدودها .
قال المسعودي في مروجه و المقريزي في كتابه النزاع و التخاصم : ان المنصور جمع أبناء الحسن و أمر بجعل القيود و السلاسل في أرجلهم و أعناقهم و حملهم في محامل مكشوفة للناس و بغير وطاء كما فعل يزيد بن معاوية بأسرى كربلاء و أودعهم مكانا تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار و لا اوقات الصلاة و عزَّ عليهم ان تفوتهم الصلاة حتى و هم في أشد الأحوال ضيقاً و حرجا فجزأوا القرآن خمسة أجزاء و كانوا يصلون عند فراغ كل واحد من حزبه ، و يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم فاشتدت عليهم الروائح الكريهة و تورمت أجسامهم و ماتوا من الجوع و العطش و المرض .
و جاء في المجلد الرابع من إبن الاثير ص 375 ان المنصور دعا محمد إبن عبد الله بن عثمان و كان شقيقا لعبدالله بن الحسن من امه فأمر بشق ثيابه حتى بانت عورته و ضربه مائة و خمسين سوطا فأصاب سوط منها وجهه فقال للجلاد : و يحك اكفف عن وجهي ، فسمعه المنصور فقال للجلاد : الرأس الرأس ، فضربه على رأسه ثلاثين سوطا فأصابت سياطه إحدى عينيه فسالت على وجهه . و مضى إبن الاثير يقول : و أحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن و كان يعرف بالدبياج لجمال صورته فقال له : انه الديباج الأصغر لأقتلنك قتلة لم اقتلها أحداً ، ثم أمر به فبني عليه أسطوانة و هو حي فمات منها .
و مع كثرة الجرائم التي إرتكبها الأمويون مع العلويين و شيعتهم فلم يحدث التاريخ عن أحد منهم انه كان يعذب و يقتل بهذا النحو و نظراً لأنهم كانوا يتفنون في جرائمهم بشكل لم يسبقهم إليه أحد ، قال بعض الشعراء : و الله ما فعلت أمية فيهم معشار ما فعلت بنو العباس .
وطلب الدوانيقي القاسم بن إبراهيم طباطبا ففر منه إلى بلاد السند ، فأرسل في طلبه و هو يفر من بلد إلى بلد على قدميه حافيا و الدم يسيل منهما فقال :
عسى جابر العظم الكسير بلطفه * سيرتاح للعظم الكسير فيجبر
عسى الله لا تيأس من الله أنه * ييسر منه ما يعز و يعسر
و قد ذكرنا سابقا بعض جرائمه خلال حديثنا عن زيارة الشيعة لقبر الحسين و قبور الأئمة و الأولياء ، و كان هو يتباهى بجرائمه و يقول : لقد قتلت من ذرية فاطمة الفا أو يزيدون هذا بالإضافة إلى عشرات الالوف الذين أبادهم و شردهم في الآفاق ، و كان يتفنن في أساليب القتل و التعذيب بنحو لم يعرف عمن سبقه من الحاكمين كما تتفنن الدول الكبرى في عصنا الحالي باختراع وسائل الخراب و الدمار و التسلط على عباد الله و الشعوب الضعيفة وكما تتفنن دول البترول بوسائل اللهو و الطرب و الفساد و معاشرة الشقراوات اللواتي يتهافتن عليهم من كل انحاء اوربا ، و كان المنصور مع تلك الجرائم بقرابته القريبة من رسول
المحبة و العفو و الرحمة كما تتباهى دول البترول بعروبتها و اسلامها و تستعمل جميع امكانياتها لمساعدة حكم العراق في حربهم لمن يسمونهم بالمجوس في حين ان إسرائيل جاثمة على رؤوسهم و قلوبهم تعلن عن أطماعها في بلادهم و خيراتها .
و بعد ان استعرض المقريزي جرائم المنصور و ما ارتكبه مع العلويين و غيرهم قال : و أين قال الجور و القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من رحمة النبوة ، و تالله ما هذا من الدين في شيء بل هو من باب قول الله سبحانه فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فاصمهم و أعمى أبصارهم .
هذا كله بالإضافة إلى ما كان يصنعه المنصور مع الإمام الصادق من التهديد و الوعيد بين الحين و الآخر و لكن الله سبحانه أنجاه من شره و من وعيده و تهديده و هلك المنصور و ذهب في متاهات افناء مع الجبابرة و الطغاة و بقي جعفر الصادق مع الخالدين من ذوي الرسلات إلى قيام يوم الدين .
و كان المنصور مع كل ذلك يقرب إليه العلماء و الوعاظ ليستر بذلك جرائمه ، و جاء في المجلد الأول من عقد الفريد ان المنصور كان يجلس و إلى جانبه أحد الوعاظ فتأتيه الجلاوزة و في أيديهم السيوف يضربون بها الأعناق فإذا وصلت الدماء إلى ثيابه يقول للواعظ عظني فإذا ذكره الواعظ بالله اطرق برأسه كالمنكر ، ثم يعود الجلاد لضرب الأعناق فإذا اصابت الدماء ثياب المنصور ثانية يقول للواعظ عظني .
ان المنصور و غيره من الحاكمين حينما يقرِّبون رجل الدين و الوعاظ انما يفعلون ذلك لإلهاء الناس عن جورهم و ظلمهم و استخفافهم بأوامر الله و نواهيه و حقوق عباده ، لقد كان المنصور يقول : القينا الحَبَّ إلى العلماء فالتقطوه الا ما كان من سفيان الثوري فانه أعيانا فرارا و كلمة " القينا الحَب " تكاد تكون صريحة في انه كان باتصاله بهم كالصياد الذي يلقي الحَب للطيور لتقع في شباكه .
لقد هلك المنصور مع الهالكين و لم يترك أحداً ممن بقي حيا من العلويين الا و هو خائف مشرد من جور ظلمه و ترك غرفة من غرف قصره مملوءة ممن رؤوس العلويين لولده المهدي ليسير من بعده على خطاه مع العلويين ، و بالفعل لقد مارس المهدي سياسة أبيه فيمن استطاع ان يقبض عليه ممن بقي مع الأحياء منهم و كانوا قد تفرقوا في البلدان خائفين متسترين و ظفر بعلي بن العباس بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ( عليه السَّلام ) فأخذه و وضعه في سجنه و أخيراً دس إليه السم فتفسخ لحمه و تفشت اعظاؤه و اشتد طلبه لعيسى بن زيد بن علي بن الحسين ( عليه السَّلام ) و كان كما يصفه المؤرخون من افضل الطالبيين دينا و علما و ورعا و زهدا و أشدهم بصيرة في أمره و مذهبه على حد تعبير الاصفهاني في مقاتله ففر من طريقه إلى الكوفة و اختبأ في بعض دور الشيعة و اتفق مع صاحب جمل لينقل عليه الماء لقاء أجر زهيد يسد فيه رمقه و تزوج من إمرأة فقيرة لا تعرف عن اصله و نسبه شيئا و أولدها بنتا بلغت سن الزواج و ماتت و هي لا تعرف عن أبيها شيئا ، و ظلَّ عيسى في الكوفة بزي الأعراب متنكراً يكتم نسبه عن جميع الناس و كان إذا لم يجد عملا يعتاش منه يلتقط ما يرمي به الناس من الخبز و قشور الفواكه و الخضار ليتقوت به هو و عائلته .
لقد عاش عيسى بن زيد ما بقي من حياته مشرداً ينفر من الناس كما ينفر من الوحوش الضواري و لم يعلم أحد من العلويين بمكانه سوى أخيه الحسين بن زيد و دلَّ عليه ولده يحيى فذهب إلى الكوفة متخفيا يفتش عنه حتى انتهى إليه و اجتمع به لفترة قصيرة كانت آخر عهده به .
لقد عاش إبن رسول الله و إبن عم الخليفة مشردا متنكرا ينفر من الانس كما ينفر من الوحوش الضواري لا لشيء الا لأنه كان عالما عاملا بما أمر الله و يطالب بالحق و العدل ، و عاش المخنثون و العاهرات و أهل الفسق و الفجور في دعة و أمان يوفر لهم الخليفة و أعوانه جميع الملذات و يغدق عليهم الأموال بلا حساب ، و مضى المهدي العباسي و هو يتتبع فلول العلويين ليتشفى بقتلهم و التنكيل بهم و ترك الحكم لولده موسى الملقب بالهادي و كان كما يصفه المؤرخون قاسي القلب شرس الاخلاق يتلذذ بالتنكيل بأبناء عمومته العلويين و غيرهم من الصلحاء و الأبرياء ، و في عهده كان على المدينة رجل من ولد عمر بن الخطاب يتحامل على الطالبيين و يسومهم صنوف الألوان من العذاب و يفرض عليهم الاقامة الجبرية في المدينة على ان يثبتوا وجودهم لدى السلطة الحاكمة بين الحين و الآخر و يلصق بهم التهم المشينة كالخمر و الفجور و نحو ذلك ليبرر اساءته إليهم ، و في عهده كانت معركة فخ التي قتل فيها أكثر من مائة و خمسين علويا قيادة الحسين بن علي بن الحسن كما اشرنا إلى ذلك في الفصول السابقة ، و الحسين قائد المعركة في فخ امه زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن إبن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، و قد قتل المنصور أباها و إخوتها و عمومتها و زوجها علي بن الحسن و قتل حفيد المنصور ابنها الحسين و كانت تلبس المسوح على جسدها لا تلبس بينها و بينه شيئاً حتى لحقت بالله باكية نادبة .
و ما اشبهها بالعقيلة الكبرى زينب إبنة علي ( عليه السَّلام ) فلقد اشترك معاوية في قتل أبيها و قتل أخاها الحسن بالسم و قتل ولده يزيد بن ميسون أخاها الحسين و ولداها عونا و محمدا و أخيها العباس و خمسة عشر شابا من أولاد إخوتها وبني عمومتها و ظلت تندبهم حتى ماتت كمدا و حزنا ، و قد لاقت تلك ما لا قته من أعداء رسالة جدها الأمويين و هذه لاقت ما لاقته من أبناء عمومتها الذين قامت دولتهم على حساب العلويين و رحم الله القائل :
فانظر إلى حظ هذا الإسم كيف لقي * من الأواخر ما لاقى من الأول و هلك موسى الهادي بعد مضي خمسة عشر شهراً من حكمه ليترك الحكم لاخيه هارون الرشيد الذي مثل أدوار جده المنصور مع العلويين و شيعتهم و أدوار الأمويين في الفسق و الفجور و الملاهي و نثر الملايين من الدنانير تحت أقدام الراقصات و المغنيات العاهرات ، و مع انه كان من اسوأ حكام تلك الأسرة الظالمة فقد شاع عنه انه كان من أعظم ملوك العالم شأنا و أسماهم مكانة ، و تحدث المؤرخون و الناس عن شهرته و أدواره في تشجيع العلوم و الآداب و ادارة شؤون الملك و بناء المساجد و القناطر و المستشفيات و ما إلى ذلك من المشاريع العمرانية و الاقتصادية التي تشبه الاساطير ، و ألبسته تلك الاساطير ثوبا فضفاضا من العظمة و الجلالة تركته في الأذهان من اعاظم ملوك العالم و أقواهم ، في حين انه كان كغيره من السلاطين منصرفا إلى الملذات و الشهوات و الجواري و التنكيل بالعلويين و كل من ينكر عليه جوراً و ظلما و فسادا في الأرض ، و في الوقت ذاته كان محظوظا و موفقاً بتلك الأسرة الكريمة البرامكة التي كانت تدير شؤون الدولة و تعمل ليل نهار لبنائها و ادارة شؤون البلاد ، و كانت مقدرة تلك الأسرة و نزاهتها و نزعة التشيع التي ظهرت عليها هي السبب لا نزال تلك النكبة بها و استئصالها و لا صحة لما يرويه المؤرخون عن قصة أخته العباسة و زواجها المشروط من جعفر البرمكي و حملها منه الذي اغضب الرشيد بل هو من الاساطير المفتعلة لتغطية تلك الجريمة و تبرير ما أنزله فيهم من الظلم و التنكيل ، و لعل نزعة التشيع التي ظهرت في بعض تصرفاتهم و مواقفهم من بعض العلويين كان لها الدور الأكبر في القضاء عليهم و استئصالهم .
و مهما كان الحال فلقد جاء في ثمرات الاوراق و الاغاني ان الرشيد كان منصرفا إلى الملذات و الشهوات و انه أول خليفة لعب بالصولجان و الشطرنج و النرد و كان من ذلك مصمما على القضاء على العلويين و استئصالهم على حد تعبير المؤلف .


أضف تعليق

كود امني
تحديث

مؤسسة السبطين عليهما السلام

loading...
أخبار المؤسسة
إصدارات
حول المؤسسة

telegram ersali arinsta ar

١ ربيع الاول

(١) هجرة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله إلى يثرب (المدينة المنورة) (٢) ليلة المبيت (٣) وفاة زوجة النبي...

المزید...

٣ ربيع الاول

احراق الكعبة

المزید...

٤ ربيع الاول

خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الغار

المزید...

٥ ربيع الاول

(١) الهجوم على دار الزهراء سلام الله عليها (٢) وفاة السيدة سكينة ...

المزید...

٨ ربيع الاول

استشهاد الامام الحسن العسكري عليه السلام

المزید...

٩ ربيع الاول

(١) مقتل الخليفة الثاني (٢) قتل عمر بن سعد (٣) تسلّم الامام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف مهامّ الامامة...

المزید...

١٠ ربيع الاول

١) زواج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) من خديجة الكبرى(عليها السلام). ٢) وفاة عبدالمطّلب جدّ الرسول الأعظم ...

المزید...

١٢ ربيع الأوّل

١) وفاة المعتصم العباسي. ٢) وفاة أحمد بن حنبل.

المزید...

١٣ ربيع الأوّل

تأسست الدولة العباسية على يد أبوالعبّاس السفّاح

المزید...

١٤ ربيع الأوّل

١) موت يزيد بن معاوية. ٢) موت الخليفة العباسي موسى الهادي.

المزید...

١٥ ربيع الأوّل

بناء مسجد « قبا »

المزید...

١٦ ربيع الأوّل

وصول الأسرى إلى الشام

المزید...

١٧ ربيع الأوّل

١) ولادة النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله). ٢) ولادة الإمام جعفر الصادق(عليه السلام). ...

المزید...

١٨ ربيع الاول

بناء مسجد المدينة

المزید...

٢٥ ربيع الأوّل

٢٥ ربيع الأوّل غزوة دومة الجندل

المزید...

٢٦ ربيع الاول

صلح الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام مع معاوية

المزید...
0123456789101112131415
سيرة العلماء
تطبيق اندرويد لكتاب العروة الوثقی والتعليقات عليها
مكتبة أنيس
ثبّت سؤالك هنا
العروة الوثقى
Sibtayn International Foundation
Tel: +98 25 37703330 Fax: +98 25 37706238 Email : sibtayn[at]sibtayn.com
© 2026 Sibtayn International Foundation. All Rights Reserved.

Hi! Click one of our representatives below to chat on WhatsApp or send us email to sibtayn@sibtayn.com

الإتصال بنا
Close and go back to page