معبــود الوهابييـن(1)
قال ابن باز في فتاويه : 4/131 : ( التأويل في الصفات منكر ولا يجوز ، بل يجب إقرار الصفات كما جاءت على ظاهرها اللائق بالله جل وعلا ، بغير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ، وعلى هذا سار أهل العلم من أصحاب النبي (ص) ومن بعدهم أئمة المسلمين كالأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق ) . انتهى .
وليت الشيخ ابن باز سمى لنا واحداً من الصحابة أجرى الصفات على ظاهرها الحسي ، وليته ذكر نصاً عن واحد من التابعين أو تابعي التابعين الذين سماهم ، فقد تتبعنا أقوالهم في الصفات وذكرنا عدداً منها في فصل تجسيم الذهبي ، ولم نجد فيها مسألة الحمل على الظاهر الحسي !
وسوف تعرف إن شاء الله تعالى عدم صحة تسترهم بالإمام مالك في الحمل على الظاهر ، وعدم صحة ما نسبوه إليه ، فلم يبق عندهم إلا قدماء المجسمة مثل كعب الأحبار ووهب ومقاتل ومن قلدهم !
وقد حشر أحد المسلمين مرجعهم في الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني عندما وجه إليه السؤال التالي الذي ورد في فتاوي الألباني ص 509 :
( سؤال : هل العقيدة التي يحملها السلفيون هي عقيدة الصحابة ؟ وإن هناك من الناس من يزعم إن كانت عقيدة الصحابة فأتونا ولو بصحابي واحد يقول في الصفات نؤمن بالمعنى ونفوض الكيف .
جواب : هل هناك صحابي تأول تأويل الخلف ، نريد مثالاً أو مثالين ؟ !
وقال البغوي في تفسير قوله : ثم استوى على العرش ، قال الكلبي ومقاتل : استقر ، وقال أبو عبيدة صعد ، وأولت المعتزلة الإستواء بالإستيلاء ، وأما أهل السنة فيقولون : الإستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله . وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله : الرحمن على العرش استوى ، كيف استوى ؟ فأطرق مالك رأسه ملياً وعلاه الرحضاء ثم قال : الإستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالاًّ، ثم أمر به فأخرج ) . انتهى .
فانظر إلى جواب هذا العالم الوهابي لهذا السائل العادي ، فهو يناقش سائله بأنك إن قلت لا يوجد صحابي حمل الصفات على الظاهر الحسي كالوهابيين، فإنه لا يوجد صحابي وافق مذهب المتأولين !
وللسائل أن يجيبه : ما دام الصحابة لم يوافقوا الوهابيين ولا المتأولين ، فالصحيح إذن هو مذهب التفويض ؟ !
ثم كيف ينكر الألباني تأويل الصحابة كعائشة وابن عباس وابن مسعود ، فضلاً عن أهل البيت^ ، وتأويل التابعين الذي ذكرنا منه نماذج في المذهب الأول ، ومنه تأويل أبي سعيد لنزول الله تعالى بنزول رحمته كما تقدم ، وتأويل مالك لذلك بنزول أمره ، كما سيأتي .
وأخيراً ، لم يجد الألباني مؤيدا لمذهبه الوهابي إلا مقاتلاً الفارسي المجوسي تلميذ اليهود المجسمين ، وابن الكلبي المشهود عليه من الجميع بعدم الوثاقة ! فانظر إلى بؤس هذا المذهب الذي يدعي أنه وارث السلفية وحامل رايتها والضارب وجوه المسلمين بسيفها ، كيف فتش مرجعه في الحديث وبحث في المصادر وطرق أبواب السلف من الصحابة والتابعين ، فلم يجد أحداً منهم يؤيد رأيه إلا أمثال هذه النظائر . . مقاتل وابن الكلبي ، هذان كل السلف !!
وقال الألباني في فتاويه ص 516 :
( سؤال : هل أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات ؟
جواب : قال ابن حجر العسقلاني وهو أشعري : إن عقيدة السلف فهم الآيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشويش ، إذا آمنا برب موجود لكن لا نعرف له صفة من الصفات . . . وحينئذ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض ) . انتهى .
ويلاحظ أن سؤال السائل عن تفويض السلف ، وينبغي أن يكون الجواب بذكر رأي أحد من السلف يفسر الصفات بالظاهر ولا يفوضها ، ولو كان شخصاً واحداً ، ولكن الألباني لم يأت له بمثال من السلف ، لأنه لا يوجد كما رأيت في نصوصهم !
وجاء بدل ذلك بشهادة ادعاها لأحد علماء خلف . . الخلف ، لأن ابن حجر متوفى سنة ( 582 ) يعني في أواخر القرن السادس !
ثم من حقنا أن نطالب الألباني بنص شهادة ابن حجر ومصدرها ! فقد ذكرها بلا مصدر وخلطها بكلامه ! وسيأتي رأي ابن حجر المخالف لماذكره عنه الألباني وسترى حملته الشديدة على أجداد الألباني من الحنابلة المجسمين .
هذا عن أكبر عالمين عند الوهابيين في عصرنا ، وسنذكر المزيد من نصوصهم عن مذهبهم في التجسيم .
أما إمام الوهابيين فلم أطلع له على بحث معمق في التوحيد أو الصفات ، وكتابه ( التوحيد ) يبدو أنه ألفه على عجل ، حيث سرد فيه أحاديث في موضوعات متعددة تتعلق بموضوعات متنوعة من التوحيد ، ووضع بعد كل حديث أو أكثر فهرساً مختصراً لما استفاده من أفكار ، وسمى ذلك ( مسائل ) ولم أجد فيه حول الصفات إلا موردين فقط ولكنهما كافيان لإثبات أن معبوده مادي أعاذنا الله !
المورد الأول في ص 130 ، ونذكر نصه كاملاً لإختصاره ، قال :
( باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات وقول الله تعالى : وهم يكفرون بالرحمن . . الآية ، قال البخاري في صحيحة علي : حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض حين سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك فقال : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه ) . انتهى .
ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم ( وهم يكفرون بالرحمن ) . فيه مسائل :
الأولى : عدم الإيمان بجحد شئ من الأسماء والصفات .
الثانية : تفسير آية الرعد .
الثالثة : ترك التحديث بما لا يفهم السامع .
الرابعة : ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة : كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك وأنه أهلكه ) . انتهى كلام إمام الوهابيين .
ويبدو بالنظرة الأولى أن استشهاده بحديث علي × وحديث ابن عباس كان أمراً عادياً ، ولكن المطلع على عقائد المجسمين واستدلالهم يطمئن بأنه يقصد التجسيم المحض الوارد في خبر أم الطفيل ، الذي حكم بكذبه عدد من علماء الجرح والتعديل من إخواننا السنة ، وبعضهم صححه فتأوله أو فوضه ، ولكن المجسمة صححوه واعتبروه من العلم الذي يكتم عن العامة ، ويبقى محصوراً بين خاصة الخاصة ! !
قال الذهبي في سيره :10/602 : ( فأما خبر أم الطفيل ، فرواه محمد بن إسماعيل الترمذي وغيره : حدثنا نعيم ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر ، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في صورة كذا ، فهذا خبر منكر جداً ، أحسن النسائي حيث يقول : ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله ! وهذا لم ينفرد به نعيم ، فقد رواه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، وأحمد بن عيسى التستري ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، عن ابن وهب قال أبو زرعة النصري : رجاله معروفون .
قلت : بلا ريب قد حدث به ابن وهب وشيخه وابن أبي هلال ، وهم معروفون عدول، فأما مروان ، وما أدراك ما مروان ؟ فهو حفيد أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، وشيخه هو عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم الأنصاري ، ولئن جوزنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أدرى بما قال ، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذكره صلى الله عليه وسلم ، ولا نحن نحسن أن نعبره ، فأما أن نحمله على ظاهره الحسي فمعاذ الله أن نعتقد الخوض في ذلك بحيث أن بعض الفضلاء قال : تصحف الحديث ، وإنما هو : رأي رئية بياء مشددة ، وقد قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون . وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثاً كثيراً مما لا يحتاجه المسلم في دينه ، وكان يقول : لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم ، وليس هذا من باب كتمان العلم في شئ ، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه ، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره ، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء ). انتهى.
وما قاله الذهبي هو الذي يقصده إمام الوهابيين ، فقد عقد الباب تحت عنوان ( باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات ) ليقول إن الإيمان بكل صفات الله تعالى واجب وإنكار شئ منها كفر ، وبما أن عدداً من صفات الله تعالى على مذهبه يلزم منها التجسيم ، لذا تحدث عن وجوب كتمان ذلك إلا عن أهله ، واستشهد بروايتين عن علي × وابن عباس تجوزان كتمان هذا العلم ! !
وهو أيضاً نفس ما قاله الذهبي عن ( العلم المباح ) أي المحظور ، من تسمية الشئ بضده، ثم أفتى الذهبي بوجوب حصره بأهله وهم خواص العلماء بزعمه فقال ( والعلم المباح لايجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء ) !
وذلك شبيهاً بالعلم الذي يحصره اليهود والنصارى برؤساء الإكليروس أي كبار الكرادلة والحاخامات ! !
والنتيجة التي يهدفون إليها من توظيف هذه الأحاديث أن النبي ’ وعلياًّ × ، وابن عباس ، وأبا هريرة ، كلهم مجسمون كالوهابيين وأنهم كانوا يكتمون صفات الله تعالى ويأمرون بكتمانها ! !
ومن الواضح لمن له إطلاع على الحديث والتاريخ أن الأحاديث الثلاثة التي استشهد بها إمام الوهابيين والذهبي لا يصلح شئ منها شاهداً .
أما حديث أبي هريرة فقال عنه الناشر في هامش سير أعلام النبلاء في نفس الموضع : ( أخرجه البخاري 1/191 – 192 ( وفي طبعتنا : 1/8 ) في العلم : ( باب حفظ العلم ، من طريق إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أخي ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم . قال الحافظ : وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم ، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ، ولا يصرح به خوفاً على نفسه منهم ، كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان ، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية ، لأنها كانت سنة ستين للهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ) . انتهى.










